المقالات

08 نوفمبر 2022

المرض هل هو بركة أم تأديب

المرض هو دليل على أن الجسد ضعيف, وأن الأرض ليست مستقرنا مهما عاش (مثل المعمر الصعيدي الذي مات أول أمس عن 130 سنة). والمريض ينجذب نظره نحو السماء حيث الكمال في كل شئ فلا مرض ولا ضعف ولا نقص ولا عاهات.. الكل كامل حتى على مستوى الذهن (ولكنه كمال نسبي إذا ما قيس بالكمال الإلهي) فيزهد المريض في هذه الأرض كلما ثقل عليه المرض والمريض في ضعفه يتضع ويتوب "من تألم في الجسد كُفّ عن الخطية" (1بط 4 : 1) فلا شك أن القوة الجسدية قد تدفع صاحبها إلى الخطأ أو تجعله يتمادى في ضلاله، ولذلك يذكّره الله بين آن وآخر بضعفه, لا سيما إذا افتخر بقوة جسده, فيذكره الله بأن جسده ليس ملكاً له ولكنه وديعة يستثمرها فيما يمجد الله ويعين الآخرين، ومن ثمّ فإنه يتضع في مرضه ويشعر بضعفه وبالتالي باحتياجه إلى الله, وهكذا ينقيه المرض ويمحّصه والمريض يبدأ يشعر بآلام الآخرين وضعفهم فيشاركهم معاناتهم, وينفتح بالحب على الآخرين قيل عن السيد المسيح "لأنه في ما هو قد تألم مجربا يقدر أن يعين المجربين" (عبرانيين 2 : 18). وفي حين تطلب الكنيسة عن أولادها المرضى لكي يشفيهم المسيح وخصصت لذلك أوشية كاملة هي أوشية المرضى, فإننا قد تسلمنا من الآباء أن نطلب من الرب الشكر والإحتمال والتسليم, لا الشفاء، ولكن الكنيسة فيما تطلب الشفاء لأولادها تطلب أولاُ شفاء النفس, ففي إستطاعة النفس متى كانت هادئة شاكرة أن تعين الجسد لإحتمال آلام المرض, بينما نقرأ عن آباء كثيرين كانوا يطلبون المرض لأنفسهم إذا كان في ذلك راحة لآخرين قال أب: (كنت أطلب من الله أن يستبدل جسدي بجسد مجزوم.. ) كما ارتبط سر مسحة المرضى بالتوبة لكى يكون الشفاء الأهم هو الشفاء من الخطية "أمريض أحد بينكم فليدع شيوخ الكنيسة فيصلوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب (يعقوب 5 : 14). نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
07 نوفمبر 2022

شعار جميل

"أَنَّنَا نَثِقُ أَنَّ لَنَا ضَمِيرًا صَالِحًا، رَاغِبِينَ أَنْ نَتَصَرَّفَ حَسَنًا فِي كُلِّ شَيْءٍ" (عب13: 18)إنه شعار جميل ورائع الذي وضعه معلمنا العظيم لسان العطر بولس الرسول، وضعه لنفسه وللمؤمنين جميعًا.ما أحسن وما أجمل أن يقتني الإنسان ضميرًا صالحًا نقيًا معتدلًا غير منحرف، وما أحسن وما أجمل أن تكون عند كل واحد رغبة قوية روحانية أن يتصرف حسنًا في كل شيء، في معاملاته، في علاقاته، في عمله، في بيته.صاحب الضمير الصالح النقي يسلك بأمانة وإخلاص في كل شيء، يحترم وصايا الله ويقدسها يعمل بها.يظهر الضمير الصالح عند معلمنا بولس في أمانته والتزامه فيقول: «إِنِّي عِشْتُ للهِ بِكُلِّ ضَمِيرٍ صَالِحٍ» (أع23: 1)، كما يقول: «أُدَرِّبُ نَفْسِي لِيَكُونَ لِي دَائِمًا ضَمِيرٌ بِلاَ عَثْرَةٍ مِنْ نَحْوِ اللهِ وَالنَّاسِ» (أع24: 16).الإنسان الأمين صاحب الضمير الصالح والسالك باستقامة ينال بركات كثيرة من الله كما يقول الحكيم: «اَلرَّجُلُ الأَمِينُ كَثِيرُ الْبَرَكَاتِ» (أم28: 20)، ومنها النجاح والنمو والتقدم.الضمير الصالح يكون كالميزان الحساس (ميزان الذهب) وليس كالميزان القبّاني (ميزان الخشب). لذلك ينصحنا معلمنا بطرس الرسول ويقول: «وَلَكُمْ ضَمِيرٌ صَالِحٌ، لِكَيْ يَكُونَ الَّذِينَ يَشْتِمُونَ سِيرَتَكُمُ الصَّالِحَةَ فِي الْمَسِيحِ (يهزأون بكم)، يُخْزَوْنَ فِي مَا يَفْتَرُونَ عَلَيْكُمْ» (1بط3: 16).المؤمن التقي صاحب الضمير النقي يرغب في أن يتصرف حسنًا في علاقته مع الله وفي علاقته مع الناس:في علاقته مع الله يكون أمينًا في عبادته، صومه، صلواته، اعترافاته، وخدمته، واحتماله. يقول معلمنا بولس الرسول: «أَشْكُرُ اللهَ الَّذِي أَعْبُدُهُ مِنْ أَجْدَادِي بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ» (2تي1: 3). ويقول معلمنا بطرس: «هذَا فَضْلٌ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ أَجْلِ ضَمِيرٍ نَحْوَ اللهِ، يَحْتَمِلُ أَحْزَانًا مُتَأَلِّمًا بِالظُّلْمِ» (1بط2: 19). معلمنا بولس يطلب من أجل تطهير ضمائرنا ويقول: «دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ ِللهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَال مَيِّتَةٍ (من الأعمال التي تؤدي إلى الموت الأبدي أي الهلاك) لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ» (عب9: 14).صاحب الضمير الصالح الصاحي يمارس كل وسائط النعمة بأمانة من أجل خلاص نفسه وحياته الأبدية.الإنسان صاحب الضمير الصالح الذي يرغب أن يتصرف حسنًا في علاقته مع الناس عليه أن يحب الكل ويصنع الخير مع الجميع على قدر طاقته، والوحي الإلهي يقول: «فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلاَ يَعْمَلُ، فَذلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ» (يع4: 17).الله يعطينا الضمير الصالح والرغبة القوية أن نتصرف حسنًا في كل شيء وفي كل مجال حرصًا على أبديتنا وخلاص نفوسنا. آمين نيافة الحبر الجليل الأنبا متاؤس أسقف دير السريان العامر
المزيد
06 نوفمبر 2022

أيها الشاب لك أقول قم

آحاد شهر بابه المُبارك ياأحبائىِ تدور حول خط واحد وهو سُلّطان ربنا يسوع على النِفَس البشريّة ، وأقوى نوع فىِ سُلّطانه على النِفَس البشريّة هو " إِقامة الموت " ، والإِنجيل هُنا يتكلّم عن شاب ميّت وربنا يسوع تقدّم ولمِس النعش وقال" أيّهُا الشاب لك أقول قُم " وأُم هذا الشاب هى سيّدة أرملة أى فقدت زوجها واليوم فقدت إِبنها الوحيد ، وعِندما تفقد إِبنها الوحيد يكون فىِ داخلها حُزن شديد ، مات إِبنها وكفّنوه وكانت مِن العادات فىِ ذلك الحين أنّ المدافن تكون خارج المدينة ، عِند باب المدينة بالضبط وعِندما كان الناس خارِجون بالشاب الميّت لكى يدفنوهُ وهذا كان موكب صعب جداً ، كان كُلّهُ حُزن وعويل ، وجدنا موكب آخر فيهِ ربنا يسوع وهذا الموكب داخل البلد ،" ذهب معهُ كثيرون مِنْ تلاميذهِ وجَمع كثير " ، كان يسوع فىِ المُقدّمة وتلاميذهُ ورائهُ والسيّدة أيضاً كان معها جمع كثير " وهى أرملة ومعها جمع كثير مِن المدينة " موكب خارج فيهِ ميّت وموكب داخل فيهِ ربنا يسوع موكب فيهِ موت وموكب فيهِ رئيس الحياة والموكبين تقابلوا فىِ نُقطة واحدة ، فربنا يسوع وجد السيّدة حزينة حُزن شديد جداً " فتحنّن عليّها وقال لها لا تبكىِ " وأحب أن أتكلّم معكُم فىِ نُقطتين :- 1- تراءف عليّها ربنا يسوع عِندما يجد الإِنسان بيبكىِ على ميّتهُ يتراءف ويُقيم موتى الخطايا لأنّ إِقامة خاطىء مِن خطيتهُ هى القيامة الحقيقيّة ، فالموت الحقيقىِ هو موت الخطيّة فهو الّذى يجعل الإِنسان يخسر مصيرهُ الأبدى فِعلاً فالخطيّة هى التى جلبت الموت وهى سبب الموت ، إِذاً الخطيّة هى أقوى مِن الموت ، وسُلّطان ربنا يسوع على الموت هو أن يُقيم الخُطاه مِن موت الخطيّة وأبونا فىِ الصلاة يقول " لا تدع موت الخطيّة يقوى علينا ولا على كُلّ شعبك " فالسيّدة أُم الشاب بِتبكىِ ودموعها بِتجعلها لا ترى مَن أمامها ولكن يسوع لمّا رأها تحنّن وتراءف ، وهُنا لم يكُن أحد قد دعى ربنا يسوع لكى يُقيم هذا الميّت ، ولكن هُنا هو الّذى ذهب ، ذهب بِتدبير لكى يُعطىِ حياة دون أن يطلُب منهُ أحد ربنا يسوع عِندما يجد نِفَس قد إِجتازها الموت وتسلّط عليّها يتراءف وأحشائهُ فىِ الداخل تتحرّك ، فزكريّا عِندما ولد يوحنا المعمدان قال" بأحشاء رحمة إِلهنا التى بِها إِفتقدنا المُشرق مِن العلاء " ( لو 1 : 78 ) فلم يكُن أحد يقدر أن يطلُب مِن ربنا أن يأتىِ على الأرض ويموت ويُصلب ، ولكن ربنا مِن تحنّنهُ غُلب ، ولِذلك مَن الذى أقامنا معهُ ؟! تحنّنهُ فمِن الأمور التى حرّكت تحنّنهِ دِموع أُمّه ألا وهى الكنيسة ( أُمنا ) ، فهى عِندما تجدنا ميتيين بالخطايا تكون حزينة جداً ، لأنّ عِلاقتنا بالكنيسة ليست خارِجيّة ولكنّها داخليّة لأننا أبناء00أبناء00أبناء وبِشفاعة الكنيسة عن أولادها تغلِب تحنُّن ربنا " كما يتراءف الآب على البنين يتراءف الرّبّ على خائفيهِ " فأنا أقف وأقول لهُ يارب أنا ميّت ، ميّت بِمعنى كلمة ميّت 00ميّت فاقد الحِس 00فاقد النُطق ، أنا غير قادر على أن أنحاز للصلاح ، أنا غير قادر أن أنحاز للروحيّات ، عايش فىِ قيود الجسد ، ميّت ، وهُنا الكنيسة تبكىِ عليك وتجلب لك حنان ربنا لكى يقترب إِليك ويُقيمك ، النِفَس الميّتة بالذنوب والخطايا المحمولة على نعش لها رجاء عِند ربنا يسوع ، فما الذى جعل ربنا يسوع يقترب مِن الخُطاه ؟! حنانه 00ما الذى جعلهُ يتجسّد ؟! حنانه00فهو مغلوب مِن تحنّنهُ ولِذلك الكِتاب عِندما يذكُر قصة السامرىِ الصالح يقول " ولمّا رآه تحنّن " ، فهذا هو رجاءُنا فىِ ربنا يسوع ، ولِذلك أقول لهُ : يارب تحنّن ، والكنيسة تصرُخ وتقول " أعنّا يا الله مُخلّصنا لأننا قد تمسكنّا جداً " ، فلِكى حنان ربنا يتحرّك أقف أمامهُ مُنكسر ، القلب المُنكسر والمتواضع لا يُرذلهُ الله فكلِمة " إِرحمنا " تجلب علينا حنان ربنا ، كلِمة " أعنّىِ " ، كلِمة " خلّصنىِ " تجلب عاطفة ربنا المُذخّرة لنا لأننا أولاده ، ولأنّهُ هو ينبوع الحياة ومُعطىِ كُلّ حياة ، فأقف أمامهُ مِثل العشّار الذى وقف مِن بعيد ولم يشأ أن يرفع رأسهُ ، فهذا الوضع يجلب حنان ربنا ، لِدرجة أنّ القديسين يقولوا " أكثروا مِن السجود فىِ الصلاة " ، فالإِنسان الذى يطأ رأسهُ للأرض هو إِنسان يجلِب حنان ربنا ، والكنيسة تقول " إِحنوا رؤوسكُم أمام الرّبّ " ، فإِحناء الرأس هو إِنكسار وخضوع ومذلّة ، فهو يدُل عن إِنسان خجلان مِن ربنا ، ونحنُ بِنخجل مِن خطيتنا أمام ربنا يسوع ينبوع كُلّ حنان فنقف ونحنُ نشعُر بِخزينا وهُنا نأخُذ حنان ربنا ورأفاته وفىِ موقف إِقامة هذا الشاب لم يوجد أحد قد طلب مِن ربنا يسوع ولكنّهُ هو تحرّك ، وحتى أُمّه لم يذكُر الكِتاب أنّها طلبت مِن ربنا يسوع فحتى ولو الإِنسان فقد أى شفاعة أو حنان مِن المُحيطين بهِ ، فإِنّ شفاعة ربنا يسوع كفيلة بأن تُقيمه ، وحنان ربنا يسوع كفيل أن يُعطىِ حياة للموتى ونحنُ الأحياء الّذين فىِ موكِب الداخلين ، الإِنسان يسأل نفسه : أنا فىِ أى موكِب ؟! موكِب الحياة أم موكِب الموت ، كُلّ إِنسان فينا بيعمل خطايا هو بيفقد جُزء مِن طريقهُ لأورشليم السمائيّة ، ويسير فىِ الطريق المُضاد وكُلّ إِنسان بيفعل الصلاح هو يسير فىِ طريقه لأورشليم السمائيّة إِلى أن نتقابل كُلّنا ، فأنا مَن الذى أتبعهُ وفىِ أى موكِب أسير ؟!! نحنُ لنا رجاء فىِ رئيس الحياة وفىِ حنانه لنا ، لنا رجاء حتى ولو كان الموت قد غلبنا ولِذلك ربنا يسوع قصد أن يذكُر لنا مُعجزة إِقامة ميّت ، لكى يؤكّد لنا أننا حتى ولو كُنّا موتّى فهو قادر أن يُقيمنا ، وبِذلك نقول لهُ فإِن كان للميّت رجاء فهكذا رجائىِ فيك يارب ، أنا رجائىِ فيك مِثل رجاء الميّت ، حنانك هو الذى يجعلك تقترب إِلىّ 0 2- تقدّم ولمِس النعش فالموت لهُ سُلّطان ولهُ مهابة ، ولكن يقول الكِتاب " ثُمّ تقدّم ولمِس النعش " فالناس الّذين يحملوهُ وقفوا فقال كلِمة عجيبة " أيّهُا الشاب لك أقول قُم " ، ما هذا ؟!!رئيس الحياة مُتقدّم إِلى الموت يتحداه الموت مع الحياة إِلتقوا فىِ نُقطة ، وهذا نِفَس ما حدث فىِ الصليب ، لقد تلامس ربّ المجد مع الموت وصار هو والموت فىِ مواجهة فغلِب الموت ، وهُنا عِندما تقدّم ولمِس النعش وقال للشاب لك أقول قُم ، قال " أين شوكتك ياموت ، أين غلبتِك يا هاوية " ، ربنا يسوع لهُ سُلّطان على الموت لأنّهُ هو رئيس الحياة وكان لِشعب إِسرائيل أن يعبُر نهر الأردُن لكى يدخُل أرض كنعان فقال لهُم أن يجعلوا التابوت يتقدّمهُم ويبعدوا عنهُ ألف ذِراع ، وعِندما فعل الشعب هكذا رجعت المياه إِلى الخلف ، فنهر الأردُن بيرمُز إِلى الموت ، مُستحيل أن ندخُل أورشليم السمائيّة دون أن نعبُر الموت ، فلِكى ندخُل كنعان لابُد أن نعبُر نهر الأردُن ، ولكى لا يبتلعنا الموت ربنا يسوع يتقدّمنا ويجتاز بِنا الموت ، فنحنُ نموت ولكن لا يبتلعنا الموت وفىِ العهد القديم ربنا غضب على شعب إِسرائيل فعمل وبأ بينّهُم فقتل 70 ألف نِفَس ، فموسى تشفّع عن الشعب ، وهارون أخذ يُبخّر بين الموتى والأحياء فوقف الوبأ ووقف الموت ، وهذا ما فعلهُ ربنا يسوع ، فهو عمل فاصل بين الموت والحياة فسُلطان ربنا يسوع هو مُمكن أن يكون فىِ كلِمة فقط خارجة مِن فمهِ ، ولِذلك لا تستهن بِكلمة الإِنجيل لأنّها لها قُدرة على إِقامة الموتى ، فأى إِنسان تُقاس قدرتهُ بِكلمتهِ ، وربنا يسوع عِندما يقول لِشخص لك أقول قُم فهذهِ الكلِمة مُقتدرة والقديس بولس فىِ رسالتهُ إِلى العبرانيين الإِصحاح الأول يقول " حامل كُلّ الأشياء بِكلمة قُدرتهِ" ( عب 1: 2 ) ، هذهِ الكلِمة هى التى مصدر القُدرة والقوّة ، ولِذلك فىِ الكنيسة أى أمر يتم بالكلِمة لأنّ الكلِمة مُقتدرة لأنّها كلِمة بالروح ولها سُلطان ، فأبونا عِندما يقول " وهذا الخُبز يجعلهُ جسداً مُقدّساً لهُ " ، فنجد أنّ الخُبز يتحّول إِلى جسد ، وأيضاً الأب الأسقُف عِندما يضع على واحد يدهُ فإِنّهُ بيجعلهُ شمّاس ، ومِن هذا أخذت الكنيسة سُلطانها بالكلِمة ، فكلِمة الإِنجيل بِتدخُل إِلى داخلىِ وتُعطينىِ حياة ولها إِقتدار فىِ قوّتها وربنا يسوع فىِ كُلّ سُلطانة فىِ إِقامة الموتى بيُعطىِ علامة حياة ، فأبنة يايرُس عِندما قامت جعلها تأكُل وعِند إِقامة لِعازر ربّ المجد يسوع قال للّموجودين حلّوه ودعوهُ يمضىِ وعِندما أصبح لِعازر يمشىِ صار ذلك علامة حياة والشاب الّذى نتكلّم عنهُ هُنا يقول عنهُ الكِتاب " وإِبتدأ يتكلّمُ " ربنا يسوع عِندما أحبّ أن يصنع معنا مُعجزة أعطانا الحياة ويتكلّم ولا يستطيع أن يسكُت ، يتكلّم مِن عظمة رحمتهُ معنا ، ولِذلك إِقترن بِكلمتهُ ولو خضعنا لِكلمتهُ فإِنّ كلِمتهُ قادرة أن تُحيينا وتُخلّصنا مِن كُلّ دنس أنا ضعيف وعِندما أعيش الوصيّة أجد أنّ الكلِمة لها سُلطان ، وأطلُب مِن الكنيسة أن تشفع لىّ وأُقدّم دِموع مِن أجل أخوتىِ وبِذلك نصير كُلّنا بِنشفع فىِ بعض ، ويقول الكِتاب هُنا عن الشاب " فدفعهُ إِلى أُمّهِ " ( لو 7: 15 ) ، أرجعهُ لأُمّهِ ربنا يسوع بيرّجعنا للكنيسة ، والكنيسة هى المسيح والمسيح هو الكنيسة ، المسيح ترك لنا أحضان الكنيسة لكى نشبع منّها ربنا يُكملّ نقائصنا ويسند كُلّ ضعف فينا بنعمتهِ ولإِلهنا المجد دائماً أبدياً آمين 0 القمص أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والانبا انطونيوس محرم بك الاسكندرية
المزيد
05 نوفمبر 2022

إنجيل عشية الأحد الرابع من شهر بابه

تتضمن الحث على تقوية الايمان بالله مرتبة على فصل مشى السيد على الماء وتوبيخه لبطرس بقوله . " يا قليل الايمان لماذا شككت ( مت 14 : ٢٢-٣٦ ) أن سيدنا له المجد صعد إلى الجبل منفردا مرتين ليصلي : الأولى قبل آيـة تكثير الخبز يو٢:١ والثانية بعدها يو١٥:٦ . وذلك أولا ليعلمنا كيف نختلي في صلواتنا . وثانيـا ليختفى من وجه الذين أرادوا تنصيبه ملكا بعد نظرهم آية تكثير الخبز . وبقى وحـده إلى المساء حيث كانت سفينة التلاميذ في وسط البحر معذبة مـن الأمـواج بسـبب الريح الشديدة التي حركتها ليعودهم على احتمال الشدائد والمصائب . فبقوا الليل كلـه في اضطراب ولم يأتهم إلا في الهزيع الرابع من الليل ليعلمهم كيف يطلبونه بحرارة واجتهاد . ولما أبصروه ماشيا على البحر خافوا وظنوه خيالا فصرخوا . فقال لـهم " أنا هو لا تخافوا " . فقال له بطرس يا سيد : " إن كنت أنت فمرنی أن أتى إليك على الماء فقال له تعال . فنزل بطرس ومشى على الماء ولكنه خـاف مـن الريح وأبتدأ يغرق . فأمسك به يسوع وقال له : " يا قليل الإيمان لماذا شككت " مت٣١:١٤" : هذا كـل ما في فصل اليوم ومنه نتعلم مسألتين : أحداهما أن سيدنا له المجد صنع هنا خمـس عجائب . الأولى مشيه على البحر . الثانية مشى بطرس أيضا . الثالثة نجـاة بطـرس من الغرق . الرابعة تسكين الرياح والاضطراب . الخامسة بلوغ السفينة إلـى مينـاء السلام يو٢١:٦ . أما المسألة الثانية فهي أن أغلب التجارب والأحزان تأتينا من قلة الأيمان وعدم ثقتنا بإلهنا واعتمادنا على انفسنا . أو على مساعدة غيرنا . فألزم شئ أذن للإنسان إنما هو الايمان بالله والثقة بأقوالـه تعـالى . لأن الايمان هو أساس الخلاص وعليه تبنى احسـانات الله للبشـر . وبدونـه لا يمكـن ارضاؤه عب٦:١١ وهو أمر واضح من قول سيدنا له المجد لقائد المئة : " اذهب وكما أمنـت ليكن لك " مت١٣:٨. ومن قوله للأمرأة نازفة الدم : " ثقى يا ابنة إيمانك قد شـفاك "مت ٢٢:٩ ومن قوله لرئيس المجمع الذي ماتت ابنته : " لا تخف . آمن فقط" مر٣٦:٥ ومن جواب الرسـول للسجان : " آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك " أع ٣١:١٦ فهل يليق بنا أن يكون ايماننا فاتراً ونحن أبناه أولئك الذين جاهدوا الجـهاد الحسن . أولئك الذين قابلوا اضطهاد الحكام العتاة والملـوك القسـاة الطـغـاة مثـل ديوقلاديانوس ونيرون وغيرهما بكل شجاعة وإقدام . حتى انه قتل منهم 840 ألـف نفس في مدة حكم ملك واحد لم يفتر ايمانهم بل حفظوه لنا سالماً كما تسـلمـوه مـن الملائكة الأطهار . أو لم يكن لنا درس بسيط من توبيخ سيدنا له المجـد لبطـرس بقوله : " يا قليل الإيمان لماذا شككت " مت ٣١:١٤ اننا نتعلم منه ألا نزدرى بالنواميس الالهيـة حتى لا نكون قدرة ردية لغيرنا . لان قلة الايمان تسهل الازدراء بالناموس الالـهى وتهون على الانسان اهمال كل ما يقال له فضيلة . من منكم ايها الاحباء ينكر هذه الحقائق التي يؤيدهـا العقـل وتشـهد بـها الوقائع ؟ يا للعجب ! أنحتقر عمل الفضيلة هكذا حتى أن كلا منا يرتكب نوعـاً مـن الخطايا بدون خوف ولا خجل . ؟ وها قد انطبق علينا قول النبي : " كلهم قد ارتـــدوا معاً فسدوا . ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد " مز٣:٥٣ فأن قلتم ما هي علة ذلك ؟ قلت انما هو فتور الايمان .أمر مدهش جداً ! بل عجيب وغريب !!! إننا نصرخ كل يوم مـن عمـق قلوبنا قائلين " بالحقيقة نؤمن بإله واحد . الله ضابط الكل خالق السموات والأرض .. " ونحن نعمل كل لحظة ما يدل على فتور في ايماننا ؟ ألعل الاقوال برهان علـى حسن الإيمان ؟ كلا . وإنما الاعمال الحسنة هي البرهان على حسـن الايمـان قـال الرسول : ارنى ايمانك بدون أعمالك . وأنا أريك بأعمالي ايماني " يع ١٨:٢ فأي ايمان يبيـن لنا أعمالنا ؟ أليس الايمان الكامل العامل بالمحبة !! إن الله يأمرنا بمحبة أعدائنا مت٤٤:٥ ووعدنا نظير ذلك بأن نكون بني العلى لو٣٥:٦ فماذا نعمل نحن لإخواتنا وليس لاعدائنا ؟ أننا لم نخالف هذا الأمر الإلهي فقط مـن جهة أعدائنا لا . بل من جهة أخوتنا أيضا . فاننا نبغض ونعادي بعضنا بعضا حتـى الموت . نسب ونشتم . ننصب أشراك ومكائد ودسائس وشايات وشـكاوي . سـعايات وأضطهادات . وغير ذلك من الشرور والجرائم التي لا تليق بشعب المسيح . من أيـن هذه كلها ؟ وما هو السبب ؟ إنها من قلة الإيمان . والسبب هو قلة الإيمان . إن الكتاب المقدس يقول إن ساداتنا الرسـل كـانوا يشـتمون فيبـاركون . يضطهدون فيحتملون . يفترى عليهم فيصلون ويعظون المفترين لكـى يتوبـوا ١كو١٢:٤-١٣ . انظر استفانوس بكر الشهداء حينما كانوا يرجمونه فأنه سجد وصلى عـن راجميـه قائلا : " يارب لا تقم لهم هذه الخطية " "أع٦٠:٧ " فلماذا لا نقتفي آثارهم ونعمل كأعمالهم ؟ وما السبب غير ضعف إيماننا وقوة إيمانهم . إن الله تعالى يأمرنا كل يوم في كتابه أن نعطى صدقة : أي نطعـم الجـائع ونسقى العطشان ونأوى الغريب ونكسي العريان ونعول المريض ونعتني بـالمحبوس وغير ذلك . وقال صريحا : إن الفقراء أخوته فمن فعل بهم خيرا فقد فعله بی مت ٤٠:٥فهل قمنا بالواجب علينا حسب هذه الوصيه ؟ . كلا . بل أننا نحول وجهنا عـن الجـائع والعطشان . ونهمل المريض ونوبح القريب والبعيد وكل من يسألنا حاجة . يـا ليتنـا نتركه بل نمتهنه ونوبخه غير ملتفتين لقوله تعالى : " من يرحم فقيرا يقـرض الـرب ومن معروفه يجازيه " ام١٧:١٩ ألعل الله كاذب ؟ حاشا الله . فهو يعطى بدل الواحد مائـه مت ٢٩:١٩ وإنمـا نـحـن ضعفاء الإيمان ، ألعلك ياهذا تقول في نفسك إنى أمنت وأعتمدت وخلصت كقول سيد البرايا : " من أمن واعتمد خلص " مر١٦:١٦ فاقول لك أن بطرس أمن مثلك ولكـن السـيد وبخه قائلا : " يا قليل الأيمان . لماذا شككت " ألعل أيمانك أنت أعظم مـن ايـمـان بطرس ؟ ثم أن يهوذا الاسخريوطي كان مؤمنا ايضا . وتلميذا مصاحبـا للسـيـد لـه المجد لكنه كان قليل الإيمان . حتى أن قليلا من الفضة أضاع منه ذلك القليل البـاقي من إيمانه . وامنا حواء كانت إيضا مؤمنة . ولكن إيمانها كان فاترا فأيمـان كـهذا لا يركن إليه في خلاص النفس . لأنه كالماء الفاتر ليس حارا فيصلح للتطهير . ولا هـو بارد فيترك . لأجل هذا أسمحوا لي أيها الأحباء أن أقـول مـع الرسـول يعقـوب : " الإيمان بدون أعمال ميت " يع ٢٠:٢وإن كان أحد على غير ما رويـت . فلـيـرني عظـم ايمانه بأعماله لأرى إن كانت له ثقة بالله كثفة قائد المئة القائل : " يا رب قـل كلمـة فقط فيبرأ غلامی " مت ٨:٨ أو كإيمان وثقة الكنعانية التي قال لها السيد : " عظيـم أيمـانك . ليكن لك كما تريدين " مت ٢٨:١٥ أو إن كان يدخل الكنيسة بورع وليس كمتفرج . أو أن كـان ويسمع يقف بأحترام الأنجيل ولا يهرب وقت الوعظ ، أو أن كان لا يتحـادث عـن أشغاله أو متاجره في أوقات العبادة . أو أن كان يرحم الفقير ويطعم الجائع ويكسـى العريان ويؤاوى الغريب . إن كان يفعل هكذا فيكون مؤمنا بالحق . ويقول البعض لماذا لأنه شاهد أيات ؟ كقول السيد له المجد : " وهذه الأيـات تتبع المؤمنين . يخرجون الشياطين بأسمى ويتكلمون بألسنة جديدة . يحملون حيات وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون "مر١٧:١٦-١٨ " فنقـول لهؤلاء إنه بسبب ضعف إيماننا لا نرى الأن شيئا من ذلك لأنه يقول أن الأيات تتبـع المؤمنين لا قليلي الإيمان . فالأيات قد بطلت . لأن حرارة الأيمان قد بردت . ودليـل ذلك هو جواب السيد له المجد لتلاميذه عندما سألوه عن الروح النجس قائلين : لمـاذا لم نقدر نحن أن نخرجه . فقال لهم يسوع : " لعدم أيمانكم " أي لقلة ايمانكم مت١٩:١٧-٢٠ فها قد بينا لكم أيها الأحباء أن قلة الإيمان هي أصل جميع الشرور والإيمـان هو مصدر كل عمل صالح فسبيلنا أذن أن نتخـذ الحلـم طبعـا لنـا . وأن نكـون متواضعين عادلين رحومين عفوفين . متصفين بطول الآناة . ملتحفين برداءة العفـة . متعقلين . بسطاء . راسخين في الايمان . بنعمة وتعطف ربنا وإلهنا يسـوع المسـيح . الذي له المجد إلى أبد الآبدين . أمين . القديس يوحنا ذهبى الفم عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
04 نوفمبر 2022

كيف تكون عائلتك مقدسة؟

أن أكلمكم اليوم عن كيف تكون عائلتك مقدسة؟ كيف نعيش فكرة الأسرة كما أرادها السيد المسيح؟ القديس يوحنا ذهبي الفم له عبارة جميلة يقول فيها: "الأسرة أيقونة الكنيسة". عندما ننتهي من بناء كنيسة، نزينها بالأيقونات، كذلك كل أسرة منكم هي أيقونة تجمّل الكنيسة. هل بيتك فعلًا أيقونة حلوة، أم أيقونة مشوهة ومهملة؟ المسيح هو أصل الأسرة: نحن نؤمن أن الرابطة الزيجية هي بين رجل وامرأة وفي وسطهم المسيح، لذلك نقول إن رابطة الزواج ثلاثية. في يوم الإكليل عدتم إلى بيتكم ثلاثة أشخاص لا اثنين لأن المسيح معكم في البيت. هل المسيح سعيد بكم وببيوتكم؟ المسيح هو بداية الاسرة، وكأن السيد المسيح يمسك بيد الزوج بإحدى يديه، ويمسك بالأخرى يد الزوجة، وكلا الزوجين يمسك أحدهما بيد الآخر من ناحية، وبالمسيح باليد الأخرى؛ وهذا ما يجعل رابطة الزواج رابطة قوية لأنها بحضور وحلول المسيح. لذلك نؤمن بوحدة الزواج، أي الزواج بشريك واحد، ونؤمن بدوام الزيجة وأنها لا تنحل إلا بالخطية أو الموت. كذلك نؤمن أن كل زيجة لها ثمار، إمّا أبناء أو فضائل أو خدمات؛ لا نعرف عقمًا في الزيجة المسيحية.. كيف إذًا تكون بيوتنا وأسرنا مقدسة؟ (1) الحب الحب قدمه الله لنا كبشر «لأنَّهُ لَمْ يُرسِلِ اللهُ ابنَهُ إلَى العالَمِ ليَدينَ العالَمَ، بل ليَخلُصَ بهِ العالَمُ» (يوحَنا 3: 17). حين يتزوج الإنسان وينجب فإنه يأخذ من حب المسيح ويقدم في أسرته، وهذا الحب ليس بالكلام فقط. كلمة حب من حرفين: "الحاء" حياة و"الباء" بقاء، فبقاء الحياة يكون من خلال الحب الحقيقي الذي يضعه الله في قلوبنا. الحب عاطفة مهمة جدًا، والعاطفة نعمة من عند ربنا. الأسرة كيان الحب. وإذا أحببتم أبناءكم وبناتكم حبًا صحيحًا سيكبرون وهم يعرفون الله، لكن إذا غاب الحب، وعاملتم أبناءكم بقسوة، سيتكوّن عند الولد والبنت صورة سيئة عن الله. يقول الكتاب إن «النفس الشبعانة تدوس العسل» (أمثال 27: 7)، النفس الشبعانة من الحب في البيت، فمهما كانت الإغراءات لا يمكن أن يقع الأبناء. البيت الصحيح يُبنى على حب الله، ويشبع أفراده من الحب داخل البيت. إن مسئولية الأب هي أن يحتوي زوجته وأولاده.الحب أيها الأحباء يعني أن أسامح الآخر متى أخطأ في حقي، سواء شريك الحياة أو الأبناء. كما يعني الحب أن أنسى الإساءة؛ هذا هو حب المسيح الذي سامحنا على الصليب رغم خطايانا وضعفاتنا، ولا يعيّر أي إنسان (مثلما فعل مع السامرية وزكا). أظهروا الحب بوضوح لأولادكم، لكي تعيشوا فرحين ويعيشوا طفولتهم طفولة حب وطفولة فرح. من الأشياء المهمة جدًا لتوصيل الحب هي العناق، عانقوا أولادكم، لكي يشبعوا من عاطفة الحب، فالعناق يوصل لهم رسالة مباشرة أن لهم قيمة كبيرة عندنا، وأننا نفرح بهم. (2) الحوار الحوار مكمّل للحب. أكثر ما يتمتع به الإنسان أن يتكلم مع من يحبهم، لأن الانسان كائن ناطق، أعطاه الله نعمة الكلام لكي ينقل الأفكار والمشاعر. ما هي نوعية كلامك مع أسرتك؟ هل تخصص وقتًا للكلام مع الأسرة؟ يجب أن يكون هناك حوار بين أفراد الأسرة على الأقل نصف ساعة يوميًا، دون الانشغال بالموبايل أو المشاكل أو المتاعب. عندما نتحاور نعرف بعضنا البعض أكثر. علّم أولادك الحوار وكيف يعتذرون متى أخطأوا. الحوار بين الكبار والصغار يقوم على الحب. مشكلتنا أن الناس قد تدخل في الحوار كأنها في شجار! يوجد حوار ويوجد شجار ويوجد جدار، أي أنني اتكلم والآخر لا يجيب! نقرأ في الانجيل: «هلموا نتحاجج يقول الرب» (إشعياء 1: 18). الرجال بطبعهم قليلو الكلام، والنساء بالعكس. الرجل لا يحب التفاصيل، والمرأة تستفيض فيها. هذا الاختلاف طبيعي لذا يجب أن يتفهّم أحدهما الأخر. تعلموا أن تسمعوا أولادكم أيضًا ولا تقاطعوهم، بل احترموا مشاعرهم. الحوار يبدأ بالحب، وينمو بالحب، ويكمل بالحب. إذا كنت زوجًا أو زوجة، أو ابنًا أو ابنه، كبيرًا أو صغيرًا، تحتاج أن تهتم بالآخر، وتقول له كلمة تشجيع، دعاء، كلمة طيبة... كلنا نحتاج لهذا. (3) الحرية الحرية لا تعني الانفلات والفوضى. لا بد من وجود هامش من الحرية في بيوتنا. مهما فعل ابنك أو ابنتك، احتضنهم لكي تحافظ عليهم. أعطهم بعض الحرية. علموا أبناءكم أن يكون لهم شخصية في المجتمع الذي سيعيشون فيه، قادرين على التعبير عن أنفسهم، ولهم قدرة على الاختيار، فحين يكبرون يستطيعون اتخاذ القرارات الصحيحة. الحرية مرتبطة بالوصية التي نعيشها، وبالقانون المدني في المكان الذي تعيش فيه. عندما تضيّقون على أبنائكم تكون النتيجة أنهم يخفون عنكم أمورهم الخاصة، وتكون النتيجة أنهم يقعون في أخطاء متعددة قد تتطور حتى ترك المنزل. أنتم السبب إذا لم تعرفوا كآباء وأمهات كيف تحتوون وتحتضنون أبناءكم.الحرية تعني احترام الآخر حتى ولو أخطأ. الحرية معناها الإرشاد، أرشد ابنك للصواب. الحرية معناها أن الإنسان يتصرف بإيجابية. الحرية معناها الاهتمام. الحرية احترام، إرشاد، إيجابية، اهتمام. علموا أولادكم أن يختاروا الملابس الوقورة والمناسبة للمكان، فثياب اللعب تختلف عن ملابس القداس، عن المصيف عن البيت... علموهم ألا ينساقوا وراء كل شيء جديد بل أن يفعلوا الصواب. أشياء كثيرة في التربية لا بد أن ننتبه لها ولنتذكر قول الكتاب: «كل الاشياء تحل لي، ولكن لا يتسلط عليّ شيء» (1كورنثوس 6: 12).الحب والحوار والحرية هي معالم أن أسرتك مقدسة وعائلة مباركة. الله يبارك كل بيت وكل أسرة. لإلهنا كل مجد وكرامة من الآن وإلى الأبد آمين. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
03 نوفمبر 2022

شخصيات الكتاب المقدس يوأش

يوآش وعمل يهوآش ما هو مستقيم في عيني الرب كل أيامه التي فيها علمه يهوياداع الكاهن 2مل 12: 2 مقدمة كانت الفتاة الصغيرة لا تمل النظر إلى نموذج المدينة الموضوع أمامها، وأطلقت عليها المدينة المسيحية، وسألها أبوها قائلاً: لنفرض أن هذه المدينة وثنية، فماذا ينزع منها؟!! أجابت بسرعة: الكنيسة.. وقال الأب: ألا يوجد شيء آخر؟.. قالت لا أظن،.. ولكن الأب قال: لا يابنتي فإن هناك أشياء كثيرة يمكن أن تزال: المدرسة، والمستشفى ودور العجزة والمكتبات العامة!!.. قالت له الصغيرة: ولكن هذه موجودة في البلاد الوثنية!!... قال لها: إنها لم توجد إلا بتأثير الروح المسيحي، والعالم لم يعرفها، إلا عندما تعمق فيه هذا التأثير، وقد أخذها مقلداً الفكر المسيحي، والعاطفة المسيحية، فهي مرتبطة أساساً بالمفهوم المسيحي في الحياة، وعندما تزال الكنيسة أو بالحري تزال روح الكنيسة في الأرض!!.. فإن ما صدر عنها أو استلهم روحها يمكن ألا نجد له وجوداً،.. ولعل هذا يتضح بالمقارنة مع التاريخ الوثني، الذي لم يعرف -على رغم تعمقه الفلسفي- انتشار دور الحنان والمحبة والإحسان والرحمة!!.. قال الآب: هذا أو شيئاً مثل هذا وهو يبين أهمية بيت الله في الأرض،.. ولعل هذا البيت كان له كل شيء في حياة يوآش، إذ هو المكان الذي درج فيه، واختبأ، وعاش، وهو البيت الذي اهتم بترميمه كأعظم عمل قام به،،.. وكان من الممكن أن يبقى تأثير هذا البيت عميقاً في حياته، لولا أن روحه تباعدت عنه بعد موت الكاهن العظيم الذي علمه ودرجه في كل شيء، وجاءت الغمامة التي طالما لاحقت ملوك يهوذا عند الغروب، ووضعت لتحذيرنا جميعاً، وها نحن نتابع قصة الرجل فيما يلي: يوآش والألم المبكر إن قصة يوآش تذكرني بقصة الغلام الصغير الذي كان يتعلم الموسيٍقى، وجاءته الفواجع، وهو في سن مبكرة، فقال لأستاذه: لست أعلم لماذا سمح الله بهذه الآلام التي ألمت بحياتي من كل جانب، وأنا في مطلع الحياة وطراوة الأيام،.. وقال له الأستاذ: لست أعلم يا بني مثلك، لماذا سمح الله لك بهذا كله،.. لكني أعلم شيئاً واحداً، أن لك صوتاً موسيقياً رائعاً، وأن هذا الصوت كان يحتاج إلى رنة الألم والحزن فيه، حتى يصبح من أرق الأصوات التي أعطاها الله للناس في حياتهم!!.. لقد صنع الألم يوآش على صورة من أجمل الصور، فإن ياهو بن نمشي قتل أباه، والطفل ما يزال بعد رضيعاً، فما كان من عثليا بنت إيزابل جدة يوآش وأم أبيه إلا أن قامت وأبادت جميع النسل الملكي، وانفردت هي بالحكم، على أن يهوشبعة زوجة رئيس الكهنة يهوياداع أخت الملك استطاعت أن تخطف ابن أخيها، وتخبئه ست سنوات من وجه عثليا،.. كان أخزيا أبوه ملكاً شريراً، ولو أنه عاش ونشأ في أحضانه وأحضان عثليا، لتغير على الأرجح تاريخه بأكمله، ولسار وراء بيت آخاب في كل شرورهم،.. لكن يتم الولد كان من أهم الأسباب التي استخدمها الله لخيره وحياته!!.. عندما قتلت عثليا النسل الملكي بهذه الصورة المفزعة الرهيبة، كان الناس لا يذكرون إلا أن كارثة قد حدثت،.. ولعل البعض رفع عينيه نحو السماء وهو يقول: لماذا سمحت يا رب بهذه الكارثة؟!!.. ولعل آخرين تعجبوا كيف يتغلب الشر إلى هذا الحد، ويبدو كما لو أن الله أخلى المكان للأشرار ليعيثوا شراً وفساداً في الأرض!!.. ولعل الغير وقد صدمهم هول الحادث، عجزوا أمام نهر الآلام أن يعرفوا من أين تأتي منابعه، وإلى أين تتجه أو تصب!!… ولكن الرقيب الأعلى كان يراقب كل شيء، ويتابع التيارات الخفية، ويغير اتجاهها ومجراها، ولم يستطع الناس لسنوات متعددة أن يروا تياراً رقيقاً مندفعاً في اتجاه الصالح والخير، نابعاً من قلب هذه الآلام،.. ولم يعرف الناس أن يوآش الصغير كانت أجمل أيامه هي الأيام التي علمه فيها الألم أن يعيش دون زهو أو كبر أو اعتداد، لمجد الله، وخدمة هيكله، والعمل على رفع المعاناة والتعاسات والمآسي التي يعيشها غيرهم من أبناء الله المتألمين في الأرض!!… يوآش والتربية الصالحة قال أحدهم: "عندما يسمح الله بأن تأخذ امرأة مثل عثليا مكانها وسلطانها في حياة الناس، يأمر بأن تكون هناك يهوشبعة التقية الصالحة أيضاً". وكانت يهوشبعة عمة الملك الصغير، وزوجة رئيس الكهنة العظيم يهوياداع، والقصة الكتابية ترينا رئيس الكهنة رجلاً قوي التفكير، والحياة والأخلاق، وقد عاش مائة وثلاثين عاماً، كان فيها الركن الهائل العظيم الذي استندت إليه البلاد في الملمات، والشخصية القوية التي أرجعت يهوذا من شره ووثنيته، وعاش الملك صبوته وشبابه في ظل رئيس الكهنة، وعمته التقية المباركة، وغرس الاثنان في قلبه بذار الحياة الصالحة المقدسة، ونشأ العود الغض في تربة من أجمل وأقدس التربات، تأثرت روحه الشابة بالمؤثرات الدينية الكريمة، لاسيما وقد كان بيت الله، المكان الذي اختبأ فيه ودرج من مطلع حياته،.. ويكفي أن الكلمة الإلهية تشهد أن يوآش عمل ما هو مستقيم في عيني الرب كل أيامه التي فيها علمه يهوياداع الكاهن، وترينا مدى الأثر الذي يمكن أن يصل إلى أعماق حياتنا من الصوت المنبه والمحذر والمشجع بالتعليم الإلهي، بل ترينا أن غيبة هذا التعليم، ولو لفترة من الزمن، قد يترك أفدح الآثار وأقساها في الحياة،.. ما أكثر الكثيرين الذين يتصورون أن الأساس القديم العظيم، يصلح أن يتابعهم مدى الحياة، وهم ناسون أو يتناسون أن القلب أخدع من كل شيء وهو نجيس من يعرفه، وأننا ينبغي أن نعظ بعضنا البعض كل يوم لئلا يتقسى أحد منا بغرور الخطية، وأن الحياة الدينية اليومية كالطعام سواء بسواء، وكما أننا لا نستطيع أن نأكل طعام شهر في يوم واحد، أو القول إننا يمكن أن نختزنه، كما يخزن الطعام داخل البيت، دون أن نأكله في وجبات متعددة كل يوم، هكذا حياتنا الروحية، وهي تنتقل من يوم إلى يوم.. لاحظ أحد الرعاة أحد أعضاء الكنيسة، وقد درج على التغيب عن درس الكتاب الأسبوعي، والذي كان يعقد يوم الأربعاء.. فزاره في المنزل، وكانت المدفأة في غرفة الجلوس مشتعلة بالفحم الموضوع فيها، ولم يفعل الراعي أكثر من أن يلتقط قطعة من الفحم التي تحولت في التهابها إلى جمرة حمراء، وتركها على أرض للتحول سوادها الكامل، وقال صاحب البيت للراعي: إنك لست في حاجة إلى أن تكلمني كلمة واحدة، ستجدني هناك يوم الأربعاء مساء!!.. إن السؤال الذي قد يعن لبعض أن يسأله: متى ننتهي من التعليم الديني، والوعظ، وقراءة الكلمة المقدسة، والذهاب إلى بيت الله؟!!. والجواب دون أدنى شك: إن النهاية لا يمكن أن تكون قبل نهاية أنفاسنا على الأرض!!.. سل الواعظ الذي يغلق كتبه قبل هذا التاريخ ليحدثنا عن الصدأ الذي ملأ ذهنه وكيانه!!.. سل البيت الذي أهمل المذبح العائلي، ومدى الرماد المتناثر من بقايا المذبح القديم على كل أركانه.. سل الحياة التي انطفأت، بعد وهج عظيم، لأن يهوياداع كاهنها العظيم المعلم قد مات، ولم ينهض كاهن آخر ومعلم آخر ليحل محله!!… يوآش المتوج ملكاً توج يهوياداع يوآش ملكاً على يهوذا، وهو في السابعة من عمره، وقد قاد حركة الانقلاب بفطنة وحكمة وشجاعة، إذ دعا أولاً رؤساء الجيش من الجلادين والسعاة، وأمن جانبهم، بل دفعهم دفعاً إلى قيادة الحركة، إذ طلب منهم أن يجوبوا البلاد ليأتوا باللاويين والكهنة وعلى الأغلب جاء هؤلاء في عيد من الأعياد، حتى لا يثير مجيئهم الشك في شيء، ثم أراهم الملك لكي يتشجعوا انتهز فرصة السبت في الوقت الذي يكثر فيه الآتون إلى الهيكل، وهناك قام بحركة الانقلاب!!.. ولعل من أعجب الأمور أن ترى عثليا المنظر فتهتف: خيانة خيانة!!.. وهي كلمة ينبغي أن نقف أمامها بكل تعجب وتأمل!!.. عندما قامت هي بحركتها السابقة منذ ست سنوات سابقة وأبادت النسل الملكي، أي وصف كان يمكن أن توصف به هذه الحركة!!؟ ولو أن واحداً اتهمها بالخيانة في ذلك الوقت ماذا يكون جوابها؟!!.. إنها النفس البشرية الغريبة التي تكيل بكيلين، والتي تحرم على غيرها ما تحلله لنفسها، وهي لا تدري أنها وهي تحكم على الآخرين إنما تصف وصفاً دقيقاً ما فعلته هي!!... ولا يمكن أن يكون فعلها المحرم حلالاً، لمجرد استقراره أو استمراره ست سنوات، ولا ستة آلاف من الأعوام يمكن أن تجعل الخطأ صواباً، والباطل حقاً، والشر خيراً، وتقادم الشر في الأرض لا يمكن أن يعطيه رخصة بالاستمرار والبقاء!!.. بل لابد للشر أن يذهب وينتهي بغتة كما جاء، وذلك هو القضاء الإلهي الذي لا محيص عنه، ولا مهرب من حكمه، مهما تحوط الإنسان، أو بني من قلاع وأسوار حول الإثم والفساد والشر والخطية،.. بل إن قصة عثليا تكشف عن وجه آخر من قضية قديمة، وهو هل يجوز مقاومة السلطان؟!! وباديء ذي بدء أن الإيمان المسيحي يحرم علينا التآمر وخيانة الدولة، وأنه لا يمكن أن يكون هناك مسيحي خائن لوطنه، ويرفع السلاح في وجه قادة بلاده،... على أن القاعدة هنا لا تؤخذ على إطلاقها، إذ أنه لا يجوز إطاعة أي قائد أو رئيس يخرج عن حدود الله بالنسبة له، إذ هنا ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس، فإذا دعا الرئيس إلى الشر أو الإلحاد أو مقاومة عمل الله، فهنا يصح أن يعترض المسيحي، بشرط ألا يستخدم الأسلوب البشري أو الأسلحة البشرية كالثورة المسلحة، أو مقاومة الشر بالشر، إذ من الواضح أن الخطأ لا يمكن إصلاحه بخطأ مماثل، أو بالانتقام بأية صورة من الصور، وقد أعطانا أبطال التاريخ المسيحي أروع الصور في الشهادة والاستشهاد، ويكفي أن نضع نموذجاً لصبي صغير روماني أقتيد إلى المحاكمة بتهمة أنه مسيحي، وقد أعطى هذا الصغير أروع صورة للموقف المسيحي تجاه الباطل،.. كان اسمه ماركوس بولو سيرفيللي من عائلة من أشرف العائلات الرومانية، وقد خدمت أسرته الامبراطورية الرومانية أعظم خدمة، وكان هو آخر فرع فيها،.. وكان عمره عند المحاكمة ثلاثة عشر عاماً، وقد وجهت إليه التهمة أنه مسيحي ترك دين الامبراطور، وانتمى إلى المسيحية فهو لذلك يعتبر خائناً لبلاده، وعقابه الموت،.. وكان جواب الغلام من أعظم ما يمكن أن يكون الجواب، إذ لم ينف التهمة عن نفسه، بل قال: أنا متهم بغير جريمة، وإيماني يعلمني أن أخاف الله وأخدم الامبراطور، وأطيع كل القوانين العادلة، وقد نفذت هذا بضمير صالح، وقال أنا مسيحي ولست خائناً للوطن.. وإذ قيل له: إن القانون يحرم الإيمان بالمسيح، ومن يكسر القانون فعقابه الموت.. أجاب: أنا مسيحي.. ولما لم ينجح معه أي إغراء أو تهديد حكم عليه بالموت طرحاً للوحوش،.. وذهب الغلام شجاعاً، كأعظم وأروع ما تكون الشهادة في الأرض!!.. أبادت عثليا النسل الملكي، ولم تكن تدري أن ما يزرعه الإنسان إياه يحصد أيضاً، وأن هذا سيكون مصيرها هي بعد ست سنوات، حيث قضى عليها يهوياداع، ومعها عبادة البعل، ومتان كاهن البعل،.. وذهبت المرأة كما ذهبت أمها إيزابل من قبل!!.. وهذا هو المصير الأبدي للشرير والأشرار في الأرض!!... يوآش وتجديد الهيكل لا حاجة إلى القول إن يوآش عندما فكر في تجديد الهيكل وترميمه، كان قد وصل إلى حالة سيئة محزنة، وقد وقف مقابله هيكل البعل، وكاهنه متان، وكانت عثليا قد عملت على تقويضه وهدمه، وكان لابد أن يرمم ويجدد!!.. ولعلنا نلاحظ أن تاريخ يوآش ارتبط بهذا التجديد والترميم، كما ارتبط سليمان ببنائه، ومع ذلك، فمن اللازم أن ندرك أن تاريخ الترميم كان في السنة الثالثة والعشرين من حكم الملك، أي أنه بدأ بالترميم وهو في الثلاثين من عمره، والسؤال الذي لا شك يقفز إلى الذهن، ولكن لماذا لم يبدأ يهوياداع، بعد قتل عثليا، في الترميم وقد كان في يده كل شيء، ولماذا تأخر هذا الترميم ليهتم به الملك مباشرة، ويدعو إليه؟؟... يظن البعض أن شيخوخة يهوياداع كان لها الأثر في ذلك، إذ أن الرجل ألف الواقع الذي عاشره سنوات طوالاً، فقد رأى الهيكل وحالته، وطالت رؤيته لهذه الحالة حتى أنه ألفها، وما أكثر ما يفعل الناس هكذا، عندما يركنون إلى الواقع الذي عاشوه وألفوه دون أن يفكروا في قلبه وتغييره،.. لكن دم الشباب لا يمكن أن يقبل هذا ويتحمله، وهذه ميزة رائْعة يلزم التنبه إليها واستغلالها، وعلى الشيوخ ألا يقفوا في وجه الشباب، عندما يندفعون في حركات تبدو بالنسبة للعجائز مغامرة ليس من السهل تحقيقها، فإذا كانت المغامرة تستهدف عملاً جليلاً، لا بأس من الاتجاه إليه، والسعي فيه، فإنها تكون حماقة ما بعدها حماقة أن يقف الشيوخ حاجزاً ضد المحاولة، ما دامت المحاولة لا تستهدف أفكا أو شراً!!.. بل سيسعد الشيوخ تماماً، للوثبة التي بدت في أول الأمر مستحيلة أو شبه مستحيلة!!.. وفي الحقيقة أن نجاح الراعي أو فشله يظهر في الكنيسة على قدر ما له من حنكة أو قدرة في استثمار جهد الشباب وطاقته، وأحسن القادة والرعاة، هم الذين حولوا كنائسهم إلى ما يشبه خلية النحل في العمل، وأفشلهم هم الذين كانت كنائسهم عامرة بالشباب، إلى أن تمكنوا من شل قواهم، أو مطاردة نشاطهم، بزعم الخوف من تهورهم أو اندفاعهم، وكانت المحصلة النهائية تقلص الجهد الكنسي إلى ما يقرب من الخواء والخراب!!... ولابد أن نلاحظ أن يوآش كان شديد الغيرة على بيت الله لأن البيت كان كل شيء في حياته، فهناك اختفى، وهناك عاش، وهناك وجد أصدقاءه، وهناك توج على العرش، كان البيت في حياة يوآش كل شيء، وعندما كتبت قصته للناس والتاريخ، كان البيت أهم شيء في هذه القصة وأعظمها،.. ولو عقل الناس لأدركوا هذه الحقيقة الدائمة، إن الذي يبقى من الإنسان ويستمر ويخلد، هو صلته ببيت الله، وأثر هذه الصلة في حياته ونفسه،.. هل رأيت المرنم وهو في المنفى وراء الأردن، وهو يرى نفسه كالإيل التي تشتاق إلى جداول المياه، وهو يعطش إلى الله سائلاً: "متى أجيء وأتراءى قدام الله صارت لي دموعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كل يوم أين إلهك هذه أذكرها فأسكب نفسي علي لأني كنت أمر مع الجماع أتدرج معهم إلى بيت الله بصوت ترنم وحمد جمهور معيد"؟؟.. هل رأيته وهو يصعد إلى جبل مصعر من أرض الأردن من جبال حرمون، وهو يمر بخياله العظيم إلى البيت الذي بعد عنه، والذي يمكن أن يرفع نفسه المنحنية الممتلئة بالأسى والأنين؟؟ هل رأيت واحداً من أبناء قورح، يقترب من البيت لتفيض نفسه بالغبطة والانشراح وهو يهتف: "ما أحلى مساكنك يا رب الجنود تشتاق بل تتوق نفسي إلى ديار الرب، قلبي ولحمي يهتفان بالإله الحي؟؟. هل رأيته وهو يرى العصفور يبني عشه هناك، والسنونة وهي تضع أفراخها في آمن مكان لها على الأرض، إذ لا يجرؤ أحداً أن ينالها أو أفراخها بالقنص والصيد، إذ هو محرم على أي إنسان أن يفعل ذلك عندما يرى عشاً في بيت الله؟؟... وهل رأيته وهو يرى نفسه عصفوراً أو سنونة، مضموناً في بيت الله في مكان الراحة والهدوء والأمن؟؟ وألا يحق له بعد ذلك أن يقول: "طوبى للساكنين في بيتك أبداً يسبحونك.." وألا يحق له أن يدرك ما يجني من وراء الصلة العميقة التي تربطه ببيت الله، فيستطرد في القول: "طوبى لأناس عزهم بك طرق بيتك في قلوبهم عابرين في وادي البكاء يصيرونه ينبوعاً أيضاً ببركات يغطون مورة يذهبون من قوة إلى قوة يرون قدام الله في صهيون.. لأن يوماً واحداً في ديارك خير من ألف اخترت الوقوف على العتبة في بيت إلهي على السكن في خيام الأشرار".. كان ادي كنتور، الممثل الهزلي، يسير ذات يوم في أحد الشوارع حين انهمر المطر بغزارة، فبحث عن أقرب مكان يلجأ إليه ليحميه من المطر، فوجد كنيسة قريبة فسارع إليها، وبقى فيها حتى انتهت الزوابع والأمطار،.. وكان عليه أن يتكلم في الإذاعة، وبعدما أنهي كلامه الهزلي، قال: والآن أريد أن أتحول إلى الجد من الكلام،.. وذكر ما حدث معه، ثم علق قائلاً: لا أعتقد أن هناك مكاناً يمكن أن يحمينا من زوابع الحياة وعواصفها وأمطارها أفضل من بيت الله، من الشركة مع الله، من الاقتراب إلى الله!!.. هذا هو المكان الوحيد في الأرض، الذي يمكن أن يجد الإنسان حياته ونجاته فيه!!.. بهذا المعنى أدرك يوآش القديم بيت الله، فربط تاريخه به، وبترميمه وتجديده!!... ولا يغرب على البال أن الهيكل عند يوآش أو يهوياداع لم يكن مجرد مبني مادي، بل هو أكثر من ذلك هو رمز إعلان عن الشركة الأعلى والأسمى والأولى مع الله، ولأجل ذلك حرص سليمان على أن يجعله آية في الفخامة والجلال، وحرص يوآش على أن يجعل من تجديده تجديداً للدين وإنهاضه وإبراز سلطانه ومجده!!.. وبيت الله كان وما يزال رمزاً للعلاقة القائمة بين الله وشعبه، ومع أننا لا نصر أن يكون مبنى الكنيسة آية في الفخامة والروعة، إذ أن التلاميذ عندما افتخروا بمبنى الهيكل أمام المسيح، بين لهم مصيره المفزع، إذ أن الله يهمه البناء الروحي قبل المادي، إلا أن ما يطلبه الله منا أن لا يكون اهتمامنا بمبنى الكنيسة واحتياجاته أقل من اهتمامنا ببيوتنا واحتياجاتها المختلفة، ولذلك قال على لسان حجي النبي: "هل الوقت لكم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب"... إن مقياس عظمة الفرد أو الشعب، يبدو في الحقيقة من درجة اهتمامه وتعلقه ببيت الله!!... وعلى قدر اهتمامك بهذا البيت اعرف من أنت!!... وثمة أمر آخر ينبغي ذكره، وهو الدور الذي يلعبه المال في تجديد الهيكل وترميمه، وهنا تبرز أهمية المال في خدمة الروحيات، ودوره العظيم في سبيل امتداد ملكوت الله على الأرض،.. وقد طلب الملك من الكهنة واللاويين أن يقوموا بالجمع للمشروع، ولكنهم لم يقوموا بالعمل كما ينبغي، وعلى الأغلب، يرجع ذلك إلى عدم غيرتهم وحماستهم، حتى أنهم لم يستطيعوا جمع نصف الشاقل الذي كان كل إسرائيلي بلغ العشرين من عمره ملزماً أن يدفعه للهيكل حسب الشريعة الموسوية، ولما وجد يوآش أن هذه الطريقة غير مجدية، لجأ إلى طريقة أخرى، إذ لجأ إلى الشعب مباشرة، فأمر بصنع صندوق يوضع على الباب الخارجي للهيكل، وترك لكل واحد أن يقدم باختياره كما يملي عليه ضميره،.. ونجحت هذه الطريقة نجاحاً كبيراً، وهنا نلاحظ الفرق بين الدفع الاضطراري، والدفع الاختياري،.. قال أحدهم: إن المعطين ثلاثة أنواع: هناك حجر الصوان الذي إذا ضربته لا يعطيك إلا الشرارة الآتية من الضربة،.. والأسفنجة التي لا يمكن أن تأخذ منها إلا بعصرها،.. وقرص العسل الذي يفيض من تلقاء ذاته،.. فمن أي نوع أنت أيها القارئ من المعطين؟؟ وهل تعلم أن العطاء هو محك من أدق المحكات للبرهان على الحياة المسيحية؟ وهو بركة من أعظم بركات الله، لمن يمنحهم الله هذه النعمة، نعمة العطاء؟!!.. أرسل أحد الخدام إلى ثري من الأثرياء يطلب إليه أن يتبرع لأجل مشروع مسيحي هام، ورد الثري في خطابه قائلاً: “إن هذا المشروع المسيحي، حسبما أعلم هو على الدوام: اعط.. اعط!!.. ورد عليه الخادم بالقول: “شكراً لك إذ أنك أعطيتني أجمل تعريف للحياة المسيحية!!… وليس الأمر مرتبطاً في مدى ما يعطي المعطي، ولكن في روح العطاء، إذ أن المعطي المختفي المسرور هو الذي يسر به الرب، إذ أن العطية أولا ًوأخيراً، ينبغي أن تكون لمجد الله،.. في يوم من أيام الآحاد كان الخادم في كنيسة قد بنيت حديثاً يقرأ قائمة التبرعات، وإذا ببرقية تصل من أحدهم يقول فيها: “تحياتي من فضلك أعلن أمام الجمهور أني مرسل مبلغ خمسة وعشرين دولاراً لمشروع العمارة”… وآخر الكل أعلن الراعي أنه قد وصله من مجهول بطاقة وضعت مع أرغن يقدر ثمنه بثلاثة آلاف دورلار، وليس على البطاقة سوى كلمة صغيرة: “من أجل اسمه” ولم يستطع الراعي اكتشاف شخص من تبرع بهذا الأرغن، ولكن السماء كتبت ولا شك اسمه في الخلود بأحرف من نور!!… يوآش وهزيمته وقد جاءت هذه الهزيمة عند الغروب، شأن الكثيرين من آبائه وأجداده الكرماء الطيبين، والسؤال المحير: لماذا يبدأ الإنسان على أجمل ما يكون الحسن، ثم ينتهي شيئاً على مثل هذه الصورة المحزنة القاسية؟؟.،.. كان الرجل طوال وجود يهوياداع رائعاً وعظيماً، ولعلنا نذكر هنا ما يقوله جوزيف باركر: "أليس بيننا من القادة ما يحفظ حياتنا في طريق الاستقامة، ذلك الصنف من "يهوياداع" الذي لولاه لربما ضللنا الطريق.. وقد يكون انتظامنا في الكنيسة راجعاً إليهم، وقد يكون إقلاعنا عن عادات معينة بغيضة بسببهم،.. إنهم استقرار البيت، وعزاء الحياة الرقيقة. ونحن لا نعلم كم ندين لهم، ولو أن سياستهم كانت السوق أكثر من القيادة، لربما عرفناهم أكثر، ولكنها الروح الهادئة، الثابتة، المقنعة، المشجعة هي التي لا تظهر تأثيرهم في حياتنا كما ينبغي أن تظهر،... إن المرأة مثلاً هي التي تلم شمل البيت، ولكننا قد لا ندرك هذه الحقيقة في حياتها،.. غير أننا نلاحظ بعد أن تذهب، أن طابع البيت قد تغير، وأن هناك أشياء لا نستطيع أن نوضحها، غير أن الأمور لم تعد كما كانت، وقد زحفت الآلية أكثر، وأشياء صغيرة ولت وجمال الحياة قد ضاع، بحيث تسير الحياة نحو الجلبة والضجيج، وتطبع بالفوضى وعدم التأكد،.. وقد نخجل أن نفعل أشياء أمام يهوياداع عصرنا،.. ولكن ما أن مات رئيس الكهنة حتى جاء الأمراء وأفسدوا يوآش إذ كانوا وثنيين يتعبدون للأنصاب والتماثيل، ونجحوا في إفساد ذهن الملك، وإبعاده عن العبادة الصحيحة،.. وهذا أقسى هجوم يتعرض له الإنسان في الأرض، ويكفي أن تنجح فيه، لكي تجد كل شيء بعد ذلك سهلاً يسيراً،... كان هجومهم على عقيدة الملك الدينية، من ذلك النوع الذي يمكن أن نطلق عليه "التملق"... لقد قال له أمراء يهوذا مؤثرين: إنك تحت سلطان يهوياداع لم تكن إلا ملكاً بالاسم، والآن لقد أن الوقت لكي تسترد قوتك العظيمة، وتعطي لكل إنسان حريته الدينية".. وسقط الرجل في الفخ!!... لقد قبل مجد الشبان والأمراء وتملقهم، فضعفت وتسللت الوثنية إلى قلبه وقلب الشعب، وعندما جاء صوت الله على لسان زكريا بن يهوياداع، لم يسمع ولم يرعو، بل زاد الطين بلة، فقتل ابن عمته الناصح، ابن الرجل الذي دان له يوآش بكل شيء في حياته، وصاح زكريا عند موته حزيناً: الرب ينظر ويطالب، وحقاً طلب الرب، ففي مدار السنة صعد الأراميون على يهوذا، وهزموا بشرذمة قليلة جيشاً عظيماً، وقام على يوآش نفسه رجلان وقتلاه وإذا كان يوآش يعطينا أن نذكر بأن الخضوع للتأثير الديني في سن الصغر ينتج أعظم النتائج، فإنه يعطينا أيضاً أن نتحذر لئلا نقتل ابن الرجل الذي أحسن إلينا!!... أيه أيتها النفس البشرية إنك القيثارة التي تستطيع أن تلعب عليها اليد الحنون أرق الأنغام وأعذبها ولكنك أيضاً النفس التي تستطيع يد أخرى أن تبعث منها أرهب الأصوات وأفزعها!!..: "ولم يذكر يوآش الملك المعروف الذي عمله يهوياداع أبوه معه بل قتل ابنه وعند موته قال الرب ينظر ويطالب"ولندع الرجل أخيراً لمصيره الإلهي، عندما يستيقظ في ذلك اليوم، الذي سيعطي فيه كل واحد حساباً عما فعل بالجسد، خيراً كان أم شراً!!.. ولننتبه لنفوسنا لئلا يتحول أحدنا -يدري أو لا يدري- إلى يوآش القديم ويكرر قصته!!...
المزيد
02 نوفمبر 2022

القلب المطمئن المملوء بالسلام

ما أعمق القلب الذي يعيش في سلام داخلي، يملك الهدوء عليه، وكل ضيقات العالم لا تزعجه إنه يستمد سلامه من الداخل، وليس من الظروف المحيطة.. لذلك فإن الظروف الخارجية لا تزعزعه. حقًا، إنه ليس من صالح الإنسان أن يجعل سلامه يتوقف على سبب خارجي إن اضطربت الأحوال يضطرب معها، وإن هدأت يهدأ. سبب خارجي يجعله يثور، وسبب يجعله يفرح، وسبب يبكيه، وسبب يبهجه.. مثل هذا يكون كما قال الشاعر: كريشه في مهب الريح طائرة لا تستقر على حال من القلق الرجل القوى يجعل الظروف الخارجية تخضع لمشاعره، تخضع لقوة قلبه، لا أن تتحكَّم في انفعالاته. ولا يخضع هو لها إن حدث حادث معين، يتناوله في هدوء، يفحصه بفكر مستقر، ويبحث عن حل له. كل ذلك وهو متمالك لأعصابه، متحكم في انفعالاته. وبهذا ينتصر، ويكون أقوى من الأحداث، ويحتفظ بسلامه الداخلي.. وذلك لأن قلبه كان أكبر من الظروف وأقوى من الأحداث.. وما أصدق ذلك الكاتب الروحي الذي قال إن قطعة من الطين يمكنها أن تعكر كوبًا من الماء، ولكنها لا تستطيع أن تعكر المحيط يأخذها المحيط، ويفرشها في أعماقه، ويقدم لك ماءً رائقًا لذلك أيها القارئ العزيز، كن واسع القلب. كن رحب الصدر. كن عميقًا في داخلك. قل لنفسك في ثقة: أنا لا يمكن أن أضعف، ولا يمكن أن تنهار معنوياتي أمام الأخبار المثيرة، أو أمام الضغطات الخارجية. مهما حدث، فسأحاول أنى لا أنفعل. وإن انفعلت، سأحاول أن أسيطر على انفعالاتي.. سأبتسم للضيقات، وسأكون بشوشًا أمام الضغطات.. وسأثبت -بقوة من الله- حتى تمر العاصفة لا تفكر في الضيقة التي أصابتك، ولا في أضرارها ومتاعبها. بل فكر في إيجاد حل لها إن كثرة التفكير في الضيقة هي التي تحطم الأعصاب وتتعب النفس أحيانًا يكون التفكير في الضيقة أشد إيلامًا للنفس من الضيقة ذاتها. إن التفكير في الضيقات هو الذي يجلب الأحزان والأمراض والهم والفكر. وهو لون من الانهيار ومن الخضوع تحت ثقل الضيقة أما التفكير في إيجاد حل للضيقة، فهو الذي يعمل على سلام النفس وراحتها. ضع في نفسك أن كل ضيقة لها حل وكل ضيقة لها مدى زمني معين تنتهي فيه فكر في حل لضيقتك، فإن وصلت إليه تستريح. وإن لم تصل، ثق بروح الإيمان أن لدى الله لهذه الضيقة حلول كثيرة، وأنه -تبارك اسمه- قادر أن يعينك وأن يحل جميع إشكالاتك. وتذكر ضيقات سابقة قد حلها الله، ومرت بسلام.واحذر من أن يوقعك الشيطان في اليأس، أو أن يصور لك الأمر معقدًا لا حل له.. فإن الإنسان المؤمن لا ييأس.المؤمن يعرف أن الله موجود، وانه إله رحيم، ورحمته غير محدودة، وهو ضابط الكل، والعالم كله في قبضة يديه وأن الله يدبر كل شيء حسنًا، ولا بد أنه سيتدخل ويعمل عملًا.. لذلك فإن المؤمن يستريح في أعماقه، ويلقى على الرب كل همه، ويستودعه جميع إشكالاته أما الذي يستسلم لليأس، فإنه يضيع نفسه. وقد يتصرف في يأسه أي تصرف خاطئ يكون أكثر ضرارًا من المشكلة القائمة نفسها مثال ذلك الذي ييأس من مشاكل الحياة فينتحر.. أو مثال تلك الفتاة التي تخطئ، وتيأس من إيجاد حل لمشكلتها، فتستسلم للخطيئة وتضيع إن القلب القوى لا يستسلم للضيقات، والقلب الأقوى لا يشعر بالضيقة، لأنها لم تضايقه. وأتذكر أنني قلت في إحدى المرات إن الضيقة قد سميت ضيقة لأن القلب قد ضاق عن أن يتسع لها ولو كان القلب متسعًا، ما شعر أنها ضيقة. لو كان متسعًا، ما تضايق منها.. الضيق إذن في قلوبنا، وليس في العوامل الخارجية.. وإن تعكرنا نحن، تبدو أمامنا كل الأمور متعكرة وإن تعبنا في الداخل، تبدو أمامنا كل الأمور متعبة.. أليس حقًا أن أمرًا من الأمور قد يضايق إنسانًا ما، وفي نفس الوقت لا يتضايق منه إنسان آخر، هو نفس الأمر ليس المهم إذن في نوع الأحداث التي تحدث لنا، بل المهم بالأكثر هو الطريقة التي نتقبل بها الأحداث ونتصرف معها الإنسان القوى الذي يصمد أمام الإشكالات، يزداد قوة والإنسان الضعيف الذي ينهار أمامها، يزداد ضعفًا فالإشكالات، فالإشكالات هي نفس الإشكالات ولكنها تقوى شخصًا وتزيده صلابة ومراسًا وحنكة، وتضعف شخصًا أخر، وتزيده انهيارًا وخورًا وحزنًا لذلك كونوا أقوياء من الداخل، وخذوا من الضيقات ما فيها من بركة، وليس ما فيها من ألم لقد سمح الله بالضيقات من أجل فائدتنا ونفعنا. وفي ذلك قال القديس يعقوب الرسول"احسبوه كل فرح يا أخوتي حينما تقعون في تجارب متنوعة". إن المؤمن يشعر أن الله قد سمح له بالضيقة من جل نفعه، لذلك يفرح بالضيقة وبهذا يقدم لنا الكتاب درجة روحية أعلى من احتمال الضيقات، وهى الفرح بالضيقات إن المسألة تحتاج إلى إيمان لأنك ربما ترى الضيقة فقط ولا ترى الخير الإلهي الكامن فيها إن هذا الخير لا تراه بالعين المادية، ولكنك تراه بالأيمان، بثقتك في عمل الله المحب وحسن رعايته.. مثال ذلك يوسف الصديق: أحاطت به التجارب والضيقات حتى اتهم اتهامات باطلة وألقى في السجن. ولكن السجن كان طريقة إلى الملك إن أهل العالم قد تزعجهم التجارب، أما الإنسان المؤمن فهو ليس كذلك. إن المتاعب قد تحيط به من الخارج، ولكنها لا تدخل مطلقًا إلى داخل نفسه إنه كالسفينة الكبيرة التي تمخر عباب المحيط، تضطرب الأمواج حولها، وهى سائرة في رصانة نحو هدفها، طالما أن المياه ما تزال خارجها.. مسكينة تلك السفينة، إن وُجِدَ ثقب في نفسيتها، واستطاعت المياه أن تنفذ إلى داخلها..!! احذروا أيها الأحباء من أن تدخل المياه إلى أنفسكم واعلموا في كل ضيقة أن التجارب التي يسمح بها الله، لها شروط منها:- 1- أنها على قدر احتمالكم، 2- وأيضا كل تجربة معها المنفذ 3- وإنها لابد تؤول إلى نفعكم، إن أحسنتم استخدامها. إن الله في محبته للبشر، لا يسمح أن تحل تجربة بإنسان يكون احتمالها أكثر من طاقته. كل التجارب التي يسمح بها الله هي في حدود احتمالنا والتجارب القوية، لا يسمح بها الله إلا للناس الأقوياء الذين يحتملونها.. ما أجمل قول الكتاب "ولكن الله أمين، الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لتستطيعوا أن تحتملوها" (1 كو 10: 13). 4- والتجارب هي مدرسة للصلاة إنها تدرب الإنسان كيف يحنى ركبتيه أمام الله، وكيف يرفع قلبه قبل أن يرفع يديه، طالبًا العون من الله، الذي هو معين من لا معين له ورجاء من لا رجاء له عزاء صغيري القلوب، وميناء الذين في العاصف. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب مقالات روحية نشرت في جريدة الجمهورية
المزيد
01 نوفمبر 2022

الضمير العام

رداً على سؤال " كريم" بخصوص وجود ضمير خارجي يحميه من الحماقات المحتملة، فإنه لابد وأن يكون هناك ضميراً عاماً داخل كل إطار، كالإطار الوظيفى والإطار الكنسى والإطار الرهبانى والسياسى والأدبى والصناعى والتجارى .. إلخ بمعنى أنه لابد من وجود شخص أو مجموعة من الأشخاص يمثلون الضمير العام .. مثلما يمثل مجموعة من الخدام الضمير الرعوى بين اخوتهم وتلاميذهم .. وكذلك بعض من الرهبان الذين يمثلون الضمير الرهبانى داخل أحد الأديرة، وذلك حين ُيبدون بعض الآراء وينتقدون بمحبة بعض السلوكيات. ومثل الأم التى تعمل كضمير دراسى بالنسبة لأولادها الذين يستذكرون دروسهم، بحيث كلما لاحظت فتورهم أنهضت هممهم وضمائرهم بالتذكرة على أن يكون عمل الضمير العام هو إحياء الضمير الخاص !!. كما أنه من الضرورى أن يكون الضمير العام سوياً غير مريض، وإلا فسيكون عمله فقط هو إشعال الفتن والخصومات تحت ستار الرغبة فى الاصلاح! . وهذه هي مشكلة المُعزون المتعبون، والقادة المنحرفون الذين يظنون أنهم فقط الذين امتلكوا ناصية القضايا والمعرفة. فقد حذّر السيد المسيح بأن المضطهدين سوف يقتلون التلاميذ بضمير مستريح !! " بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله" (يوحنا 16 : 2) على العكس من ذلك فقد يسلك بعض التلاميذ بإستهتار ثم يبرز من بينهم واحداً يرفض الهزر السخيف ويعاتبهم بمحبة، ذلك إلى جوار سلوكه هو على نحو مغاير، انه بذلك يمثل الضمير العام. وفى بعض الدول يقوم شخص أو جماعة ما تنتقد بعض السياسات فى الدولة فُيوصف ذلك بأنه الضمير السياسى داخل الدولة إذن رداً على السؤال بخصوص ضرورة وجود ضمير خارجى يراجع ويهذب الضمير الداخلى، فهذا أمر لابد منه لا سيما متى كان الانسان حديث السن، ولكن ُيشترط فى الصغير ألا ينتظر الضوابط الخارجية، بينما مطلوب من المرشد أن يضبط هذا الضمير على الكتاب والمرشدين الروحيين. وإلا فإن الطامة الكبرى أن نكون مسئولين عن آخرين فنُضرّ بهم لأنهم وثقوا بنا .. انها مسئولية الآباء الروحيين والمدبرين، عندما يثق بهم الآخرون ويستوحون منهم ويقلّدونهم ويصبحون ُنسخاً منهم. مثلما ينظر خادم إلى خادم آخر فيتأثر بطريقته فى الكلام وحكمته فى السلوك وملائكيته فيصير ُملهماً له .. ويصبح من ثم ضميراً صالحاً له .. وهكذا الراهب وهكذا المدرس وهكذا التلاميذ والطلبة كلما نظروا إلى زميل لهم قد اتخذ الجدية نمطاً لحياته واسلوباً فى دراسته.هنا مسئولية الأب والأم فى المنزل .. والكاهن فى الكنيسة والمعلم مع تلاميذه. فليس المهم كيف نجتذب الآخرين لنا ولكن المهم ماذا سنهبهم متى أصبحوا فى طاعتنا وتحت أمرنا !! أتذكر أن ديفيد كورش أهلك فى أمريكا ليس أقل من عشرة آلاف من أتباعه الذين وثقوا به، فأقنعهم جميعاً بالإنتحارإذا كنت متشككاً فى الضمير الذي أمامك (وهو ما يسمى أحياناً بالأنا الأعلى لا سيّما في الطفولة) فإشرك الكنيسة معك، وإذا أردت اختيار مرشد – على أي مستوى – فليكن ذلك بتدقيق لئلا تقع فى يد مريض بدل طبيب كما قال الآباء. نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
31 أكتوبر 2022

المسيحي وذكر الموت

قال القديس يوحنا الدرجي: "كما أن الحاجة إلى الخبز تفوق الحاجة إلى سائر الأطعمة الأخرى، كذلك الحاجة إلى ذكر الموت تفوق الحاجة إلى سائر الأعمال الروحية". إن ذكر الموت هو ضرورة روحية هامة إذا أغفلها الإنسان يُصاب ببرودة الحس والمشاعر، إذا انتقل أحد أحبائه يتأثر قليلًا ويحضر الجنازة دون أن يحدث عنده تغيير يُذكر، بعد ذلك يمضي إلى حال سبيله كسابق عهده لاهتماماته الدنيوية الباطلة.ذكر الموت في داخلنا هو منبّه بيولوجي يوقظنا لممارسة التوبة، لنسمع صوت الرب «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ» (أف5: 14). ذكر الموت يكسر حدّة شهواتنا ومحبتنا للعالم.طوبى لمَن يصل إلى هذه الفضيلة، فإن أحكمتها فاحذر ألّا تفلت منك، لأنه قد يسهل فقدانها بسبب الانشغالات والاهتمامات الكثيرة.نعلم أن لكل إنسان انشغالاته واهتماماته، لكن ينبغي ألّا تلهيه عن خلاص نفسه وحياته الأبدية اللا نهائية.إذا توانيت وقتًا عن ذكر الموت والحياة الأخرى، فذكّر نفسك بلُجّة النار الأبدية والعطش الشديد في لهيب النار (لو16: 24)، والظلام الدامس والندم الشديد والبكاء وصرير الأسنان في جهنم النار، فتفوق لنفسك وتهتم بأبديتك.تحاول الكنيسة أن تذكّرنا كل يوم بيوم الدينونة الرهيب والحياة الأخرى بقطع صلاة النوم فنقول "هوذا أنا عتيد أن أقف أمام الديان العادل مرعوبًا ومرتعبًا من كثرة ذنوبي. لأن العمر المنقضي في الملاهي يستوجب الدينونة، لكن توبي يا نفسي ما دمتِ في الأرض ساكنة، وانهضي من رقاد الكسل، وتضرعي إلى المخلص بالتوبة قائلة: اللهم ارحمني وخلصني".دوام ذكر الموت والتنهُّد هنا يجعل الإنسان يداوم السعادة والتعييد هناك.كانت الراهبة الأم سارة تداوم ذكر الموت فقالت: "حينما أضع رجلي على السلم لأصعد أتصور الموت قدامي قبل أن أنقل الرجل الثانية". نيافة الحبر الجليل الأنبا متاؤس أسقف ورئيس دير السريان العامر
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل