المقالات

27 سبتمبر 2022

كلمة الصليب في أسفار العهد الجديد

لم يرد لفظ الصليب في أسفار العهد القديم ، لكنه ورد بأكثر من معنى في كتاب العهد الجديد . فالكلمة التي تترجم حالياً « صليب » ، تفيد في اللغة اليونانية آلة تعذيب واعدام . ولكنها اكتسبت معنى خاصاً لارتباطها بموت المسيح. هناك كلمتان مستعملتان للتعبير عن آلة التعذيب التي نفذ بها حكم الموت على الرب يسوع : اكسيلون XYLON وتعنى خشبة أو شجرة ؛ استاوروس STAUROS وتعنى صلیب بمفهومه الحالي .الكلمة الأولى ( اكسيلون ) وردت في العهد الجديد عادة للتعبير عن الخشب كمادة . وهي الكلمة التي وردت في ( تثنية ٢١ : ٢٣ ) ، والتي اقتبسها بولس الرسول في ( غلاطية 3 : 13 ) « ملعون كل من علق على خشبة » . وعلى أية الحالات فإن كلمة « اکسيلين » في العهد الجديد يمكن أن تكون مرادفة لكلمة استاوروس ، التي استخدمت في الأناجيل في ذكر تنفيذ حكم الموت على السيد المسيح ، وفي رسائل بولس الرسول للتعبير عن آلام المسيح وموته : يقول بطرس الرسول « إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة » ( أعمال الرسل 5 : ٣٠ ) . وفى بيت كرنيليوس قال المائة ، قال بطرس للحاضرين عن المسيح « الذي أيضاً قتلوه معلقين إياه على خشبة » ( أعمال الرسل ۱۰ : ۳۹ ) ... وفي رسالته الأولى يقول « الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة ، لكي نموت عن الخطايا للبر » ( بطرس الأولى ٢ : ٢٤ ) ... و يقول بولس الرسول « المسيح اقتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا ، لأنه مكتوب ملعون كل من علق على خشبة » ( غلاطية 3 : 13 ) . وقد وردت كلمة استاوروس ومشتقاتها مرتين في العهد الجديد . المرة الأولى في قصة آلام المسيح ( مرقس 15 : ١ - ٤٧ : متی ۲۷ : ۱ ، لوقا ۲۳ : ١ - ٥٦ ؛ يوحنا ۱۸ : ۲۸ ؛ ۱۹ : ٢٤ ؛ رؤيا 11 : ۸ ) . والمرة الثانية في رسائل بولس الرسول ، ووردت فيها سبع عشر مرة ( كلمة الصليب وردت 7 مرات ـ كلمة يصلب وردت ثمان مرات ـ كلمة يصلب مع وردت مرتين ) ... وإلى هذه يمكن أن يضاف ما جاء في ( عبرانيين 6 : 6 ؛ ١٢ : ٢ ) ؛ وما جاء في الثلاثة أناجيل الأولى عن حمل الصليب ( مرقس 8 : 34 ؛ متى 16 : ٢٤ ؛ لوقا ۹ : ۲۳ ؛ مرقس ۱۰ : ۳۸ ، لوقا 14 : ۲۷ ) ... قلنا إن كلمة « اكسيلون » اليونانية تعنى شجرة ، وهي في نفس الوقت مرادفة لكلمة « استاوروس » ... إن هذا يقودنا للتفكير في شجرة الحياة التي كانت في وسط الجنة ( تكوين ۲ : ۹ ) ... تلك التي بعد أن طرد الإنسان الأول من الجنة ، اقيم كاروبيم ولهيب سيف متقلب لحراسة الطريق إليها . وهي التي قال الله عنها « لعله ( الإنسان ) يمد يده و ي و يأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد » ( تكوين 3 : ٢٤ ، ۲۲ ) ... كان هذا في سفر التكوين ( سفر الخليقة ) . وتعود هذه الشجرة شجرة الحياة - للظهور ثانية في سفر الرؤيا « من يغلب فسأعطيه أن يأكل من شجرة الحياة التي في وسط فردوس الله » ( رؤيا ٢ : ٧ ) . ونقرأ عن أورشليم الجديدة في سفر الرؤيا ، انه على جانبي نهر الحياة فيها تنمو « شجرة حياة تصنع ثنتى عشرة ثمرة وتعطى كل شهر ثمرها . وورق الشجرة لشفاء الأمم » ( رؤيا ۲۲ : ۲ ) ... ونقرأ أن الأبرار وحدهم لهم سلطان على هذه الشجرة ( رؤيا ٢٢ : ١٤ ) . وهكذا نرى أن ما كان ممنوعاً ومحرماً على الإنسان الأول صار مباحاً للخليقة الجديدة ... إن شجرة الحياة ترمز للحياة ، وتقدم الحياة عكس ما يقدمه الصليب ( الخشبة ) ألا وهو الموت مثال الصليب في العهد القديم :- معلوم أن أسفار العهد القديم مليئة بالنبوات والرموز عن السيد المسيح . و واضح أن مهمة العهد القديم بأسفاره المقدسة وذبائحه وأنبيائه وبكل ما إسرائيل لقبول المسيا ... ومن بين فيه كانت هي تهيئة أذهان بنی هذه النبوات والرموز ما يختص بالصليب الذي مات فوقه الفادى ... من هذه الإشارات والرموز : ١- في حادث تقديم إبراهيم ابنه إسحق ذبيحة محرقة حسب أمر الله ، حمل إسحق حطب المحرقة ، وهو رمز للصليب الذي حمله ربنا يسوع المسيح وهو ذاهب ليصلب ... وفي الموضع الذي حدده السيد الرب بني إبراهيم مذبحاً وربط إسحق ابنه ووضعه فوق المذبح . وهذا رمز لما حدث مع المسيح حينما شمر على الصليب ( تكوين ٢٢ : ٦ ، ٩ ؛ يوحنا ١٧:١٩) . ٢- وعندما قدم يوسف ابنيه افرايم ومنسى لأ بيه يعقوب ليباركهما قبيل موته ، مد يديه مثال الصليب وباركهما على غير ما كان متوقعاً ( تكوين ٤٨) . ٣- وأثناء محاربة بني إسرائيل لشعب عماليق بعد خروجهم من مصر ، وقف موسى النبي أعلا التل باسطاً ذراعيه مثال الصليب . وفيما كان يفعل ذلك كان إسرائيل ينتصر ، وحينما كان يخفض ذراعيه بحكم الضرورة كان إسرائيل ينهزم . ولهذا جيء بحور وهارون ليسندا ذراعی موسى ليظلا مرفوعين . وبهذا انتصر إسرائيل . 4 ـ وعندما تذمر بنو إسرائيل في البرية ـ عقب خروجهم من مصر - على الله وعلى موسى ، ضربهم الله بالحيات المحرقة ، فلدغت الشعب ومات عدد كبير منهم . ولما صرخوا واعترفوا بخطئهم أمر الله موسى أن يصنع حية من نحاس شبه الحية المحرقة تماماً ، ويرفعها على راية . وكل من لدغ من الحية الحقيقية و ينظر إلى حية النحاس يبرأ ويحيا ( سفر العدد ٢١ : 5 ـ ۹ ) ... كانت الحية النحاسية مثالاً للمسيح ، بينما كانت الخشبة التي رفعت عليها عالياً رمزاً لخشبة الصليب . وإلى ذلك اشار السيد المسيح بقوله « كما رفع موسی الحية في البرية ، هكذا ينبغي أن يرفع ابن الإنسان ، لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية » ( يوحنا 3 : 14 ، 15 ). ه ـ كان خروف الفصح بعد ذبحه حسب الشريعة ، لا يؤكل نيئاً أو مطبوخاً بل مشوياً . وكان الخروف يشوى على سفودين ( سيخين ) متعامدين على هيئة صليب . 6 - وفي شريعة تطهير الأبرص بعد شفائه ، كان عليه أن يحضر قطعة من خشب الأرز . وتوضع في ماء حتى في إناء خزفى . ويحضر عصفورين . يذبح أحدهما و يصفى دمه على الماء الحي في الإناء الحرفي ، و يدفن في حفرة أمام الكاهن والأ برص الذي شفى . ثم يغمس جناح العصفور الثاني الحيّ و يطلق نحو البرية . إن هذه الخشبة مثال للصليب . والعصفور الذي ذبح رمز للمسيح الذبيح ، أما الآخر الذي غمس جناحه بالدم فيرمز إلى المسيح القائم من بين الأموات الذي ـ بدم نفسه ـ دخل مرة واحدة إلى الاقداس فوجد فداء أبدياً ( عبرانيين ۹ : ۱۲ ) . هذه المثالات والرموز كانت واضحة للمسيحيين منذ البدء . ولقد فهم آباء الكنيسة ومعلموها ما ترمز إليه هذه الرموز وعبروا عن ذلك بكل وضوح ... أ ـ يوستينوس الشهيد المدافع المسيحي الذي ولد في اواخر القرن الأول الميلادي واستشهد سنة 166 في حواره مع تريغو اليهودي في مدينة أفسس يقول : [ في العهد القديم مثالات متنوعة لخشبة الصليب التي بها ملك المسيح ... لقد رمز له ( الصليب ) بشجرة الحياة التي ذكر أنها غرست في الفردوس ... وأرسل موسى ومعه العصا ( الخشبية ) ليخلص الشعب . وبهذه العصا في يديه وهو على رأس الشعب ، شق البحر الأحمر . وبها تدفقت المياه من صخرة . وعندما القي بشجرة في مياة مارة المرة صارت عذبة ... و يعقوب تباهى بعصاه بأنه عبر بها الأردن ... وعصا هارون التي افرخت اعلنته كاهناً أعظم . وتنبأ إشعياء عن قضيب ينبت من جذع يسى ، وكان هذا هو المسيح . و يقول داود عن الإنسان البار انه كشجرة مغروسة على مجاري المياه ، تعطى ثمارها في اوانه وورقها لا يذبل . ومرة أخرى يقول عن الصديق انه كالنخلة يزهر . لقد ظهر الله لإبراهيم عند شجرة قرب بلوطات ممرا . وقد وجد الشعب سبعين نخلة واثني عشر .عين ماء بعد عبور البحر الأحمر . ويؤكد داود أن الله عزاه بعصا وعكاز ... ] . و يشير يوستينوس إلى أن بسط موسى لذراعيه في حرب بنی إسرائيل مع شعب عماليق إنما كان مثالاً للصليب . وكذلك مباركة يعقوب لابني يوسف ، والحية النحاسية التي رفعت في البرية ... [ ليس بدون قصد أن موسى النبي عندما عاونه حور وهارون ، ظل على هذا الوضع حتى المساء . فلقد ظل الرب على الخشبة تقريباً حتى الغروب ودفن بعدها ... وإشعياء أشار أيضاً إلى الطريقة التي مات بها الرب قائلاً : « بسطت يدي طول النهار إلى شعب متمرد سائر في طريق غير صالح » ( إشعياء 65 : ٢ ؛ رومية 10 : ٢١ ) . ب ـ وغريغوريوس أسقف نيصص في كتابه « حياة موسى » يقول : عندما بسط موسى يديه من أجل المصريين هلكت الضفادع في الحال . وهذا ما يمكن مشاهدته يحدث الآن . لأن أولئك الذين يرون الأيدى الممتدة لمعطى الناموس ( موسى ) ، وفى يديه المبسوطتين ، ذاك الذي مد يديه على الصليب ... ] . ا وراءه ملذات و يقول في كلامه عن الماء المر في البرية [ لأن الشخص الذي خلف مصر ... تبدو له الحياة الخالية من هذه الملذات صعبة وغير مقبولة في أول الأمر . لكن إذا القيت الخشبة في الماء ـ بمعنى أنه إذا اقتبل الإنسان سر القيامة التي تبدأ بالخشبة ( ولا شك أنك تدرك الصليب عندما تسمع الخشبة ) ، حينئذ تصبح الحياة الفاضلة أحلى وأعذب مذاقاً من كل الحلاوة التي تداعب الحواس باللذة ] . و يقول عن محاربة بني إسرائيل لعماليق ورفع موسى ليديه [ لأن سر الصليب في الحقيقة لأولئك الذين يستطيعون الرؤيا ، يمكن ادراكه بالتأمل ... لقد امتدت يدا موسى معطى الناموس فكانت سبباً للنصر ورمزاً مسبقاً لسر الصليب ] . وعن الحية النحاسية يقول القديس غريغوريوس [ العمل الأساسي للإيمان في السر ، هو أن ننظر إلى ذاك الذي تألم لأجلنا . الصليب هو الألم . حتى أن من ينظر إليه كما يقول النص لا يؤذيه سم الشهوة . أن تنظر إلى الصليب ، يعني أنك تميت حياتك كلها وتصلبها للعالم ] . نيافة مثلث الرحمات الانبا يؤانس أسقف الغربية عن كتاب المسيحية والصليب
المزيد
26 سبتمبر 2022

الصليب والمسيح

المسيحية والصليب أمران متلازمان ، وصلوان لا يفترقان فأينما وحينما يرى الصليب مرفوعاً أو معلقاً ، يدرك المرء انه أمام مؤسسة مسيحية ، أو مؤمنين مسيحيين ولا عجب فالصليب هو شعار المسيحية ، بل هو قلبها وعمقها ... لقد تأسست المسيحية على أساس الصليب وبالصليب ... ولا نقصد بالصليب قطعتي الخشب أو المعدن المتعامدتين ، بل نقصد الرب يسوع الذي خلق ومات على الصليب عن حياة البشر جميعاً ، والخلاص الذي أتمه ، وما صحبه من بركات مجانية ، نعم بها البشر قديماً ، ومازالوا ينعمون ، وحتى نهاية الدهر والفكرة الشائعة عن الصليب انه رمز للضيق والألم والمشقة والاحتمال لكن للصليب وجهين : وجه يعبر عن الفرح ، ووجه يعبر عن الألم . ونقصد بالأول ما يتصل بقوة قيامة المسيح ونصرته . ونقصد بالثاني مواجهة الإنسان للضيقات والمشقات ويلزم المؤمن في حياته أن يعيش الوجهين ، ويختبر الحياتين بالنسبة للمؤمن المسيحى ، فإن الصليب بهذه المفاهيم ، هو حياته وقوته وفضيلته ونصرته عليه يبنى إيمانه ، و بقوة من صلب عليه يتشدد .وسط الضيقات وما أكثرها هذا ما عناه القديس بولس الرسول بقوله : « ناظرين إلى رئيس الإيمان ومكمله يسوع ، الذي من أجل السرور الموضوع أمامه احتمل الصليب ، مستهينا بالخزى .فتفكروا في الذي احتمل من الخطاة مقاومة لنفسه مثل هذه ، لئلا تكلوا وتخوروا في نفوسكم » ( عبرانيين ۱۲ : ۲ ، ۳ ) . ، ملايين المؤمنين في انحاء العالم عبر الأجيال حملوا الصليب بحب وفرح ، واكملوا مسيرة طريق الجلجثة ، فاستأهلوا افراح القيامة ... هذا بينما عثر البعض في الصليب ، وآخرون رفضوا حمله ، فألقوه عنهم . . ولم يكن مسلك هؤلاء وأولئك سوى موتاً إيمانياً وروحياً لهم « نحن نكرز بالمسيح مصلوباً ، لليهود عثرة ولليونانيين جهالة . وأما للمدعوين يهوداً و يونانيين ، فبالمسيح قوة الله وحكمة الله » ( كورنثوس الأولى ١: ۲۳ ، ٢٤). لماذا الصليب ؟ صليب المسيح هو محور المسيحية وقلبها وعمقها . حوله يدور كل فكر العهد الجديد ، وفيه يرتكز كل غنى الإنجيل ومجده . إنه رمز المسيحية وشعارها ومجدها ... و بقدر ما ينكر الملحدون وغير المؤمنين صفته الكفارية ، فإن المؤمنين المسيحيين يجدون فيه سر النعمة التي يقيمون فيها ، بل ومفتاح أسرار ملكوت السموات . ومجد الصليب والمعروف عن الصليب أنه عار . لكن للصليب مجداً . كعاره تماماً . فالتأمل في عار الصليب ، هو رؤية مجده ... هكذا نفهم كلمات القديس بولس الرسول « إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة . وأما عندنا نحن المختصين فهي قوة الله » ( كورنثوس الأولى 1 : ۱۸ ) . إن الصليب يستمد قوته وكرامته من السيد المسيح الذي لمخلق عليه ... وحينما نتحدث عن الصليب فإنما نشير حتماً إلى موت المسيح . وحينما نذكر موت المسيح فواضح أن صليبه وارد أيضاً فيه . لذا فلا غرابة إن رأينا أسفار العهد الجديد المقدسة تمتلىء بالكلام عن موت المسيح وبالتالي عن الصليب . كان الصليب ومن صلب عليه هو جوهر كرازة الكنيسة الأولى ، وهو الحق الأول والأساس في الإيمان المسيحى ... ولعل كلمات بولس الرسول لمؤمنى كورنثوس تظهر لنا هذا المعنى « فإننى سلمت إليكم في الأول ما قبلته أنا أيضاً . إن المسيح مات من أجل خطايانا حسب الكتب . وانه دفن وانه قام في اليوم الثالث حسب الكتب » ( كورنثوس الأولى ١٥: ٣ ، ٤ ) والمعنى ، ان موت المسيح ودفنه وقيامته ، هو الإيمان الذي قبله بولس ، والذي يكرز به . لذا نرى بولس في موضع آخر يقول « لأني لم اعزم أن اعرف شيئاً بينكم إلا يسوع المسيح وآياه مصلوباً » ( كورنثوس الأولى ٢ : ۲) وعلى نحو ما كان المذبح والذبيحة هما حجر الزاوية في عبادة العهد القديم ، كذلك الصليب وموت المسيح الكفارى ، هما حجر زاوية الإيمان في العهد الجديد ... من أجل هذا فإن كل أسفار العهد الجديد تناولت قصة الصليب باستثناء ثلاث رسائل قصيرة هي الرسالة إلى فليمون ، ورسالتا يوحنا الثانية والثالثة . إنه أمر يدعو للدهشة في زماننا أن توجد بشارة مفرحة في صلب إنسان ، تماماً كما حدث حينما بدأ المسيحيون الأوائل يكرزون بالمسيح مصلوباً . . . كيف يكون عملا وحشياً بر برياً ، وضع نهاية مخزية وحزينة لحياة الرب يسوع ، يصبح قوة ونصرة واعلاناً عن محبة الله الفائقة للبشر ؟ ! ... وكيف صار الصليب ـ وهو رمز قديم لوحشية الإنسان . ذا تأثير حضاری واسع ، استطاع أن يغير وجه العالم حينما جدد الخليقة ؟ ! الصليب قديماً في بعض الشعوب :- هل كان الصليب آلة تعذيب انفرد بها المسيح وخصصت له . أم أنه عرف في بعض الشعوب ؟ غرف الصليب كآلة تعذيب وعقوبة اعدام بين بعض الشعوب ـ غالباً الشرقية ... فلقد محرف عند الفينيقيين . وذكر عن الاسكندر الأكبر انه حكم على ألف شخص من أهالي مدينة صور بالصلب ... ومحرف عند الفرس . فلقد أصدر داريوس أمراً ان كل من يخالف منشور الملك قورش يعلق مصلوباً على خشبة ( عزرا ٦ : ١١ ) . و يظهر الصليب عقوبة أيضاً عند الفرس من قصة هامان ومردخاى ( أستير ٥ : ١٤ ؛ ۷ : ۸ ) ... وصلب انطيوخوس ابيفانس حاكم سوريا يهوداً أتقياء رفضوا الاذعان لأمره بترك دينهم . و يبدو أن هذه العقوبة غرفت بين المصريين القدماء ـ وإن لم ـ تكن شائعة . فحينما فسر يوسف الصديق حلم رئيس الخبازين الذي كان مسجوناً معه في السجن ، قال له « في ثلاثة أيام أيضاً يرفع فرعون رأسك عنك و يعلقك على خشبة وتأكل الطيور لحمك عنك » ( تكوين ٤٠ : ۱۹ )، كما عرفت عقوبة الاعدام صلباً لدى الرومان ، وكانت غالباً قاصرة على العبيد والغرباء . أما المواطنون الأحرار فكانوا لا يعاقبون بها . كانت هذه العقوبة تنفذ في حالة الجرائم الخطيرة كخيانة الدولة وسرقة المعابد والهرب من الجندية .. ويشهد التاريخ أن الرومان خلال ثورات العبيد صلبوا اعداداً كبيرة منهم .. و يذكر يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعاصر لخراب أورشليم وهيكلها ، أن تيطس القائد الروماني كان يصلب خمسمائة يهودي كل يوم !! ويبدو أن قصد الرومان من استخدام هذه العقوبة بالذات كان هو تثبيت سلطانهم في الدولة . ويفسر ذلك أن تنفيذ هذه العقوبة كان يتم في مكان مكشوف ، حتى يصبح منظر المحكوم عليه بالصلب رادعاً للآخرين ... وقد ألغى الملك قسطنطين الكبير عقوبة الاعدام صلباً لأسباب دينية . ويبدو أن بني إسرائيل عرفوا هذه العقوبة ، فقد اشير في سفر التثنية إلى ميتة الصليب « إذا كان على إنسان خطية حقها الموت فقتل وعلقته على خشبة ، فلا تبت جثته على الخشبة ، بل تدفنه في ذلك اليوم . لأن المعلق ملعون من الله . فلا تنجس أرضك التي يعطيك الرب إلهك نصيباً » ( تثنية . ( ۲۲ : ۲۱ ... أما عن الاجراءات الثانوية التي كانت تصاحب عقوبة الصلب ، فيمكن جمع معلومات عنها مما ورد في كتابات كتاب العالم القديم ، ومن القانون الروماني ، والتلمود ، وما ذكره آباء الكنيسة ... في بعض الأحيان كان المحكوم عليه بالصلب كان يحمل حول رقبته لوحة مكتوباً عليها علة موته . وكان عليه أن يحمل بنفسه الصليب إلى مكان تنفيذ حكم الموت . وهناك كان يخلع ملابسه ويجلد إن لم يكن قد تم جلده قبل ذلك . ووفقاً للعادة القديمة كان مسموحاً لمنفذى حكم الصلب أن يتقاسموا ثياب المحكوم عليه فيما بينهم . وفي مكان تنفيذ الصلب ، كان المحكوم عليه يطرح أرضاً ، و يربط معصماه في الخشبة أو يدق فيهما مسامير و يثبتان بالصليب . ثم يرفع الصليب بالمصلوب عليه . كان ارتفاع الصليب نحو سبعة أقدام . وهذا يعني أن الوحوش المفترسة كان في استطاعتها أن تنهش جسد المصلوب وتمزقه ... أما عن موت المصلوب فكان عادة يتم بسبب الاختناق التدريجي والاجهاد المتزايد . وكان التنفس يزداد صعوبة شيئاً فشيئاً ، كنتيجة لوضع الجسم المدلى . وهذا يؤدى بدوره إلى الاختناق . كان وقد حمل الفلاسفة والمفكرون القدماء عقوبة الموت صلباً ... الصلب بالنسبة لشيشيرون ـ الذي عاش في القرن الأول قبل الميلاد ، هو التعبير عن الوحشية والهمجية في أسوأ صورها . يقول [ فليبعد الجلاد وتغطيه الرأس واسم الصليب عن جسم وحياة المواطنين الرومان ، وعن أفكارهم وعيونهم وآذانهم ] . نيافة مثلث الرحمات الانبا يؤانس أسقف الغربية عن كتاب المسيحية والصليب
المزيد
25 سبتمبر 2022

كيف تقرأ الكتاب المقدس؟

يقول لنا إنجيل اليوم أنّ :" فريسى قام ليجربّة 0فقال له يسوع كيف تقرأ "الموضوع الذى نركّز عليه اليوم بنعمة ربنا هو كلمة " كيف تقرأ " فهو رجل حافظ الناموس0ومن جهة المعرفة هو عارف وقال ما هو الناموس0وبما أنّه حافظ فإنّه سيبدأ يسمع0فقال له رب المجد يسوع : كيف تقرأ 0فى الحقيقة ياأحبائى رب المجد يسوع لم يوجّه هذا السؤال للرجل الفريسى أو للشاب الغنى فقط0ولكن هو بيسأله لكل واحد فينا ويقول له :0 كيف تقرأ ؟! توجد مشكلة فى داخل حياتنا إننا عارفين الوصايا ونحفظها ولكن ممكن نكون لم نعيشها0فأنت كيف تقرأ ؟! أبونا قبل قراءة الإنجيل 0الكنيسة تخصص أوشية أى طلبة أو صلاة قبل قراءة الإنجيل0وتقول له " كى نستحق أن نعمل بأناجيلك المقدسة " لكى تجعلنا نسمع ونعمل وليس فقط نسمع0يعقوب الرسول يقول " لكى نكون سامعين عاملين لا خادعين أنفسنا " الوصية ياأحبائى تحتاج أن تنتقل فى حياتنا من مرحلة المعرفة إلى مرحلة الحياة وهنا يقول رب المجد يسوع : كيف تقرأ ؟ نحب اليوم أن نتكلّم فى ثلاث نقط : 1- الوصية هى حياة :- ياأحبائى الإنجيل ليس مكتوب لمجرد معلومات0فهو ليس كتاب تاريخ0الإنجيل ليس سجلات0فرب المجد يسوع قال : " الكلام الذى أكلّمكم به هو روح وحياة " 0ويقول لنا الكتاب " فقط عيشوا كما يحق لإنجيل يسوع المسيح " فالإنجيل ليس المطلوب منه المعرفة العقلية0ولكن الإنجيل يتكلّم عن معاملات الله الحية مع شعبه " كما كان هكذا يكون " فهو يثبت فينا مقاصد الله0ويكشف لنا عن صلاح الله فى كل قصة وهى تكشف لنا عن خلاصنا نحن الآن0فعندما نقرأ عن عبور البحر الأحمر00وعندما نقرأ عن أبونا إبراهيم عندما يقدّم إبنه تكون القصة لنا ونكتشف أنفسنا فيه00فهو كتاب حياة0ولابد أنّ كلامه يدخل فى أعماق حياتنا0فكثيراً ياأحبائى تكون الوصية عارفينها ولكن يجب ياأحبائى أنّ الوصية تدخل فى الأعماق وتدخل فى الذهن وتقدّسه0وتدخل فى داخل القلب فتقدّس الإرادة فبذلك يكون قلب وذهن وإرادة وسلوك فيكون كيان مقدّس0فتتقدّس المشاعر وتبدأ الدوافع تجعل الإنسان يتحرك بالإنجيل وليس بنفسه فداود النبى يقول " سراجاً لرجلى كلامك ونوراً لسبيلى " فما الذى ينير الطريق ؟!00هو كلامك00داود النبى بيعبّر عن حُبة للوصية وتفاعله معها وتلّذذه بها 0فيقول له " أبتهج أنا بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة 00" فهل توجد علاقة بينك وبين الكتاب المقدّس أم لا ؟!0فهل مسنودين به أم لا ؟! وهل بنأخذ منّه وعد بالحياة الأبدية أم لا ؟! تخيّل أنّ هذا أجمل شىء فى بيتنا0فإحذر أن يكون مُهمل القديس الأنبا أنطونيوس أتوا إليه الجنود من عند الملك قسطنطين بموكب ومعهم رسالة من الملك0فخرج الجنود لإستقبال الموكب0وكانت الرسالة إلى الأنبا أنطونيوس فهو أضافهم ثم صرفهم0وكان الرهبان مشتاقين أن يعرفوا ماذا أرسل لهم الملك ، ففى اليوم الثانى توقّعوا أنّ الأنبا أنطونيوس سهر يقرأ الرسالة0وقد مرّ يومين وثلاثة فسألوه0فسكت0وقال لهم أراكم مشغولين جداً جداً برسالة الملك ياليتكم تكونوا مشغولين بالإنجيل هكذا 0أليسّ الإنجيل هو رسالة من الملك السماوى0فهو نقلنا إلى ملكوت إبنه0فالإنجيل هو بشارة مُفرحة0فماذا تريدون أكثر من ذلك0شىء يفرّحكم0 فهل قرأت الإنجيل فشعرت أنك مرفوع0فيقول الكتاب " لتسكن كلمة الإنجيل بغنى " ، أرميا يقول عنّه الكتاب أنّه أكل درج فيه سفر مكتوب فيه كلمة ربنا0وحزقيال وجده كالعسل0فأحلى طعم نُشبّه به الحاجات الأرضية فنقول ( مثل العسل )الإنسان ياأحبائى عندما يكون الإنجيل مكشوف له يكون فرحان0ومرفوع به0وخاضع له0فبولس الرسول يقول " نشكر الله لأنكم أطعتم من القلب صورة التعليم التى تسلّمتموها " فأطيعها بقلبى0وأقول له يارب ساعدنى على تنفيذها0يارب إسند ضعفى0فنكون نحن البشارة المُفرحة للعالم 0فننقله للعالم بحياتنا لأنّه بداخلنا0فعندما حاولوا المضطهدين أن يقطعوا الأناجيل ويحرقوها 0الأباء قالوا لهم أنتم سوف لا تقدروا أن تحرقوها فى قلوبنا0ربنا فى العهد القديم فى سفر التثنية قال لموسى " ليكن الكلام الذى كلّمتك به على قلبك " فأين يضع الكلام ؟! فى قلبك000" تكلّم بها حين تمشى وحين تنام " حين تنام أى تقدّس عقلك وإنسانك الباطن0فتكون فى داخلك حين تنام0إجعلها على أبواب بيتك يريد أن يقول له أن تكون كلمة ربنا تكون أمام عينىّ0وأمام خطواتى وأقُصّها وتكون فى داخلك حين تنام وحين تقوم وعندما قام موسى بتسليمها ليشوع قال له " لا يبرح سفر هذه الشريعة من فمك أبداً " فهذه هى كلمة الحياة0هذه هى الوصية التى ربنا يريد أن يراها فى أولاده0فنحن فُقراء جداً فى العمل0ولذلك نجد أنفسنا لا يوجد عندنا القدرة على فعلها فداود النبى يقول له " خبأّت كلامك فى قلبى لكى لا أُخطأ إليك " ، فالإنسان يجب أن يفكر كيف يعيش الوصية0فربنا يسوع يقول " أنتم أنقياء من أجل الكلام الذى كلّمتكم به " اليوم ربنا يسوع بيقول لك وبيقول لى : كيف تقرأ ؟! فالوصية حياة يقول عن أبونا بيشوى كامل أنّه من ضمن أتعابه ( الإنجيل المُعاش ) 0أى أنّه الوصية لم يكتفى بأن يعرفها 0ولكنّه عاشها0كُلنا حافظين الوصية " حب قريبك كنفسك " فهل نعملها ؟ هل نعيشها ؟ ولذلك الإنجيل بيقول لك مع الشاب الغنى : كيف تقرأ 0وهنا ندخل فى كلمة كيف تقرأ ؟ 2- كيف نقرأ الإنجيل :- الإنجيل لا يُقرأ أبداً إلاّ بالصلاة والتأمل ورفع القلب00لا يُقرأ كدراسة وكمعلومات أو لنضيف لأذهاننا تعاليم0لا فالإنجيل يُقرأ بصلاة0الإنجيل مكتوب بالروح0إذن لابد أن يُقرأ بالروح لكى أفهمه00فهذا هو مفتاح الإنجيل0ولا تحاول أن تخضع المعلومات لتحليلات ذهنية كثيرة أو أن تجعل عقلك يعمل فاصل بينك وبين الوصية0فعقولنا هى التى تخضع للوصية فلابد أن أقرأه بالروح0ولابد أن أقرأه بصلاة وبتأمل0فأنا أقرأ وأسجد وأنتظر وأقول له ماذا تريد يارب أن تقول لى0وأغمض عينّى وأرفع قلبى00ما أجمل أن أكتشف عناية الله بىّ فى الإنجيل0فالإنجيل مكتوب لكى أكتشف حقيقة حُب الله للإنسان ويكشف كم أنّ ربنا بيدبر الخلاص للإنسان فالمفسرين عندما حلّلوا الكتاب المقدس وجدوا أنّ الإنجيل بيتكلّم بالأكثر عن الإنسان من الله 0فهو يريد أن يقول أننا موضع حُب الله0وموضع تدابير الله0وأنّ هذا الكتاب هو من أجل تقديس الإنسان فلماذا كل هذه التعاليم الكثيرة ؟ كل هذا هو لنا0ولذلك يقول كل هذه الأمور كُتبت لتذكيرنا0ولمنفعتنا0 فعندما نقرأه نقرأه بروح خاشعة0بروح صلاة0بروح تأمّل فإن كان داود النبى يقول له " إكشف عن عينّى لأرى عجائب من ناموسك " ، فعندما أقرأ قصة فى الكتاب المقدس أقول له يارب ماذا تريد أن تقول لى فى هذه القصة ؟ ما أجمل أن نشعر عندما نقرأ الكتاب المقدس أنّ ربنا يكلّمنا " كلمة ربنا تُضىء العينين " 0وهى تُضىء القلب فأتقدّس وذهنى يُنير0وقلبى يملُك عليه محبة ربنا فعندما أقرأ الكتاب المقدّس أقرأه بالروح0لابد ان أتضرع لربنا لكى يكشف لى عن الوصية ولكى أعرف ما هى الوصية التى يريدنى اليوم أن أخرج بها وأأخذها0وأفرح بها فعندما يقرأ الإنسان قصة سقوط آدم0ويأخذها كقصة فيعاتب ابونا آدم ويقول له : أنت جلبت لنا العقوبة 00ولكن لابد أن أجعل نفسى شىء غير أبونا آدم وممكن ما أنا أفعله هو ما فعله أبونا آدم وهذا ما أفعله كل يوم ، فسقوط آدم هو سقوطى أنا وآدم هو أنا ففى طاعة أبونا إبراهيم لا أقول له برافو عليك0فأنت خليل الله00ولكن هل أنا عندى إستعداد أن أترك من أجل الله0هل عندى إستعداد أن أخرج من سلطان أرضى وعشيرتى لكى أُرضى الله ؟!! وبذلك يبتدأ الإنجيل يكون له السلطان أن يوجّه حياتى كلها0والإنسان يشعر بسلطان الله0وعندما يقف الإنسان يصلى يقول له " أنت قلت " أنت فقلت " أنّ شعور رؤوسكم كلها محصاه00وأنتم أفضل من عصافير كثيرة "00ما أجمل أن نذّكر الله بمواعيده0فنقرأه بالروح ونقرأه بالصلاة0ما أجمل أنّ الإنسان قبل أن يقرأ يقول له يارب إكشف عن عينّى لأُبصر عجائب من ناموسك00إكشف لى عن كنوزك وأسرارك " أبتهج بكلامك كمن وجد غنائم كثيرة "0 3- بعض تداريب عملية :- مامن آية نقرأها إلاّ ونقول له : يارب ساعدنى أن أعيشها لابد أن نُقرّب المسافات حتى ولو بمحاولة حتى ولو برغبة0فمثلاً لنفرض أنّ الآية تقول لى " صلّى كل حين صلّى بلا إنقطاع " ، فأننى سأقول يارب كيف يكون ذلك وأنا عندى شغل0فأنا بنام بالليل0فكيف أصلّى كل حين ولا أملّ ! إغمض عينيك وإرفع قلبك وقل له يارب ساعدنى0وعندما ترفع قلبك ستجد حالاً معونة0وتجد مساندة وتجد الله يقول لك يعنى أن تكون فى حالة من رفع القلب بإستمرار فحين تتكلّم وأنت فى الشغل00ويكون بإستمرار عندك آية تردّدها0وتكون فى حالة إحساس بحضور الله0فإحفظ عدّة آيات ورددّها وقل له " اللهم إلتفت إلى معونتى يارب أسرع وأعنى00اللهم بإسمك خلّصنى وبقوتك أُحكم لى00إستمع يا الله صلاتى00محبوب هو إسمك يارب فهو طول النهار تلاوتى00يارب يسوع المسيح خلّصنى " عبارات قصيرة تجعلنى أشعر بإستمرار أنى فى حضرة الله0صدقّونى ياأحبائى يوجد ناس عاشوا حياتهم لكى يتقنوا وصية0فيوجد سائح روسى وصلت به الدرجة أن يردد إسم يسوع آلاف المرات فى اليوم أعطيكم تدريب أن تُردّدوا إسم يسوع 50 مرة فى اليوم0وعندما أردّد إسم يسوع أحبّه فإبتدأت أزوّد العدد أكثر0فأكلّمة بكمية غير محدودة فلابد أن أنظر للآية وأقول كيف أتمتّع بها0فالإنجيل لابد أن يدخل فى داخلنا ونشبع به ونتمتّع به فداود النبى يقول " بفرائضك أتلذذ " 0فتدخل فى داخلى وتعمل فى حياتى فتوجد آية أخرى تقول " طوبى لأنقياء القلب " فأقول له يارب أنا مشتاق أنّ قلبى يكون نقى00فما الذى يجعلنى غير نقى ؟! فهل شهوات ، غرور ، بُغضة لفلان ، حقد فكل هذا يجعلنى غير نقى0ولكن نقاوة القلب تجعلنى أعاين الله0فأجد الوصية لها سلطان0وهى التى تعمل بنا وليس نحن0فالوصية قادرة أن تُضىء حياتى ولكن لابد أنكّ تُبدى إستعداد0فهى بتعمل الجزء الأصعب 0وأنا طوال اليوم أفكّر كيف يكون قلبى نقى0وأقول له ساعدنى ياربى لكى يكون قلبى نقى00تعال إنت يارب وإعمل وسلّط ضوءك على قلبى لكى يكون نقى0فالموضوع هو موضوع تطبيق للوصية فتوجد آية أخرى تقول " حب قريبك كنفسك "وأبدأ أقيس محبتى للناس0وياترى عندى فعلاً إحساس بمشاعر حقيقية بحُب كامل نحو الكل00ياترى هل أنا أحب الذى يحبنى فقط أم إنى أحب الكل00وأبتدأ أقف عند هذه الآية يوم وإثنين وثلاثة00وأحوّل الآية إلى صلاة0وإلى سلوك0فيصير الإنجيل هو الذى يقودنى0ويتكلّم فى حياتى0ما أجمل أن أقيس نفسى على الآية0وأبتدأ أشتاق أن أعملها فأنت كيف تقرأ الإنجيل ؟! رب المجد يسوع اليوم مع الشاب الغنى الفريسى الذى له الشكل الحلو0وهو شكله أنّه حافظ الوصايا00شكله من الخارج حلو جداً0وبيسأل عن الحياة الأبدية0فهو عنده إشتياقات للحياة الأبدية حلوة0وعندما سأل كان حافظ الإنجيل ولكن المهم أن نعيش الإنجيل0فممكن أن نكون لا نعمل بكلام الإنجيل00فما الفائدة ؟! صعب أن يكون إنتمائنا لربنا يسوع شكلى0ولا نعيش الإنجيل0ما أجمل ياأحبائى الإنسان الذى يجتهد فن أن يحوّل المعرفة إلى حياة000فنحن ينقُصنا الفعل ربنا يسوع يعطينا ويكشف لنا كنوز كلماته0ويعطينا خزائن الروح0ويعطينا نعمة ويسند كل ضعف فينا ولإلهنا المجد دائماً أبدياً أمين0 القمص أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والانبا انطونيوس محرم بك الاسكندرية
المزيد
24 سبتمبر 2022

إنجيل عشية الأحد الثاني من شهر توت

تتضمن الحث على حفظ التعاليم الالهيـة والاستخفاف بالأموال والذخائر العالمية مرتبـة علـى فصـل حمـاة بطرس . ( لو 4 : 38 ) إذا كان الشرط في مداواة الاجساد البشـــرية أن يكـون الطبيـب مـاهرا والمريض مطيعا والخدام فرحاء موافقين . سيما وقد علمنا الآن عظم قدر المشـفى لأمراضنا والحامل لأوجاعنا . فكيف لا يجـب علينـا أن ننصـت نـحـن لأوامـره متفهمين . ونسارع إلى قبولهم مبتهجين . ونتعلم منه قوانيـن المـداواة الروحانيـة ومنافع العقاقير السماوية . لكي نقدر على معالجـة الامـراض الشيطانية وننقـذ المؤمنين من عذابها . ونتأهل أن يمسك بأيدينا ويرفعنا من بحار الرذيلـة وإذا كـان الذين يتعلمون العلوم الخارجية يحتاجون فـي تثبيتـهـا إلـى المذاكـرة والتكـرار . وملازمة القراءة ليلا ونهارا ثم يعلمونها للآخرين . كل ذلك قصدا منهم فـي ضبـط المعاني وتثبيتها في الأذهان كما ينبغى . وكذلك الذين يغرسون الحقول ويزرعـون الأراضي التقية يحتاجون في انجابها إلى التعهد بالسقى والقيام بخدمة الأرض كمـا يجب . وإلا فيخسروا واخراجها ويتعبوا فيها باطلا . فعلى هذا القياس يجب على الذين يسمعون العظات . ويتبعون فـى سـماع التعاليم الالهية أن يحفظوها بالمفاوضة والتكرار ليكونوا لها متذكرين فيتأهلوا بـأن يكونوا معلمين للآخرين . واسمع ياهذا قول الرسـول : " كونـوا عـاملين بالكلمـة لا سامعين فقط خادعين نفوسكم . لانه إن كان أحد سامعا للكلمة وليس عاملا فـذاك يشبه رجلا ناظرا وجه خلقته في مرأة . فإنه نظر ذاته ومضى وللوقـت نسـى مـا ويكون كالذي بنى بيته على الرمل " كما قال الكتاب المجيد . ويقول أيضا : أن كان أحد يظن أنه حكيم وعالم بينكم فلير اعماله بـالتصرف الحسـن فـي وداعـة و الحكمة . . ولاجل ذلك أنا لا أكف عن تذكيركم وتنبيهكم ومفاوضتكم فيمـا يجـب حتى أراكم ذاكرين لقراءآتكم . حافظين لتعاليمكم . عاملين بأقوال ربكم متغايرين فـي الفضائل . متباعدين عن مسالك الرذائل.لأسر أنا بحسن اعمـالكم وابتـهـج بجميـل مجازاتكم وأفرح بدخولكم إلى النعيم . فإن قلت وما الذي يدل على ذلك من أعمالنـا ؟ قلت بأن أراكم محبين لعمل الفضائل كالصلاة والصوم والرحمة والرأفـة والمحبـة وأمثال ذلك . مبغضين للرذائل أعنى الغضب والحسد والنميمة وحب الأموال وسـائر أقسام الرذيلة . لأن حب الأموال سبب لتوليد الشرور كلها وأداة لعمل الهالكين . فـإن قلت وكيف نقدر على بغض المال وقد جعل واسطة لتحصيل الامـور الضروريـة المحتاج إليها ؟ قلت حديثنا الآن هو عما يحب لذاته وينفق في إنالة اللذات البدنيـة . لا فيما يكسب من وجوه الحلال وينفق في اللوازم المحتاج إليها لقوام الحيـاة وفـي مصالح المقلين . فلا تظنن ياهذا أن طرح الاموال أمر جسيم . فإنك إذا امعنت النظـر رأيت كثيرا من الناس يفعلون ذلك لأجل طلب المديح من الناظرين . وذلك إنك تجـد قوما يخرجون عن الأموال الكثيرة . ويدعـون الأمـلاك والضيـاع والبضـائع والزراعات . وينقطعون في الجبال والمغائر طلبا لتصيد المديح من النـاظرين لـهم والسامعين لأخبارهم فقط . وتجد آخريـن يجـهدون أنفسهم ويتعبـون اجسـامهم ويماحكون ويظلمون ويحصلون الأموال من أرذل وجوهها . ولحبهم في المديح مـن الناس يصرفونها في ثمن الثياب الفاخرة والمركبات والأواني النفيسة وما لا تدعـو إليه ضرورة الحياة . وذلك لكي يراهم الناس فيمدحونهم ويعظمونهم . وتـرى قومـا أخرين يهتمون بالأطعمة الشهية ويروقون الخمر المعطر ويعدون الأنقال والأزهـار والملهين وغير ذلك . ويتبعون ويغرمون غرامات أخرى كثيرة يطول شـرحها ثـم يستدعون أناسا أغنياء ومتمولين ومن لا حاجة به إلى طعامهم ليقبلوا منهم المديـح الذائل لساعته تلك . ولعلهم لو عبر بهم في ذلك الوقت سائل جائع وعطشان وسـأل سد جوعه وعطشه لأعادوه خائبا بل وأوسقوه شتما وســـبا . ولـهذا تتقلـب اكـثر مسراتهم إلى الشرور المنكدة والمخاصمات القبيحة وأمور ردية يطول وصفها . وإذا كان هذا يغرم الأموال الجزيلة ليقبل المجد من الناس . وهذا ينفـق المبـالغ الجمـة ليكسب المديح الزائل وشيكا " وهذا يبذر ماله مجانا فيما يستحيل إلى الفساد ويقـذف به إلى المزابل سريعا . فكيف لا نتأمل نحن إلى هذه النقائص بعيون عقلنا ونكشـف عنها ستور الظلمات . وننظرها بالاذهان السليمة وتقدها بالأفكار المستقيمة . ونصـد المائلين إلى فعلها المتمسكين بذيول فخرها لننجو من بحارها سالمين . ياللعجب مـن كوننا نصرف الأموال الجمة وننفق المبالغ الكثـيرة . ونتعـب اجسـامنا وخدامنـا واولادنا في طلب المديح الزائل . المماثل الدخان أو البرق أو الـهواء أو الظـل أو الغبار وما أشبه ذلك في سرعته الاضمحلال . ولا نجعل ذلك لما لا يزول . وكيـف يحسن بالعقلاء أن يطلبوا الشرف من معادن الخساسة ولا يطلبون من الخالق تبـلرك وتعالى ؟ كيف يجمل بنا نحن أن نطلب المديح من العـاجز والنـاقص والمسـتحيل والمائت والخائف والمتقلب والذليل . ونعدل عن الطلب من السيد القادر الحكيم الحـى الرؤوف الباقي الذي لا يزول . الخالق لطبائعنا والمدبر لنظام حياتنا . والجائد بمثـل هذه المكارم على جنسنا . والمعد لنا وراثة النعيم . فسبيلنا أن نقتدى بآثار الفضائل ونعدل عن طرقات الاراذل ونتمسك بوصايا الحياة طائعين . لننال ملكوت ربنا يسوع المسيح الذي له المجد دائما آمين . القديس يوحنا ذهبى الفم عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
23 سبتمبر 2022

رائحة المسيح الذكية

أتدري يا صديقي أنه متى كانـت لـك حيـاة روحيـة حقيقية وقلـب ممتلئ بالنعمـة لا بد أن ينعكس ذلك على حياتك العملية ، فتظهر رائحـة المسيح في كل تصرفاتك ؟ وهذا هو ما نود الحديث عنه في موضوعنا هنا إنها الخطوة السابعة في طريقك الروحي والتي تعكس نجاحك في الخطوات الست السابقة . " ولكـن شـكراً للـه الـذي يقودنا في موكب تصـرته في المسيح كـل حـين ويظهر بنا رائحة معرفته في كل مكان . لأننا رائحة المسيح الذكية لله ، في الذين يخلصون وفي الذين يهلكـون لهـؤلاء رائحـة مـوت يـمـوت ، ولأوليك رائحـة حيـاة لحياة ومن هو كفوء لهذه الأمور ؟ لأننا لسنا كـالكثيرين غاشين كلمة الله ، لكن كما من إخلاص ، بل كما من الله نتكلم أمام الله في المسيح " ( ۲ کو ٢ : ١٤ - ١٧ ) تظهر فينا رائحة المسيح ، من خلال خمس فضائل :- أولا المحبة : - الإنسان المسيحي لا يعرف إلا المحبة . والعالم اليوم في أشد الحاجة إلى المحبة النقية الحقيقية ، تلك المحبة التي يقدمها الإنسان المسيحي الحقيقي في معاملاته مع الجميع . لذا على الإنسان المسيحي أن يراجع نفسه دائماً ، ويسأل نفسه : هل يوجد في قلبه فكر كراهية من جهة أي أحد ؟! وما هو مقياس المحبة تجاه كل من هـم حوله ؟! والقديس أغسطينوس له هذا القول الجميل : " حب الكل ، فيكـون لـك الكل " . ثانياً السلام :- وتسمى صناعة السلام بالصناعة الصعبة بل أنها أصعب صناعة يحتاجها العالم اليوم ، فالعالم أضحى ممتلئاً بالتوثر في كل مكان ، وبالأخص في منطقة الشرق الأوسط " وثمر البر يزرع في السّلام من الذين يفعلون السّلام " ( یع ۳ : ۱۸ ) . فهناك شخص مجرد وجوده يكون سبب في تهيج المشكلات ، بسبب كلامـه غير الحكيم ، ولكن نجد شخصاً آخر ، كلامه يريح الجميع بحكمته وتصرفاته التي تزرع السلام من تعلم يا صديقي فن حل المشكلات بهـدوء ، بل اجعـل نفسـك دائماً صناع السلام ، كما يقول الكتاب " طوبى لصانعي السّلام ، لأنهم أبناء الله يدعون " ( مت 5 : 9 ) . ثالثاً اليقظة :- بمعنـى التوبـة في كـل يـوم ، فالإنسان المسيحي إنسـان يقـظ ومنتبـه ومستعد واليقظة أيضاً تعني السهر والاستعداد ، فمتى تسلل الكسـل إلى حياتك الروحية عليك أن تتدارك نفسك سريعاً ، واعلم أن هذا الكسل هو حـرب من الشيطان ، يجب الانتباه له حتى لا تفسد الخطية حياتك بسبب هذا الكسل . رابعاً الحكمة :- " إن كان أحـد كـم ثـعـوزه حكمـة ، فليطلب مـن اللـه الـذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير ، فسيعطى له " ( يع 1 : 5 ) . فالفضيلة لا تكـون فضـيلة إلا بالحكمـة ، والحكمـة تتجشـد في حيـاة الإنسان بشكل عملي في حسن التصرف ، أو في عرض موضوع ما ، أو في حل مشكلة .الخ . ويحكى في التاريخ ، أن ملكاً في أحد العصور أقام حفلـة كبيرة ، ودعا إليها جميع کبار رجال الدولة ، وكان من ضمن المدعوين البابا البطريرك ، وفي نهاية الحفل ، كان كل فرد من رجال الدولة يقـوم بتقبيـل يـد الملك اليمنى ، فيضع الملك فيها كيساً من الذهب ،على سبيل الهدية . فجاء دور البابا البطريرك ، فقبل صدر الملك ! فتعجب الملك وقال له : لماذا صنعت ذلك ، فقال البابا لأنه يوجد لدينا آية في الإنجيـل تقـول : " قلـب المـلك في يد الرب " ( أم ٢١ : ١ ) . وأنا قبلت يد الرب التي تحرس قلبك يا جلالة الملك ، فارتاح الملك لهذا الكلام ، وأعطى البابا كيسين من الذهب ! وهذه هي الحكمة . فقد كرز بالإنجيل وقدم محبة وتصرف بدبلوماسية . الإنسان المسيحي الحقيقـي عـادة مـا يـكـون إنساناً حكيماً ، لأنـه يـتعلم الحكمة من حياة ربنا يسوع المسيح ، فعندما سألوا السيد المسيح عـن الجزية ، وهل يجب دفعها أم لا ؟! طلب أن يرى عملة ، ونظر إلى وجهيها ، ثـم قـال في حكمة : " لمن هذه الصورة والكتابة ؟ قالوا له : لقيصر ، فقال لهم : أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله " ( مت ۲۲ : ۲۰ - ۲۱ ). وأيضاً في قصة المرأة السامرية ( يو 4 ) ، تعامل السيد المسيح معها بمنتهى الحكمة ، وبدأ هو في الحديث معها ، وكان يشجعها في حديثها ببعض الكلمات المشجعة ، مثل " حسناً قلت " ، وبذلك قادها إلى التوبة والإيمان . حتى أن زكا وفي مقابلة زكا ، تقابل السيد المسيح معه بمنتهى الأطف تغيّر قلبه وتاب ، وقال : " ها أنا يارب أعطي نصف أموالي للمساكين ، وإن كنت قد وشيت بأحد أرد أربعة أضعاف " ( لو 19 : 8 ) . وفي قصة الابن الضال ( لو 15 ) ، كان من الممكن أن أبـاه لا يقبـل عودتـه ويطرده ، ولكنه تعامل مع ابنه بحكمة وأخذه في حضنه وقبله . وهكذا يا عزيزي القارئ ، الإنسان المسيحي يظهر رائحة المسيح في حكمته في مواجهة المواقف المختلفة . خامساً ينبوع التعزيات :- الإنسان المسيحي هو ينبوع التعزيات ، فحضـور المسيحي حضـور مـفـرح فعندما يأتي الإنسان المسيحي يأتي معه الفرح والبشاشة . وهكذا حضور الإنسان المسيحي يعكس حضـور اللـه ، بالفرح الذي يملأ قلبه . وأخيراً هذه الفضائل الخمس : المحبة ، السلام ، اليقظة ، الحكمة ، وينبـوع التعزيات . هي مظاهر حضور الله في حياتنا ، وإذا أخذنا الحرف الأول في هـذه الكلمات الخمس ، ستظهر كلمة " مسيحي " .اجلس مع نفسك قليلاً في هدوء ، وراجع حياتك ، ما هي المجالات التي يمكن أن تظهر رائحة المسيح فيها ؟ والآن سأقدم لك يا عزيزي تطبيقاً عملياً عن كيف تكون رائحة المسيح الذكية في تعاملاتك مع الآخرين .في البداية هناك ثلاثة أسئلة هامة يجب أن تضعها أمامك عنـدما تتعامل مع أي شخص : هل تعرف احتياجات الإنسان الأساسية ؟ ... هـل تعـرف أشكال التواصـل مع الآخرين ؟ ... هل تعرف مبادئ التفاعل مع الآخر ؟ السؤال الأول :هل تعرف احتياجات الإنسان الأساسية ؟ إن أي شخص منـا ، مـهـمـا كـان وضعه وسنه وعملـه ومنصبه ودراسته وتكوينه ، له احتياجات ، فما هي هذه الاحتياجات ؟! إن أي إنسـان منـا ، يحتـاج إلى أربعة احتياجات أساسية وهي : الاحتياجـات الجسدية ، والاحتياجـات النفسية والاحتياجـات العقلية ، والاحتياجات الروحية . فلا يوجد شخص لا يحتاج إلى هذه الاحتياجات .. الاحتياجات الجسدية تتلخص في : الأكل والشرب والملبس والنـوم ، وأحياناً تسمى الاحتياجات الجسدية بالاحتياجات البيولوجيـة فكلمـة " بيـو " باللغة اليونانية تعني " حياة " .أما الاحتياجات النفسية ، فهي الاحتياج إلى التقدير والحنـان ، والأمـان والحرية ، وأيضاً يحتاج الإنسان إلى الحب ، وهذه الاحتياجات تبـدأ منذ بدايـة ولادة الطفل ، وتنمو وتتغيـر بنمو الإنسان . وبالنسبة للاحتياجات العقلية ، فهي الاحتياج إلى تغذية العقـل بـالقراءة والاطلاع والمعرفة . أما الاحتياجات الروحية ، فهي الاحتياج المطلق إلى الله ، والاحتياج إلى الغفران ، أي احتياج الإنسان لعمل الله في حياته ، ومعية الله في كل أعماله . ويعد الاحتياج النفسي أحد أهـم هـذه الاحتياجات ، وهـو يـتلخص في الاحتياج للحب ، فيصير الحب هو مفتاح القلوب ، فمتى شعر الإنسان بمحبة الآخرين سيتقبل منهم أي شيء بحب واهتمام . لذلك عندما تعامل الله معنا نحن البشر ، تعامل معنا من منطلق الحب كـمـا يقـول الكتـاب : " لأنّـه هـكـذا أحـب اللـه العـالم حتّى بذل ابنه الوحيـد لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية " ( يو 3 : 16 ) . السؤال الثاني : هل تعرف أشكال التواصل مع الآخرين ؟ التواصل لـه ثلاثـة أشكال ، وهي : الشكل الفردي ، والشكل الجماعي والشكل المتعدد . الشكل الفردي : يكون في الافتقاد ، وليس شـرط أن يتم الافتقاد في المنزل ، فيمكن أن يتم في الكنيسة ، ويسمى : " جلسة حب " ، أو يتم عن طريق التليفون . الشكل الاجتماعي : يكون عن طريق الاجتماعات بكل تنوعاتها ، وتسـمي هذه الاجتماعات " لقاء حب " . أما الشكل الثالث ، فهو الشكل المتعدد : فهو شكل الأنشطة الكنسية على اختلاف أنواعها ، وهذه تسمى " أعمال حب " . تلاحظ هنا تكرار كلمة " حب " ، لأن مفتاح الإنسـان هـو الحـب ، وكلمـة " حب " هي كلمة من حرفين ، وهما : " الحاء " ومعناها " حياة " ، و " الباء " ومعناهـا " بقاء " ، فبقاء الحياة لا يكون إلا بالحب . السؤال الثالث : هل تعرف مبادئ التفاعل مع الآخر ؟! مع بمعنى كيف يتفاعل الإنسان مع أخيه الإنسان ؟! وكيف يكون كلامك الآخر مقبولاً ، وكلمة تفاعل تعني Reaction ، فقد تتقابـل مـع شخص ، ومـن أول لقاء يحدث نوع من القبول بينكما ويبدأ الحوار . مبادئ التفاعل ثلاثة مبادئ :- أولها مبدأ القبول : الإنسان المسيحي يقبل الجميع ، ولا يكـون لـه جماعـة خاصـة به ، فقلبـه مفتوح للجميع . المبدأ الثاني هو مبدأ التفاهم أو الاتصال :- بمعنى أنك تستطيع أن تصل إلى الآخر،إلى قلبه وعقله . المبدأ الثالث هو المبادرة:- فالذي يبادر بالحديث هو الذي يبادر بكسر الحواجز بينه وبين الآخرين ، وبذلك يفتح قنوات عديدة للحديث والتفاعل . المبدأ الرابع هو التشجيع : والتشجيع هـو إحـدى الاحتياجات الأساسية في التفاعـل الإنساني مثـل وهـو أيضـاً أحـد الأسباب الرئيسية لنجاح التفاعـل مع الحب تـمامـاً الآخرين . والآن أود أن أحدثك . عن ثلاث مهارات أساسية للتفاعل مع الآخرين المهارة الأولى : الحوار والمناقشة ، والسؤال والجواب . المهارة الثانية : الاستماع الإيجابي . المهارة الثالثة : القراءة والثقافة والاطلاع . 1ـ المهارة الأولى :- هي مهارة الحوار والمناقشة ، والسؤال والجواب ، بمعنى مهـارة الكلام وترتيبه . وتوجـد لغتـان للكـلام : لغـة لفظية ، ولغة جسدية ، أي بـدون ألفاظ ! الإنسان يتأثر باللغة اللفظية بنسبة 40 % ، أما اللغة الجسدية ، فيتأثر بها بنسبة 60 % ، وهذه اللغة تشمل : نظرات العين ، وطريقة الجلوس وغيرها مـن الحركات والأوضاع التي نعتمد عليها في حديثنا . مهارة الحوار أيضاً يدخل بها فترات الصمت ، بمعنى أنه أثناء حديثك مع شخص آخر ، قد يكون هناك فترة صمت لمدة ثوان ، وإذا قام الشخص الآخـر بالبكاء ، حاول أن تقدر سبب بكائه وحساسية مشاعره . أيضـاً نـبرات الصـوت لـهـا عـامـل هـام ، فـإذا أردت أن تعطي اهتمام في الحديث ، وتشعر مـن أمامـك بأهميتـه عنـدك ، يجـب أن تخفـض نـبرة صـوتك وكأنك تهمس في أذنه ، وهذا يعطي نوع من الخصوصية للآخر ، وكأنك تعطيـه رسالة خاصة ، وأنه قريب إليك جداً وأن هذه الرسالة لا تريد أن يسمعها أحـد غيره ، وحاول أن تجعل جلستك منطقية ومسلسلة ، وأنصحك أن تصلي في قلبك أثناء حديثك مع الآخر ، فصلي قائلاً : " يارب أرشدني وعلمني ماذا أقـول ، اكشـف لي يارب ما يجب أن أتحدث به " . ٢- المهارة الثانية :- هي مهارة الاستماع الإيجابي ، والإنصات الكياني . ... فاسمع بابتسامة واظهـر الاهتمام والتعبير ببعض الكلمات البسيطة ، مثل : شاطر ، أو ماذا فعلت بعد ذلك ؟ ... وهكذا من كلمات ، تبرز مدى الاهتمام .كذلك الاهتمام بلغة الجسد فهي تنقل العديد من الرسائل أبلغ وأقـوى من الكلمات . وعلى قدر استطاعتك ، عليك أن تضع الإنجيـل بينك وبين من تحدثه بالأخص في جلسات الافتقاد ، ويمكنك أن تستعين به في حديثك ، فـروح اللـه تستطيع أن ترشد الإنسان ، وتعطيه حكمة في الموضوع الذي يتحدث فيه . 3 ـ المهارة الثالثة :- وهي مهارة القراءة والثقافة والاطلاع ، فالقراءة توسّع مدارك الإنسان وتنميها ، مثل علم النفس أو علم الشخصيات ، أو كيفية مواجهة المواقف والأزمات . أخيراً يا عزيزي أود أن أهمس في أذنك ، أن اللمسات الشخصية التـي تقدمها للآخرين تصنع فارقاً كبيراً في كيفيـة مـواجهتهم للمواقف . وتذكر أن " رابح النفوس حكيم " ( أم 11 : 30 ) . قداسة البابا تواضروس الثانى البابا ال١١٨ عن كتاب خطوات
المزيد
22 سبتمبر 2022

شخصيات الكتاب المقدس نوح

نوح "اصنع لنفسك فلكاً" تك 6: 14 مقدمة قد لا يعرف الكثيرون أن قصة نوح كانت من أجمل القصص الكتابية وأعمقها وآثرها وأدناها إلى قلب الواعظ المشهور مودي، وقد لا يعرفون أن مودي لم يكن يمل على الإطلاق من ذكر تأثير هذه القصة عليه في الكثير من مواعظه وأحاديثه وكتاباته، وقد ألف مودي أن يفعل هذا، لأن هذه القصة أراحته وعزته، وكانت بمثابة نقطة التحول في خدمته، في لحظة من أدق وأحرج اللحظات التي مرت به في حياته كلها!!.. كان مودي في ذلك الوقت فاشلاً في الخدمة على أرهب وأدق ما يمكن أن تشتمل عليه كلمة الفشل من معنى، وإذ زاره أحد الأصدقاء ممن يقومون بالتعليم في مدرسة من مدارس الأحد، ورآه مهموماً كئيباً، استفسره عن سر كآبته وحزنه، وإذ أدرك أنه حزين لجدوب خدمته، وعقمها، وعدم إثمارها، أشار عليه أن يعيد تأمله في قصة نوح، قصة ذلك الإنسان الذي ظل يكرز، دون ملل، بين الناس مئة وشعرين عاماً، دون أن يكسب منهم فرداً واحداً لله، ما خلا بيته!! وإذ قرأ مودي القصة من جديد، هاله الفرق الكبير بين إيمان نوح وشجاعته وصلابته وصبره وكفاحه في مواجهة عالم شرير آثم، وإيمانه هو وصبره وجهاده، في عالم مهما يكن شره، فلا يمكن أن يكون ضريباً للعالم قبل الطوفان!! وفعلت القصة فعلها الرائع العجيب فيه، إذ زودته بإدراك ووعي جديد للخدمة، وارتفعت به من وادي الاتضاع واليأس والمذلة والقنوط الذي هبط إليه، إلى قمة النجاح والتقدم والانتصار والعظمة التي بلغها في خدمته فيما بعد!! ولم يعد من ذلك اليوم، كما ألف أن يقول، يعلق عوده على شجر الصفصاف!! وفي الواقع أن هذه القصة ليست خصبة حية عميقة الأثر في حياة الوعاظ فحسب، إذ تتحدث عن أول واعظ وكارز حدثنا عنه الكتاب، بل لعلها من أمتع وأجمل وأقوى القصص التي تتحدث عن رجل لم يكن من صناع التاريخ فحسب، بل كان هو بذاته نقطة بدء جديدة، في التاريخ، والحياة البشرية!!.. من يكون إذاً هذا الرجل العجيب؟!! وما كرازته؟!! وفلكه؟!! وميثاق الله معه؟!! هذا ما أرجو أن نضعه أمامنا ونحن نتناول شخصيته العظيمة!!. نوح من هو وما طباعه وحياته؟!! لعلنا نستطيع أن ندرس الرجل، ونتفهم طباعه وصفاته وأخلاقه في دعة وحق وجلال، إذا أتيح لنا أن نتتبعه من الداخل إلى الخارج، أو من علاقته مع الله في السريرة والنفس، إلى علاقته مع البيت، إلى علاقته مع المجتمع الخارجي، في العالم الذي يحيط به، ويبدو نوح في هذه جميعها وقد اتسم بالخلال التالية: نوح البار القديس وهنا يبدو قلب الرجل وجوهره وأعماقه، بل هنا يبدو أساس ما فيه من عظمة ورغادة وجمال ومجد: "كان نوح رجلاً باراً.. وسار نوح مع الله" "لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل" والبر قبل كل شيء، هو الموقف البريء، غير المدان، من الله، أو في لغة أخرى، هو الموقف السليم، من الوجهة القانونية، إزاء حق الله وبره وعدالته وقداسته، ولكن كيف يتاح للإنسان أن يقف هذا الموقف، والكتاب يشهد: "إنه ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم. ليس من يطلب الله. الجميع زاعوا وفسدوا ليس من يعمل صلاحاً ليس ولا واحد"؟! لا سبيل لنا إلا بالبر النيابي: "بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون. لأنه لا فرق إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح الذي قدمه الله كفارة بالإيمان بدمه لإظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة بإمهال الله، لإظهار بره في الزمان الحاضر ليكون باراً ويبرر من هو بالإيمان بيسوع" وقد كان نوح من المؤمنين بالذبائح التي ترمز إلى هذا الفداء، وهذه الكفارة، وما من شك بأنه درج على تقديم هذه الذبائح كما كان يفعل آدم، وهابيل، وشيث، وأخنوخ، وموسى، وهرون وداود وسائر المؤمنين قبل الصليب!! وما من شك بأنه تعلم من الله كغيره من الأقدمين الذين جاءوا قبل ناموس موسى، الفرق بين الطاهر وغير الطاهر من البهائم والطيور، وكيف تقدم الذبائح من البهائم والطيور الطاهرة دون سواها!! وقد وضح هذا فيما صنعه بعد أن خرج من الفلك إذ بنى مذبحاً للرب وأخذ من كل البهائم الطاهرة، ومن كل الطيور وأصعد محرقات على المذبح!!.. والبر أيضاً يعني الحياة المتميزة المستقيمة المنفصلة عن العالم، والمتصلة بالله، وقد كان نوح بهذا المعنى، باراً لدى الله في جيله، إذ لم يعش الحياة التي كان يعيشها معاصروه، وأهل جيله، إذ انفصل عن شرهم ومجونهم وطغيانهم واستبدادهم، وسار مع الله، ولعل سيره مع الله كان بمثابة الامتياز والوقاية والعلاج له من السير مع العالم!! كان نوح هنا أشبه بتلك الشجرة من الصفصاف التي لاحظ البستاني أنها تميل إلى جانب، وحاول عبثاً أن يجعلها مستقيمة منتصبة، وأخيراً ادرك السر، إذ كان هناك مجرى صغير يندفع تحت سطح الأرض، وكانت الشجرة تميل نحوه إذ هو ينبوع ريها ومصدر انتعاشها وقوتها، وما أن عرف البستاني هذا، حتى سارع إلى قفل هذا الينبوع، وتحويله إلى الجانب الآخر المهمل من الشجرة، وما أسرع ما اعتدلت واستقامت بعد ذلك!!.. وليس هناك شيء يحررنا من إغراء العالم ولهوه ومتاعه ومجونه ولذاته سوى الاتصال بالله، والالتصاق به، والسير معه، والحياة والانتعاش والري بالشركة معه!! نوح الحلو الشمائل وما من شك بأن نوحاً كان حلو الشمائل، دمث الأخلاق، رقيق المشاعر، جذاب الشخصية، أطلق عليه أبوه بروح النبوة الاسم "نوح" أي "راحة" إذ قال: "هذا يعزينا عن عملنا وتعب أدينيا من قبل الأرض التي لعنها الرب" وهي لغة إن تحدثت عن شيء، فإنما تكشف لنا الطباع الحلوة الجميلة التي وجد عليها ذلك الإنسان فيما بعد، في علاقته بالناس، على وجه العموم، وعلاقته بأبويه وبيته، على وجه الخصوص، ولعل أفضل مكان يكتشف فيه الإنسان على حقيقته هو بيته، بين أبويه، وأهل منزله، حيث يسقط قناع التكلفة والتظاهر والمواراه، وحيث يبين على الطبيعة دون زيادة أو نقص،.. وقد كان نوح لأبويه بمثابة الابتسامة العذبة في أرض الدموع أو النسمة الرقيقة في الجو اللافح، أو الزهرة العطرة في البرية القاحلة، أو الينبوع الحلو في القفر المجدب!! فكلما ضاق لامك بالتعب والكدح في الأرض وجد في ابنه راحة وعزاء، وكلما اضطرب في علاقته بالأشرار في العالم الذي يحيط فيه، وكادت أنفاسه تختنق، وجد في ابتسامة ابنه وشركته وحلو شمائله ما يغنيه وينسيه عن كل ما في العالم من متاعب!! وكلما أحس الإرهاق يأتيه من هذا الجانب أو ذاك، ونظر إلى ابنه العظيم الغنى بالفضائل إلى جواره ارتقى وارتفع فوق كل تعب وعنت وضيق ومشقة!! وهل هناك في الواقع أفضل من الابن المحب المطيع السامي الأخلاق عندما يتمشى مع أبيه ويشاطره الحياة في ألوانها المختلفة المتعددة!! نوح ذو الشخصية القوية وهذا يعني أن نوحاً لم يكن إنساناً عاطفياً حلو الشمائل فحسب، بل كان أكثر من ذلك إنساناً "كاملاً في أجياله" والكلمة "كاملاً" تفيد توازن الشخصية وتمامها، أي أن شخصيته لم تكن تنمو في جانب على حساب جانب آخر، أو في لغة أخرى، إن عاطفة نوح لم تنم على حساب فكره أو إرادته، والعكس صحيح، أي أن فكره لم يقو على عاطفته مثلاً فيضحى جامداً، أو على إرادته فيمسى متخلفاً!! والكمال هنا كأي كمال بشري كمال نسبي غير مطلق، إذ هو كمال بالنسبة للأجيال التي عاش فيها، وفي الحدود التي يمكن أن يبلغها الإنسان على الأرض، فالصبي عندما يأخذ درجة الكمال في الامتحان، فذلك ليس معناه أنه أصبح مثل معلمه وأستاذه، وأنه ليس في حاجة إلى كمال آخر، بل معناه أنه كامل في حدود سنه واستعداده وإمكانياته وملكاته، وكلما استعت هذه وزادت كلما طولب بالصعود في مدارج الكمال!! وبهذا المعنى يمكننا أن نقول، ونحن في أمن واطمئنان، أن نوحاً كان من أعظم رجال عصره حكمة وأصالة وفكراً، بل لعله كان من أعظم رجال التاريخ ذكاء وصفاء والمعية وهل يمكن أن يكون غير هذا وقد رفعه الله في التاريخ ليكون أبا البشرية كلها من بعد الطوفان؟!! وهل يسمح الله أن يكون مورث البشر إنساناً محدود المدارك ساذج التفكير؟!! وبهذا المعنى يمكننا أن نقول أيضاً أنه كان من أعظم رجال الأجيال وأقواهم إرادة وعزماً، بل لعل التاريخ لا يعرف شخصيات كثيرة كانت لها صلابة هذا الرجل وقوة إرادته!! كيف لا وقد كانت له الشجاعة والصلابة والقوة التي تجعله يقف في جانب، والعالم كله في جانب؟! كان عصر نوح عصراً بشعاً مريعاً اتسم بخطايا متعددة، إذ كان عصر الشهوة والمجون، العصر الذي سقط فيه أبناء الله –وهم النسل المنحدر من شيث، وليس الملائكة الذين سقطوا كما يظن البعض –تحت إغراء بنات الناس- وهذا النسل المنحدر من قايين- فاتخذوا لأنفسهم منهن نساء كما قادتهم طبيعتهم الجامحة ورغبتهم المدنسة، وكان عصر التمرد والعصيان، أو العصر الذي لا يسترشد فيه الناس بفكر الله، بل كان لهم: "كل ما اختاروا" العصر الذي قيل فيه: "إن شر الإنسان قد كثر وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم" وكان أيضاً عصر الظلم والطغيان، العصر الذي فيه: "امتلأت الأرض ظلماً" و"كان في الأرض طغاة في تلك الأيام" وكان أخيراً عصر التعالي والمجد العالمي، العصر الذي كان يسعى الناس إليه وراء العظمة والسؤدد والمجد ومنهم: "الجبابرة الذين منذ الدهر ذوو اسم".. في هذا العصر عاش نوح، ولو أنه كان أضعف إرادة، وأسلسل قياداً، لانهزم وانهار أمام ما لا يعد ولا يحصى من التجارب والمشاكل والصعوبات التي كانت تواجهه، ولا شك، كل يوم. لكن الرجل عاش، في وسط هذه الظروف القاسية المروعة، وكأنما يجيب ذات الإجابة التي أجاب بها فيما بعد القديس أثناسيوس عندما قالوا له: "إن العالم كله ضدك" فأجاب: "وأنا ضد العالم".. كان نوح من الأبطال وصناع التاريخ الذين إذ يؤمنون برأي أو عقيدة أو مبدأ يقفون إلى جواره، ويعيشون له، ويموتون في سبيله، حتى ولو لم يقف إلى جوارهم أحد على وجه الإطلاق، لأنهم يؤمنون بغلبة الحق، يوماً ما، طال الزمان أو قصر، وسواء رأوا هم هذه الغلبة، أم رأتها أجيال أخرى تأتي بعدهم!! نوح الصبور وهذه سمة بارزة واضحة في طبيعة هذا الرجل وأخلاقه وكان لابد أن توجد فيه، ويكون عليها، وقد خالف جميع الناس الذين عاصرهم وعاش معهم، ونهج في الحياة بأسلوب يتباعد ويتباين عن أسلوبهمعلى أن صبر الرجل، يتضح بأجلى بيان في كرازته المستمرة لمن عاش بينهم مدة مائة وعشرين عاماً دون أن يكسب منهم فرداً واحداً لله، ومع ذلك لم ييأس أو يقنط أو يكل في مجهوده معهموهل يمكن أن يوجد بعد ذلك بين الناس من يضارعه في الصبر والاحتمال والأناة؟إذا استثنيناه لا شك ذاك الذي لم يعش بيننا صابراً فحسب، بل حمل في صبره آلام الأجيال وخطاياهم في جسده على خشبة العار، ومن ثم استحق أن ينفرد وحده بلقب ابن الإنسان، وأن يكون المثال الأول في الصبر، حتى ليمكن أن يقال: "والرب يهدي قلوبكم إلى محبة الله وإلى صبر المسيح" (2تس 3: 5). نوح وكرازته ونوح هو أول وأقدم كارز حدثنا عنه الكتاب، وهو يمكن أن يدعى، من هذا القبيل، أبا الكازين والوعاظ، وقد ذكر الرسول بطرس في معرض الحديث عنه نوع الكرازة التي كان ينادي بها إذ كان "كارزاً بالبر" ولا أحسب أن هناك كلمات أروع وأجل من كلمات الكسندر هوايت، وهو يتحدث عن كرازته إذ قال ما موجزه: "لقد أعطانا الرسول بطرس إضافة هامة عن حياة نوح بعد الأربعة الأصحاحات التي ذكرها موسى عنه عندما قال: "حفظ نوح ثامناً كارزاً للبر".. وكواعظ يهمني جداً –بطبيعتي كواعظ، ولأسباب أخرى كثيرة- أن أعرف لماذا لم ينجح نوح في خدمته كواعظ؟ألأنه كان يكرز بالبر؟قد يكون هذافبخبرتي أعرف أن البر هو الشيء الوحيد الذي ينفر منه السامعون، فقد يرحب بعض الناس بأنواع أخرى من الوعظ، كالوعظ الجدلي، والوعظ الدفاعي، والوعظ التاريخي والقصصي، والوعظ العقائدي، والوعظ التبشيري، وقد يطلبونها، ولكنهم جميعاً يتفقون في مقاومة ورفض الوعظ بالبر، الوعظ بالتوبة والإصلاح الوعظ بالأخلاق والتصرف الحسن.. أجل فهذه لا يقبلونها أو يرحبون بها، ويوسيفوس يتبع موسى والرسول بطرس إذ يخبرنا أن نوحاً وعظ الناس وألحف في الحديث معهم إلى درجة أنه خاف من أن يقتلوه، وهناك شيء واحد ينبغي تأكيده، وهو أن نوحاً لم يفسد وعظه بحياته كما يفعل الكثيرون من الوعاظ، إذ له هذه الشهادة طوال كرازته ووعظه أنه سار مع الله، إذ قال له الرب وهو يأمره بصنع الفلك: "لأني إياك رأيت باراً لدي في هذا الجيل"على أن هوايت يستطرد فيقول أنه ربما كان لحام بن نوح أثر في إفساد رسالة أبيه إذ أنه بحياته وتصرفاته وأعماله كان يضعف من قوة تأثير هذه الرسالة على الآخرين ومع أننا نقر هذا الواعظ العظيم والكاتب الألمعي، إلى حد بعيد، في أنه ليس هناك ما يفسد أثر رسالة الكارز والواعظ أكثر من تصرفات بنيه وبناته وأهل بيته، إلا أننا لا نستطيع أن نبلغ هنا مبلغ الجزم في تحديد الأثر الذي تركه حام في رسالة أبيهوكل ما نستطيع أن نقوله هنا هو أن الناس تختلف باختلاف الأجيال في قبول الرسالة أو رفضها، والحياة الدينية موزعة بين المد والجزر باختلاف الظروف والأزمنة والأمكنة والأجواء التي تعيش فيها البشرية، وليس أدل على ذلك من قول السيد المسيح وهو يوازن بين المدن التي صنعت فيها أكثر قواته والمدن القديمة عندما قال: "ويل لك يا كورزين. ويل لك يا بيت صيدا لأنه لو صنعت في صور وصيداء القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديماً في المسوح والرماد.. وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية لأنه لو صنعت في سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم".. إن مأساة نوح الكارز هو أنه عاش في العصر الذي قال فيه الرب: "لا يدين روحي في الإنسان إلى الأبد" نوح وفلكه وهل يمكن أن يذكر نوح دون أن يذكر الفلك أيضاً؟وأليس قصة نوح مرتبطة إلى حد بعيد بقصة ذلك الفلك الذي كان حداً فاصلاً بين عالم قديم وآخر جديدولعله من اللازم أن نقف قليلاً منه لنسمتع إلى ما يمكن أن يعظ به يتحدث!! وأغلب الظن أنه سيكشف لنا عن هذه الحقائق العظيمة التالية: الفلك وعدالة الله وهل هناك في التاريخ ما هو أعلى صوتاً وأقوى عبارة في الحديث عن عدالة الله كفلك نوح؟لقد أمر الله ببناء هذا الفلك لأن الأرض امتلأت ظلماً، ومن ثم كان لابد أن يضع الله نهاية لهذا الظلم، وهو السيد والملك والحاكم والديان العادل، وكان لابد في الوقت ذاته من أن يصنع تفرقة بين البار والأثيم. فلا يهلك البار مع الأثيم، وإذ وجد لديه إنساناً واحداً باراً مع بيته، أمر بصنع الفلك والدخول فيه، ليقيم بذلك حكم العدالة فلا يقال: "أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً" وإذا كانت الطبيعة البشرية الناقصة، إذا أوتيت شيئاً من النبل وسمو الخلق، تمقت الظلم، وتكره الطغيان، وتنشد العدالة، وتفخر بها، وإذا كان الإغريق قد رمزوا إلى العدالة بامرأة معصوبة العينين، تمسك بيدها ميزاناً للحكم بالعدل بعيداً عن الهوى والحيز والميل، وإذا كان الرومان قد ألفوا بأن يباهوا بأنهم رجال العدالة في كل التاريخ، حتى لقد وجد بينهم بروتس القاضي الروماني، الذي حكم على ولديه بالإعدام، إذ ثبتت خيانتهما، وعصب عينيه ساعة تنفيذ الحكم لكي لا يرى موتهماوإذا كانت العصور الحديثة تعتبر العدالة أعلى مقياس للرقي والتقدم والحضارة في أمة من الأممفهل يكون الله الكامل العادل بطبيعته أقل إحساساً بها من البشر الناقصين؟ إن عدالة الله هي الملاذ الذي يلجأ إليه كل تعس شقي مظلوم في الأرض، وهو العدالة التي تجعلنا نغني مع فيبر قائلين: إن عدالتك يا رب هي الفراش الذي تهجع إليه قلوبنا القلقة، حيث تنام متاعبنا، وتنتهي ضيقاتنا!! الفلك وقداسة الله وقد تحدث الفلك أيضاً عن قداسة الله، إذ أنه تعالى قدوس يكره الخطية، ولا يتصورها، وإذا كانت السماء ليست بطاهرة أمام عينيه، فهل يعقل أن يسكت على الأرض وقد امتلأت بالفساد أمام عينيه؟! لقد كانت الأرض أشبه بالثوب المتسخ، أو الوعاء القذر، الذي لابد أن يغسل وينظف؟! وقد غسلها الله بالطوفان، ليبدأ مع نوح وبيته من جديد!!.. وإذا كان داود دينس الرجل الذي أوتي شيئاً من القداسة –في قصة قلب مدلوثيان لسرولترسكوف- قد حزت في أعماق قلبه خطية ابنته، وكان يتمنى في باديء الأمر أن تظهر بريئة، ولكن لما ثبتت إدانتها اكتسى وجهه بالغضب، وظهر فيه الرجل الإلهي المقدس، فقال لأختها: "لقد ذهبت عنا، لأنها ليست منا، فلتذهب إلى حال سبيلها، وليعمل الرب معها ما يشاء!! كانت ابنة الصلاة، وكانت لا تستحق أن تطرد من ذكرانا!! ولكن لا تدعي من الآن اسمها يجري على لسانك بيني وبينك" إذا كان داود دينس يقف هذا الموقف من الخطية مع ابنته، فهل يكون موقف الله القدوس من الأرض الفاسدة أضعف وأقل؟!! حاشا وكلا!! الفلك ورحمة الله وقد كان الفلك أيضاً إعلاناً عن رحمة الله، لا بالنسبة لنوح فحسب بل بالنسبة أيضاً للذين هلكوا، كيف لا وقد أبى الله أن يباغت الناس بالطوفان بل أمهلهم مئة وعشرين سنة صنع في أثنائها الفلك، وكان كل مسمار فيه، وكل قطعة خشب، تنادي الناس وتحذرهم من الغضب الرهيب الآتي؟! وهل يمكن أن يجد المرء عذراً للعدد الكبير الهائل ممن اشتركوا في بنيانه وصنعه، من عمال وصناع ونجارين وحدادين وغيرهم، ممن كان من المحال أن يصنع الفلك بدونهم؟!! أليس هؤلاء مثالاً لمن يعيشون في جو الخدمة الدينية، أو يقومون بحكم المهنة والعمل بخدمات كثيرة في الكنيسة، والمساعي، ومدارس الأحد، وجمعيات الشبان، والشابات، والنشر، والإذاعة وغيرها من أوجه النشاط الديني، ولكنهم يطرحون آخر الأمر في جهنم النار، حيث دودهم لا يموت، والنار لا تطفأ، ولسان حالهم يقول "ويحنا وبئساً لنا أبعد ما كرزنا للآخرين نصير نحن مرفوضين؟!!". الفلك ومحبة الله على أن الفلك إن تحدث آخر الأمر فإنما يتحدث قبل كل شيء، وبعد كل شيء عن محبة الله العميقة العجيبة غير المتناهية للناس!! كيف لا والفلك ليس إلا رمزاً للخلاص المجاني الكامل المجيد الذي لنا في المسيح يسوع!! لقد صنع الفلك بترتيب الله وحكمته دون أن يكون وليد فكر الإنسان ورأيه ومشورته وتدبيره، وهكذا كان الخلاص منبعثاً من أعماق المشورة الإلهية الأزلية من دون فكر أو شركة للناس!! يضاف إلى هذا أن الخلاص من الطفوان لم يكن إلا بشيء واحد لا غير، ألا وهو الاتجاء إلى الفلك، والدخول فيه، والاحتماء به، وهكذا خلاصنا الأبدي لا يمكن أن يكون سوى بالاندماج في المسيح، فلكنا العظيم، والاحتماء به والاختباء في جنبه المطعون!! وكما احتمل الفلك جميع التيارات واللجج والأمواج المتلاطمة التي كانت تصفعه، وتحيط به من هنا ومن هناك، هكذا احتمل المسيح يوم الصليب جميع تيارات الله ولججه التي طمت عليه!! فإذا كان نوح قد غني، ولا شك، هو وأولاده وبيته، وهم داخل الفلك، لرحمة الله وجوده ومحبته التي أعدت لهم هذا الخلاص العظيم!! أفلا يجمل بنا أن نغني في المسيح لرحمة الله ومحبته الأبدية التي لا تدرك أو توصف!! نوح وميثاق الله معه وآخر ما نختم به الحديث عن نوح هو ذلك الميثاق الذي أقامه الله معه ومع نسله إلى الأبد عندما قال: "وضعت قوسي في السحاب. فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض" وقد دعا الكسندر سملي هذه القوس "مبشر الله في الجو" وفي الواقع أنها إن تحدثت عن شيء فإنما تتحدث أولاً قبل كل شيء عن وجود الله ولطفه وحنانه ورحمته.. خرج نوح من الفلك، وتأمل هنا وهناك، فإذا به يرى من المناظر ما يملأه رعباً وخوفاً وهلعاً، لقد أبصر الدنيا حوله خراباً يباباً، أبصر الله وقد قضى على كل حي!! أين الرجال الذين رآهم مراراً؟!! أين المدن المرتفعة أين الجمال والحياة البشرية العامرة الزاخرة؟!! لقد انقضت هذه كلها، وأضحت أثراً بعد عين، وانتاب نوح، ولا شك، الإحساس الغامر الرهيب بالخوف والقلق والاضطراب!! ألا يمكن أن يتكرر الطوفان مرة أخرى؟!! وألا يمكن أن تحدث هذه المأساة بين بنيه وأحفاده في المستقبل القريب أو البعيد؟!! وصلى نوح، كما يقول يوسيفوس المؤرخ اليهودي، وتضرع إلى الله، ألا يحدث مثل هذا الطوفان مرة أخرى؟!! وأجاب الله على هذه الصلاة "بأن رفع عينيه إلى فوق، وأراه قوس قزح الجميلة المنظر، وكأنما يقول له لا تفزع يا نوح أو تخف، فأنا لست الإله المنتقم القاسي الرهيب الذي تظنه، بل أنا الآب المحب العطوف الجواد؟!! تأمل قوس قزح هذه، وهل تجدها تشابه قوس الحرب والقتال؟!! كلا فإنك لن تجد في هذه القوس سهماً، بل ستجد القوس نفسها، وقد تجردت من الوتر، وانحنت إلى أسفل لتمس الأرض مساً رقيقاً خفيفاً!!.. وهكذا كان عهد الله وميثاقه مع نوح، عهد الصداقة والمودة والرفق والجود والمحبة التي لا يمكن أن تقهرها خطية أو إثم!! على أن قوس قزح تتحدث مع ذلك عن كمال الله وقداسته، إذ أن هذه القوس مكونة من سبعة ألوان، والسبعة تكون مجتمعة معاً، اللون الأبيض الذي يرمز إلى القداسة والكمال، أو في لغة أخرى أن كل صفات الله تعبر مجتمعة معاً عن قداسته ونقاوته الكلية وأنه مع محبته للخاطيء، ورحمته له، لا يمكن أن يشق الطريق إليه إلا بطلب القداسة والسعي ورائها: "القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب" عب 12: 14.وآخر الكل أن هذه القوس تتحدث عن جمال الله وحلاوة الشركة معه؟!! وهل رأيت مثل قوس القزح في الجمال؟!! وهل أدركت أن الميثاق مع الله يأسر القلب، ويملك اللب، ويخلب المشاعر، ويرفع النفس إلى لذة لا توصف أو تداني؟!! وهل علمت أن الحياة مع المسيح لها متعة دونها كل متع الحياة ومسراتها وملاهيها ومباهجها؟! وهل تبينت أن الوجود كله يرقص ويغني أمام عيني من عرف المسيح وعرف منه أو كما قال يوناثان ادواردس بعد تجديده: "لقد بدا جلال الله البارع أمامي في كل شيء، في الشمس، في القمر، في النجوم، في الحياة، في الطبيعة كلها،.. لقد خلق ابن الله العالم لهذه الغاية: أن يظهر من ورائه بصورة ما عظمته ومجده، فعندما نبتهج بالزهر المونق والنسيم الرقيق يمكننا أن نكتشف إحسان المسيح!! وعندما نتأمل الورود العطرة وزنابق الحقل البيضاء يمكننا أن نتبين محبته ونقاوته، وهكذا الأشجار وأغاني العصافير ليست إلا إعلاناً عن فرحة وجوده، والأنهار وتموجات المجاري ليست إلا مظهراً لوقع أقدام نعمته وجماله. وحين نلحظ لمعان الشمس والشفق الذهبي أو قوس قزح الجميلة يمكننا أن نرى جلاله وطيبته، ولهذا دعى المسيح شمس البر، وكوكب الصبح، ونرجس شارون، وسوسنة الأودية!!".
المزيد
21 سبتمبر 2022

كان يجول يصنع خيرًا

موضوعنا اليوم عن عبارة قيلت عن الرب إنه "كان يجول يصنع خيرًا"، ونص الآية هو: "الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْرًا" (سفر أعمال الرسل 10: 38).إلهنا المحب الذي يحب البشر كان "يجول يصنع خيرًا" وهذا ليس في العهد الجديد فقط بل في العهد القديم أيضًا. الآن وكل أوان. فطريقة الله في العمل هي أن يجول يصنع خيرًا.أي الله دائمًا يسير ليفتقد الناس المتعبين ليريحهم. ويفتقد المرضى ليشفيهم. مريض بركة حسدا: كان الله يسير في أحد المرات، ووجد إنسان مريض مقعد منذ 38 سنة. 38 سنة مقعد وجالس بجوار البِركة! فتحنن الله عليه وقال له "احْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ" (إنجيل مرقس 2: 11؛ إنجيل يوحنا 5: 8). المولود أعمى: رأى رجل مولود أعمى فشفاه. وبعد أن شفاه بوقت قليل وجد أن اليهود أخرجوه من المجمع فمر عليه خارج المجمع وافتقده وأعطاه الإيمان.كان يسوع يتحنن على المرضى ويشفيهم. فهو يجول يصنع خيرًا.طريقة ربنا أنه يجول يصنع خيرًا ويريح الناس."ينادي للمأسورين بالعتق وللمسبيين بالإطلاق"، ونص الآية هو: "لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ، وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ" (سفر إشعياء 61: 1). عطف الرب وتحننه على الخطاه: الله افتقد العشارين: كان الرب يسوع سائرًا في مكان الجباية ووجد عشار فقال له تعالى اتبعني، بينما العشارين كانوا مكروهين. مكروهين عند المجتمع ولكنهم غير مكروهين عند الله.مرَّ الرب على زكا رئيس العشارين وقال له: "أنا اليوم أبيت في بيتك". وتعجب زكا من هذا جدًا وكذلك اليهود. كيف يبيت يسوع عند شخص خاطئ.لم يدركوا الفرق بين الإنسان العادي بضعفه البشري عندما يبيت مع إنسان خاطئ فيضار. وبين المسيح الذي عندما يبيت عند إنسان خاطئ ينقذه من خطيئته.لذلك قال له يسوع: "اليوم حدث خلاص لأهل هذا البيت"، ونص الآية هو: "الْيَوْمَ حَصَلَ خَلاَصٌ لِهذَا الْبَيْتِ" (إنجيل لوقا 19: 9).إلهنا يجول يصنع خيرًا مع الكل.جلس مع العشارين وكان يأكل معهم. وقد انتقده اليهود في هذا وقالوا له: "كيف تجلس مع الخطاة وكيف تأكل معهم"، ونص الآية هو: "لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟"، "مَا بَالُهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ مَعَ الْعَشَّارِينَ وَالْخُطَاةِ؟"، "لِمَاذَا تَأْكُلُونَ وَتَشْرَبُونَ مَعَ عَشَّارِينَ وَخُطَاةٍ"؟! فقال لهم: "لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى" (إنجيل متى 9: 12؛ إنجيل مرقس 2: 17؛ إنجيل لوقا 5: 31) فالمرضى يحتاجون إلى من يجلس معهم.القديسين لا يحتاجون التوبة ولكن الخطاة يحتاجون إليها. هل يتمثل كل رجال الدين بيسوع؟ بعض رجال الدين إذا وجد شخص خاطئ يرفضوه وقد يطردوه. وكأنهم يقولون له: "أنت لا تصلح أن تكون ابن لله".بينما الله لا يفعل هذا مع الخطاة. الله يأخذ المطرودين ويصلحهم.نجد الله يقول حزقيال 34 "أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. وَأَطْلُبُ الضَّالَّ، وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ، وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ" (سفر حزقيال 34: 15، 16). فهذه هي طريقة الله.أحيانًا كبرياء القلب عند بعض رجال الدين تجعلهم يرتفعون عن مستوى الخطاة ويرفضوهم.أما الله فبقلبه الحنون الواسع الطيب لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا. هو الداعي الكل إلى الخلاص. طريقة الله يجول يصنع خيرًا. المرأة السامرية: مر الله على السامرية، وهذه السامرية كانت غارقة في الشر، فقد عاشت مع 5 رجال والذي كان معها ليس زوجها. ولكن السيد المسيح اقترب إليها وكلمها. واستطاع بكلماته الرقيقة الطيبة أن يجذبها للتوبة دون أن يحرجها. لدرجة أنها آمنت وذهبت لتدعو أهل بلدها للإيمان أيضًا.فلأنه يجول يصنع خيرًا. في جولانه قابل إمرأة سامرية فخلصها. المرأة الخاطئة: في جولانه مرَّ بامرأة مضبوطة في ذات الفعل، فأراد أيضًا أن يخلصها. وقال للناس: "من كان منكم بلا خطية فليرجمها أولًا بحجر"، ونص الآية هو: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ" (إنجيل يوحنا 8: 7). (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وظل يكشف لكل واحد خطيئته إلى أن انسحبوا واحد وراء الآخر. وقال لها: "أين الذين أدانوك؟ لم يبق منهم أحد، وأنا أيضًا لا أدينك. اذهبي ولا تعودي تخطئي. عطف الرب وتحننه على الحزانى مثل: أرملة نايين: السيد المسيح كان يعطف ليس فقط على الخطاة بل على الكل.في أحد المرات وهو سائر يجول يصنع خيرًا وجد امرأة أرملة من مدينة نايين تبكي لأن ابنها الوحيد مات. فلم يستطع أن يتحمل بكائها. فأقام هذا الشاب ودفعه إلى أمه وقال لها لا تبكي. مريم ومرثا: ثم مر في بيت عنيا ووجد مريم ومرثا يبكون على أخيهم لعازر، الذي مات منذ 4 أيام. فطلب منهم أن يذهبوا به إلى قبره. وذهب معهم حيث دُفن لعازر وقال له: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا" (إنجيل يوحنا 11: 43).السيد المسيح يجول يمسح دموع الحزانى. ويزيل ضيق الناس. محبة الله افتقدت حتى المقاومين مثل: شاول الطرسوسي: شاول الطرسوسي كان من الذين قاوموا الرب ووقفوا ضد المسيحية، ويقول الكتاب عن شاول الطرسوسي أنه كان يجر رجالًا ونساءًا إلى السجن، بخطابات يأخدها من رؤساء الكهنة.شاول هذا المسيح مر عليه وهو في طريقه لدمشق، وقال له يا شاول لماذا تضطهدني. كان يصالحه. وليس فقط يصالحه، بل يجعله رسول. كان الله يرى فيه طاقات قوية يمكن أن يستخدمها في الخير.كان يجول يصنع خيرًا. الله يجول يصنع خيرًا من بدء الخليقة: خلاص آدم وبنيه: الله كان يجول يصنع خيرًا منذ القدم، حتى من أيام آدم.آدم أخطأ وخاف من الله وكان غير قادر على مواجهة الله.ولكن الله لم يتركه هكذا، بل ذهب إليه وبدأ بمصالحته وبدأ يتفاهم معه ومع حواء. ولم يتفاهم معهم فقط بل أعطاهم وعد بالخلاص. وكان بذلك يقول لهما "إن كانت الحية ضحكت عليكما فإن نسل المرأة سيسحق رأس الحية" (عن سفر التكوين 3: 15) الله يخلص ما قد هلك: الله لا ييأس من أحد. يجول يصنع خيرًا حتى مع الميئوس منهم في نظر الآخرين.ولذلك قال: "ابْنَ الإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ" (إنجيل متى 18: 11؛ إنجيل لوقا 19: 10). الله يسعى إليك حتى دون أن تطلب. يسعى إليك دون أن تطلب. تقول له أنا يا رب خاطي وواقع ولا أستطيع أن أقوم. فيقول لك أنا أقيمك. أنا أرسل إليك وسائل نعمة. ووسائل النعمة هذه تقيمك.الله قادر على كل شيء ولا يعثر عليه أمر. خلاص لوط: لوط اشتهى الأرض المعشبة وترك إبراهيم والمذبح، وسكن وسط الأشرار في سدوم. ولكن الله لم يتركه بل جاء ليطلب ما قد هلك. وأنقذه الله مرتين. مرة عندما سُبيَ أهل سدوم، حيث أرسل له إبراهيم ليحارب عنهم وينقذهم. ومرة عندما أُحرقت سدوم، حيث أرسل الله ملاكين أخذوا لوط وأسرته وخرجوا بهم من المدينة.الله يطلب ويخلص ما قد هلك. ليس فقط من قد سقط، بل من قد هلك. الله يدعو الكل إلى الخلاص. حتى الذي لا يقبل الله، نجد الله يصبر عليه لكي يخلصه.هناك شخص لا يرجع عن خطيئته من أول محاولة ولكنه قد يعود بعد عاشر محاولة أو حتى المحاولة العشرين.أخطر ما يقع فيه الآباء الكهنة أن ييأسوا من خلاص الخطاه. فيقولون عن شخص ما: "هذا الإنسان شرير جدًا لا ينفع معه وعظ أو نصح أو إرشاد".أحد هؤلاء الآباء طرد إنسان خاطئ وكانت حجته "ابن الهلاك للهلاك يدعى" عن الآية القائلة: "وَلَمْ يَهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ ابْنُ الْهَلاَكِ" (إنجيل يوحنا 17: 12). من قال هذا؟! فالله داعي الكل إلى الخلاص. ونصليها كل يوم. الله يجول يصنع خيرًا حتى مع المظلومين فالكتاب يقول:"الرب يحكم للمظلومين"، ونص الآية هو: "الْمُجْرِي حُكْمًا لِلْمَظْلُومِينَ" (سفر المزامير 146: 7). الرب يحكم للمظلومين: يوسف الصديق: من أمثلة هؤلاء المظلومين يوسف الصديق.لقد باعه إخوته كعبد وظلمته امرأة فوطيفار، وادعت عليه شرًا. وظلمه فوطيفار نفسه ووضعه في السجن. لكن الله لم يتركه، الله لم يحكم له بالخروج من السجن فقط بل الله حكم أن يكون يوسف الصديق الرجل الثاني في المملكة.وجعل الله كل الذين ظلموا يوسف الصديق يأتون ويسجدون عند قدميه. فالكتاب ذكر كيف أن إخوته الذين ظلموه جاءوا إليه وسجدوا عند قدميه. لم يكتب الكتاب عن فوطيفار أنه جاء وسجد عند قدمي يوسف، ولكن من المؤكد أن هذا حدث؛ ففي الغالب جاء فوطيفار أيضًا وسجد عند قدمي يوسف الصديق. الله يعضد الضعفاء والخائفين والذين في ضيقة: الله عجيب في أنه يجول يصنع خيرًا. يعمل في الناس بروحه القدوس ويعمل في الناس بنعمته ويعمل في الناس بملائكته ويصنع مع كل أحد خيرًا. داود النبي: نجد داود النبي يقول: "دفعت لأسقط والرب عضدني"، ونص المزمور هو: "دَحَرْتَنِي دُحُورًا لأَسْقُطَ، أَمَّا الرَّبُّ فَعَضَدَنِي" (سفر المزامير 118: 13) الله يقف بجوار من هم في ضيقة.أنا سأقول لكم عن واحد كان في ضيقة. هذا الواحد هو عصفور وقع في فخ الصيادين. ماذا يفعل العصفور أمام فخ الصيادين؟! الله يتدخل فينكسر الفخ ونحن نجونا، ونص الآية هو: "انْفَلَتَتْ أَنْفُسُنَا مِثْلَ الْعُصْفُورِ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِينَ. الْفَخُّ انْكَسَرَ، وَنَحْنُ انْفَلَتْنَا" (سفر المزامير 124: 7). هذا هو عمل الله. الله عضد يعقوب عندما كان خائفًا: يعقوب أب الآباء كان هارب من أخيه عيسو الذي قال "أقوم وأقتل أخي"، ونص الآية هو: "فَأَقْتُلُ يَعْقُوبَ أَخِي" (سفر التكوين 27: 41).وعندما كان يعقوب هارب وتعبان، ولا يعرف حل لمشكلته، ظهر له الله في السلم السمائي وقال له: لا تخف "وَهَا أَنَا مَعَكَ، وَأَحْفَظُكَ حَيْثُمَا تَذْهَبُ، وَأَرُدُّكَ إِلَى هذِهِ الأَرْضِ" (سفر التكوين 28: 15). فطمأنه. الله عضد يوحنا الحبيب في المنفى: كان القديس يوحنا الحبيب في ضيقة حيث كان في المنفي في جزيرة بطمس وكان متعب. فظهر له الرب برؤى عجيبة وقال له: أنا "الْحَيُّ. وَكُنْتُ مَيْتًا، وَهَا أَنَا حَيٌّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي 1: 18). ليس هذا فقط بل أظهر له السماء مفتوحة ورأى عرش الله.من كان يفكر أن يوحنا الحبيب وهو في أرض السبي يرى السماء مفتوحة ويرى عرش الله والملائكة الذين حوله ويعطيه الله رسائل. كل هذا في جزيرة بطمس مكان المنفى.لكن الله مستعد أن يعمل مع الكل، يجول ويصنع خيرًا. الله عضد التلاميذ الخائفين في العلية: المسيح وجد التلاميذ الذين هربوا وقت الصلب وكانوا خائفين ومتعبين ومختفيين في العلية.فدخل وافتقدهم وقال لهم"أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا" (إنجيل متى 14: 27؛ إنجيل مرقس 6: 50؛ إنجيل يوحنا 6: 20).وظل يفتقدهم 40 يوم إلى أن أرجعهم إليه. الله يفتقد حتى الأرض الخربة الخاوية: الله لم ينقذ العصفور الضعيف فقط من الفخ. بل الله افتقد الأرض الخربة الخاوية الله ذهب للأرض الخربة الخاوية وقال: "لِيَكُنْ نُورٌ، فَكَانَ نُورٌ، وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ" (سفر التكوين 1: 3، 4). والله يفتقد أيضًا نفوسنا الخربة: والأرض الخربة الخاوية، التي أشرق فيها الله النور من الممكن أن تقال على كل نفس.كل نفس خربة وخاوية من الفضيلة الله يقول لها ليكن نور فيصير نور ويرى الله النور أنه حسن.الله الذي يجول يصنع خيرًا مر على كل المتعبين. الله قد يخلصك بزيارات النعمة وقد يستخدم الإنذارات والتجارب: من الممكن أن يعمل الله مع الخاطئ بزيارات النعمة فتعمل فيه كلمة الله وتقربه من الله.ولكن هناك البعض لا يفيقوا إلا بالتجارب. البعض لا تحركه الكلمة الطيبة. ولكن تحركه صفعة على وجهه. فقد يلجأ الله للتجارب لخلاص البعض ولكن لا يستخدم هذا مع الكل وليس في كل الأوقات وقد يفيق الإنسان بإنذار مثل أهل نينوى، قال لهم إن لم تتوبوا ستهلك المدينة فرجعوا وتابوا. لماذا ؟ نفع معهم الإنذار. الله يجول يصنع خيرًا بأية الطرق. بالطريقة التي تصلح للشخص. الله لم يترك أوغسطينوس: أوغسطينوس كان غارقًا في الفساد. ليس الفساد فقط من جهة أخلاقه. إنما فساد من جهة العقيدة. حيث كان بعيدًا عن الله كل البعد. وأمه ظلت تبكي عليه. ولكن الذي يجول يصنع خيرًا جال وأمسك بأغسطينوس وأنقذه مما هو فيه. أرسل إليه القديس أمبروسيوس أسقف ميلان فأقنعه بكلامه، وأرسل إليه سيرة الأنبا أنطونيوس الراهب فتأثر بها. وأخيرًا تاب واعتمد وعمره 30 سنة. وقال لله "تأخرت كثيرًا في حبك أيها الجمال الذي لا ينطق به. كنت معي ولكنني من فرط شقاوتي لم أكن معك".ظل الله وراء أوغسطينس إلى أن صالحه وأصلحه وأصلح به كثيرين. الله لم يترك ماريا القبطية وبيلاجيا وموسى الأسود: الله لا يترك أحد. لم يترك ماريا القبطية التي كانت في منتهى الفساد. ولم يترك بيلاجيا. ولم يترك موسى الأسود. هل تخاف من موسى الأسود؟ أنا سآخذه وأجعله مثال للوداعة والخدمة.الرب عجيب فهو يجول يصنع خيرًا. فلنتذكر إحسانات الرب لنا: ليت كل واحد فيكم يقرأ المزمور"بَارِكِي يَا نَفْسِي الرَّبَّ، وَلاَ تَنْسَيْ كُلَّ حَسَنَاتِهِ" (سفر المزامير 103: 2) تذكر حجم الخير الذي عمله الله في حياتك. فمشكلتنا أننا ننسى الأمور الطيبة ولا نذكر إلا الأمور المتعبة.لا يوجد شك أن الله يجول يصنع خيرًا. جال على بيتك وعلى قلبك وعلى حياتك وصنع فيها خيرًا لا يجب أن تنساه. الله لم يترك الخصي الحبشي: كان الخصي الحبشي سائرًا بمركبته فقال الرب لفيلبس سير وراء هذه المركبة. وظل الرب وراءه حتى قاده للخلاص وعمده.الله قد يعمل معك خير مباشر وقد يرسل لك شخص يقودك للخلاص.نشكر الله الذي يفعل معنا خيرًا كل حين. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
20 سبتمبر 2022

عن القدّيس يوحنا المعمدان

القديس يوحنّا المعمدان الذي نحتفل بعيد استشهاده في بداية السنّة القبطيّة هو شخصيّة فريدة في التاريخ كان هو حلقة الوصل بين العهد القديم والجديد، وكان هو الملاك الذي هيَّأ الطريق أمام الرب، وأعدّ القلوب بالتوبة لكي تستقبل المسيّا.هو النبيّ ابن النبيّ والكاهن ابن الكاهن الذي شهد للحقّ وتمّم رسالته العظيمة في زمن قصير جدًّا.. وعندما ظهر المسيح العريس أعلن يوحنا للجميع أنّ فرحَهُ قد كمل ورسالته على الأرض قد أوشكت على نهايتها لم يصنع يوحنّا آية واحدة، ولكنّه كان هو نفسه أعظم آية، وكانت كلماته الناريّة المنطلقة من قاعدة حياته المقدّسة تنفذ بقوّة إلى القلوب لتبكِّتها وتنيرها وتقودها إلى أحضان الله المفتوحة للتائبين لقد اخترت بنعمة المسيح بعض مقتطفات بديعة من تعليقات آباء الكنيسة حول فصل ميلاد القديس يوحنّا (لو1: 57: 80) وقُمت بترجمتها، مع ملاحظة أنّ الكلمات التي بين الأقواس قد أضفتُها لتوضيح المعنى. 1- متقابلات بين القديس يوحنا المعمدان والرب يسوع العجوز أليصابات ولدت آخِر الأنبياء، ومريم الفتاة الصغيرة ولدت ربّ الملائكة. ابنة هرون وَلَدَتْ الصوت المنادي في البرّيّة، ولكن ابنة داود وَلَدَتْ القوي إله كلّ الأرض. العاقر وَلَدَتْ الذي يحلّ الخطايا (ككاهن)، ولكن العذراء وَلَدَتْ الذي يمحو الخطايا. أليصابات وَلَدَتْ الذي كان يصالح الناس (على الله) بالتوبة، ولكن مريم وَلَدَتْ الذي طهّر كلّ الأرض من النجاسة. العجوز أشعلت المصباح الذي هو يوحنّا (يو5: 35) في بيت يعقوب أبيه، بينما الصغيرة قدّمت شمس البرّ لكلّ الأمم (ملا4: 2). الملاك بشّر زكريّا، لكي يُعلِن المذبوح (يقصِد يوحنّا بواسطة هيرودس) عن المصلوب.. والمكروه (مِن هيرودس) يُخبِر عن المحسود (من اليهود الذين أسلموه للصلبِ حسدًا). الذي سيعمِّد بالمياه يُعلِن عن الذي سيعمِّد بالنار والروح القدس (مت3: 11). النور الذي لم يكُن مَخْفِيًّا، يُعلِن عن شمس البِرّ. الذي امتلأ من الروح، يُنادي بالذي يعطي الروح (القُدُس). الكاهن الضارب بالبوق، يبشِّر بالذي سيأتي في نهاية الأيّام على صوت البوق. الصوت ينادي بالكلمة.. والذي رأى الحمامة يبشِّر بالذي استقرّت عليه الحمامة.. مثل البَرق الذي يسبق الرعد.القديس مار أفرام السرياني (القرن الرابع) 2- الروح القدس يفتح آذان يوحنا قد يَعتبره البعض أمرًا سخيفًا ومُضحِكًا أن يتحدّث زكريّا إلى طِفل عمرة ثمانية أيّام، ولكن إذا تمسّكنا بالحقيقة فسوف نفهم أنّ الطفل الذي سمع سلام مريم وهو جنين قبل ميلاده، كان يستطيع أن يسمع صوت أبيه (زكريّا). النبيّ (زكريّا) كان يعلم أنّ أي نبي (يقصد يوحنّا) يكون له آذان أخرى مفتوحة لروح الله، بصرف النظر عن عمره الجسدي. فالذي كان لديه القابليّة أن يبتهج (وهو جنين) كان له القدرة أيضًا على الفهم.القدّيس أمبروسيوس أسقف ميلان (القرن الرابع) القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
19 سبتمبر 2022

الاستشهاد انتصار على الذات

و من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه . .. ، مر ٨ : ٣٥ فبدء الطريق هو الكفر بالذات ، هذه الذات التي طالما وقفت أمام الكثيرين في لحظة الاستشهاد فأنكروا المسيح ... + أتعرفين أيتها الذات ما سر فتور الحب بين الإخوة في البيت الواحد ، في الكنيسة الواحدة ... !! ؟ السبب أنك بدل أن تفكرى في خلاص ذاتك ، فكرت في غيرك ، وبدل أن تفكري في خطيتك اهتممت بالحديث عن خطايا الآخرين . .. آه يا ذاتى لو فكرت لحظة في طاعة المسيح وصلبت ذاتك و مع المسيح صلبت ، لعم السلام في حياتك وأسرتك وكنيستك . آه یا ذاتی لو عرفت سر انزعاجك في الخدمة الواحدة ، في الكنيسة الواحدة ، في أحوال الكنيسة العامة ـ لعرفت السر أنك نسيت نفسك فتتمسكين برأيك حتى لو أدى ذلك لتحطيم الكنيسة ، لماذا كثرة الطوائف في القرن العشرين ، لماذا النقدالشديدلوصا يا يسوع والاندفاع نحو الإنجيل الاجتماعي ... السر في كل هذا هو ذاتي . ٤- المسيحية استشهاد في طاعة الوصية كل منا اليوم ينفذ الوصية لمدة معينة حسب ما يرى على قدر قامته الروحية وآرائه الشخصية ، والفرق بيننا وبين آبائنا القديسين أنهم نفذوا الوصية حتى الاستشهاد ... أي حتى النهاية ـ أما نحن اليوم فنخاف من الوصية ونحللها ، ونجد لها أكثر من مبرر للهروب منها ، الكتاب المقدس يعرض الوصية إلى الاستشهاد كما يأتي : - المحبة ... إلى الميل الثاني والخد الأيسر . .. الرحمة:- إلى إعطاء الثوب الواحد بعد الرداء . مثل ذلك القديس الذي باع كتابه المقدس الواحد العالى عليه ليعطى المحتاجين ولما سألوه لماذا هذا ـ قال إن الإنجيل هو الذي أمرنى لابيع كتابي . . انكار الذات ... إلى الهروب من كل مجد في العالم - حتى داخل الكنيسة ، إلى الاختفاء الكامل وحب المسكنة مثل مكسيموس و دوماديوس وأرسانيوس . لقد فرح أبو مقار عندما اتهموه ظلمـا ـ وعندما أرادوا رد الكرامة له هرب منها بسرعة خوفاً من وقوعه في محبة المديح .إن طاعة وصية الإنجيل لهذا الحد تدفعنا إلى : محبة طاعة المسيح إلى الاستشهاد : الإستشهاد قبل كل شيء حب ، واندفاع في الحب حتى الدم . هو حب في تنفيذ وصية المسيح محبة في المسيح , الذي يحبني يحفظ وصایای ، . ربى يسوع . . سأحب كل الناس محبة في وصية إنجيلك لأجل خاطــــرك ربى يسوع سأكره الخطية وأقاومها بنعمتك حسب وصيتك لأجل خاطرك . سأضع كل ما لي في خدمة عروسك , سأصلى كثيراً فيها ومن أجلها حبا فيك . سأتوب وأبدأ من جديد محبة فيك وفي الحياة المقدسة معك . سازهد في العالم وأدوسه بقدمى لأجل حبك ـ وسأصوم معبراً عن زهدي في العالم حبا فيك . إلهي : إنى أتكلم كثيراً وأنت تعلم عجزي ، فأنا عاجز في محبتي لك - عاجز في شكري لك . ماذا أقدم لك من أجل كثرة حسناتك ... أريد أن أقدم ذاتي حبا فيك أريد أن أحمل سمات الرب يسوع في حياتي . هل لي أن أقول مع القديس أغناطيوس إنى سوف لا أشبع من حبك إلا إذا سفك دمى من أجل خاطرك . أيتها الأم العذراء التي يجوز في قلبها سيف صلى عنا ، أيها الشهداء ولباس الصليب و المجاهدين صلوا عنا ربى يسوع أقبل طلباتهم وأعنا آمين . المتنيح القمص بيشوى كامل كاهن كنيسة مارجرجس اسبورتنج عن كتاب المسيحية هى روح الاستشهاد
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل