المقالات
13 ديسمبر 2022
السهر الروحي
ونحن نقترب من شهر كيهك حيث السهر والصلاة والتسبيح حتى الصباح، لذلك يحلو لنا أن نتكلم عن السهر راجين من الرب أن يعيننا على السهر الروحي لكي ما نحيا حياة السماء ونحن على الأرض.
السهر الروحي:-
هو اليقظة ضد الخمول والإهمال للوصول إلى الاستعداد الدائم لإرضاء الرب، منتظرين مجيئه والمثول بين يديه. السهر هو يقظة القلب والعقل وكل طاقات الإنسان، فلا يسقط الإنسان في أي شيء عابر (نظرة - فكرة - تصرف)، وهو حالة تحوّل مستمر من حياة حسب الجسد الى حياة حسب الروح «فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ، وَلكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ، وَلكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ» (رو8: 5-6). وكرر القديس بولس لفظ السهر قائلا «فَلاَ نَنَمْ إِذًا كَالْبَاقِينَ، بَلْ لِنَسْهَرْ وَنَصْحُ» (1تس5: 6). وقد أوصانا الرب قائلًا «اُنْظُرُوا! اِسْهَرُوا وَصَلُّوا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ... اِسْهَرُوا إِذًا، لأَنَّكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ مَتَى يَأْتِي رَبُّ الْبَيْتِ، أَمَسَاءً، أَمْ نِصْفَ اللَّيْلِ، أَمْ صِيَاحَ الدِّيكِ، أَمْ صَبَاحًا. لِئَلاَّ يَأْتِيَ بَغْتَةً فَيَجِدَكُمْ نِيَامًا! وَمَا أَقُولُهُ لَكُمْ أَقُولُهُ لِلْجَمِيعِ: اسْهَرُوا» (مر13: 33-37)
معوقات السهر:-
1- محبة العالم «تَرَكُونِي أَنَا يَنْبُوعَ الْمِيَاهِ الْحَيَّةِ، لِيَنْقُرُوا لأَنْفُسِهِمْ أَبْآرًا، أَبْآرًا مُشَقَّقَةً لاَ تَضْبُطُ مَاءً» (إر2: 13)، لذا لنستيقظ ونسهر خوفًا من أن يجرفنا تيار العالم فنصير أعداء لله «فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مُحِبًّا لِلْعَالَمِ، فَقَدْ صَارَ عَدُوًّا للهِ» (يع4:4).
2- محبة المال «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللهَ وَالْمَالَ» (مت6: 24)، لذلك يخدع نفسه من يظن أنه يستطيع أن يجمع بين محبة الله والسهر على أرضائه وبين محبته لجمع المال واكتنازه «لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضًا» (مت6: 21).
3- الكسل والتهاون لذا حذرنا القديس بولس الرسول «هذَا وَإِنَّكُمْ عَارِفُونَ الْوَقْتَ، أَنَّهَا الآنَ سَاعَةٌ لِنَسْتَيْقِظَ مِنَ النَّوْمِ، فَإِنَّ خَلاَصَنَا الآنَ أَقْرَبُ مِمَّا كَانَ حِينَ آمَنَّا. قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَتَقَارَبَ النَّهَارُ، فَلْنَخْلَعْ أَعْمَالَ الظُّلْمَةِ وَنَلْبَسْ أَسْلِحَةَ النُّورِ» (رو13: 11-12).
4- الاهتمامات الدنيوية«فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ بَغْتَةً» (لو21: 34)، إن الإنشغال بمتطلبات الحياة اليومية وسبي العقل لها يجعل الأنسان يسقط في الهموم... لذلك قال لنا رب المجد «مُلْقِينَ كُلَّ هَمِّكُمْ عَلَيْهِ، لأَنَّهُ هُوَ يَعْتَنِي بِكُ» (1بط5: 7).
5- الغفلة هي أصل كل خطية وشهوة، فمن يرضى عن نفسه ويستحسن حالها ويكتفي بما وصل إليه، تستولي عليه الغفلة وتحاربه الأفكار ويسقط في الشهوات «أنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ، أَنَّكَ لَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا. لَيْتَكَ كُنْتَ بَارِدًا أَوْ حَارًّا!. هكَذَا لأَنَّكَ فَاتِرٌ، وَلَسْتَ بَارِدًا وَلاَ حَارًّا، أَنَا مُزْمِعٌ أَنْ أَتَقَيَّأَكَ مِنْ فَمِي. لأَنَّكَ تَقُولُ: إِنِّي أَنَا غَنِيٌّ وَقَدِ اسْتَغْنَيْتُ، وَلاَ حَاجَةَ لِي إِلَى شَيْءٍ، وَلَسْتَ تَعْلَمُ أَنَّكَ أَنْتَ الشَّقِيُّ وَالْبَئِسُ وَفَقِيرٌ وَأَعْمَى وَعُرْيَانٌ» (رؤ3: 15-17)، ليتنا نقول مع القديس بولس الرسول «أَنَا لَسْتُ أَحْسِبُ نَفْسِي أَنِّي قَدْ أَدْرَكْتُ. وَلكِنِّي أَفْعَلُ شَيْئًا وَاحِدًا: إِذْ أَنَا أَنْسَى مَا هُوَ وَرَاءُ وَأَمْتَدُّ إِلَى مَا هُوَ قُدَّامُ، أَسْعَى نَحْوَ الْغَرَضِ لأَجْلِ جَعَالَةِ دَعْوَةِ اللهِ الْعُلْيَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ» (في3: 13 -14).
نيافة الحبر الجليل الأنبا تكلا اسقف دشنا
المزيد
10 ديسمبر 2022
إنجيل عشية الأحد الاول من شهر كيهك
إنجيل العشية - ( مر 14 : ٣-٩ ) المرأة التي دهنت يسوع بالطيب
تمهيد
بينما كان السيد المسيح في طريقه إلى أورشليم للمرة الأخيرة عرج على أريحا حيث زار زكا العشار في بيته وأنعم عليه بالخلاص ، ثم ألقى على سامعيه مثل عشرة الأمناء على نحو ما جاء في ( لو ۱۹ : ۱۲ – ۲۷ ) . وبعد ذلك تقدم صاعدا إلى أورشليم ومر بقرية بيت عنيا وهي على بعد ميلين من أورشليم ودخل سمعان الأبرص حيث أكرمته مريم بمسحه بالطيب ( ٢ ) . وفصل الأنجيل الذي يتناول مسألة تكريم مريم ليسوع يتكلم عن تقدمتها التي كان مبعثها الوفاء له وعن تذمر التلاميذ من هذا الصنيع " بدافع الغيرة الكاذبة على الفقراء ، ثم يشير إلى امتداح المخلص لعمل مريم ، ويقرر دوام ذكرها على الأيام
تقدمة الوفاء :
3 - وفيما هو في بيت عنيا في بيت سمعان الأبرص وهو متكىء جاءت امرأة معها قارورة طيب ناردين خالص كثير الثمن . فكسرت القارورة وسكبته على رأسه . 3 - إن إقامة المخلص في قرية بيت عنيا على قربها من أورشليم تدل على أنه أسلم ذاته بأيثاره حينما دنت ساعته . وكان قصده من الإقامة هناك أن يعتزل أورشليم حينا من الزمن ، وهناك في بيت سمعان الأبرص صنعوا له عشاء ، كما ذكر يوحنا ، إكراما له وابتهاجا بزيارته . وسمعان الأبر ص هذا ربما كان والد مريم ومرئا ولعازر الذي أقيم من الموت ، أو أنه يمت إليهم بصلة القرابة ولو أن نوع هذه القرابة غير معلوم تماما ، ولا بد أن السيد كان قد شفاه برصه وإلا لما جاز له شرعا أن يخالط الناس . وكان من عادة القوم في تلك الأيام أن يتكثوا على الأسرة عند تناول الطعام ، وهذا ما سهل لمريم مهمة سكب الطيب على رأس المخلص وقدميه . وقد حفزها إلى ذلك عجائبه التي شاهدت ، وشفاؤه لسمعان الأبر ، ولعلها فعلت ما فعلت بوازع من إيمانها ومحبتها وثقتها بأنه يطهرها من خطاياها ويقول يوحنا إنها أخذت « منا من طيب ناردين ، والمنا وزن یونانی وروماني يعادل نحو مائة درهم ، وناردين معناه السنبل وهو النبات الذي كان يستخرج . ذلك الطيب ، وهو أثمن ما عرف يومئذ من الأطياب ، وكان يرد من بلاد الهند بعد استخراجه ، وهو سيال كالزيت ، ورائحته زكية . وكسرت مريم عنق الزجاجة التي كان بها الطيب أي كسرت ختمها ثم دهنت أولا رأس المخلص على نحو ما كان يحصل غالبا ، فامتلأ البيت من أريج الطيب لكثرته وجودته ، ثم زادت بأن . دهنت قدميه بعد أن مسحتهما بشعر رأسها من أثر التراب ، إذ كان يسير بالنعل فقط كعادة اليهود . ويجب أن يلاحظ أن مريم مسحت أولا ثم دهنت ، إذ لو كان المسح بعد الدهن كما قد يفهم من عبارة يوحنا ، فكأنها مسحت شعرها بالطيب لاقدميه . وقد أظهرت بمسح القدمين بالطيب الشين غناها وسخاءها ووفرة شكرها ومحبتها . أما اختيارها الدهن دون سواه فلأن العادة جرت في منه ذلك الزمان أن يمسح به أفاضل الناس وعليهم كالكهنة والملوك إكراما لهم وقد تقبل المخلص صنيعها لما لمسه فيها من تواضع وحسن نية وإخلاص . .
الغيرة الكاذبة : وكان قوم مغتاظين في أنفسهم فقالوا لماذا كان تلف الطيب..هذا . ـ لأنه كان يمكن أن يباع هذا بأكثر ثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء . وكانوا يؤنبونها . تمييز التلاميذ غيظا من إتلاف الطيب ، واجترأ يهوذا الأسخريوطي على الأعراب عن تذمرهم منوها بأحقية الفقراء لثمنه ، ولكن يوحنا الإنجيلي فضح رياءه بقوله إنه قال ما قال « ليس لأنه كان يبالى بالفقراء بل لأنه كان سارقا وكان الصندوق عنده وكان يحمل ما يلقى فيه » ( يو ٦:١٢ ) . 5 – وزاد -هوذا على تذمره قوله عن الطيب إنه كان يمكن أن يباع بثلاثمائة دينار ويعطى للفقراء ، وهو قول ظاهره الغيرة ولو أنها غيرة صورية مردها أن يده لم تصل إلى ثمن الطيب فتختلس منه ( 1 ) ، وبمثل هذا الأسلوب يعمد الأشرار إلى إخفاء مقاصدهم السيئة ستار من التقوى . على أن التلاميذ لم يكتفوا بأظهار استيائهم من تصرف أخذوا يعنفونها . ومع أنه لا شيء مما نقدمه للمسيح يعتبر إتلافا مهما كان ثمينا كصرف الحياة في خدمته وبذلها من أجله كما يقول بولس الرسول . . ه من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح » ( في ۸ : ۳ ) إلا أن عدم حاجة السيد لهذا الطيب ، وما قاله عن الرحمة في مثل العذاري العشر وفي كلامه على يوم الدينونة وفى قوله للفريسيين « ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تعشرون التعنع والشيث والكمون وتركتم أثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان » ( مت ۲۳ : ۳ ) ، كل هذا قد يبرر تساؤل الباحث عما إذا كان من الأفضل أن يعطى ثمن الطيب لالفقراء ما دامت الصدقة أوجب . وقد حل المخلص له المجد هذا الإشكال بأجابته التالية لتلاميذه
امتداح الوفى :
6 – أما يسوع فقال اتركوها . لماذا تزعجونها . قد عملت في عملا حسنا . 7 ـ لأن الفقراء معكم في كل حين ومنى أردتم تقدرون أن تعملوا بهم خيرا . وأما أنا فلست معكم في كل حين . ۸ – عملت ما عندها . قد سبقت و دهنت بالطيب جسدي للتكفين 6 – طلب يسوع من تلاميذه أن يكفوا عن إزعاج المرأة ، ثم أشاد بصنيعها قائلا « عملت بی عملا حسنا » ، وكان يرمى من وراء ذلك إلى غرضين أولها تعليم التلاميذ أنه ما كان يليق بهم أن يكسروا حمية إيمانها ومحبتها بالتوبيخ ، إذ أن نقل الناس إلى الفضيلة الكاملة يجب أن يتم بالتدريج لادفعة واحدة ، وأنه كان من الواجب شكرها أولا على ما عملت ثم حثها بعد ذلك على الصدقة على الفقراء . وبناء على ذلك إذا قدم إنسان للكنيسة ستورا زائدة مثلا أو أوانى فضية أو ذهبية فوق ما تحتاجه فلا يجب أن نكسر حمية إيمانه بل نشكره ، ثم ننهه في رفق إلى خطأه ونحثه بعد ذلك على الفضيلة الكاملة التي هي مساعدة المساكين ، وإذا استشارنا قبل التقدمة أشرنا عليه مما يجب * أما غرض يسوع الثاني فهو إقامة الحجة على تلاميذه بأن ما فعلته المرأة هو ما قضى به الناموس إذ أن الوصية الأولى تقول « تحب الرب إلهك من كل قلبك . والثانية مثلها تحب قريبك كنفسك » ( مت ۲۲ : ۳۷-۳۹ ) ، وهذا القول شدد علينا ألا نقدم على محبته شيئا من سائر الفضائل . وتطبيقا لذلك إذا وقفنا بالكنيسة وقت القداس الذي هو تقديس جسد الرب ودمه وجب أن يكون ذلك بخوف : ووقار وتمجيد وتسبيح وتقديس من كل قلوبنا ، وألا نلتفت إلى سواه حتى إذا قال الكاهن « أين عقولكم ، أجبناه بصدق قائلين « هي عند الرب » . ۷ – ولکی يبرر المخلص رضاه عن سكب الطيب وشكره لمريم على إيمانها قال لتلاميذه « إن الفقراء معكم كل حين . » أي لا يخلو منهم زمان ولا مكان ، ومن واجب الكنيسة العناية بأمرهم دائما ، سيما وقد أوصى الله عليهم في سفر هی التثنية حين قال « أعطه ولا يسوء قلبك عندما تعطيه لأنه بسبب هذا الأمر يباركك الرب إلهك في كل أعمالك وجميع ما تمتد إليه يدك . لأنه لا تفقد الفقراء من الأرض . لذلك أنا أوصيك قائلا إفتح يدك لأخيك المسكين والفقير في أرضك » ( تث 15 : ۱۰-۱۱ ) . ثم مضى المخلص يقول « وأما أنا فلست معكم كل حين » ( 1 ) أي سوف لا أكون عندكم بحضوري المنظور طويلا إذ أنى على وشك الموت والصعود إلى السماء ، ولذلك فلا يمكنكم إكرامى جسديا إلا في هذه الفرص . وتطبيقا لما تقدم فجسد المسيح ودمه ليسا موجودين طول النهار في الكنيسة بل القداس فحسب ، فالذي يقف في خلاله بمخافة ووقار وتكريم لا محالة ممدوح السيد كما مدحت من مریم قال وإيضاحا لحكمة امتداحه لعمل المرأة وخطأ التلاميذ في تذ مرهم إنها « فعلت ذلك لأجل تكفينى » ( ۲ ) أي أن ذلك كان منها إنذارا عموتى ودفى وقيامتي ، أو بمعنى آخر أنكم أنتم أصحابى تهربون عند صلبي فلا تحنطونى ولا تدفنوني وأما هذه فقد تقدمت لذلك بلا وجل .. وقد قصد بأشارته إلى موته ألا يتوهم التلاميذ إذا رأوا آلامه أنه غير عارف بما سيحل به.
استدامة ذكره : . الحق أقول لكم حينما يكرز بهذا الأنجيل في كل العالم بخير أيضا ما فعلته هذه تذكارا لها ۹ – وختم رب المجد الحديث بقوله عن المرأة أن ذكرها سيشيع في أرجاء المسكونة بانتشار إنجيله في أنحاء العالم وترجمته إلى كل اللغات ، وهي نبوة من نبواته التي تمت وتبين صدقها منذ ألفي سنة . وتنفيذا لأمره الكريم رتبت الكنيسة الاحتفال بأعياد القديسين تخليدا لذكرهم
( 3 ) إنه تعالى حسب إكرامهم إكراما له واحتقارهم احتقارا له إذ قال السيد لتلاميذه « الذي يسمع منكم يسمع منى . والذي يرذلكم يرذلني . والذي ير ذلى يردل الذي أرسلي » ( لو 10 : 16 ) . وقال الرسول « إذا من ير ذل لا ير ذل إنسانا بل الله الذي أعطانا روحه القدوس » ( ۲ تس ٤ : ٨ ) ، ولاشكا أن إهانة السفير هي إهانة للملك الذي أرسله . . = ( 4 ) وهو جل شأنه أكرمهم في أعين شعبه ، والأمثلة على ذلك متوفرة فقد قال لأبيالك الذي أخذ زوجة إبرهيم « والآن رد امرأة الرجل فأنه نبي فيصل لأجلك فتحيا . وإن كنت لست تردها فاعلم أنك موتا تموت أنت وكل من لك ( تك ٢٠ : ٧ ) . وقال لهرون ومريم اللذين تكلما على موسى . الكوشية « أما عبدى موسى فليس هكذا بل هو أمين في كل شيء . فما إلى في وعيانا أتكلم معه ..... فلماذا لا تخشيان أن تتكلا على عبدى موسى » ( عد ۸:۱۲ ) ولما أخذ اليشع رداء إيليا الذي سقط عنه حين ارتفاعه في المركبة النارية وضرب به الماء انفلق إلى هنا وهناك ( ٢ مل 1 : 14 ) . وكذلك الميت الذي خاف أهله من الغزاة ، فطرحوه في قبر اليشع لما مس عظام اليشع عاش وقام على رجليه ( ۲ مل ۲۱:۱۳ ) . ولما حمى غضب الله على أصحاب أيوب الثلاثة قال لهم « والآن فخذوا لأنفسكم سبعة ثيران وسبعة كباش واذهبوا إلى عبدى أيوب واصعدوا محرقة لأجل أنفسكم وعبدى أيوب يصلى من أجلكم لئلا أصنع كذلك قال مخلصنا للجموع عن يوحنا المعمدان « لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان » ( مت ۱۱:۱۱ ) . . معكم حسب حاقتكم لأنكم لم تقولوا في الصوان ٨:٤٢ ) عنهم أن ( 5 ) وقد حذر الله من إهانتهم ، فقد أتى إلى لابان الأرامى في حلم الليل وقال له « احترز من أن تكلم يعقوب بخير أو شر » ( تك ٢٤:٣١ ) ، وقال من يمسهم عس حدقة عينه ( زك ٢ : ٨ ) ، والذين يضايقونهم يجازيهم ضيقا ( ۲ تس ٦ : ١ ) ( 6 ) إنه عاقب للذين أهانوهم في حياتهم أو بعد وفاتهم فقد قال لقايين الذي قتل أخاه هابيل « متى عملت الأرض لا تعود تعطيك قوتها . تائها وهاريا تكون في الأرض ، ( تك ١٢ : ٤ ) ( عد ۱۲ : ۱۰ ) . ريم بالبرص لأنها تكلمت على موسى ثانيا : أن هذه الأعياد ليست مرتبة من الله ، ويرد على ذلك بأن الكتاب أثبتها والرسل مارسوها وشهد بصحتها أشهر مؤرخي البروتستنت . ) .
( ۱ ) قال بولس الرسول « ينبغي على كل حال أن أعمل العيد القادم في أورشليم » ( أع ۲۱:۱۸ ) ، ولا يمكن أن يكون هذا العيد عيدا يهوديا بعد ما حرم الرسول على المسيحيين الخضوع للطقوس اليهودية بقوله « فلا يحكم عليكم أحد في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت » ( كو ٧ : ٢ ) فهو إذن عيد مسیحی .. قال موسهيم المؤرخ البروتستنتى بعد أن تكلم على الأعياد في الكنيسة الجامعة « أضف إلى هذه الأعياد أعيادا أخرى اعتنق فيها الموت رجال قديسون لأجل المسيح التي بالأكثر احتمالا كانت أياما مقدسة وعظيمة منذ ابتداء الديانة المسيحية .. وجاء في كتاب تاريخ الانجليز المطبوع سنة 1839 « وكانوا يكرمون الشهداء ويعبرون عن ذكر يوم وفاتهم بمولدهم ويعيدون الأعياد عند قبورهم بغاية . السرور والمحبة والأحسان ».
رأى الكنيسة : إن الكنيسة مدينة لهؤلاء الشهداء والقديسين الذين أناروها بتعالمهم وثبتوها . بدمائهم ، ولذلك رتبت منذ القدم أياما خاصة تحتفل فيها بذكراهم إقرارا بجميلهم وإطاعة لأمر المخلص القائل « حيثما يكرز بهذا الأنجيل في كل العالم بخبر أيضا بما فعلته هذه تذكارا لها » ( مر 9:14 ) ، وقول بولس الرسول « أذكروا مرشديكم الذين كلموكم بكلمة الله . أنظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بأيمانهم » ( - ۷:۱۳ ) ، وقول المزمور « ذكر الصديق يدوم إلى الأبد » ( مز ٦ : ١١٢ ) . وإذا كانت الشرائع المدنية قد أجمعت على إكرام من أتى عملا جليلا أفاد أمته ، فقام أهل العالم يحتفلون بذكرى أبطالهم ونوابغهم في كل علم وفن وأقاموا التماثيل لهم ، أفلا يجدر بالكنيسة أن تقوم ببعض ما يجب عليها نحو رجالها الذين بذلوا نفوسهم رخيصة من أجل المسيح ، والذين جعل فيهم مسرته ، وأهلهم لشركة ميراث القديسين في النور ( كو ۱ : ۱۲ ) ، وحفظ لهم إكليل المجد ( 1 بط 5 : 4 ) ، وجعل لهم أسمى مقام في دياره ( يو ١٤ : ١٧،٣ : ٢٤ ) ، بل جعل لهم حظ الجلوس معه في عرشه ( رو 15 : ۷،۲۱ : ۳ ) ، وأشركهم معه في مداينة الناس والملائكة ( مت ۲۸:۱۹ ، ۱ کو ٢ : ٦-٣ ) ولما كان دوام ذكر هؤلاء الصديقين لا يتم على الوجه المرغوب فيه إلا بالطرق الاحتفالية ، لذلك رتبت الكنيسة إقامة التذكارات لهم وعمل الرحمة على اسمهم ( مت ٤٢:١٠ ) ، وحفظ صورهم وتعاليمهم . وليس أدل على ذلك من أن القديسين الذين لم يحتفل بأعيادهم يكاد يكون ذكرهم مجهولا لدى الجميع ومع ما في إقامة الأعياد من مزايا أدبية وسياسية واجتماعية كتقوية الرابطة.
الأرشيذياكون المتنيح بانوب عبده
عن كتاب كنوز النعمة لمعونة خدام الكلمة الجزء الثانى
المزيد
20 سبتمبر 2022
عن القدّيس يوحنا المعمدان
القديس يوحنّا المعمدان الذي نحتفل بعيد استشهاده في بداية السنّة القبطيّة هو شخصيّة فريدة في التاريخ كان هو حلقة الوصل بين العهد القديم والجديد، وكان هو الملاك الذي هيَّأ الطريق أمام الرب، وأعدّ القلوب بالتوبة لكي تستقبل المسيّا.هو النبيّ ابن النبيّ والكاهن ابن الكاهن الذي شهد للحقّ وتمّم رسالته العظيمة في زمن قصير جدًّا.. وعندما ظهر المسيح العريس أعلن يوحنا للجميع أنّ فرحَهُ قد كمل ورسالته على الأرض قد أوشكت على نهايتها لم يصنع يوحنّا آية واحدة، ولكنّه كان هو نفسه أعظم آية، وكانت كلماته الناريّة المنطلقة من قاعدة حياته المقدّسة تنفذ بقوّة إلى القلوب لتبكِّتها وتنيرها وتقودها إلى أحضان الله المفتوحة للتائبين لقد اخترت بنعمة المسيح بعض مقتطفات بديعة من تعليقات آباء الكنيسة حول فصل ميلاد القديس يوحنّا (لو1: 57: 80) وقُمت بترجمتها، مع ملاحظة أنّ الكلمات التي بين الأقواس قد أضفتُها لتوضيح المعنى.
1- متقابلات بين القديس يوحنا المعمدان والرب يسوع
العجوز أليصابات ولدت آخِر الأنبياء، ومريم الفتاة الصغيرة ولدت ربّ الملائكة.
ابنة هرون وَلَدَتْ الصوت المنادي في البرّيّة، ولكن ابنة داود وَلَدَتْ القوي إله كلّ الأرض.
العاقر وَلَدَتْ الذي يحلّ الخطايا (ككاهن)، ولكن العذراء وَلَدَتْ الذي يمحو الخطايا.
أليصابات وَلَدَتْ الذي كان يصالح الناس (على الله) بالتوبة، ولكن مريم وَلَدَتْ الذي طهّر كلّ الأرض من النجاسة.
العجوز أشعلت المصباح الذي هو يوحنّا (يو5: 35) في بيت يعقوب أبيه، بينما الصغيرة قدّمت شمس البرّ لكلّ الأمم (ملا4: 2).
الملاك بشّر زكريّا، لكي يُعلِن المذبوح (يقصِد يوحنّا بواسطة هيرودس) عن المصلوب.. والمكروه (مِن هيرودس) يُخبِر عن المحسود (من اليهود الذين أسلموه للصلبِ حسدًا).
الذي سيعمِّد بالمياه يُعلِن عن الذي سيعمِّد بالنار والروح القدس (مت3: 11).
النور الذي لم يكُن مَخْفِيًّا، يُعلِن عن شمس البِرّ.
الذي امتلأ من الروح، يُنادي بالذي يعطي الروح (القُدُس).
الكاهن الضارب بالبوق، يبشِّر بالذي سيأتي في نهاية الأيّام على صوت البوق.
الصوت ينادي بالكلمة.. والذي رأى الحمامة يبشِّر بالذي استقرّت عليه الحمامة.. مثل البَرق الذي يسبق الرعد.القديس مار أفرام السرياني (القرن الرابع)
2- الروح القدس يفتح آذان يوحنا
قد يَعتبره البعض أمرًا سخيفًا ومُضحِكًا أن يتحدّث زكريّا إلى طِفل عمرة ثمانية أيّام، ولكن إذا تمسّكنا بالحقيقة فسوف نفهم أنّ الطفل الذي سمع سلام مريم وهو جنين قبل ميلاده، كان يستطيع أن يسمع صوت أبيه (زكريّا).
النبيّ (زكريّا) كان يعلم أنّ أي نبي (يقصد يوحنّا) يكون له آذان أخرى مفتوحة لروح الله، بصرف النظر عن عمره الجسدي. فالذي كان لديه القابليّة أن يبتهج (وهو جنين) كان له القدرة أيضًا على الفهم.القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان (القرن الرابع)
القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
17 سبتمبر 2022
إنجيل عشية الأحد الاول من شهر توت
إنجيل العشية ( مت ۱۱ : ۱۱ - ۱۹ ) شهادة المخلص عن يوحنا المعمدان
مكانة يوحنا : الحق أقول لكم لم يقم بين المولودين من النساء أعظم من يوحنا المعمدان . ولكن الأصغر في ملكوت السموات أعظم منه بدأ رب المجد يشير إلى عظمة يوحنا بقوله « إنه لم يقم بين المولودين من النساء أعظم منه. . ومرد هذه العظمة هو إلى أن والده كان كاهنا باراً وأن الملاك بشر بولادته قبل الحبل به ، وأنه امتلأ من الروح القدس وهو في بطن أمه ، وأنه وضع يده على رأس السيد وعمده ، ورأى الروح القدس نازلا عليه على شكل حمامة . هذا إلى أنه تقدم أمام المخلص بصفته ملاكا يدعو له ويعد له النفوس ، فضلا عن أنه عاش في البرية عيشة النسك والطهارة والقداسة . ثم استدرك المخلص قائلا « ولكن الأصغره في ملكوت السموات أعظم منه » وقد بينا الحكمة في ذلك في إنجيل القداس لهذا اليوم .
أثره:-
ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يغصب والغاصبون مختطفونه . لأن الأنبياء والناموس إلى يوحنا تنبأوا . وإن أردتم أن تقبلوا فهذا هو إيليا المزمع أن يأتى . من له أذنان للسمع فليسمع . "مت 12:11-15" واستطرد السيد يشير إلى ما أحدثته دعوة يوحنا فقال « ومن أيام يوحنا المعمدان إلى الآن ملكوت السموات يغصب » ، ومعنى ذلك أن اليهود تزاحموا عليه وعلى يسوع لسماع تعاليمهما ، وكانوا جادين في غيرتهم فاعتمد منهم كثيرون وغيروا سيرتهم وطرحوا العالم ، ونبذوا اللذات جانبا ، وقاسوا الشدائد ، وصبروا على المكاره ، ومشوا قدما في طريق السماء برغبة حارة ، فكأنهم بانتصارهم على شهواتهم وأهوائهم ، وإقلاعهم عن الشرور ، وتوبتهم الصادقة قد اغتصبوا الملكوت اغتصابا واختطفوه اختطافا ، وهذا عين قول المخلص في مناسبة أخرى « كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا . ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله وكل واحد يغتصب نفسه إليه » ( لو 16 : 16 ) . فهذا الملكوت ينال بقوة النعمة الفائقة ، لا بقوة التناسل من إبراهيم کماکان يزعم اليهود . وسر الأمر فيما تقدم أن أنبياء العهد القديم كما قال يسوع اتصلت نبواتهم بالتتابع إلى يوحنا ، كما أن كل طقوس الناموس ، وهي ظل الخيرات العتيدة » ( عب١:١٠ ) ، كانت بالمثل ترمز إلى المسيح . ولكي يحرض يسوع سامعيه على تلبية داعى الملكوت لفت أنظارهم إلى وجه الشبه بين يوحنا وإيليا بقوله « فهذا هو إيليا المزمع أن يأتى » . وبيان ذلك أن يوحنا جاء في أعقاب الشريعة القديمة ، وتقدم أمام المخلص منذرا بمجيئه ، وإيليا سيأتى عند انقضاء العالم ، ويتقدم أمام السيد منذرا بمجيئه الثاني ، هذا إلى أنهما كانا يوبخان الخطاة لا فرق لديهما بين شريفهم ووضيعهم ، كما يتضح ذلك من موقف إيليا من آخاب وإيزابل ، وموقف يوحنا من هيرودس وهيروديا . وفيما يلي بعض الآيات التي تشير بوضوح إلى وجه الشبه بين الاثنين ، فالوحى يقول على لسان ملاخي النبي « هأنذا أرسل إليكم إيليا النبي قبل مجئ يوم الرب العظيم والمخوف فيرد قلب الآباء على الأبناء . وقلب الأبناء على آبائهم قبلما آتی وأضرب الأرض بلعن ، ( ملا 5 : 4 ) . ويقول المخلص عنه « ولكني أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا . كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم . حينئذ فهموا أنه قال عن يوحنا المعمدان » ( مت ۱۷ : ۱۳-۱۲ ) . وفى مناسبة أخرى يقول الملاك عنه لزكريا ، ويتقدم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكي يهيئ . للرب شعبا مستعدا ، ( لو ۱۷ : ۱ ) . وبعد ما بين يسوع خطورة الدعوة إلى الملكوت نبه الحاضرين إلى ضرورة فتح آذان قلوبهم وفهم أقواله والعمل بها ، وذلك بقوله « من له أذنان للسمع فليسمع .
تقلب اليهود : و بمن أشبه هذا الجيل . يشبه أولادا جالسين في الأسواق ينادون إلى أصحابهم . ويقولون زمرنا لكم فلم ترقصوا . نحنا لكم فلم تلطموا . لأنه جاء يوحنا لايأكل ولايشرب . فيقولون فيه شيطان . جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب . فيقولون هوذا إنسان أكول وشريب خمر محب للعشارين والخطاة . والحكمة تبررت من بنيها ، .
الأرشيذياكون المتنيح بانوب عبده
عن كتاب كنوز النعمة لمعونة خدام الكلمة الجزء الأول
المزيد
10 سبتمبر 2022
إنجيل عشية عيد النيروز
انجيل العشية : ( مت ١٣ : ٤٤ – ٥٢ )
يتكلم هذا الفصل عن خلاص السيد الذي يمنحه للمؤمنين بشريعته الجديدة التي سماها ملكوت السموات وشبهها بشبكة مطروحة في البحر ، ودليل ذلك قوله « فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ وجلسوا وجمعوا الجياد إلى أوعية وأما الأردياء فطرحوها خارجا »
تمهيد
في خلال جولان السيد المسيح الثاني للتبشير في الجليل أخذ يلقى تعاليمه على الجموع عند بحر الجليل . وقد ضرب لهم أمثاله الثلاثة المعروفة التي فيها شبه بشارة الإنجيل بالكنز ، واللؤلؤة ، والشبكة . وفى هذه الأمثال بين عظمة بشارة الإنجيل ، ومصير مستمعيها ، وواجب القائمين بخدمتها .
عظمة البشارة:-
أيضا يشبه ملكوت السموات كنزا مخفى في حقل وجده إنسان فأخفاه و حه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل . يسمى المخلص بشارة الإنجيل « ملكوت السموات » لأنها توصل من يعمل بها إلى ذلك الملكوت ، ويشبهها وهي مخفية على الكثيرين بكنز مخفى في حقل ، ويرجع خفاؤها على الناس لا إلى تدبير إلهى بل إلى عمى قلوبهم ، لأن « الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح الله لأنه عنده جهالة ولا يقدر أن يعرفه لأنه إنما يحكم فيه روحيا » ( ۱ کو ٢ : 14 ) . وفى ذلك يقول بولس الرسول « إن كان إنجيلنا مكتوما فأنما هو مكتوم في الهالكين الذين فيهم إله هذا الدهر قد أعمى أذهان غير المؤمنين لئلا تضئ لهم إنارة إنجيل مجد المسيح الذي هو صورة الله » ( ۲ کو 4 : ٣ - ٤ ) . والحقل المختفى فيه هذا الكنز يشير إلى العالم الذي تلقى فيه كنوز الإنجيل ، والإنسان الذي وجد الكنز هو المؤمن الذي يحتفظ بتلك الكنوز الإنجيلية في قلبه . ولما كان هذا المؤمن يدرك ذلك الملكوت الروحي الذي لا يزول ، والغني الذي لا يفنى ففرحه به يحمله على بيع ما يملك لشراء الحقل . ومع أن الكنوز السماوية لاتشترى بمال ، لأنها بلا فضة وبلا ثمن كما قال أشعياء « أمنها العطاش جميعا هلموا إلى المياه والذي ليس له .فضة تعالوا اشتروا وكلوا هلموا اشتروا بلا فضة وبلا ثمن خمرا ولبنا » ( أش 55 : 1 ) إلا أن المقصود من قول المخلص أنه « باع كل ما له واشتراه » أنه ترك كل ما وقف في سبيل ذلك الخير العظيم . وفي ذلك يقول الرسول ه لكن ما كان لي ربحا فهذا قد حسبته خسارة لأجل فضل معرفة المسيح ربى الذي من أجله خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لكي أربح المسيح » ( في 3 : ۷-۸ ) ، وهذا تأييد لقول السيد « من أحب أبا أو أما أكثر منى فلا يستحقنى . ومن أحب ابنا أو ابنة أكثر منى فلا يستحقنى . ومن وجد حياته يضيعها ومن أضاع حياته من أجلى يجدها » ( مت ۱۰ : ۳۷ ، ۳۹ ) والغاية التي يرمي إليها المخلص من ضرب هذا المثل هي تحريض المؤمنين على ألا يتعلقوا بحطام هذا العالم وشهواته التي قد تعترض سبيلهم إلى ذلك الملكوت .
مثل اللؤلؤة :-
أيضا يشبه ملكوت السموات إنسانا تاجرا يطلب لآلىء حسنة . فلما وجد لؤلؤة واحدة كثيرة الثمن مضى وباع كل ما كان له واشتراها . ويشبه هذا المثل الذي تقدمه مع فارق بسيط ، هو أن الذي وجد الكنز في المثل الأول وجده اتفاقا ، كما في حالة المرأة السامرية التي جاءت إلى البئر لتستقى فوجدت المسيح ، أما الذي وجد اللؤلؤة هنا فوجدها بعد بحث وتنقيب كما فعل المجوس الذين جاءوا من المشرق لرؤية الملك المولود ، والمغزى في الحالين واحد .
مصير مستمعيها :
مثل الشبكة : -
أيضا يشبه ملكوت السموات شبكة مطروحة في البحر وجامعة من كل نوع . فلما امتلأت أصعدوها على الشاطئ وجلسوا وجمعوله الجياد إلى أوعية . وأما الأردياء فطرحوها خارجا . هكذا يكون في انقضاء العالم . يخرج الملائكة ويفرزون الأشرار من الأبرار ويطرحونهم في أتون النار . هناك بين يكون البكاء الأسنان وصرير . وبعد أن بين المخلص عظمة بشارته استطرد إلى ذكر مصير مستمعيها فشبه الذين ينادون بها بالصيادين الذين ينشرون شباك التعليم ليصيدوا بها الناس وينتشلوهم من بحر هذا العالم المهلك ، وشبه المستمعين من الشعوب المختلفة بصيد الشبكة الذي يضم أصنافا مختلفة من السمك . وأما جذب الشبكة إلى الشاطئ فأشارة إلى اجتماع المؤمنين للدينونة عند انقضاء العالم . وكما أن ما يدخل الشبكة من الصيد فيه ما لا ينتفع به فيلقى خارجا ، كذلك الذين يؤمنون كثيرون ولكن ليس كلهم يتركون أهواءهم وشهواتهم ويحفظون التعاليم . ومثلهم في ذلك مثل المتكثين في عرس ابن الملك الذين جمعهم عبيده من الطرق أشرارا وصالحين ( مت ۲۲ : ۱۰ ) . ولما دخل الملك عليهم رأى أحدهم بغير لباس العرس ، فأمر خدامه بربط رجليه ويديه وطرحه في الظلمة الخارجية . وهكذا في نهاية العالم يرسل الله ملائكته فيفرزون الأشرار من بين الأبرار ويطرحونهم في أتون النار حيث دودهم لا يموت ونارهم لا تطفأ ( أش 66 : ٢٤ ) ، و « حيث البكاء وصرير الأسنان » ، أي حيث الحسرة والندم على ما فعلوا ، والغم على شيطان أطاعوه ، ونعيم مقيم فقدوه . وفى هذا المثل إرهاب للسامعين ، وصد لهم عن متابعة الشرور .
واجب الخدام :-
قال لهم يسوع أفهمتهم هذا كله ، فقالوا یا سید فقال لهم من أجل ذلك كل كاتب متعلم في ملكوت السموات يشبه رجلا رب بيت يخرج من كنزه جددا وعتقاء . مضى المخلص بعد ذلك يتساءل عما إذا كان تلاميذه قد فهموا أمثاله ، وسؤاله ليس عن جهل منه بمدى فهمهم بل رغبة في أخذ إقرارهم بذلك . ولما أجابوا بالإيجاب أخذ يبين لهم واجبهم وواجب من يتصدون لخدمة الكلمة من الرعاة وغيرهم ، وهو ضرورة الاتصاف بالحكمة والفهم والقدرة على تأييد تعليمهم بأدلة من العهدين القديم والجديد فقال « من أجلذلك كل كاتب متعلم في ملكوت السموات يشبه رجلا رب بيت يخرج من كنزه جددا وعنقاء » ، أي كما أن رب الأسرة يدخر في بيته من الأثاث والمؤونة الجديد والقديم ، إذ بعض الأشياء قديمها أفضل كالحمر ، وبعضها جديدها أفضل كالعسل ، كذلك يجب في خادم الإنجيل أن يخرج من كنز علمه ما يناسب الزمان والمكان والسامعين من تعاليم التوراة والإنجيل كليهما .
الأرشيذياكون المتنيح بانوب عبده
عن كتاب كنوز النعمة لمعونة خدام الكلمة الجزء الأول
المزيد
21 أغسطس 2022
أشياء تميزت بها العذراء مريم ( ٢ )
نستكمل باقي صفات السيدة العذراء مريم التي بها جذبت قلب الله ليأتي منها مولود من امرأة
4- فضيلة التسليم :-
كانت السيدة العذراء تعيش حياة التسليم كاملة لإرادة الله منذ صغرها ووجودها في الهيكل ونجد ذلك واضحاً بشكل كبير أيضاً أثناء بشارة الملاك لها حيث أنها ردت قائلة ” لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ ” ( لو 1 : 38 ) ، دون أن تنظر إلى المتاعبِ والمشقات التي من الممكن أن تتعرض لها من شك يوسف أو نظرة الناس لها . ولكنها سلمت إلى مشيئة الله وخضعت لاختياره لها كان التسليم عجيباً إلى المنتهي حتى وقت الصلب واتمام قصة الخلاص “أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص وأما أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك ، الذي أنت صابر عليه من أجل الكل يا أبني وإلهي “.. إنه تسليم في كل مراحل الحياة.. لتكن مشيئتك يا رب..
5- فضيلة إنكار الذات :-
لم تعيش السيدة العذراء يوماً طالبه كرامة أو نعمة في عيون الأخرين ولكنها كانت ناكرة ذاتها منذ أن كانت طفلة وهي تخدم في الهيكل . وفي البشارة حين قالت : ” هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ ” ( لو 1 : 38 ) أي عبدة ( خادمة ) لم تعطي ذاتها كرامة بل قللت من شأنها وهكذا عاشت حياتها .
فانكار الذات و الانكسار أمام الله هو طريق الانتصار ومن يتواضع يرفعه الله “أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِين ” ( لو 1 : 52 ) .
6- فضيلة الأحتمال :-
وهنا أقصد الأحتمال من ناحيتين ( احتمال الآلام و احتمال الكرامة ) قد يظن البعض إن احتمال الآلام صعب ولكن يجب أن نعرف إن احتمال الكرامة يحتاج إلى مجهود اكثر من احتمال الآلام والإهانات وقد قال أحد القديسين : “هناك الكثيرون يحتملون الإهانات ولكن القليلين يحتملون الكرامات ” ونجد أن السيدة العذراء منذ صغرها وهي كانت محتملة لكل الأمور حتي في حياتها داخل الهيكل ولم يكن من السهل أن تعيش طفلة عمرها 3 سنوات بداخله وأحتملت أيضاً البشارة وفرحتها بأن تكون أم المخلص وأحتملت الأهانات والمطاردة من هيردوس وأحتملت مشاق الولادة في مزود وأحتملت الآلام التي جازت في نفسها وقت الصلب وفراق وحيدها .
7- حياة الإيمان :-
يقول القديس بولس الرسول ” جربوا أنفسكم ، هل أنتم في الإيمان . امتحنوا أنفسكم ” ( 2كو 13 : 5) أنه ليس مجرد الإيمان العقلي ، بل هو إيمان حقيقي ، هو حياة يحياها الانسان فالله يسلمه حياته تسليماً كاملا في يده ونجد أن السيدة العذراء مريم تعجبت أثناء بشارة الملاك لها قائلة : ” كَيْفَ يَكُونُ هذَا وَأَنَا لَسْتُ أَعْرِفُ رَجُلاً ؟ ” ( لو 1 : 34 ) . ولكنها وثقت بالايمان من بشارة الملاك لها بالرغم من أنها عذراء ( ليكن لك حسب ايمانك ) ” عب 11 ” لايمكن ارضاء الرب بدون الايمان . هذا الايمان الذي عاشته السيدة العذراء مستلمه اياه من أبويها وإزداد نموًا بوجودها في الهيكل وصلواتها وتضرعاتها المستمرة وحفظها لكلام الرب الذي كانت تخبئه في قلبها محتفظه به وقد شهدت لها أليصابات قائلة : ” فَطُوبَى لِلَّتِي آمَنَتْ أَنْ يَتِمَّ مَا قِيلَ لَهَا مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ “( لو 1 : 45 ) .
8- حياة الخدمة :-
عاشت السيدة العذراء مريم منذ طفولتها حياة الخدمة . عاشت تخدم الآخرين حياة مبنية على المحبة والتواضع . منذ أن كانت في الهيكل وعمرها 3 سنوات تخدم الجميع . وبعد أن تركت الهيكل عاشت تخدم يوسف النجار خطيبها والعجيب أن السيدة لعذراء مريم ذهبت إلى أليصابات لتخدمها عندما علمت أنها حبلى مع إنها أم المسيح , إلا إنها لم تمنعها كرامتها من تذهب إليها في رحلة مضنية شاقة عبر الجبال وتمكث عندها 3 شهور تخدمها حتى ولدت يوحنا ( لو 1: 39-56 ) وقالت لها : ” فَمِنْ أَيْنَ لِي هذَا أَنْ تَأْتِيَ أُمُّ رَبِّي إِلَيَّ ؟ ” ( لو 1 : 43 ) فعلت ذلك وهي حبلى برب المجد لذلك تعجبت اليصابات من اين لي أن تأتي الي وتخدمني . وهكذا أستمرت طوال حياتها تخدم الجميع دون كلل أو تعب . بل كانت مثمرة وأمينة في وزنتها ومن هذه النقطة ننتقل الي الفضيلة التاسعة .
9- أمينة في وزنتها :-
عاشت السيدة العذراء مريم طوال أيام حياتها وأثناء خدمتها بأمانة شديدة جداً في وزنتها عاملة بالوصايا العشر التي حفظتها منذ طفولتها ولم تكسرها أبداً ” وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا ” ( لو 2 : 19 ) كانت أمينة في كل شئ وتعطي بحب ، كانت تقدم كل ماتملك وليس العشر فقط . كل ماتملك تقدمه . وذلك لأنه كما سبق وذكرنا قلبها حنون أمها اسمها حَنَة و قلبها يقيم فيه الله لأن أبوها يواقيم . فعاشت في مخافة الرب أمينة في كل وزنتها ( كل ما تملك ) .
10- عاشت حياة التقوي حياة روحية كالقديسين :-
عاشت السيدة العذراء مريم مزروعة علي مجاري المياه تشرب من ينبوع الله . حياة العذراء مريم عاشتها من الكتب المقدسة التي كان تقرأها من العهد القديم . ” فَيَكُونُ كَشَجَرَةٍ مَغْرُوسَةٍ عِنْدَ مَجَارِي الْمِيَاهِ، الَّتِي تُعْطِي ثَمَرَهَا فِي أَوَانِهِ ، وَوَرَقُهَا لاَ يَذْبُلُ . وَكُلُّ مَا يَصْنَعُهُ يَنْجَحُ ” ( مز 1 : 3 ) اثناء خدمتها في الهيكل كانت تري بعض الأخطاء ولكنها لم تتحدث عنها مع أحد أو تنتقدها ولم تدين أحد . و الانسان الذي يسير مع الله لا يخشي وان صار في وسط ضلال الموت لان الله معه ” أَيْضًا إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرًّا ، لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي . عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي ” ( مز 23 : 4 ) و كانت لاتخشي أخطاء الأخرين ” لأَنِّي أَنَا مَعَكَ ، وَلاَ يَقَعُ بِكَ أَحَدٌ لِيُؤْذِيَكَ ” ( أع 18 : 10 ) كانت توزع طعامها وتصوم هي كانت لا تغلق قلبها علي الأخرين امينة جدا جدا الي المنتهي كانت أناء مقدس جعلت نفسها مكان وهيكل لسكنى الروح القدس ” أمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ ، وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ ؟ ” ( 1كو 3 : 16 ) إذن النعمة التي عاشت فيها السيدة العذراء مريم هي عمل الروح القدس . فهي منذ أن كانت طفلة كانت في الهيكل . فتحت قلبها لعمل الروح القدس ، لذا كان طبيعيًا أن يحل فيها الروح القدس .ويأتي ليتجسد منها أبن الله عاشت حياتها متبعة للبر والقداسة ” اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ ” ( عب 12 : 14 ) الانسان الروحي يحكم في كل شئ ” وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَيُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ ” ( 1كو 2 : 15 ) عاشت تغذي الروح و تنميها ، تشم البخور تسمع العظة داخل الهيكل فتتقدس . عاشت تقوي يالحياة الروحية علي الحياة الجسدية وأخيراً يا أحبائي مهما أن تحدثنا وذكرنا من نقاط وفضائل عاشتها السيدة العذراء لم نوفيها حقها لأن حقاً كانت أنجيل معاش ، استطاعت أن يختارها الآب أماً له.
تطلع الآب من السماء فلم يجد مَن يُشبهكِ أرسل وحيده أتى وتجسد منكِ
أتمني يا أحبائي أن ننظر إلى سيرتها العطرة فنتمثل بإيمانها السيدة العذراء كانت ممتلئة نعمة . تحاور الله في دالة متواضعة ، تسلم حياتها لله كل الأيام . عاشت تعاليم الأنجيل ” فَقَطْ عِيشُوا كَمَا يَحِقُّ لإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ ” ( في 1 : 27 ) ولإلهنا كل المجد والكرامة من الآن وإلى الأبد . آمـــــيــن .
نيافة الحبر الجليل مثلث الرحمات الأنبا أثناسيوس أسقف بني مزار والبهنسا
المزيد
14 أغسطس 2022
أشياء تميزت بها العذراء مريم
تطلع الآب من السماء فلم يجد مَن يُشبهكِ أرسل وحيده أتى وتجسد منكِ ربع من أرباع التسبحة جعلني أتسأل فيه ما هي الأشياء التي ظهرت في حياة القديسة العذراء مريم وجذبت قلب الله ليأتي منها كمولود من امرأة ؟
كيف لها أن تزينت للحمل ؟ كما نقول في لبش يوم الخميس من أجل هذا تمدح مع يوحنا البتول قائلين طاهرة هي هذه العروسة التي تزينت للحمل .كيف رفعت من شأن النساء بعد أن كانت البشرية مضطربة بعد سقوط أمنا حواء وسماعها لكلام الحية . فالسيدة العذراء بمشورتها استطاعت أن تمحو ما فعلته حواء و بمجئ السيد المسيح متجسد من العذراء أزال عنا سلطان الموت والفساد ورجع ادم إلي رئاسته الأولي .وما الذي جعل داوود النبي يسمي العذراء مريم مدينة الله لأن الله في السماء ولما نزل وتجسد من العذراء مريم صارت العذراء سماء ثانية ؟
ولماذا تشبهت برموز كثيرة في العهد القديم ( عصا هارون – شورية موسي – باب حزقيال – فلك نوح – لوحا الشريعة – سلم يعقوب … ) فحقاً السيدة العذراء هي الواسطة التي جعلت هناك علاقة بين السماء والأرض وبقدسيتها استحقت أن تلد الرب يسوع الوسيط بين الله والناس فخر جنسنا . أكليل فخرنا . رأس خلاصنا . ثبات ظهرنا . السيدة مريم العذراء التي ولدت لنا الله الكلمة ما الذي جعلها مستحة أن يقال لها أفرحي يا مريم العبده والأم ؟
ولابد أن نعرف إن السيدة العذراء مريم في حاجة إلي الخلاص مثلنا ولكنها تميزت عن باقي النساء لتصبح والدة الإله ترفعها الكنيسة فوق مرتبة رؤساء الملائكة فنقول عنها في تسابيحها وألحانها : علوت يا مريم فوق الشاروبيم وسموت يا مريم فوق السيرافيم ويجب علينا نحن أيضاً أن نأخذ من صفاتها لنسلك هياكل للروح القدس يسكن فينا كما أن السيد المسيح سكن في أحشائها ونعرض الآن بعض الفضائل متمثلة في بعض النقاط وأهم الأشياء التي تميزت بها السيدة العذراء مريم .
1- نشأتها في أسرة مقدسة :-
ولدت القديسة العذراء مريم من أب طيب وأم حنونة رباها في تقوي وبر ومخافة الله .
والدها اسمه يواقيم ( يهوه يقيم ) وزوجته اسمها حَنَة ( الحنون ) وقد كانا متقدمين في السن ولم يرزقا بذرية. ولأن بني إسرائيل كانوا يعيرون من لا ولد له لهذا كانا القديسان حزينين ومداومين على الصلاة والطلب من الله نهارًا وليلًا أن يعطيهما ابنًا يخدمه في بيته كصموئيل . فاستجاب الرب الدعاء فظهر ملاك الرب جبرائيل ليواقيم وبشره بان امرأته حَنَة ستحبل وتلد مولودًا يسر قلبه ، كما ظهر جبرائيل الملاك لحَنَة وزف إليها البشرى بأنها ستلد ابنة مباركة تطوبها جميع الأجيال لان منها يكون خلاص آدم وذريته . وقضت حَنَة أيام حملها في صلوات و أصوام إلى أن ولدت بنتًا وسمياها مريم يستطيع الرب أن يختار من الأسرة المقدسة من هو مقدس .لذا نسمي القديسة العذراء مريم أم الخلاص ولكنها لم تشترك في الخلاص وهي مولودة من أب وأم ونحن لا نؤمن بحبل أمها فيها بلا دنس هذا الكلام ليس له مدلول تاريخياً والكنيسة تكرم العذراء لأنها ولدت السيد المسيح مشتهي الأجيال ولأنها حملته فقط , وربته فقط أماً له و يقول السيد الرب في أشعياء ( 63 : 3 )( قَدْ دُسْتُ الْمِعْصَرَةَ وَحْدِي ، وَمِنَ الشُّعُوبِ لَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ ) جزت المعصرة وحدي ولم يكن معي أحداً من البشر السيد المسيح وحده هو الذي أتم عملية الخلاص وهو ابن الله المتجسد والجسد الذي أخذه لكي يشابهنا في كل شئ محال الخطية وحدها نحن الذين أخطائنا فنستحق الموت مات السيد المسيح عوضاً عنا ولكن بلاهوته مسح خطايانا وغفر كل خطايا العالم من الشرق إلي الغرب ومن الشمال إلي الجنوب من أدم والي أخر الدهر وهذا العمل عمله السيد المسيح ابن الله المتجسد وحده ومات الإنسان يسوع المسيح والله لا يموت فالإنسان يسوع المسيح هو الذي أخذ عقوبتنا بجسده الذي أخده من السيدة العذراء مريم هي أم ابن الله ونسميها ثيؤتوكوس أم الله لأن المسيح هو ابن الله وهو الله نفسه لأن لاهوت السيد المسيح هو لاهوت الأب هو لاهوت الروح القدس والثلاثة هم واحد هذا هو الأيمان السليم منذ سفر التكوين نجد أن الثلاثة أقانيم ظاهرين في الإصحاح الأول عدد 1 و 2 و 3 ( في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خربة وخالية ، وعلى وجه الغمر ظلمة ، وروح الله يرف على وجه المياه وقال الله : ليكن نور، فكان نور ) ( تك 1 : 1 – 3 ) الله مثلث الأقانيم منذ الأزل ولكنه عندما أراد أن يأخذ جسد ظهر في ملء الزمان مولوداً من امرأة ( غلاطية 4 : 4 ) ” وَلكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ ” وهي السيدة العذراء مريم التي ولدت مشتهي الأجيال لذلك نطلب من السيدة العذراء لأنها قريبة منه جدا لأنه يوجد داله أمومة .
2- الاتضاع :-
وهي من ضمن الفضائل الأساسية التي جعلت الرب ينظر إليها أنها كانت وديعة وظهر ذلك أثناء بشارة الملاك جبرائيل لها ( سلام لك أيتها المنعم عليها الرب معك مباركة أنت في النساء ، فلما رأته اضطربت من كلامه و فكرت ما عسى أن تكون هذه التحية فقال لها الملاك لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدت نعمة عند الله و ها أنت ستحبلين و تلدين ابنا و تسمينه يسوع هذا يكون عظيماً و ابن العلي يدعى و يعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه و يملك على بيت يعقوب إلى الأبد و لا يكون لملكه نهاية . فقالت مريم للملاك كيف يكون هذا و انا لست اعرف رجلاً . فأجاب الملاك و قال لها الروح القدس يحل عليك و قوة العلي تظللك فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله و هوذا اليصابات نسيبتك هي أيضاً حبلى بابن في شيخوختها و هذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقراً لأنه ليس شيء غير ممكن لدى الله . فقالت مريم هوذا انا امة الرب ليكن لي كقولك فمضى من عندها الملاك )( لو 1 : 28 -38 ) .فالسيدة العذراء ممتلئة نعمة ولا يوجد من بين النساء من يشبهها وبعد هذه البشارة أظهرت السيدة العذراء تواضعها الشديد إذ قالت ( لأنه نظر إلى اتضاع أمته )( لو 1 : 48 ) . وليس لفضل فيها ولا أحد خرج البشرية من الفردوس غير الكبرياء فالكبرياء أم الرزايل كما أن الاتضاع أم الفضائل كما أن المسيحية في جوهرها تبدأ بالتواضع وإنكار الذات .الاتضاع في مظهره هدوء ولكن في داخله أفعال . أولها الطاعة ومن هذه النقطة ننتقل إلي النقطة الثالثة .
3- الطاعة :-
كانت السيدة العذراء مريم مطيعة في كل شئ فالإنسان المتضع من السهل جدا أن يسمع ويطيع لأن الاتضاع يولد الطاعة وهي ارتضت وقبلت أن تخدم في الهيكل وهي لا تزال طفلة صغيرة عمرها 3 سنوات حتى بلغت 12 سنة من عمرها , وكان أبواها قد ماتا وعندما بلغت سن الزواج تشاور الكهنة معًا على زواجها فاختار زكريا الكاهن من شيوخ وشبان يهوذا واخذ عصيهم وكتب عل كل واحدة اسم صاحبها ووضعهم داخل الهيكل فصعدت حمامة فوق العصا التي كانت ليوسف النجار ثم استقرت على رأسه فعقد الكهنة خطبتها على يوسف وعاشت في بيته الذي في الناصرة ووسط كل هذه الأحداث لم تعترض أو تفرض رائياً بل كانت مطيعة إلي أبعد حد .
وأيضاً أطاعت وقبلت بشارة الملاك بأن تحوى بداخلها الغير المحوى فلقد تجملت بالفضائل الكثيرة التي أهلتها لذلك .
نيافة الحبر الجليل مثلث الرحمات الأنبا أثناسيوس أسقف بني مزار والبهنسا
وللحديث بقية
المزيد
13 أغسطس 2022
عذراء العهدين
" السلام للسماء الجديدة التي صنعها الآب وجعلهـا موضع راحة لابنه الحبيب " ( ذكصولوجية باكر )
رموز وحقائق :
لـقـد كـان سر التجسّد الإلهى مخفياً في طقوس وعبادات وشرائع العهـد القـديـم ، كـان حكمة مكتومة منذ الدهور وأعلنها لنا الله في ملء الزمان ( أف ٣: ٩ ، ١٠) وهكـذا مـا كان مخفياً ومرموزاً إليه في العـهـد القـديـم صـار مستعلناً وجلياً في العهد الجديد . ولأن العذراء القديسة قد ارتبطت بمقدار هكذا عظيم بسر التجسّد ، فنجدها قد أحاطتها الرموز في العهـد القـديـم وهذا ما تسبح به في ثيؤتوكية يوم الأحـد مـن كـل أسبوع ، فبسبب قلبها المتضع وحياتها النقية صارت هي الموضع الذي ارتاح فيه ضابط الكل ووجد موضعاً لسكناه بين الناس . كانت هي " القبة الثانية " موضع قدس الأقداس موضع حلول الله وسكناه وسط شعبه إنها المدينة المقدسة ، مدينة الله التي سكن فيها ومن أجلها تنبأ كثيرون " أعمال مجيدة قد قيلت لأجلك يا مدينة الله " ( مز ۸۷ : ۳ ) . لقد أتى الله إلى مدينته وصار إنساناً مثلنا ، هو الله القدوس الذي خلقهـا وهـيا مـن جسدها مسكناً له وصار انساناً منها " الأم صهيون تقول إن إنساناً وإنساناً حـل فيها وهو العلى الذي أسسها إلى الأبد " ( مز ٣:٨٧ ) ، إنها العـذراء التي امتلأت بالمجد الإلهي والتحفت به بحلول ابن الله القدوس فيها ، كانت نقاوة حياتها مقدمة لأن تحل عليها نعمة الله ، ليسكن فيها القدوس وتصير عرشاً له ، حقاً قال فيها المزمور " كلهـا مجـد ابـنة الملـك مـن داخـل " ( مز ٤٥ : ١٣ ) ، صارت عرشـا الهـياً تخدمه الشاروبيم " السلام للعرش الملوكى المحمول على الشاروبيم " ( ذكصولوجية باكر ) . هي " تابوت العهـد " المصنوع من خشب السنط ، ولكـنـه قـد اكتسى بالذهب النقـى مـن داخـل ومـن خـارج ، کما التحفت هي بمجـد لاهوت ابن الله الكلمة ، لقد كان التابوت علامة عهد بين الله وشعبه ، عهـد محبة وخلاص ، علامة أنه حاضر فيهم ويسير بينهم ، وهكـذا صـارت هـي تابوتاً عقلياً حملت لنا عهداً جديداً بحلول الله في طبيعتنا إلى الأبد ، وفى أحشائها قد تزينت طبيعتنا واكتست بمجد الألوهة ! كـان الكاروبـان يظلـلان عـلى غطـاء التابوت حراسـة ومجـداً وتكـريمـاً وصـار الـسيرافيم والشيروبيم يسبحون خالقهم وهـو في بطنها ويرفرفون عليها كل حين . هي " القسط الذهبي " الموضوع فيه المن السماوي الذي يقتات به شعب الله في برية الغربة ، فمن أحشائها صار لنا قوت الحياة الأبدية ينبوع الخلود وترياق عدم الموت ، الذي نزل من السماء وأعطى الحياة للعـالم " خبـز الحـيـاة الـنـازل مـن الـسـماء الـواهـب حـيـاة للعـالم . أنـت أيـضـاً يـا مـريـم حملت في بطنك المن العقلي الذي أتى من الآب " ( لحن بي أويك - للتوزيع ) . لم يكـن ينير خيمة الإجتماع سوى " المنارة الذهبية " تحمل المصباح المتقد كـل حين ، وصارت العذراء منارة جديدة وسط ظلمة فساد الطبيعة البشرية ، تحمل مصباحاً لا ينطفىء نوره أبداً ، لقد أنار بنوره طبيعتنا البشرية ، بـل الخليقة كلها ، لقـد حملت لبـن الله الذي صار إنساناً " كان هو النور الذي ينير كل إنسان آتياً إلى العالم " ( يو ٩ : ۱ ) . كانت العذراء هي " المجمرة الذهب " التي يحملها هارون يفوح منها بخـور عـطـر ، يدخل به إلى قـدس الأقداس موضع حلول الله ، هي المجمرة الذهب الجديدة التي يفوح منها بخـور عطر ، أعطى العالم كله رائحة جديدة وجعل البشرية تفوح منها رائحة عطرة رائعة أمام الله الآب ، بعد أن كانت قد فاحت منها رائحة نتانة الخطية والشر ، فتنسم الله رائحة جديدة منا في شخص ابنه الحبيب ، الذي أخذ طبيعتنا من أحشاء العذراء رائحة رضى وسرور ! " هـذا الـذي أصـعـد ذاتـه ذبيحة مقبولة عـلى الـصليب عـن خـلاص جنـسنا فتنـسمها أبـوه الصالح وقـت المـسـاء عـلى الجلجثة " ( لحن الصليب ) . هكذا إلتقى العهـدان في مـريـم العذراء ! العهد القديم برموزه واشاراته ، والعهـد الجديد الذي تحققت فيه كل الرموز والإشارات الخاصة بسر تجسّد ابن الله واتحاده بنا ، وأمام السيدة العذراء ليس لنا سـوى التأمل الهادئ الوقور ، والتسبيح القلبي المفعم بالفرح إذ أننا أمام السر الإلهي كله ، وسر محبة الله للبشر . " لأنه إذا ما تأملك أحد أيتها العذراء القديسة والدة الإله والسر العجيب الذي صار فيك لأجل خلاصنا فإنه يسكت من أجل ما لا ينطق به ويقيمنا إلى التسبيح " ( ثيؤتوكية الثلاثاء ) أمام العذراء ليس لنا إلا أن نسبح ونشكر ونمجد ، نسبح تدبير الله لخلاصنا ونشكر عميق محبته لنا ، ونمجد عظم الأعجوبة التي صارت لنا بتجسّده من البتول القديسة . تأمـل اتـضاع وتسليم العذراء مـريـم وقـد قبلت البشارة بالحبل الإلهى : باتضاع كامل وتسليم طفولى وعذراوية مطلقة ! من منا لا يعجب لإتضاعك يا أم النور ؟! من منا لا ينذهل لتسليمك المطلق لمشيئة الله ؟ ! من منا لا يندهش لحسن جمال بتوليتك ؟ ! لقد قدمت العذراء لنا الطريق لظهور ابن الله في حياتنا . يسوع ما زال يبحث عن عذراء ! نفوس عذراء ! نفوس انقطعت عن الارتباط بالعالم والأرضيات . عذراء تقدست وتطهرت من الخطية والشهوة والجسدانيات . نفـس عـذراء تُسلم حياتها بجهاد أمين ورؤية ثابتة نحو السماء ، نفس لا تجادل أو تناقش أو تضع منطق العقل وقواعد الحساب بينها وبين الله . يسوع يبحث عن عذراء تثق في وعوده رغم تعارضها مع منطق الناس . نفس تتضع مع كل بركة تحصل عليها وكل تدبير الله في حياتها قائلة " هـوذا أنـا أمـة الـرب " الـرب مـا زال يبحث عن هذه النفس العذراء كي " يولد " فيها ويظهر ذاته للعالم كله . نفسي لا يمكن أن تكـون ( حاملة ) للمسيح ما لم تتكرس لـه وحده في عذراوية مطلقة واقتران كامل . المتجسّد يريد أن تظل كنيسته عذراء ، دائمة البتولية ، على المسيح مثال مريم ، حتى ما يمكنه أن يظهر منها للعالم كله كل حين ، العذراء وهي حاملة للسر الإلهي داخل أحشائها ، انطلقت تخدم بلا عائق وذهبت إلى بيت زكـريـا تخـدم اليصابات ، لتبرهن مـن جـديـد عـلى استحقاقها لهذا السر واحتفاظها بعذراويتها واقترانها بيسوع ، وهكذا رسمت لنا وللكنيسة كلها طريق الكرامة والمجد الحقيقي ، أنه طريق الإتضاع والخدمة ! " إنـه طـريق الكاملين المخصصين ليسوع ، الذين تحـرروا مـن سـلطان الـذات ومشيئات الـنـاس ورغـبـات العـالم ، للإقـتران بيسوع وحـده في عذراويـة كاملـة منطلقـين بـلا عـائـق في طـريق المحبة والخدمة ! يا نفسى المسكينة .. تلهثين خلف الكرامة والإنتماء والاتساع ولـكـن يـسـوع يريد عذراء جديدة يظهر منها للعالم ، يحل بمجده فيها لتصير سماء جديدة تفوح منها رائحة القداسة تعطر العالم وتنير ظلمته بالحياة الجديدة . أعطني يا رب أن أتعلم منك كيف أتضع مثلما فعلت أمك . أن أسلم لك وأخضع لمشيئتك . أن أحتفظ بعذراوية نفس بلا ربط تقيدني بعيداً عنك .
القمص بنيامين مرجان باسيلى كاهن كنيسة مارمرقس الجيزة
عن كتاب والدة الإله مريم العذراء فى فكر الأباء
المزيد
06 أغسطس 2022
السيدة العذراء وشفاعة القديسين
نحـن نحـب العذراء القديسة مريم ونكرمها باعتبارها الشيفعة الأمينة لجنسنا عـنـد ابنها الحبيب ، ويكفي أن ننتبه إلى حرص الناس جميعهم ـ الصغار والكبار ـ على ممارسة الصوم الذي يحمل اسمها والإحتفال بأعيادها ، لندرك عمق الصلة والخبرة الروحية التي لنا مع أم الله الحنونة ، التي تشفع فينا في كـل حـين ونحـن نسميها في التسبحة " القديسة أم جميع الأحياء “ ( ثيؤتوكية الثلاثاء ) . وقبل أن نعطـر ألسنتنا بالحديث عن أم النور الطاهرة يلزمنا أن نعرف لماذا نكـرم القديسين في كنسيتنا الأرثوذكسية ، ونحرص على أعيادهم وتذكاراتهم والتسمى بأسمائهم ؟؟
أولاً : كنيستنا في تكريمها للقديسين لا تؤمن بأي وساطة من جانبهم بيننا وبين الله ، بالمعنى الخلاصي ! بـل أنها لا تؤمن بأي وساطة يمكـن أن يقترب بها الإنسان إلى الله بدالة وجسارة ، سوى وساطة وشفاعة دم ربـنـا يـسوع المسيح المسفوك عـن خـلاص البشرية " لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح “ ( ۱ تی ٢ : ٥ ) ، « إن اخطـأ أحـد فـلـنـا شـفيـع عـند الآب يسوع المسيح البار وهـو كـفـارة لخطايانا ، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضاً “ ( ١ يو ۲ : ۱ ، ۲ ) لذلك فالكنيسة في كل صلواتها على الإطلاق تختم كل الطلبات والتوسلات والصلوات بعبارة قصيرة هي " بالمسيح يسوع ربنا “ وهو تقليد إنجيلي وروحي أصيل يتطابق مع وصية رب المجد لنا " الحق الحـق اقـول لـكـم إن كل ما طلبتم من الآب باسمى يعطيكم .. اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً “ ( يو ١٦ : ٢٣ ، ٢٤ ) . إنها شفاعة كفارية فريدة ووحيدة بها نجد قبولاً ودالة عند الله الآب . إنها شفاعة للتطهير والتقديس وغفران الخطايا ، حين يخضع الإنسان لتبكيت الروح القدس وعمله داخل النفس ، فيدفعه دفعاً إلى أحضان الآب السماوى محتمياً في كفارة المسيح بالتوبة الصادقة وتنهدات القلب الطاهـر " الروح القدس يشفع فينا بأنات لا ينطق بها “ ( رو ۸ : ٢٦ ) . إنهـا أنـات القلب التائب الواثق من قبول الله له وغفران خطاياه بدم المسيح .
ثانياً الكنيسة هي جسد المسيح الحي الواحد والكنيسة تدرك تماماً هذه الحقيقة ( أف ۱ : ۲۲ ، ۲۳ ) . لهذا فهى تعيش وتختبر وتحقـق شهوة قلب فاديها الحبيب ليلة آلامه حين صلى لأجل جسده قائلاً : " أيها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين أعطيتني ليكونوا واحـداً كـما نـحـن . ولـسـت اسـأل مـن أجـل هـؤلاء فقط ، بل أيـضاً مـن أجـل الـذين يؤمنون بـي بكلامهـم لـيـكـون الجميع واحـداً كمـا أنـك أنـت أيها الآب في وأنـا فـيـك ، ليكونوا هـم أيـضاً واحـداً فيـنا ، ليؤمن العالم أنك أرسلتني وأنـا قـد أعطيتهم المجـد الذي أعطيتني ليكونوا واحداً ، وليعلم العالم أنك ارسلتني وأحببتهم كما أحببتني “ ( یو ۱۷ : ۲۰-۲۳ ) هذه الوحدانية ، وهذه الشركة هي سمة رئيسية في حياة العهد الجديد ، والتمتع بخلاص المسيح ، لأنه كما تغرب الإنسان بالخطية عـن الله وعـن أخيه ، حين فقد امكانية الحب الإلهى ، فإنه حين ينال الخلاص والحياة الجديدة يعود إلى الشركة مع الله ويسترد أيـضاً إمكانية المحبة ليعود إلى حياة الشركة مـع إخـوته ، لذلك يقـول القديس مقاريوس الكبير : " لا خلاص للإنسان خارج أخوته “ !
وذلـك صـدى لتعليم القديس بولس الرسول حين يؤكد على ضرورة هذه الشركة لاختبار سر المسيح ، سر الخلاص حين يقول : « ولكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قـبلاً بعيدين صـرتـم قـريبين بـدم المسيح ( شفاعته الكفارية عن خلاصنا ) لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً ( اليهود والأمم ) .. لأن به لنا كلينا قدوماً في روح واحـد إلى الآب ( كشعب واحـد وكنيسة واحـدة ) ، " فلستم اذا بعـد غـرباء ونزلاء بـل رعـية مع القديسين وأهـل بـيـت الله مبنين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية الـذي فـيـه كـل البناء مركباً معاً ينمو هيكلاً مقدساً في الرب “ ( اف ۲ : ۱۳-۲۲ ) » وقد ربط الرسول ربطاً مبدعاً بين إيماننا بالمسيح ، وبين انسكاب المحبة في قلوبـنـا مـن نـحـو بعضنا البعض كأعضاء في كنيسة المسيح ، وبين ادراكنا للخلاص وعمق عمل المسيح حين قال : " ليحل المسيح بالإيمان في قلوبكم وأنتم متأصلون ومتأسسون في المحبة حتى تستطيعوا أن تدركوا مع جميع القديسين ما هو العرض والطول والعمق والعلـو وتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله “ ( اف ۳ : ۱۷-۱۹ ) . لذلك وباختصار ، فإن القديسين في كنيستنا الواحدة هم جزء حى وأعضاء حية في جسد المسيح الواحد ، ونحن حين نقف لنصلى إنمـا نقـف كنيسة واحـدة معهـم ، تجمع المرئيين على الأرض وغير المرئيين الذين هـم أرواح قـد أكملـوا جـهـادهم ، وانتقلوا إلى السماء ، تقف الكنيسة كلها لتقدم حياتها للمسيح رأسها ، وفى وحدة حقيقية يصنعها الروح القدس بيننا وبين ربنا يسوع المسيح من ناحية ، وبين بعضنا البعض من ناحية أخرى . " العبادة في كنيستنا تقـوم عـلى أساس اجتماع المؤمنين مع أرواح الشهداء والأبرار المنتقلين والملائكة والعذراء القديسة مريم . وصور القديسين على حامل الأيقونات ، كـإنها الكنيسة قـد احتجزت لهم الصف الأول لحضورهم على الدوام ، وجعلت ظهورهم نحو الشرق أنهم لم يعودوا بعد ينتظرون المسيح الآتي مثلنا ، بل هم معه الآن كل حين ، وجعلت وجوههم نحونا لكي يعزوننا ويؤازرونا ويتقبلوا توسلاتنا وصلواتنا “ . كيف يمكـن إذا في هـذه المحبة الإلهية المنسكبة في الكنيسة بالروح القدس ألا يصلى القديسون من أجلنا ، ويشاركوننا الصلاة والجهاد في غربتنا على الأرض ؟ !
كيف يمكـن ألا تتحرك قلوبهم نحونا بالحب ، نحن أخوتهم في الجسد الواحد يسندوننا ويرفعون عنا الصلوات ، ونحن أيضاً نصلى من أجلهم بكل اتضاع وإحتياج ؟ " هؤلاء الذين بسؤالاتهم وطلباتهم ارحمنا كلنا معاً وانقذنا من أجل اسمك القدوس المبارك الذي دعى علينا " وأيضاً نصلى : " إننا يا سيدنا لسنا أهلاً أن نتشفع في طوباوية أولئك بل هم قيام أمـام مـنـبـر ابـنـك الـوحـيـد لـيكونوا عوضـاً عـنـا يـشفعون في ضعفنا ومذلتـنا . كـن غافـراً لآثامـنـا مـن أجـل طلباتهم المقدسـة ومـن أجـل اسمك العظيم الذي دعي علينا " ( القداس الإلهى ) لذلك حين يصف سفر الرؤيا منظر كنيسة المسيح نراه يقدم صورة رائعة عن هذه الشركة في الصلاة والحب : " وجاء ملاك آخـر ووقـف عـنـد المذبح ومعـه مبخرة من ذهب وأعطي بخوراً كثيراً لكى يقدمه مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله " ( رؤ ٧ : ٣ ، ٤) لذلك فإنـنـا نقـدم البخور أمام أيقونات القديسين في يقين أننا نقدمه مع صلواتهم عنا أمام الله !! "
ثالثا " إذ لنا سحابة من الشهود مقدار هذه محيطة بنا ، لنطرح كل ثقل والخطية المحيطة بنا بسهولة ولنحاضر بالصبر في الجهاد الموضوع أمامنا ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع " ( عب ۱۲ : ۱ ، ۲ ) حين نطلب صلوات القديسين عنا ، وحين نكرمهم فإننا نؤمن أن الـذي عـمـل فـيـهـم لأجـل تقديسهم ، قـادر أن يعمـل فـيـنـا أيـضاً لنصير قديسين مثلهم ، إنهم ليسوا شخوصاً تاريخية وإنها شخصيات إنسانية ضعيفة قـد أطاعـت صـوت الـروح واستسلمت لعمـل الله فيها ، فتحولت عـن صـورتها الترابية إلى صـورة القداسـة والـنور ، لذلك يوصينا الرسول بولس أن ننظر إلى سيرتهم ونتمثل بإيمانهم ( عب ١٣ : ٧) ، إنهـم الـنـماذج الحية التي نسعى لنصير مثلها ، نجاهد جهادهم ونحيا إيمانهم ونختبر قوة النعمة التي عملت فيهم . لذلك لـن نستفيد كثيراً مـن تـكـريمنا للقديسين والتشفع بهم ، دون أن يكون جهادنا وحياتنا هي حياتهم بتوبة وتقديس وتكريس الكيان كله لله . لأجل ذلك تضع الكنيسة أمامنا نموذجاً حياً في كل يوم في السنكسار ، لكي ما يكون نبراساً لحياة الإيمان والرجاء الحي ، و لنسعى خلف المسيح واثقين من نصرتنا وتقديس حياتنا .
إن العالم يحتاج اليوم إلى نماذج قداسـة مـن هـذا النوع ، وهـو يتشوق كثيراً أن يرى نور المسيح هكذا مضيئاً في الذين يحملون اسمه ويتحدثون بكلامه ، حتى يكتمل جيش القديسين المنتظرين في السماء اذ أنهم لا يمكن أن يكملوا بدوننا ، بهم تكمل نصرتنا وبنا يكتمل فرحهم وشركتنا جميعاً في المسيح الواحد . وببساطة نقـول انـه إذا كـان مـن المفيد والنافع أن نـصـادق الصالحين مـن الـناس الذين يعيشون بينـنـا عـلى الأرض ، لننتفع بصلاحهم وصلواتهم فكم تكون صداقة القديسين الذين تحرروا من ثقل الجسد والخطية وصاروا مثل ملائكة في السماء ؟ إن واحداً منهم قد تحرك قلبه بالحب لأجل خلاص أخوته وهو في الجسد مـا زال يـئـن فقـال " كنت أود لو أكون أنا نفسى محروماً من المسيح لأجـل أخوتـى أنـسبائي حسب الجسد " ( رو ۹ : ۱-۳ ) . ألا يصلي إذا الآن من أجلنا ، من له مثل هذا القلب وهذا الحب ؟ ! " بركتهم المقدسة تكـون مـعـنا آمين . المجـد لـك يـا رب . يا رب ارحم یا رب باركنا . یا رب نيحهم آمين . " ( القداس الإلهى )
القمص بنيامين مرجان باسيلى كاهن كنيسة مارمرقس الجيزة
عن كتاب والدة الإله مريم العذراء فى فكر الأباء
المزيد