المقالات
23 ديسمبر 2020
غلطة العمر
كل إنسان معرض للخطأ, وقد يخطئ. وجلَّ من لا يخطئ ولكن غلطة معينة قد يرتكبها شخص, وتظل محفورة في ذهنه, لا ينساها, وقد لا ينساها له الآخرون... هي غلطة لا علاج لها, وتستمر نتائجها إلى مدى طويل. إنها غلطة العمر خيانة يهوذا مثلًا: لا شك أن ذلك الشخص كانت له أخطاء كثيرة في حياته. ولكن خيانته كانت هي الحدث الأكبر في كل حياته. ولم ينسَ له التاريخ تلك الخيانة, بل صارت مثلًا يُضرب, وقد هلك بسببها... كانت هي غلطة العمر بالنسبة إليه...
مثل آخر: فتاة لها العديد من الأخطاء ومن العلاقات. ولكنها في إحدى المرات استسلمت للشهوة, وفقدت بكوريتها وحملت سفاحًا, سواء احتفظت بالجنين أو أجهضته... تظل هذه الغلطة تلاحقها طول حياتها, لا تنمحي من ذاكرتها مهما حاولت أن تخفى معالم الخطأ بطرق ملتوية. وإذا عُرفت عنها سقطتها, لا تغفرها لها أسرتها, ولا يغفرها لها المجتمع. إنها غلطة العمر.
أو تلميذ في الجامعة, غش في الامتحان النهائي, وضُبط وتم فصله عامًا. وتخرّج أخيرًا. ولكن واقعة فصله بسبب الغش, تظل تلاحقه وتطارده في مستقبل حياته, وتصبح سبّة في تاريخه يتذكرونها له في كل وظيفة يتولاها ويعايرونه بها إن حدث منه خطأ آخر.. لقد كانت غلطة العمر.
رئيس دولة كبيرة هو كلنتون Bill Clinton. كانت له مواهبه, ونجح في الانتخابات, وصار رئيسًا لأمريكا. وكان له محبون ومعجبون كثيرون به, وبدأ بنجاح في سياسته. ثم وقع في خطيئة مع مونيكا, وأمكن التشهير به, وأنكر واعتبرت المحكمة إنكاره كذبًا على القضاء. وانتهى الأمر بأن ترك رئاسة أمريكا, ولكن السمعة الرديئة لم تتركه, بل مُنع من ممارسة المحاماة. وكانت خطيئته مع مونيكا وإنكاره لذلك, هي غلطة العمر. وصارت درسًا للأجيال...
مثل آخر في عالم الرياضة, هو مارادونا Diego Armando Maradona لاعب الكرة الشهيرة الذي كاد أن يصبح أسطورة في تاريخ كرة القدم بسبب فنه وتوالى انتصاراته... وقع في غلطة واحدة وهى أنه صار يتعاطى منشطات ثم مخدرات... وكانت النتيجة أنه أوقف مسيرة تاريخه, وفقد بطولته على الرغم من ملايين المعجبين به... وكانت غلطة العمر.أو شاب في منتهى القوة, وفي قمة نجاحه وتفوقه في كل مجال يعمل فيه, حتى صار موضع إعجاب كثيرين وكثيرات... حدث في مرة أنه سقط مع إحدى المعجبات في خطية جنسية. ولم يكن يدرى أنها مصابة بالإيدز, وانتقل المرض منها إليه. وأخذت صحته تتدهور ولم ينفع معه علاج. وفقد شبابه وقوته وعمله ومستقبله, بسبب هذه الغلطة الواحدة. ولكنها كانت غلطة العمر.رجل أعمال ناجح جدًا, واستطاع أن يكوّن ثروة كبيرة, وصارت له سمعة ممتازة واسم مرموق, بفضل مواهبه العديدة وإخلاص في عمله, وحزمه في الإدارة. ثم حدث أنه جرب القمار وكسب, وأعاد الكرّة ولكنه على مائدة الميسر خسر كل شيء... خسر ماله وسمعته ورهن أملاكه ثم باعها. وهكذا فقد كل ما كانت له من ثروة. وذلك بسبب غلطة واحده هي لعب القمار, ولكنها كانت غلطة العمر.
وأبً كان يبذل كل جهده من أجل راحة أسرته ورفاهية كل أعضائه, ويسهر الليل والنهار في سبيل ذلك. ولكنه للأسف الشديد لم يكن له وقت يقضيه مع أولاده, ليشرف على تربيتهم بنفسه. وشرد الأبناء بعيدًا. الابن انضم إلى أصدقاء السوء, وابنته وقعت في حب شاب وتزوجته زيجة غير شرعية, إذ لم تجد الحنان الكافي من أبيها. وخسر الأب أسرته التي تعب كثيرًا من أجلها. وكان ذلك كله بسبب غلطة واحدة هي عدم تفرغه لتربية الأولاد. وكانت هذه بالنسبة إليه هي غلطة العمر.
وفي مجال السياسة والحرب, ما أكثر الملوك والقادة والزعماء الذين أضاعوا تاريخهم كله من أجل غلطة رئيسية في سياستهم, لم يحسبوا حسابًا لنتائجها الخطيرة, ولكنها كانت غلطة العمر, مع إنهم كانوا في مجد وعظمة, ولكنهم فقدوا كل شيء... فلنابليون العظيم Napoléon Bonaparte غلطة حرب سببت له الهزيمة بل أيضًا انتهت بالقبض عليه وإذلاله. وهتلر Adolf Hitler الذي كاد في وقت من الأوقات أن يصبح أسطورة... وشاوشسكي في حكمه وقلة حكمته... كل هؤلاء أضاعتهم غلطة العمر إن فشل الإنسان عمومًا لا يرجع إلى أن حياته كلها كانت أخطاء. وإنما غلطة واحدة خطيرة يمكن أن تضيعه...!إن كوبًا مملوءًا بالماء, تكفى لتعكيره نقطة واحدة من الحبر تسقط فيه. وكذلك صحة قوية يكفى ميكروب واحد خطير أن يقضى عليها... لذلك يجب على كل إنسان أن يكون حريصًا جدًا في حياته ويبتعد عن مثل هذه الأخطاء. لأن ثقبًا واحدًا في سفينة الحياة قد يؤدى إلى غرقها... ومن الله الرحمة.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
16 ديسمبر 2020
نساء خسرن أزواجهن!
الزوجة الحكيمة تكون مصدر سعادته لزوجها, كواحة يانعة مملوءة بالزهر والثمر يرجع إليها من صحراء العمل ومشقته غير أن بعض النساء للأسف الشديد لم يعرفن الهدف السليم من الحياة الزوجية, وكيف تكون مجالًا للسعادة المشتركة..! وأخطأن الوسائل فكانت النتيجة أنهن خسرن أزواجهن!!
ومن بين هؤلاء ثلاثة أو أربعة أنواع سوف نذكرها:-
1- المرأة الشديدة الغيرة:-
ما أشد هول تلك المرأة العنيفة في غيرتها, التي تعتمد في ذلك على حساسية شاذة غير طبيعية. فتغار على زوجها إن كان وسيمًا جدًا وناجحًا بدرجة يحيطه المعجبون والمعجبات. أو إن كان لطيفًا ومرحًا, ينظر إليه الجميع في حب وبشاشة. فتغار هذه الزوجة إن رأته يكلّم امرأة في لطف, أو يبتسم في وجهها, أو أن ابتسمت تلك المرأة أو ضحكت في مرح أثناء الحديث معه حينئذ تحارب الظنون والأفكار هذه الزوجة, فتحطمها من الداخل. وهى تتولى بدورها تحطيم الزوج. فتفرض عليه رقابة وحظرًا, وتوبخه على بشاشته مع امرأة أخرى, وتسئ فيه الظنون.هي تريده عصفورًا جميلًا تحبسه في قفص, لا يراه أحد. يكفى أن تراه هي! ولا يكلّم أحدًا غيرهًا, ولا يبتسم لغيرها, ولا يكون بشوشًا مع أحد!!
وهكذا يفقد الزوج كل علاقاته الاجتماعية, لترضى هي عن تصرفاته.. وإلا صار البيت جحيمًا تسوده الشكوك والظنون, والمناقشات كل يوم, والتحقيقات ومحاولة الانتقام أو الشكوى. وقد يكون الرجل بريئًا جدًا. وقد تكون طبيعة عمله من النوع الذي يستلزم لقاءات مع كثيرين وكثيرات ولا ينجح فيه إلا باللياقة والبشاشة. ولكن زوجته تتعبها الغيرة فتتعبه!وقد تأخذ الغيرة عند الزوجة مظهر آخر, فقد تغار من جهة حبه لأمه أو أخته أو بعض أفراد أسرته. أو من إنفاقه على أخ أو قريب. وتظن أنه يحب أهله أكثر منها, أو أنه يخضع لمشورتهم أكثر منها. وتلهبها الغيرة حتى تريد أن تحرمه من كل أحبائه. فلا يحب أحد سواها!!وفى وقت الغيرة لا تفكر فيه ولا راحته. إنما تفكر في ذاتها فقط. وما على الرجل إلا أن يخضع لمشاعرها, ولا تهمها النتائج ولا الإحراجات التي يقع فيها... وإلا فإنها تتهمه بعدم محبته لها وبالخيانة وعدم الإخلاص..!ويحاول الرجل أن يجد حلًا ولا يستطيع. ويشرح الأمور ولا تقبل منه. ويتحرج الجو, ويتهدد البيت بالانهيار. إذ يشعر الزوج أن ثمن إرضائها هو أن يخسر الكل بسبب ظنون لا وجود لها في عالم الحقيقة. ولكنها موجودة في أتون الغيرة!!
2- المرأة المسرفة في التحقيق:-
وهى الزوجة الدائمة التحقيق مع زوجها, حتى في صميم خصوصياته! فقد تحقق معه في الأمور المالية: ماذا يدخل إلى جيبه وكيف يصرفه؟ ولمن يعطى؟ ولماذا؟ وهل من اللائق أن يصرف هكذا؟ وأين الحكمة؟
وتحقق معه في تفاصيل مواعيده: لماذا يخرج الآن؟ ولمَ لا يتغير الميعاد؟ وأين يقضى الوقت كله؟ ولماذا يرجع متأخرًا؟ وما أهمية هذا الموعد؟ ولماذا لا يلغيه؟ وماذا ولماذا إلى غير حد..!
وتحقق معه في علاقاته: كل علاقاته, مع كل أحد. ما نوعها؟ وما محصولها؟ وماذا حدث؟ وماذا قالوا لك؟ وماذا فعلوا؟ وماذا فعلت؟ ولماذا؟
بل قد تحقق معه في أكله وشربه, وفي ملبسه, وفي كلامه, وفي عمله!
ويشعر الزوج أنه قد تزوج "وكيل نيابة" أو "أمن دولة"! ويشعر بأنه مضغوط عليه في حريته. وأنه محتاج أن يهرب من الأسئلة ومن الإجابة. وإن ضيّقت عليه الخناق, يرى أنه محتاج أن يهرب من البيت كله, ومن هذه المرأة البوليسية التي تطارده بتحقيقاتهاأما المرأة التي تحب زوجها, فإنها تتركه ليخبرها بنفسه دون أن تضغط عليه بالسؤال. وما يقوله, تقابله بقلب محب مفتوح. وما لا يريد أن يقوله, تتركه إلى حريته بدون إحراج, وبدون تطفل, وبدون ضغط أو تحقيق.
3- المرأة النكدية:-
إن الرجل ينتظر من زوجته أن تستقبله في البيت بوجه بشوش يفرحه, ويدخل السعادة إلى قلبه وينسيه ما يُقاسيه في العمل من تعب وصدامات... أما إن قابلته زوجته بوجه عابس أو بالدموع والبكاء, وملأت البيت حزنًا ونكدًا, فإنها بدلًا من أن تحمل عن زوجها متاعبه, فإنها تضيف إليه تعبًا جديدًا!
وللأسف يوجد نوع من النساء يمكن أن يُسمىّ بالمرأة النكدية, التي يمكنها بسهولة أن تحوّل البيت إلى نكد. والتي تغضب لأتفه الأسباب, أو بلا سبب. ويشعر الزوج أن من الصعب إرضاءها! وأنها تخلق مشاكل, وتعقد الأمور, أو تثير نقاشًا حادًا حول أبسط المسائل. وأنها دائمًا غاضبة, دائمًا حزينة وكئيبة, دائمًا ساخطة!!
هذه الزوجة لا تبدو في الصورة التي خلق بها الله المرأة, في لطفها ورقتها, وإشاعتها السرور, وفي رسالتها كمُعين للرجل وكثير من الرجال يتبرمون بالمرأة النكدية ولا يحتملونها. أو يحتملونها إلى حين ثم لا يستمرون. وكثيرون منهم يخرجون من البيت, ويبحثون عن السعادة خارجه, في المقهى, أو في النادي, أو بين الأصدقاء والمحبين والمعارف, أو في أي نشاط آخر... بعيدًا عن النكد وهكذا شيئًا فشيئًا تخسر المرأة زوجها, إذ لا يجد سعادته إلى جوارها!!
نقول كل هذا, لكي تتعظ أولئك الزوجات اللائي يتصفن بالغيرة الزائدة, وبالرغبة في التحقيق, ودوام النكد, ويبدأن في تغيير ذلك الأسلوب الذي نتيجته أن يخسرن الزوج..
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
09 ديسمبر 2020
قالوا في العلم والحكمة وفي الحب والصداقة
في العلم
سئل عالم "ما أفضل العلم؟" فأجاب: هو معرفة الإنسان لنفسه.
وقيل: اليوم الذي يمرّ من عمرك دون أن تتعلم فيه شيئًا جديدًا, هو يوم ضائع. سواء كان هذا التعلم بالقراءة أو الملاحظة أو السماع أو التأمل, أو الخبرة أو المعاناة.
قال الشيطان ذات يوم: كنت من قبل أعلّم الناس الشر, فصرت الآن أتعلم منهم.
قيل: أكثر الناس علمًا في العالم كله, يكون على جهل تام بعدد كبير من الأمور.
وقيل: العاقل يتعلم من أخطاء الآخرين.
وقيل: الفنان العظيم كان يومًا فنانًا مبتدئًا.
وقيل: تعرف الإنسان من أسئلته أكثر مما تعرفه من إجاباته.
وقيل: أتريد أن تعرف حقيقة إنسان؟ استمع إليه في مشاجرة.
في العقل والقلب
قيل: كن أعقل من غيرك, ولكن لا تصرّح له بذلك.
وقيل: فقر العاقل خير من ثراء الأحمق.
وقيل: العقل له أحكام, والقلب له أحلام.
وقيل: من شاور الحكماء, شاركهم في عقولهم.
وقيل: رجل واحد يحمل رأسًا فوق كتفيه, خير من مائة رجل بلا رؤوس.
وقيل: المشروعات الواسعة لا يمكن تنفيذها بأفكار ضيقة.
وقال فرانس بيكون: إن قليلًا من الفلسفة قد يقرّب الإنسان من الإلحاد. أما التعمق في الفلسفة فيردّه إلى الله.
وقيل: القراءة هي أن تفكر بعقل غير عقلك.
وقيل: عندما تفكر, فإنك تجرى حوارًا مع نفسك.
وقيل: للقلب منطق هيهات للعقل أن يفهمه.
في العمل
قيل: إن الأماني هي بضاعة الضعفاء. أما العمل هو بضاعة الأقوياء.
وقيل: من لا عمل له, يُوجد الشيطان له عملًا.
وقيل: فكّر ببطء, ولكن اعمل بسرعة.
وقيل: لا تطلب, ولكن اعمل.
وقيل: إذا أجّلت عملًا ثقيلًا إلى الغد, ضاعفت ثقله.
وقيل: إن التجربة هي أعظم أستاذ في العمل, ولكن نفقاتها باهظة.
وقيل عن شخص: عنده مواهب كثيرة, ولكن تنقصه موهبة واحدة, وهى استخدام مواهبه!
وقيل: إذا أردت أن تتحاشى النقد, لا تعمل شيئًا, ولا تقل شيئًا, ولا تكن شيئًا!
فى الحكمة
قيل: الملوك حكّام على الناس. والحكماء هم حكّام على الملوك.
وقال أحدهم: نحن ألف رجل, وفينا حكيم واحد, ونحن نستشيره ونطيعه. فكأننا ألف حكيم.
وقال الآباء: الذين بلا مرشد يسقطون مثل أوراق الشجر.
وقال حكيم: الرؤوس تكون أكثر حكمة إن كانت هادئة. والقلوب تكون أكثر قوة, إن نبضت تعاطفًا مع القضايا النبيلة.
وقيل: يلجأ الإنسان إلى الخبث, حين لا يسعفه الذكاء.
وقيل: لا تشرب السّم, اعتمادًا على ما عندك من الترياق.
وقيل: الجاهل يكون دائمًا أكثر إصرارًا على رأيه من العالم.
ومن الأمثال الصينية: إذا أعطيت إنسانًا سمكة, فسوف يأكل وجبة واحدة. ولكن إن علمته الصيد, فسوف يأكل طول حياته.
في الحب والصداقة
قال حكيم: اهتم بالرفيق قبل الطريق.
وقال آخر: من شروط المرافقة, الموافقة.
وقال ثالث: حياة بلا أصدقاء, هي جنازة بلا مشيعين.
وقيل: من عاش بغير حب, مات في يوم مولده.
وقال أحدهم: ليس صديقًا مَنْ "يبلع لك الظلط" (الحجارة). إنما صديقك هو من يحذرك من الغلط.
وقيل: الصديقان الحميمان إذا اتفقا على موعد, ذهب كلّ منهما إليه قبل الآخر.
وقيل: الحب هو أن تفّضل شخصًا آخر على نفسك.
وقال حكيم: إن قلت لي من هم أصدقاؤك, أقول لك من أنت.
وقيل في الصداقة: زهرة واحدة لا تصنع حديقة.
في الحب والعداوة
قال القديس ذهبي الفم: من لا توافقك صداقته, لا تتخذه لك عدوًا.
وقال أيضًا: هناك طريقة مثلى تستطيع بها أن تقضى على عدوك, وهى أن تحوّل العدو إلى صديق.
وقيل: الناس أعداء ما جهلوا.
قيل: المحبة تبنى, والعداوة تهدم.والذي يبنى يصعد دائمًا إلى فوق،والذي يهدم, يهبط إلى أسفل.
وقيل: كل عداوة تُرجى إزالتها, إلا عداوة من عاداك عن حسد.
وقال: ميخائيل نعيمة: هناك مبالغة في قولهم "الحب أعمى". والحقيقة أن الحب بعين واحدة.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
02 ديسمبر 2020
الفضيلة تعريفات ومستويات
تعريفات
ما أكثر الأسماء أو الصفات التي نطلقها على الفضيلة. وهى في مجموعها تعطينا فكرة عن كنه الفضيلة وتفاصيلها وطريقة السلوك فيها وسنحاول أن نذكر هنا بعضًا من هذه التعريفات:
1- الفضيلة هي محبة الخير:
إنها ليست في مجرد عمل الخير, إنما بالأكثر في محبة الخير. ذلك لأن الفضيلة التي تمارس من الخارج فقط, وليست صادرة من القلب, قد تكون رياءً. أو أن البعض يعملون الخير خوفًا من انتقاد الناس, أو خوفًا من عقوبة المجتمع أو عقوبة القانون, أو يفعلون ذلك خجلًا, أو من أجل المنفعة, أو لمجرد كسب مديح الآخر وليست حبًا في الخير ولا حبًا في الغير, أو رغبة في نوال مكافأة, أو مجاراة لتيار معين, أو تقليدًا لغيرهم. كل ذلك بغير اقتناع من الداخل, وبغير رغبة! وربما يفعل الشخص ذلك وهو محرَج, لا يستطيع أن يمتنع أو يقول لا!! وعمل الخير لشيء من هذه الأسباب لا يمكن أن يُحسب فضيلة الفضيلة هي إذن حب الخير, حتى لو كان الإنسان لا يستطيع أن يفعله لسبب خارج عن إرادته, لوجود موانع تمنع التنفيذ عمليًا... ولكن إن وُجدت إمكانية لعمل الخير, فلابد أن يعمله. لأنه حينذاك تجتمع نية القلب مع العمل والإرادة, لأن النية وحدها لا تفيد الآخرين فالفضيلة تبدأ في داخل القلب, وتنبع منه, في المشاعر والنيات والأحاسيس. ويكون عمل الخير هو التعبير عما في القلب من مشاعر طيبة..
2- الفضيلة هي السلوك الفاضل
إنها تبدأ في الداخل, في القلب والفكر والروح. ولكنها تظهر في الخارج عن طريق الممارسة العملية. فالحب مثلًا هو فضيلة في القلب, ولكن لابد أن يتحول إلى عمل محبة في الخارج. فلا نحب بالكلام ولا باللسان, بل بالعمل والحق. هنا تظهر المحبة عن طريق العطاء والبذل والتضحية فضيلتك التي في فكرك لا يشعر بها أحد. ولكنك تعبر عنها بعملك. وكذلك محبتك لابنك التي في داخل قلبك, تعبر عنها بالعطايا والاهتمام وبالحنو. وأيضًا لا يكفى أن تقول إن محبتك لله هي في قلبك, بل تعبر عنها بطاعتك لوصاياه.وبالمثل: خشوع العابد في داخل قلبه, يعبر عنه بخشوع الجسد من الخارج. بالسجود والركوع في الصلاة. وحفظ الجسد أثناءها من طياشة الفكر والحواس. وبهذا يشترك الجسد مع الروح. وتكون الفضيلة من الداخل والخارج معًا إن حياة الشجرة في داخلها. ولكنها تعبر عن وجود الحياة فيها بالخضرة وبالزهر والثمر. ونحن نريد الفضيلة المثمرة, بالعمل الصالح, بالكلمة الطيبة, بالسلوك الحسن, بالمحبة العملية, بالقدوة المؤثرة في الغير...
3- الفضيلة هي في الشخصية المتكاملة:
بحيث لا يوجد في من يمارسها أي نقص في سلوكه. وهذا واضح عمليًا: فإن سلك في فضيلة ما, لابد ستقوده إلى فضائل أخرى كثيرة. كما أنه أذا فقد إحدى الفضائل, ما أسهل أن يجره السقوط إلى فضائل أخرى عديدة.. إنها سلسلة مترابطة إن انفك عقد أحدها, انفرط الباقي أيضًا فطالب العلم الذي يهمه مستقبله, يقوده هذا إلى الاجتهاد والعمل على التفوق. وهذا الاجتهاد يحثه على البعد عن اللهو. والبعد عن اللهو يبعده أيضًا عن أصدقاء السوء. والبعد عنهم ينجيه من القدوة السيئة. وهذا أيضًا يساعده على حياة الفضيلة... وهكذا تتعاون الفضائل معًا, ويؤدى بعضها إلى البعض الآخر. وبالمثل فإن الخطية تجر إلى خطايا أخرى.
4- الفضيلة وضع متوسط بين رذيلتين:
أو هي وضع متكامل بين نقصين. ومن أمثلة ذلك:
الشجاعة هي الوضع المتوسط بين الخوف والتهور والتربية السليمة هي الوضع المتوسط بين التدليل والقسوة والتدبير الحسن لما تملكه هو الوضع المتوسط بين البخل والتبذيرويمكننا أن نذكر أمثلة عديدة لهذا الوضع المتوسط مستويات
فيوجد نوعان من الفضيلة: وذلك من الناحية السلبية, والناحية الإيجابية. فالناحية السلبية هي مقاومة الخطيئة ورفضها. أما من جهة الناحية الإيجابية فهي عمل الخير.
وليست الفضيلة هي فقط البعد عن الخطيئة, إنما يجب الارتفاع عن المستوى السلبي, وذلك إيجابيًا بالسلوك في حياة البر:
لا يكفى فقط إنك لا تكره إنسانًا, إنما يجب أن تحب الكل لا يكفى أن تمتنع عن اللفظ بأية كلمة خاطئة, إنما يجب أيضًا أن تقول كلامًا للبنيان ينفع الآخرين ولذلك فإن الفضيلة ليست فقط أنك لا تضر الناس, إنما هي بالأكثر أن تعينهم بقدر إمكانك, وتعمل على راحتهم أو إسعادهم..
ومستويات الفضيلة تشمل الحسّ، والفكر, والقلب, والعمل فهناك المستوى الجسدي للفضيلة, والمستوى النفسي, والمستوى الروحي وعلى الإنسان أن يحفظ نفسه في كل مستوى, ويحترس من السقوط في غيره فمثلًا الحواس هي أبواب الفكر, وما تراه أو تسمعه أو تلمسه, قد يجلب لك أفكارًا. فلكي تحفظ فكرك, أحفظ حواسك. وإن أخطأت بالحواس, لا تجعل الخطأ يتطور إلى فكرك. وإن وصل الخطأ إلى الفكر, اطرده بسرعة, وحذار أن تجعله يتحول إلى مشاعر في قلبك. وإن تحوّل إلى مشاعر, لا تجعله يتطور إلى العمل بالضغط على إرادتك واعلم أن جميع المستويات تتجاوب مع بعضها البعض.
وقد يصير الواحد منها سببًا ونتيجة... فخطأ القلب يسبب خطأ الفكر. كما أن خطأ الفكر يسبب مشاعر للقلب. وربما الاثنان يدفعان إلى العمل. وكذلك المشاعر والعمل يقودان إلى خطأ الحواس إنها دائرة متصلة. أية نقطة فيها توصل إلى باقي النقاط وكما في الشر, كذلك في الخير تتعاون كل المستويات معًا على أن أعلى مستوى في الفضيلة هو السعي إلى الكمال.إن الذي يسلك في الفضيلة, يودى أن ينمو فيها. ويستمر في النمو حتى يصل إلى الكمال الممكن له كإنسان. وأعني الكمال النسبي, نسبة إلى ما عنده من إمكانيات, وما يُوهب له من عمل النعمة فيه والسعي إلى الكمال يحتاج إلى التدرج.
والآباء الروحيون كثيرًا ما كانوا يدربون أولادهم في نطاق هذا التدرج. لأن الطفرات السريعة في الفضيلة قد تؤدى إلى ارتفاع القلب والكبرياء، وأحيانًا تكون لها نتائج عكسية. لكن القادة الروحيين كانوا يعملون على تثبيت أبنائهم في كل خطوة يخطونها. حتى إذا ما صارت شبه طبيعة عندهم, يتدرجون منها إلى خطوة أعلى, ولا يصبحون في خطر من أية نكسة ترجعهم إلى الوراء أما إذا أرادت نعمة الله أن ترفع الإنسان إلى فوق مرة واحدة, فهذه هبة إلهية غير عادية.
والسعي إلى الكمال يحتاج إلى جهاد:
لأنه كما أن نعمة الله تساعد الإنسان على الارتفاع إلى فوق, فإن قوى الشر لا تريد أن تتركه في راحة, إنما تحاول أن تجذبه إلى أسفل. ومن هنا كانت محاولة الوصول إلى الكمال الروحي, هي صراع ضد الخطية وضد العقبات الروحية.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
25 نوفمبر 2020
الأعذار و التبريرات
إن كنت يا أخي تريد أن تحيا في حياة التوبة الحقيقية, فلا تحاول أن تقدم أعذارًا وتبريرات عن كل خطية تقع فيها. فالتبريرات تعنى أن الإنسان يخطئ, ولا يريد أن يتحمل مسئولية أخطائه. ويعتبر كأنما كان الخطأ شيئًا طبيعيًا هناك أسباب دعت إليه, أو كأن لا خطأ في الأمر! فإن كان يجد لخطيئته ما يبررها, فكيف يتوب إذن عنها؟!التبريرات هي محاولة لتغطية الأخطاء, بإيجاد مبرر لها! وهكذا ما أسهل أن يستمر المخطئ فيها, وعذره معه ويظن بهذا أنه يخرج بلا لوم ولا عيب أمام الناس, وربما أمام نفسه أيضًا, لكي يريح ضميره إذا احتج عليه... ولكن حتى لو قبل الناس منه ما يقدمه من أعذار, وحتى لو استطاع هذا المخطئ أن يخدع نفسه ويخدّر ضميره ليقبل منه تلك التبريرات, فإن الله لا يقبلها, لأنه عالم بكل شيء وفاحص القلوب والنيات.حقًا ما أصدق الذي قال إن طريق جهنم مفروش بالأعذار والحجج والتبريرات إن الإنسان المتواضع- إذا أخطأ- يعترف بما ارتكبه من خطأ. أما غير المتواضع وغير التائب, فإنه يحاول أن يجد تبريرًا عند ارتكاب الخطيئة, وبعد ارتكابها أيضًا, وكلما دام الحديث عنها بصفة عامة ويؤسفني أن أقول إن توالى الأعذار والتبريرات عند مثل هذا الشخص تجعل القيم والمبادئ عنده تهتز... ومادام كل خطأ يمكن له تغطيته. فلا توجد إذن مثل يسير على مناهجها أو روحيات يتمسك بها وسنحاول هنا أن نذكر بعض الأعذار التي يعتذر بها البعض ممن لا يسلكون حسنًا في حياتهم.
1- يقولون كل الناس هكذا (الكل كده), فهل نشذ عن المجتمع؟وكأنهم بهذا يعتبرون أن الخطأ إذا صار عامًا, لا يلام عليه الفرد! أي صار الخطأ العام مبررًا لخطأ الفرد. وكأن نقائص المجتمع كله لم تعد تناقص! كلا, فالخطأ هو خطأ, عامًا كان أو خاصًا. ومن أجل هذا, يقوم المصلحون الاجتماعيون بإصلاح أخطاء مجتمعاتهم. وكذلك يهاجم تلك الأخطاء: أصحاب المبادئ من رجال القلم ومن الوعاظ.إن أبانا نوحًا البار لم يندمج مطلقًا في أخطاء وفساد المجتمع في أيامه, وهكذا نجا في الفلك مع أسرته. ويوسف الصديق كان يعبد الله, بينما كانت كل العبادات التي حوله فرعونية. والأبرار باستمرار يحتفظون بمبادئهم السامية مهما كان الخطأ عامًا. وعلى العكس- يمكن أن يقال- إن الخطأ إذا كان منتشرًا, فهذا يحتاج إلى حرص أكبر لتفاديه.وهكذا أنت, عش بروحياتك السليمة, حتى لو عشت بها وحدك وإن لم تستطع أن تؤثر على المجتمع وترفعه إلى مستوى أعلى فعلى الأقل لا تندمج في الأخطاء المنتشرة, ولا تجعلها تؤثر عليك.والمفروض في الإنسان البار أن يطيع ضميره ولا ينجرف مع التيار الخاطئ.
2- البعض يعتذر بالعوائق, بينما يليق بالأقوياء أن ينتصروا على العوائق إن القلب القوى يمكنه أن يجد وسائل عديدة لتنفيذ الغرض النبيل الذي يهدف إليه, مهما صادفته عقبات وعوائق.. يقول الآباء الروحيون "إن الفضيلة تريدك أن تريدها لا غير". نعم, يكفى أن تريد, وحينئذ تجد النعمة تفتح أمامك أبوابًا كانت مغلقة إذن لا تعتذر بالعوائق, إنما ضع أمامك أن تنتصر عليها.. ولا تكن دوافعك الداخلية إلى عمل الخير ضعيفة بحيث تمنعها العوائق.
3- يعتذر البعض بشدة الضغوط الخارجية, أو بعنف الإغراء الخارجي.ولكن القلب الثابت من الداخل, لا يقبل أن يخضع لأي ضغوط خارجية, ولا يسقط بسببها, ولا يتخذها تبريرًا لسقوطه. إنما يبرر سقطته بسبب الضغوط الخارجية, ذلك الشخص الذي ليست محبته للفضيلة قوية.وخذوا يوسف الصديق كمثال رائع للانتصار على الضغط الخارجي الذي وقع عليه من امرأة سيده. فهي التي كانت تطلب منه الخطيئة, وتلح عليه, وهو تحت سلطانها تسئ إلى سمعته في حالة رفضه لها. ولكنه كان أقوى من الأغراء, وانتصر ولم يبالِ بما يحدث له...
4- قد يعتذر البعض بأنه ضعيف, والوصية صعبة!ربما تقول بأنك ضعيف, إم لم تضع معونة الله في اعتبارك. فأنت لست وحدك, إنما معك النعمة الإلهية التي تسند الضعفاء. ثم لا تقل عن وصية الله إنها صعبة لأنها لو كانت صعبة, ما كان الله أمر بها. كيف يأمر بما لا يمكن تنفيذه؟! إنه لا يأمرنا بالمستحيل. بل عندما يعطى الله وصية, إنما يمنح في نفس الوقت القدرة على تنفيذها طوباهم أولئك الجبابرة الذين انتصروا على قلوبهم من الداخل, ولم يعتذروا بصعوبة الوصية كما نفعل نحن في تبرير أنفسنا..!
5- هناك من يقصّر في أمور العبادة من صلاة وتسبيح وصوم وقراءات مقدسة, معتذرًا بأن نقاوة القلب تكفى, والله هو أله قلوب!فمن الذي قال إن نقاوة القلب تغنى عن هذه الممارسات الروحية؟!إن الإنسان البار يجمع بين الأمرين معًا: نقاوة القلب وكل الممارسات الروحية التي هي ثمرة طبيعية لنقاوة القلب.وما أعمق عبارة "افعلوا هذه, ولا تتركوا تلك".
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
18 نوفمبر 2020
العولمة مرة أخرى، ومناقشة تأثيراتها
نتابع ما ذكرناه في المقال السابق فنقول من أهم عناصر العولمة: الحضارة وانتقالها من بلد إلى بلد:
وكلمة الحضارة واسعة جدًا في معناها, فهي تشمل الثقافة والرقى وسائر القيم والعادات السائدة.
أما عن الثقافة, فلا ننسى مطلقًا فضل العولمة في نشر العلم والمعرفة, مع الوضع في الاعتبار بعض أنواع المعرفة المبنية على الشك كالفلسفات الملحدة وكالأفكار الاقتصادية التي تميل إلى الشيوعية أو إلى التطرف بوجه عام.
أما من جهة العادات والطباع والقيم, وأمثال ذلك مما يسمونه في الغرب Culture, فإن فيه اختلافًا كثيرًا بيننا وبينهم. ونحن نلاحظ أن الذين يقيمون فترة طويلة في بلاد الغرب متغربين عن أوطانهم, يعودون بشخصيات وعادات مختلفة عما كان لهم من قبل, بل حتى لكنة ولهجة صوتهم تتغير, وكذلك طريقة تفكيرهم أيضًا...
وهنا نسأل ماذا يكون وضع المرأة الشرقية في ظل العولمة, حيث وصلت المرأة في بعض بلاد الغرب إلى منصب رئيس الوزراء, وتنافس على منصب رئيس الدولة أيضًا. ونحن نشكر الله أن بلادنا مصر قد أفسحت المجال السياسي والإداري والاجتماعي أمام المرأة. فيوجد لدينا أكثر من وزيرة, وكذلك وكيلة مجلس الشعب امرأة. وعدد كبير من النساء في رتبة وكيل وزارة, ورتبة مدير عام. كما تم تعيين ثلاثين امرأة في القضاء... ولكن هل ستقبل بلاد الشرق العربي أن تصل المرأة إلى هذا المستوى أو أكثر؟ بينما في بعض البلدان العربية تجاهد النساء لكي يكون لهن مجرد حق الانتخاب في بعض المجالس!
ثم في ظل انتشار العولمة ستعود مناقشة موضوع الحجاب والنقاب بالنسبة إلى المرأة. وكذلك ربما تظهر مشكلة الزواج المشترك ما بين طرفين مختلفين في المذهب.
تدخل مشكلة أخرى في محيط الأسرة وهى مدى احترام وطاعة الوالدين والكبار عمومًا. فنحن في الشرق نوقّر الكبار غاية التوقير, ونطلب رضى وبركة الوالدين, بينما في الغرب توجد الاستقلالية في الشخصية كلما وصل السن إلى مرحلة الشباب, ولا يجد الأبوان الفرصة الكافية لتأديب أبنائهم. ويمكن للابن أن يطلب تدخل الشرطة رسميًا للحد من سلطان أبيه أو تدخله في شئونه الخاصة...!وعلى الرغم من اعترافنا بفضل العولمة في انتشار العلوم ورقيها, إلا إننا نجد بعض نواحي العلم- وبخاصة في موضوع الإنجاب- قد سارت في تيار لا يتفق كثيرًا مع قيمنا ومع بعض مبادئنا الدينية من ذلك وجود بنوك البويضات المخصبة...حيث يمكن للمرأة أن تختار النوع الذي تريد أن يُولد به ابن لها: من جهة طوله أو لون بشرته أو لون شعره أو درجة ذكائه. وتختار البويضة المخصبة التي تناسب طلبها, بغض النظر عن كيف أخصبت, وما شرعية ذلك, وما مدى تحكم علماء تلك البنوك في الجينات البشرية وتوفيقها بأسلوب خاص لتأتى بالنتيجة المطلوبة يضاف إلى هذا التطور الواسع في موضوع الاستنساخ, الذي بدأ بتطبيقه على الحيوانات, ثم تطور إلى مجال البشر أيضًا. نحن لا نقف ضد العلم, ولكن من المفروض أيضًا أن تكون للعلم حدود لا يتعداها إلى الدخول في المشيئة الإلهية!نحن لا ندعى إطلاقًا بتدخل العلماء في القدرة على الخلق, وهم لا يدّعون ذلك, لأن الخلق هو الإيجاد من العدم, وهذا خارج نطاق العلم, ولكن تصرفهم في الخليقة حسب هواهم أو فكرهم الخاص هو موضوع من المفروض أن تكون له ضوابط وحدود.
نقطة أخرى وهى استئجار الأرحام, حيث يمكن نقل بويضة لأم معينة إلى رحم امرأة أخرى. ثم يُولد طفل له أم طبيعية وأم استأجروها ليولد منها!! وإلى أيهما ينتسب؟!
العولمة أيضًا لها تأثيرها في محيط التجارة والصناعة:-
إذ توجد بلاد يمكن أن تقدم صناعات بسعر أقل, وتسوّقها في بلاد أخرى, فتؤثر على ميزانها الاقتصادي, وعلى صناعتها المحلية, وبالتالي على وضع العمالة فيها. وربما هذا الأمر يوجد جوًا من التنافس في مجال الإنتاج ووفرته وجودته وسعره. ولكن ليست كل الدول تقدر على مثل هذا التنافس وكمثال واضح اختبرناه في مصر, انتشار الصناعة الصينية في نواح متعددة, وبأسعار أقل من السوق. بل عن طريق العولمة انتشرت صناعاتها أيضًا في بلاد أخرى غربًا وشرقًا.
لا ننسى أيضًا تأثير العولمة على اللغة:-
ويظهر هذا واضحًا في كثير من العلوم. فنحن نستعمل العديد من الألفاظ اليونانية, مثل كلمات: فلسفة, جغرافيا, جيولوجيا, إستراتيجية, تليفون, تلغراف تكنولوجيا. ونستخدم أيضًا عبارات في الطب والدواء ليست عربية مثل الكوليسترول, والفيتامينات. وعمومًا فإن تعريب الطب غير ممكن من جهة, وضار من جهة أخرى, إذ يوقف الصلة بالبحوث العلمية, والمؤتمرات العلمية, والمجلات والكتب التي عن الطب والصيدلة. وغالبيتها بلغات أجنبية.إننا تعودنا أن نستخدم عبارات ليست عربية), مثل درجة الماجستير وهى كلمة لاتينية, ومثل كلمة (مايسترو) عن معلم الموسيقى, وهى كلمة إيطالية, ومثل كلمة كيمياء وهى هيروغليفية الأصل أو قبطية. بل أن كلمة (لغة) نفسها ليست عربية, وإنما أصلها يوناني.أما في العربية فنستخدم عبارة (لسانًا عربيًا فصيحًا). ومن أقدم وأشهر القواميس في العربية كتاب لسان العرب لابن منظور وليس لغة العرب.
ختامًا, لا خوف من العولمة على ثوابتنا العقيدية, فهي أعمق من العولمة, أما الحضارة والثقافة فهي ملك الجميع.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
11 نوفمبر 2020
العولمة: فوائدها وتأثيرها وأضرارها
العولمة هي انفتاحنا على باقي بلاد العالم, وانفتاحها هي علينا, وكسر الحواجز الفاصلة مع احتفاظنا على قدر الإمكان بما للشرق من مبادئ وقيم وطبيعي إننا لا نستطيع أن نفصل أنفسنا عن العالم ونصبح كجزيرة منفردة بذاتها في المحيط. فالعالم الآن قد صار مختلطًا وممتزجًا, بحيث أنه في تفصيلات حياته يأخذ ويعطى وليس العولمة جديدة عليه, بحيث يمكن قبولها أو رفضها. فقدت بدأت فعلًا. والمهم الآن هو ما مدى الانتشار الذي يُسمح به لها؟ وما مدى الفائدة العائدة منه أو الضرر.
أول انتشار هو عالمية الأخبار:
فقد أصبحت أخبار كل جهات العالم متداولة, وفي معرفة كل ما يريد. وذلك عن طريق الصحف والإذاعة والتلفزيون وكثرة الفضائيات التي انتشرت وباقي وسائل الإعلام. بحيث يمكن لأي شخص أن يستخدم الانترنت مثلًا, ويستخرج ما يشاء من المعلومات والأخبار, عن أي بلد, أو أي شخص, أو أي علم. ويعرف بذلك تفاصيل التفاصيل, بلا مانع ومع ما في هذا الأمر من فائدة, إلا أن له أضرارًا فالانترنت ينشر كل شيء, ما ينفع وما يضر, ينشر الصدق وكذلك الكذب والأخبار المبالغ فيها. وكل من يريد أن يسجل فيه منهجه وفكره. فتجد فيه الهجوم والدفاع, والهجوم المضاد. ومن يأخذ كل تسجيلات الانترنت كقضية ثابتة, إنما يشوش أفكاره. فيحتاج الأمر إلى فحص وإلى تحقيق, ومقارنة الأخبار. وليس هذا بإمكان الكل.
الأمر الثاني في العولمة هو انتشار العلم بكل فروعه:
لم يعد العلم حكرًا على بلد معين, أو عالم محدد بالاسم, إنما هو للكل. فعلوم الطب والصيدلة والدواء وطرق العلاج أصبحت متداولة بين باقي الشعوب, سواء عن طريق البعثات العلمية, أو ما ينشر عنها في الكتب أو المجلات العلمية. وينطبق هذا أيضًا على ما ينشر عنها في الكتب أو المجلات العلمية. وينطبق هذا أيضًا على كافة العلوم من هندسة وزراعة واقتصاد وغير ذلك وكل هذا مفيد ونافع. وعلى كل دولة أن تنتفع بما وصلت إليه باقي الدول من حضارة ورقي وتقدم. ولا تتخلف عن الركب.
من الأمور النافعة في العولمة أيضًا كافة المخترعات المفيدة:
فبعد أن تخطينا زمن اختراع الطائرات ووسائل الميديا Media, بدأ انتشار الريكوردر, والكمبيوتر, وتليفون السيارة, والتليفون المحمول, وأدوات التصوير الحديثة, والفاكس, وغير ذلك من المخترعات في مجال الهندسة, والنقل, والريّ بالرش, وأنواع من الماكينات, ووسائل البناء الحديثة. وكل ذلك لم يكن معروفًا من قبل. ونشرته العولمة, حتى إننا نجد في أمريكا نفسها سيارات يابانية, وصناعات دقيقة من الصين ومن وكوريا.وعن طريق العولمة بدأ أيضًا استخدام الذرة, وتخصيب اليورانيوم Uranium. وهنا تبدو الخطورة في تنافس كثير من الدول على إنتاج القنبلة الذرية, والصواريخ الموجهة البعيدة المدى, وباقي أصناف الأسلحة الفتاكة, المهلكة للشعوب والحضارات وإن كانت العولمة باختراعاتها, كان من نتائج ذلك تسهيل كل أنواع الاتصالات. فلعل من أضرار ذلك سوء الاستخدام سواء من جهة الأسرار أو الأخبار أو بعض أمور الأمن. وحتى الأطفال حاليًا ينشغلون بالكمبيوتر والانترنت كلون من التسلية وحب الاستطلاع. ويكون لذلك ثأثيره على تحصيلهم الدراسي, بل وعلى أخلاقهم أيضًا, إذ يفتح أذهانهم على أمور تضرهم, أو ينشغلون بروايات وأفلام جنسية تثيرهم وتتعبهم. أو عن طريق هذه الاتصالات السهلة يقعون في علاقات معينة وتتفتح أمامهم أبواب للانحراف ويرى جيل الانترنت والكمبيوتر أن آبائهم على درجة من الأمية إذ ليست لهم نفس معرفتهم ومقدار معلوماتهم. وهكذا لا يوجد تواصل بين الأجيال المتتابعة وإن كان العلم حاليًا في تطور للوصول إلى التليفون الذي ينقل الصورة أيضًا بين المتخاطبين, فما أسهل أن يكون لهذا الأمر ضرره أيضًا من حيث الخوض في خصوصيات من الخطر أن تُعرف...
ومن تأثير العولمة أيضًا تطور الآلات:
وعلى الرغم من فوائد النمو في صناعة الآلات, إلا أن القاعدة المعروفة هي أنه كلما ازداد استخدام الآلة, كلما ازدادت البطالة, إذ أن الآلة توفر عددًا كبيرًا من العمالة. وهذا له ضرره من الناحية الاجتماعية, وإن كان يفيد من جهة سرعة ووفرة الإنتاج. ولكنه يفيد الرأسمالية بوجه خاص..!
وكمثال لذلك: بعد أن كان ريّ فدان من الأرض الزراعية يحتاج إلى ستة من الفلاحين, أصبح استخدام الري بالرش يلزمه حوالي ثلاثة عمال فقط لري عشرين فدانًا. ونفس الأمر في وسائل البناء والنقل...
كان استخدام الآلة هو بدء الانقلاب الصناعي في أوروبا. وبكثرة استخدام الآلات انتشرت البطالة في أجزاء كثيرة من العالم. وبدأت تقوم الاصطدامات بين العمال وأصحاب رؤوس الأموال بقى أن نتكلم عن تأثير العولمة على الحضارة, وتفاعل الحضارات أو اصطدامها. وتأثيرها على الثقافة واللغة, وعلى المبادئ والأخلاقيات والقيم. وتأثيرها على الحرية والديموقراطية, وعلى الأسرة والمجتمع ووضع المرأة سياسيًا واجتماعيًا. وثأثيرها من جهة الإنجاب وبنوك الأعضاء, وموضوع الاستنساخ وتطوره, وموضوع الاستثمار, وكل ما يتعلق بالهجرة فإلى اللقاء في المقال المقبل, لنكمل حديثنا هذا, إن أحبت نعمة الرب وعشنا.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
04 نوفمبر 2020
من حيل الشياطين
للشياطين حيل كثيرة, صارت بعضها معروفة, ومنها:
تقديم خطيئة باسم فضيلة:
الشيطان خبيث. ويرى أن بعض الناس يرفض ضميرهم الخطيئة إن كانت مكشوفة. فلا مانع عنده من أن يعرض خطايا معينة بغير أسمائها, بأسلوب يسهل قبوله, بحيث تلبس الخطايا ثياب فضائل فالتهكم على الناس والاستهزاء بهم, يقدمه على اعتبار أنه لطف وظرف, ومحبة ودالة, وخفة روح ومحاولة للترفيه والدهاء أو الخبث يسميه باسم الذكاء! أما الكذب فيمكن للشيطان أن يقدمه باسم الحكمة, كنوع من حسن التصرف أو إنقاذ للموقف. والطبيب قد يكذب على المريض مرات, ويسمى ذلك "حفظ معنويات المريض" وحمايته من الانهيار. والبعض قد يسمى أنواعًا من الكذب باسم الكذب الأبيض. وربما يعتبره في أول أبريل دعابة وفكاهة والقسوة على الأبناء يقدمها الشيطان للآباء باسم الحزم والحرص على تأديبهم وتربيتهم ومنعهم من الانحراف, وربما تقودهم هذه القسوة إلى الانحراف للهروب من قسوة الآباء. وهذا ما يريده الشيطان والتزين الذي يصل إلى التبرج, يُقدم باسم الأناقة والنظافة وقد يقدم للبعض جريمة القتل باسم آخر. فقتل الأخت الخاطئة يسميها غسل عار الأسرة. وقتل آخر يطلق عليه اسم الدفاع عن الوطن أو الدفاع عن الدين أو تطهير الأرض من المخطئين أو من الطغاة لا مانع عند الشيطان من الدخول في خداع المسميات. إذ يرى أنه ليس من (الحكمة) أن يسمى الخطية بأسمائها المنفرة, ففي ذلك كشف لأوراقه. وعدم الوصول إلى هدفه. البخل مثلًا لا يسميه بخلًا لأن هذا الاسم غير مقبول. إنما يسميه "حسن تدبير المال" أو عدم الإسراف وعدم التبذير. أو حفظ المال لحاجة المستقبل... وهكذا العلاقات الشبابية غير الطاهرة يسميها باسم الحب, بينما هي شهوة وليست حبًا وإعطاء الخطية اسم الفضيلة, يساعد الخطاة على الاستمرار فيها. كما يوقف تبكيت الضميرفلا يزعج الإنسان أو يقوده إلى ترك الخطية.فليحترس إذن كل أحد من هذه المسميات الزائفة, ولا يسمح للشيطان أن يخدعه. فالخطية هي الخطية مهما اختفت وراء اسم آخر.
ومن حيل الشيطان أيضًا التدرج الطويل:
إن وسائل الشيطان تتعدد, وقد يبدو بينها أحيانًا شيء من التناقض بين أسلوب وآخر, ولكن يجمعها هدف واحد وهو إسقاط الفريسة فالشيطان في بعض الأحيان قد يضربه ضربة سريعة فجائية, بحيث لا يكون الشخص مستعدًا لها. وأحيانًا يعمل في تدرج طويل لا يشعر به صاحبه. والتدرج يلزمه وقت قد يطول. ولكن الشيطان لا يهمه الوقت, بل يهمه السقوط. والتدرج يصلح غالبًا للأشخاص الذين لا يقبلون خطية معينة بسهولة. ولكن الشيطان يوصلهم إليها تدريجيًا في هدوء, بجرعات قليلة أو قليلة جدًا, تزداد بالوقت حتى تقضى عليهم. وقد يقسّم الخطية إلى مراحل, كل مرحلة تثبت أقدامها بالوقت إنه يحب -حينما يضرب الضربة- أن تصيب مقتلًا. وهذا يتطلب منه أحيانًا تمهيدات طويلة المدى. بحيث حينما يدخل القلب يجده مزينًا مفروشًا مهيئًا لعمله, ويجد الضحية جاهزة بلا مقاومة. وحتى إن قاومت تكون بلا قدرة على الإطلاق, فتسقط أمامه بسهولة وفى خطة التدرج, كل خطوة يقترب فيها الشخص إلى جو الخطية تجعله يعتادها, وتضعف إرادته أمامها. وبمرور الوقت يألفها ولا تصبح غريبة عليه. وبالتدريج تدخل إلى فكره ثم إلى مشاعره ومن أمثلة التدرج الطويل, تأتى العادات. وكل عادة مسيطرة على الإنسان, أتبدأ هكذا مطلقًا. ربما كان هو المسيطر عليها أولًا ويستطيع تركها. ولكنه بالتدرج الطويل فقد سيطرته, ثم سيطرت العادة عليه. وربما قال له الشيطان في أول خطوة: "جرّب أو اختبر.. الحياة كلها خبرات, والأمر بيدك تستطيع أن تمتنع وقتما تشاء". وظل به هكذا إلى أن أتى الوقت الذي فيه سلّم إرادته بالتمام, ولم يعد يقاوم, بل لا يشاء أن يقاوم ونصيحتنا لمقاومة سياسة التدرج هذه التي ينتهجها الشيطان, أن يبعد الشخص عن الخطوة الأولى بكل حزم, مهما بدت بريئة أو حاول الشيطان أن يقنعه بأنها بريئة احترس من كذب الشيطان إن قال لك إنها خطوة واحدة ولن تتكرر أو لن تتطور. فالشيطان لا يقبل على خطته أن يتركها عند حدود الخطوة الواحدة, دون أن يتقدم بها باستمرار نحو هدفه البعيد. إذن احترس حتى من الخطوة الأولى, وليس فقط من تطورها, مهما بدت هذه الخطوة في نظرك من الأمور الصغيرة...
من حيل الشيطان أيضًا, (الأمور الصغيرة)!
إنه يحارب بها, لأن الشخص قد لا يهتم بها, ولا يحترس منها... بل يقول لنفسه: "وهل مثلى يخاف من هذه الأمور الصغيرة. إنها قد تتعب المبتدئين. أما نحن فقد كبرنا عن أمثال هذه الأمور..!"حقًا إن شيطان الأمور الصغيرة يمكن أن يهلك الإنسان. فيمكن أن تغرق سفينة من ثقب صغير في قاعها. والإنسان لا يشترط أن يكون موته بواسطة وحش خطير يفترسه, إنما يكفى لموته ميكروب لا يُرى بالعين المجردة أو مجر فيروس والأمور الصغيرة قد لا تكون صغيرة فعلًا, ولكن الشيطان يسميها هكذا. والله -تبارك اسمه- قد يختبر إرادتنا بأي اختبار مهما كان بسيطًا, ولكن تنكشف به نفسيتنا من الداخل هذه الأمور الصغيرة قد تكون مثل قليل من التساهل مع الحواس أو القراءات أو السماعات, أو عدم التدقيق في الكلام, أو تمسك الإنسان برأيه, وعدم استشارية لأحد, أو عدم لوم النفس على أخطائها, أو التقصير في الصلوات وطريقة الخلاص من شيطان الأمور الصغيرة هي في حياة التدقيق.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
28 أكتوبر 2020
الشيطان: صفاته وحيله
أول وأهم صفة للشيطان أنه شرير, يحب الشر ويعمل على نشره بكافة أنواع الطرق. ويكره الخير والخيرين ويقاتلهم. وهوايته هي إسقاط الآخرين. وهو في قتاله للبشر, لا يهدأ مطلقًا ولا يملّ ولا يستريح. هو مشغول بالجولان في الأرض والتمشي فيها, يبحث عن فريسة لكي ينقضّ عليها والعجيب أنه قوى في عمله. استطاع في الأجيال القديمة أن يلقى غالبية العالم في الوثنية, وفي تعدد الآلهة, وفي إغرائهم بألوان من الخطية والدنس. بل إنه صرع أشخاصًا كثيرين وسيطر عليهم. ولكن ليس معنى هذا أن نخافه, بل نحترس منه, طالبين معونة الله للتغلب عليه والنجاة من حيله...
والشيطان خبير بالحروب, وخبير بالنفس البشرية إنه يحارب الإنسان منذ أكثر من سبعة آلاف سنة, منذ أبوينا الأولين آدم وحواء. فأصبحت له خبرة طويلة في حربه مع البشرية. وقد صادف في قتاله أنواعًا شتى من نفوس البشر. فصار أقدر مخلوق على فهم النفس البشرية وطريقة محاربتها, إذ قد درسها جيدًا واختبرها, وعرف نواحي القوة والضعف فيها, ومتى تقاومه ومتى تستسلم له. وتحرّس في أسلوب محاربتها فهو إذن عالم نفساني, وعلم النفس عنده ليس مجرد نظريات, إنما هو خبرات على المستوى العملي, وبنطاق واسع جدًا, شمل البشرية كلها. لذلك فهو يعرف متى يحارب وكيف يحارب؟ ومتى ينتظر؟ ومن أي الأبواب يدخل إلى الفكر أو إلى القلب؟وهو في كل ذلك ذكى وصاحب حيله, ويتميز بالخبث والمكر والدهاء.ومن مظاهر ذكائه أنه قد يغيّر خططه وأساليبه لتوافق الظروف المتاحة له ومن صفاته الكذب والخداع والأضاليل, ليصل بذلك إلى غرضه لذلك لا يصح أن نصدق الشيطان في كل ما يقوله وما يقدمه من إغراءات يمكن للشيطان أن يستخدم الكذب والخداع فيما يقدمه من رؤى وأحلام كاذبة. وما أكثر الأحلام الكاذبة التي يضل بها الناس, أو يظهر لهم في هيئة ملاك أو أحد القديسين, ويرشدهم بطريقة مضللة!وكذب الشيطان يظهر أيضًا في ما يضعه على أفواه السحرة والعرافين وأمثالهم. وما يقوله على أفواه المنجمين ومدعى معرفة الغيب مثل المشتغلين بقراءة الكف, أو ضرب الرمل, أو قراءة فنجان القهوة أو معرفة البخت والطالع بأنواع وطرق شتى. ولما كان من الثابت دينيًا أنه لا يعرف الغيب سوى الله وحده, لذلك كل من يضع الوصول إلى معرفة الغيب لا يكون صادقًا في ادعائه ويظهر كذب الشيطان كذلك في استشارة الموتى أو تحضير الأرواح فقد ينطق في أمثال تلك الجلسات, مدعيًا أنه روح فلان من الناس. ويقول للحاضرين بعض معلومات تخدعهم مما يعرفه عن أخبار ذلك الشخص أو أسرته. فإذا صدقوه يبدأ بالتدريج بقول ما يضللهم وإغراءات الشيطان كلها ألوان من الكذب. حيث يصور للإنسان سعادة تأتيه من وراء الخطية, سواء في لذة أو سلطة أو مكسب أو جاه أو مجد... ثم يجد الإنسان أن كل ذلك سراب زائل وأشياء فانية. وهذا أسلوب الشيطان باستمرار: أنه يزخرف طريق الخطيئة, ويضفى عليه أوصافًا من الجمال تغرى من يقع في حبائله.
وأيضًا أحلام اليقظة التي يقدمها لضحاياها, كلها أكاذيب:
ولكنه يقدمها لهم كنوع من المتعة بالخيال, تخدرهم عن العمل الإيجابي النافع, فيعيشون فترة في وهم هذه الأحلام, يبنون قصورًا من رمال, ومتعة وأفراحًا من الخيال. ثم يستيقظون لأنفسهم فلا يجدون شيئًا. ويكون الشيطان قد أضاع وقتهم, وعطلهم عن العمل المجدي, وأراحهم راحة كاذبة!ومن أكاذيب الشيطان أن يوهم المنتحر بأن الموت سيريحه من متاعبه! ويظل يركز على هذه النقطة: إنه لا فائدة له من هذه الحياة, ولا حلّ لمشاكله إلا بالموت, حيث يتخلص من كل تعبه ويستريح. وإذ ينخدع المنتحر بهذا الفكر ويقتل نفسه, لا يجد تلك الراحة الموهومة. بل يجد نفسه في الجحيم, في تعب لا نجاة منه, ولا تقاس به كل متاعب الدنيا. ويكتشف أن الموت ليس هو نهاية لحياته المتعبة, بل بداية لحياة أخرى أكثر تعبًا وألمًا وتقريبًا غالبية الخطايا, يضع الشيطان وراءها أكذوبة من أكاذيبه: فهو يوحى للسارق بأن سرقته سوف لا تُكتشف. ويوحي ذلك أيضًا لكلٍ من المرتشي والمهرّب والغشاش. وهو في ذلك يكذب, لأنه حتى إن كان أحد لا يرى هؤلاء, فالله يرى وكل شيء مكشوف أمامه. وكذلك فإن الشيطان يوحى للقاتل أن من ينوى قتله يستحق القتل, أو أنه بقتله يغسل العار الذي يلوث شرفه, أو أن قتله يريح نفس قريب له.ولعل أخطر أكذوبة قدمها الشيطان لبعض البشر, هي الإلحاد كما أنه كذب على الوجوديين حين صوّر لهم أن وجود الله يعطل وجودهم. وكذب على بعض الشيوعيين زاعمًا أن الله يعيش في برج عال لا يهتم بالمجتمع الإنساني, تاركًا الظالم يظلم, والغنى يستعبد الفقير!من صفات الشيطان أيضًا أنه لحوح لا يملّ من الإلحاح وربما يعرض الفكر الواحد مراتٍ ومرات. ومهما قوبل بالرفض, يستمر في عرضه. فربما بكثرة الضغط والإلحاح, يستسلم الإنسان له ويخضع.. وهو لا يخجل أبدًا من الفشل, بل يعود ويستمروالشيطان في إلحاحه على الناس، لا يعترف بالعقبات، ولا تهمه درجة الإنسان الروحي الذي يهاجمه, ولا مركزه. إنما يضرب ضربته, وليحدث بعد ذلك ما يحدث. إنه يلقى سمومه في كل حين على كل أحد. وربما الذي لا يهلك بها اليوم, يهلك غدًا, أو بعد سنة أو أكثرفالشيطان مثابر نشيط لحوح, دائب على العمل, لا يثنيه الفشل عن الاستمرار, ولا ييأس من علو قدر الناس. هو ماضٍ في خطته. والذي لا يستطيع أن يدنس جسده, فعلى الأقل يدنس فكره ولما كانت باقي صفات الشيطان وكل حيله, أوسع من هذا المقال, فإلى اللقاء في مقال آخر إن أحبت نعمة الرب وعِشنا.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد