المقالات

17 نوفمبر 2022

شخصيات الكتاب المقدس يوسف

يوسف " أنتم قصدتم لي شراً، أما الله فقصد به خيراً لكي يفعل كما اليوم ليحيي شعباً غفيراً "تك 50: 20 مقدمة لست أعتقد أن هناك قصة خيالية أروع أو أجمل من القصة التي كتبها "أ. هيل" في كتابه "عيد الميلاد في قصر... وقد كتب هذه القصة تحت عنوان "الأيدي المرفوعة"، وهي عن الليلة الأولى في حياة يوسف، بعد أن باعه إخوته وأخذته قافلة الاسماعيليين لتذهب به إلى مصر، وإذ حطت القافلة رحالها في الليلة الأولى، ونام الجميع، واستولى عليهم سبات عميق، استيقظ يوسف في منتصف الليل ليجد الكل نياماً، ويجد فرصة واسعة في الهروب، فتسلل، وهم أن يصل إلى باب الخروج، وكاد أن يفلت، لولا أن كلباً أصفر ضخماً أخذ ينبح نباحاً عالياً،.. وفزع يوسف ورفع عينيه إلى السماء، يطلب معونة الله في إسكات الكلب،.. وقد تحرك أحد الملائكة، وأراد أن ينزل ليقتل الكلب، ويطلق سراح الشاب النقي المظلوم، لولا أن أمراً إلهياً منعه، واستيقظ الحارس ليضرب يوسف، ويقيده، ويمنعه من الهروب، وإذ عجب الملاك من المنع الإلهي،.. صور له الله ما كان يمكن، لو تمكن يوسف من الهرب وعاد إلى أبيه، حيث يستقبله بترنم وفرح،.. غير أن المجاعة لا تلبث أن تحل، وليس هناك يوسف الذي يتأهب لمواجهتها، وإذا بمصر وفلسطين تجوعان، ويموت خلق كثير، ويضعف الباقون ويتعرضون لهجمات الحثيين الوحشية، وإذا بالحضارة تدمر، ومصر تنتهي، وتتحول روما واليونان إلى البربرية الكاملة، ويهلك العالم كله، ولا نسمع عن إسرائيل ويهوذا والملوك والأنبياء، وبالتالي لا يأتي المسيح مخلص العالم!!. وما من شك بأن القصة غارقة في الخيال، ولكنها تؤكد الحقيقة الدائمة الصادقة: إن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده، وترينا أن الظروف التي يجتازها الإنسان بحلوها ومرها، وسجنها ومجدها، ليست إلا السبيل المؤهل لإتمام رسالته في الأرض،.. وهذا ما ذكره يوسف في قوله لإخوته: "أنتم قصدتم لي شراً أما الله فقصد به خيراً لكي يفعل كما اليوم ليحيي شعباً غفيراً"ولعل هذا يساعدنا على متابعة قصة يوسف على النحو التالي المتتابع: يوسف من هو؟!! إن أول ما يلفت النظر في يوسف هو ذلك الجمال والحلاوة التي انطبعت عليه، إذ كان جميلاً جداً،.. ويعتقد أنه ورث الكثير من حلاوة أمه وجمالها، بل يظن أن يعقوب -وهو يضمه إلى حضنه- كان يفتقد في صورته الجمال الذي ذهب في زوجته راحيل، الجمال الذي عاد إليه في صورة مذهلة مرة أخرى في وجه يوسف،.. على أنه من الغريب أن قصة يوسف تكشف عن جمال أحلى، وأروع، وأجمل، وأبهج، وهذا الجمال لا يلفتنا إلى الشبه الكبير بين يوسف وأمه راحيل، بل إلى الشبه المتقارب بين يوسف والمسيح، فما أكثر ما تقترب القصتان وتتشابهان، اقتراب الرمز من المرموز إليه،.. وقد عدد بعضهم ما يقرب من أربعة وعشرين شبهاً بين الاثنين،.. فإذا كان يوسف هو الابن المحبوب الوحيد المتميز بين إخوته، فإن المسيح: "الابن الوحيد الذي هو في حضن الآب".. وإذا كان يوسف أسمى وأشرف من إخوته، وأكثرهم تعلقاً بأبيه، فإن المسيح هو الابن الوحيد الكامل الذي لا يداني أو يباري من إخوته جميعاً، وهو الألصق بأبيه، والذي دائماً يصنع مشيئته بمسرة كاملة،.. وهل ننسى أن يوسف حسده إخوته، وباعوه وأسلموه للضيق والتعب، والتشريد والعبودية؟ وهل ننسى أن ذات الشيء حدث بالنسبة للمسيح إذ علم بيلاطس أنهم –أي إخوته وشعبه- أسلموه حسداً؟.. وهل ننسى القميص الملون المغموس بالدم،.. والقميص الذي اقترع عليه الجنود يوم الصليب؟.. ومن الغريب أن المسيح ويوسف جاء كلاهما إلى مصر،.. كما أن يوسف بيع بعشرين من الفضة.. وبيع المسيح بثلاثين،.. وقد غفر كلاهما للإخوة ما فعلوا،.. وقدم يوسف للعالم الخبز المادي،.. وكان المسيح هو خبز الحياة،.. هذه وغيرها من الصور تعطي لقصة يوسف الحلاوة التي قل أن نجدها في غيرها من السير أو القصص التي نقرؤها في داخل الكتاب أو خارجه!!.. يوسف التقي النقي كان يوسف نقياً لأنه كان تقياً، وما من شك بأن التربية الدينية كان لها أعمق الأثر في ذلك، كان يوسف في السابعة من عمره، عندما ترك أبوه فدان أرام، على الأغلب،.. ولم يستطع التأثير الوثني الشرير في بيئة خاله أن يفعل ما فعله في نفس الصغير، فكان موقفه من هذا القبيل أفضل من إخوته الآخرين، بل كان التصاقه بأبيه واقترابه إليه فرصة عظيمة لكي تستمع أذنه ما فعل الله مع آبائه إبراهيم واسحق ويعقوب،.. ورسخ في ذهن الصغير أن الحياة مع الله هي الطريق الصحيح الوحيد الرائع إلى القوة والنجاح، مهما التوت السبل، وتنكبت الطرق، وتغيرت الظروف ومن الملاحظ أن النقاوة عندما لم تكن مجرد سمو أدبي أو ترفع ذهني، بل كانت بالأحرى إحساساً عميقاً برؤية الله، والتمسك به، لقد ضربت جذورها في أعماق الشركة مع الله، فلم تبال بالأجواء أو الظروف المتغيرة، ولم تبال أكثر بألام ومتاعب الأنقياء الأتقياء، بل كانت تجسيداً لقول أبيه: "يوسف غصن شجرة مثمرة غصن شجرة مثمرة على عين أغصان قد ارتفعت فوق حائط فمررته ورمته واضطهدته أرباب السهام ولكن ثبتت بمتانة قوسه وتشددت سواعد يديه من يدي عزيز يعقوب من هناك من الراعي صخر إسرائيل" أو قول المزمور الأول: "طوبى للرجل الذي لم يسلك في مشورة الأشرار وفي طريق الخطاة لم يقف وفي مجلس المستهزئين لم يجلس لكن في ناموس الرب مسرته وفي ناموسه يلهج نهاراً وليلاً فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه التي تعطي ثمرها في أوانه وورقها لا يذبل وكل ما يصنعه ينجح".. أو ما ردده إرميا: مبارك الرجل الذي يتكل على الرب وكان الرب متكله فإنه يكون كشجرة مغروسة على مياه وعلى نهر تمد أصوله ولا ترى إذا جاء الحر ويكون ورقها أخضر وفي سنة القحط لا تخاف ولا تكف عن الإثمار".. لقد وقع هذا الشاب بين نوعين من التجارب، هما من أقسى ما يتعرض لهما الشباب في كل جيل وعصر، وهما الرهبة والرغبة، أو الوعيد والوعد، أو الاضطهاد والإغراء،.. فإذا لم يفلح النوع الأول، فلعل الثاني يمكن أن يسقطه إلى الأرض والحضيض، وأي شيء أقسى على النفس الحساسة من الجو المتبدل فجأة من حضن الآب إلى الغربة، ومن الحرية إلى الاستعباد، فالظلم فالسجن، لقد نشبت السهام في قلب الفتى متطايرة إليه من إخوته والأجانب معاً،.. ولما لم تفلح تبدل الأمر بفحيح الأفعى، وإغراء الدنس والفجور والإثم، ولكن الشاب الغارق في الألم والمخضب رأسه بالدم، رفع هذا الرأس النبيل في مقاومة أقسى تجربة، وهو يصيح: "كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطيء إلى الله"؟ ووقف الشاب القديم مما يقرب من ثلاثة آلاف عام قائداً من أعظم قواد الشباب في معركة التقوى والنقاوة، لأنه تطلع إلى الله، فانتصر على التجربة!!.. يوسف الحالم المرتفع الرؤى ولن نستطيع أن نفهم هذا الشاب ما لم نتتبع أحلامه ورؤاه، الأحلام التي ترسبت في عقله الباطن لتحكم عقله الواعي، والتي سيطرت على مشاعره الخفية لتحكم تصرفاته الظاهرة،.. لقد ولد يوسف ليكون مرتفعاً، وولد ليكون سداً، وهو يمد الطرف في رؤى الشباب ليحلق بين النجوم تنحني أمامه الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً ساجدة له، وتنتصب حزمته لتسجد أمامها حزم إخوته،.. وقد عاشت هذه الرؤى إلى آخر عمره تدغدغ حسه، وتنشر جوه بالعطر العبق الذي يملأ رئتيه، وعاشت لترفعه فوق الصغائر والكبائر، وتحيط به في الظلمة والنور، في السجن وعلى العرش معاً، وإذا كان الوحي يقول: بدون رؤية يجمح الشعب، فإن أحلام هذا الشاب كانت من أقوى العواصم التي حفظته من الضعة والإسفاف والتردي والجموح!!.. كان يوسف النقي يحسن الرؤية لأنه يعاين الله: "وطوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله".. وكان يوسف في هذه النقاوة قد أعطى الشفافية التي ترقى به فوق عالم الدنس، فهو أشبه الكل بالنسر المحلق يضرب بجناحيه القويين في السماء العالية في الشركة مع الله!!.. وعاش يوسف برؤاه أعلى من تراب الأرض، وغبار الفساد، وحقد التشفي، وسقوط البؤس أو اليأس الذي يلم بملايين الناس العائشة على الأرض المتطلخة بطينها ووحلها وحمأتها!!.. وعاش يوسف في أحلك الليالي يتطلع خلف القضبان إلى كوكب الصبح الذي لابد أن ينبلج مهما طال الليل أو امتد به القتام!!.. ولم يفسر يوسف أحلامه الخاصة به، بل فسرها لرئيس السقايين ورئيس الخبازين، وفسرها لفرعون نفسه، لأن يوسف في هذه الرؤى جميعاً لم يشك قط في مصدرها الإلهي من عند الله!!.. أيها الشاب: هل لك رؤى يوسف وأحلامه؟!!.. يوسف الواضح الصريح ثمة خلة أخرى تمكنت من يوسف في صدر شبابه، وهي أنه الإنسان الصريح المجبول على الصراحة، لا يستطيع أن يتصور -وهو مع إخوته- مدى الحطة التي وصلوا إليه، وهو أن عجز عن إصلاحهم، لأنهم ربما يستصغرونه ويستضعفونه، فلا أقل من أن يعطي أباه الصورة الصحيحة عنهم، ومع أن هذا أورثه حقدهم وضغينتهم، إلا أنه كان لابد أن يكشف شرهم أمام أبيه،.. كما أن رؤياه التي أبصرها في الليل، كانت في الصباح أمامهم.. لقد التزم يوسف جانب الصدق، وإن كان أسلوبه مع الأيام تغير، إذ أدرك أن هناك أشياء يعرفها الإنسان، ولكنه من الحكمة ألا يقولها إلا في الحين الذي تصبح فيه الضرورة ماسة لذكرها، ولعل حديثه مع رئيس السقايين عندما قال له: "لأني سرقت من أرض العبرانيين، وهنا لم أفعل شيئاً حتى وضعوني في السجن، كان يكشف عن الصدق، ولكن بالصورة التي بلغت النضوج والحكمة في عرض الرواية في حدود الصدق المفيد، دون انزلاق عاطفي أو زلة لسان دفع الكثير بسببها دون أن يعلم أو يفطن!!. يوسف المخلص الغيور كانت صفة الإخلاص واحدة من أعظم صفات يوسف وأثبتها، وكان في إخلاصه غيوراً ممتلئاً من الغيرة،.. كان مخلصاً لأبيه الذي أحبه، فإذا كلفه أبوه بمهمة ما، فهو غيور في طاعة أبيه وتنفيذ رغبته، فإذا طلب إليه أن يذهب إلى شكيم ليسأل عن سلامة إخوته، لا يكتفي بالذهاب إلى هناك، فإذا لم يجدهم يرجع ليخبر أباه بذلك، بل هو يمعن في البحث عنهم حتى لو تاه أو ضل الطريق، وإذ يسمع أنهم في دوثان يذهب إليهم وراء الطاعة لأبيه المحبوب،.. وهو مخلص لإخوته، ونجد هذا الإخلاص الأخوي في التعبير القائل لمن وجده ضالاً في الحقل: "أنا طالب إخوتي" وهو مخلص لفوطيفار يخدمه بأعمق ما يمكن أن يكون من الولاء في الخدمة، وهو يحرص على أن يكون النموذج المثالي لخدمة إنسان لآخر في الأرض،.. وهو مخلص لفرعون وهو يرسم السياسة في خدمة الشعب الجائع، وفي نفس الوقت في إعطاء فرعون أكبر ما يمكن أن يعطي من ثمن للطعام الذي سيقدمه للناس،.. وهو قبل وبعد كل شيء، مخلص غيور لله، يرتبط هذا الإخلاص بعظامه التي يريدها أن تنقل مع شعب الله، عندما يفتقدهم الله في يوم من الأيام!!.. يوسف المؤمن الصبور خرج من بيته في السابعة عشرة من عمره، وظل ثلاث عشرة سنة، كان من المستحيل أن يحتملها دون أن يكون له مصباح الإيمان الذي يمسك به في أحلك الليالي،.. لقد عرف المرصد الذي يقف عليه، قبل أن يأتي حبقوق بقرون طويلة، وكان يسمع صوت الإيمان يقول إلى قلبه وكيانه: "إن توانت فانتظرها لأنها تأتي أتياناً ولا تتأخر".. وقد رأى الرؤيا كوعد من الله، لابد أن يتحقق مهما طال الليل أو امتد به الظلام.. وهو يثق في الرؤيا، ولا يفشل في انتظارها،.. وعندما يعرض رئيس السقايين ورئيس الخبازين حلميهما عليه، لا نسمع منه أدنى تشكيك في حقيقة الأحلام، بل على العكس يرى الله صانع ومفسر الأحلام،.. وعندما يحلم الملك ويتكرر حلمه، يؤكد له أن تكرار الحلم معناه أن الله مسرع لتنفيذه، ولقد بلغ به اليقين في ذلك، اقتراحه على الملك أن يواجه الحلم بالترتيب العملي اللازم لتنفيذه،.. على مرصد الإيمان وربوته يقف يوسف ليرى الشمس خلف الظلام والغيوم، وليؤكد أن دورة الأرض تعقب الليل بالنهار، وتعقب الظلام بالنور، وقد كان هو بالحقيقة مثلاً للإيمان القوي العميق الصبور!!.. يوسف الصفوح الغافر كانت جراح هذا الشاب عميقة بالغة الغور والعمق،.. لقد جرح من إخوته الذين عند الترفق تحولوا من قتله إلى بيعه عبداً بلا رجاء أو حرية أو أمل،.. لقد باعه إخوته، وجرح الأخ أعمق وأقسى الجراح على وجه الإطلاق.. ما هذه الجروح التي في يديك؟ ويأتي الجواب المرير: هي التي جرحت بها في بيت أحبائي، ولقد لف قيصر وجهه تحت طعنة الغدر، وهو يقول: “حتى أنت يا بروتس؟!!.. ولقد جرح يوسف من الغريب،.. جرح من الرجل الذ ي خدمه بكل إخلاص وأمانة، ومع أننا لا نعلم ماذا فعل معه بعد ذلك،.. إلا أننا نعلم أن إخوته عندما تصوروا أنه سيرد عليهم بعد وفاة أبيه الصاع صاعين بكى لمجرد تصورهم هذا،.. إن سر الغفران عند يوسف، يرجع إلى تجاوزه الإنسان البشري والتوقف عند قصد الله، وهو يعلم أن اليد البشرية مهما طالبت فهي قاصرة ما لم يأت السماح من الله!!.. على أي حال أن قصته تكشف عن الإنسان الذي غفر وصفح عما فعلوا فيه.. والعفو كما يقال من شيم الكرام القادرين!!.. يوسف في مدرسة الآلام كان يوسف واحداً من أقدم التلاميذ الذين دخلوا مدرسة الألم العظيمة في الحياة، وكان واحداً من الذين تخرجوا منها بامتياز إن صح أن نستخدم هنا النهج العلمي في تقدير الدرجات!!.. وقد قضى يوسف في مدرسة الألم ثلاثة عشر عاماً متواصلة، ومع أن مدارس الألم تختلف باختلاف الآلام وأنواعها في الأرض، وباختلاف الهدف أو الغاية من هذه الآلام، فإذا صح أن تعطي هذه المدارس أسماء مختلفة،.. فيمكن أن نذكر منها "مدرسة العقوبة" التي يأخذ فيها المرء الجزاء والقصاص لما يرتكب من آثام وفجور. وهناك "مدرسة التأديب" وهي نوع من المدارس لا يقصد بها العقوبة في حد ذاتها، بل يقصد منها الإصلاح والتقويم، وهناك "مدرسة الامتحان" وهي التي تكشف لصاحبها والآخرين عن قدراته، وما يكمن في أعماقه من قوة أو ضعف،.. وهناك مدرسة أخيرة يمكن أن نطلق عليها "مدرسة التدريب"، وربما كانت هذه المدرسة الأخيرة هي مدرسة يوسف طوال الثلاث عشرة سنة حتى وقف أمام فرعون في الثلاثين من عمره!!.. وقد رأى يوسف في مدرسة الألم ثلاث حقائق عظيمة أساسية: الحقيقة الأولى: الألم الموزون،.. فالألم الذي يسمح به الله ليس مجرد ضربات عشوائية تنهال على المتألم الباكي، بل هو في الحقيقة ألم محدد موزون،.. وإذا صح أن الإنسان وهو يستخدم أفران الطهي أو الصناعات المختلفة، يحدد درجة الحرارة التي لا يجوز أن تقل أو ترتفع عن الحد المطلوب، فإن الله أكثر دقة واهتماماً بدرجة الألم التي يتوقف عندها الميزان، لأنه لا يسمح بأن نجرب فوق ما نطيق إذ أنه مع التجربة يعطي المنفذ!!.. وقد وزن الله الألم تماماً في قصة يوسف، ومع أنه كان ألماً قاسياً محرقاً، أفصح عنه المرنم: "بيع يوسف عبداً. آذوا بالقيد رجليه. في الحديد دخلت نفسه"... إلا أن الله وازن الألم من الدقيقة الأولى بحضوره ومعونته ومساندته وتشجيعه.. ولقد رأى الشاب كيف أعطاه نعمة في بيت فوطيفار، وكيف أعطاه نعمة في عيني رئيس بيت السجن، وكيف ساعده وأعانه وأنجحه على الصورة الواضحة التي لم يحس بها هو فحسب، بل أحس بها كل من تعامل معه وتقابل!!.. لقد ذهب الله مع الغربة والنفي، والتشريد والسجن وأحس الغلام القديم أن هناك شيئاً عجيباً من التوازن في المدرسة التي دخلها، فإذا أهمله الإنسان فإن الله لا يمكن أن يهمل ويترك،.. وأن السلام العميق الذي يواجه النفس المنكوبة، هو التوازن الخفي الحقيقي الذي يصنعه الله حتى لا ترجح كفة الألم بما فيها من ثقل الضغط أو القسوة أو التعب أو المعاناة أو اليأس أو القنوط،.. وكانت الحقيقة الثانية أن المدرسة كانت مدرسة التدريب العميقة الواضحة فيما وصل إليه الشاب من نضوج وإدراك، وتخطيط وتنفيذ،.. وأين الشاب الذي لا يستطيع أن يخبي ما في صدره فيسرع بالكشف عنه دون ترو أو مبالاة، حتى ولو وضع الأساس العميق للعداوة بينه وبين إخوته بهذا الكلام؟.. أيناه من الشاب الحريص داخل السجن الذي وهو يعرض رواية ظلمة على رئيس السقاة لا يتهم قريباً أو غريباً، وكل ما يقوله "لأني سرقت من أرض العبرانيين وهنا لم أفعل شيئاً حتى دفعوني في السجن".. وهو أعقل من أن يحدث الغريب عن عورة إخوته، وأفطن من أن يخوض في اتهام من هو في مركز ليس من صالحه أن يثصير ثائرته وغضبه مرة ثانية.. أو في لغة أخرى: لقد تعلم كيف يضبط لسانه على نحو يدعو إلى الإعجاب،.. وأكثر من ذلك فإن الشاب بمجيئه إلى مصر كان وجهاً لوجه أمام أعظم حضارة عرفها التاريخ في ذلك الوقت،.. لقد كانت مصر في أيامه أم الدنيا ورائدتها في العلم والفن، والاختراع والصناعة، والتجارة والترف، والحضارة وعبادة الأوثان،.. وكانت بالنسبة للشاب الآتي من الصحراء مركز انبهار وتجربة، وكان عليه أن يواجه الصراع النفسي العميق بين ما يأخذ منها وما يرفض، بين ما يقبل عليه ويمتنع، وإذا دققنا النظر في الرواية الكتابية نجد أن الشاب تعلم الكثير بين بيت فوطيفار والسجن، فتعلم كيف يعمل ويشتري، ويبيع ويربح، ويكنز ويجمع، وإذ لم يكن له من سبيل في الدخول إلى قصر فرعون وهو سجين، جاءه من القصر إلى السجن رئيس السقاة ورئيس الخبازين، وعرف منهما نوع الحياة التي تعيشها الطبقة العالية في مصر،.. وفي كل الأحوال نزل الشاب المترفه الحر بقميصه الملون إلى قاع البئر، بئر الآلام والمتاعب، والخدمة، والاستعباد، وعرف كيف تتلون الحياة وتتبدل، ويتحول الحر عبداً، والعبد حراً، وكيف تدور الساقية علواً وانخفاضاً، وهي تنزح ما في البئر إلى حيث يشاء الله في إرادته العالية العجيبة، في حياة من تعصرهم الآلام وتدربهم الأحزان والتجارب!!.. وهذا يأتي بنا إلى الحقيقة الثالثة من الألم وهي الألم المنتج، أو العصارة التي يطرحها هذا الألم للخير والمنفعة،.. والقاريء لقصة يوسف من واجبه ألا يقرأ قصة شاب دفعته الصدفة إلى شكيم فدوثان، فبيت فوطيفار فالسجن، فقصر فرعون.. بل عليه أن يقرأ القصة كجزء من خط العناية في شاب أرسل أولاً، وفي أمة تتبعه ثانياً، وقد كانت هذه العناية عجيبة ودقيقة بالنسبة للشاب، وهو في التصور تتخبطه الأحداث، أو تتلقفه الحوادث، ولكنها في الخط الإلهي العميق المرسوم، كانت قصة الشاب المرسل من الله، وبيته الذي سيسكن في أرض جاسان، وهي الأرض الواقعة في الجزء الشرقي من الدلتا أو مكان محافظة الشرقية اليوم، ويبدو أنها لم تكن أرضاً مأهولة السكان. وإن كانت في الوقت ذاته مراعي خضراء عظيمة للماشية وكانت الحكمة الإلهية أن يأتي هذا البيت ليكونوا على مقربة من أعظم مدينة في ذلك التاريخ، وليتكونوا هناك -لا كمجموعة من الأفراد- بل كأمة تأخذ بنظم الحياة وأوضاعها وأساليبها، على يد أعظم أمة في الأرض في ذلك الحين، وفي الوقت عينه كان لابد أن ينفصلوا عن تأثيراتها الوثنية المفسدة، وكانت جاسان أفضل بقعة من هذا القبيل، حيث يرعون الماشية بعيداً عن المصريين، وفي عزلة منهم، لأن هؤلاء كانوا يعتبرون رعاية المواشي دنساً ورجساً، وثم كانوا يأبون الاختلاط بها وبرعاتها، وكانت جاسان أقرب نقطة للانطلاق بعيداً عن مصر عندما يحين الوقت لخروجهم منها!!.. يوسف المرتفع ذكرنا أن يوسف شديد الشبه بذلك الذي سيأتي بعده بألفي عام على وجه التقريب، وإذا كان يوسف قد حمل صليبه وسار في مصر ثلاثة عشر عاماً، فإن الصليب على الدوام يلحقه التاج، وكما قيل عن سيده وقد أخذ صليبه إلى الجلجثة: "الذي إذا كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله، لكنه أخلى نفسه، آخذاً صورة عبد، صائراً في شبه الناس وإذ وجد في الهيئة كإنسان، وضع نفسه. وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله أيضاً وأعطاه اسماً فوق كل اسم" هكذا نرى يوسف بين الصباح والمساء يشق طريقه من السجن إلى أعلى منصب يتلو منصب فرعون في مصر.. ولعل يوسف في هذا الارتفاع يكشف عن صور إلهية متعددة لعل أهمها: يوسف وصدق الله إن نهر الصدق الإلهي كاسح وعارم، فإذا رأيت هذا النهر يتدفق في جلال، ثم جئت إلى النقطة التي لم تعد تراه فيها فليس معنى هذا أن النهر انتهى، بل أن النهر تحول بكل قوته، إلى نهر جوفي يسير بعيداً عن العين البشرية، أو قدرة أبصارها لكنه سيسير في الخفاء مندفعاً، لأن قوة الله العظيمة تدفعه إلى الأمام، لقد سار النهر في الخفاء عبر بيت فوطيفار، وعبر السجن وعبر السنين المظلمة القاسية، واندفع إلى النور ذات صباح، متدفقاً كالنيل العظيم فوق أرض النيل سواء بسواء،.. إنك عندما تقرأ القصة، ستقول إن واحداً من ملوك مصر القدامى، لعله كان واحداً من الهكسوس) رأى من الصواب ذات يوم إخراج يوسف من سجنه ليقود أمة، وينظم أمر شعب بين عشية وضحاها، إنك لو قلت هذا القول، أو مثله لن تصل إلى كبد الحقيقة أو تدرك أعماق الأمور،.. إذ أن الملك الذي أخرج يوسف من السجن، لم يكن الملك المصري، بل كان أعظم من ذلك بما لا يقاس إذ هو ملك الملوك ورب الأرباب. والقصة الكتابية خير شاهد على هذه الحقيقة، ويكفي أن تراها آتية على لسان الملك ذاته إذ قال: هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف بعدما أعلمك الله كل هذا ليس بصير وحكيم مثلك".. أجل إنه الله، وسيصدق الله حتى ولو كذب جميع الناس، أو كما قال بلعام بن بعور: ليس الله إنساناً فيكذب، ولا ابن إنسان فيندم. هل يقول ولا يفعل. أو يتكلم ولا يفي".. أو كما ردد الرسول بولس: "حاشا. بل ليكن الله صادقاً وكل إنسان كاذباً كما هو مكتوب لكي تتبرر في كلامك وتغلب متى حوكمت"... عندما أصبحت الطريق ورطة أمام يعقوب، وخاف أن يصيبه الضرر في الطريق، تعلق بالصدق الإلهي وهو يناجي ربه: "وأنت قد قلت إني أحسن إليك وأجعل نسلك كرمل البحر الذي لا يعد للكثرة".. وعندما أوشكت شمس يشوع على الغروب هتف في قومه: "وها أنا ذاهب في طريق الأرض كلها وتعلمون بكل قلوبكم وكل أنفسكم أنه لم تسقط كلمة واحدة من جميع الكلام الصالح الذي تكلم به الرب عنكم، الكل صار لكم لم تسقط منه كلمة واحدة".. إن ثبات الكلمة الإلهية في روعتها وعظمتها ودقتها تأتي في سياق تصريح السيد العظيم القائل: "فإني للحق أقول لكم إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل!!..".. لقد ارتفع يوسف لأنه كان واثقاً كل الثقة من صدق الله!!.. يوسف وعدالة الله عندما بدأت القصة، بدا الأمر كما لو أن شريعة الغاب هي التي تحكم كل شيء فالحكم للقوة، يأتي الصبي الصغير، فيجرده إخوته من القميص الجميل الملون، وقد تكاثروا عليه، وهم يسخرون من أحلامه بالقول هوذا صاحب الأحلام،.. وقد أوشكوا في لحظة أن يزهقوا روحه، قبل أن يزهقوا روح التيس من المعزى لغمس القيمص في الدم، ثم هم يأخذون أخاهم في خط عكسي لأحلامه، كان يحلم بالشمس والقمر والكواكب الساجدة له،.. إذاً فليحلم حلمه في طين البئر التي ألقوه فيها،.. فإذا رأوا قافلة آتية فلتكن السخرية من السيادة بتحويله عبداً، لا خلاص له من العبودية إلى الأبد، وليبيع بأزهد ثمن، فليس الأمر أمر إثراء بل واقعة تخلص، وإذا بيوسف العظيم لا يساوي ما يقرب من جنيهين بعملتنا الحالية،.. وغاب يوسف عن الأنظار، غيبة كانت في تصورهم لا عودة فيها أو أوبة منها، وليذهب، ولتذهب أحلامه إلى غير لقاء أو رجعة،.. فإذا تمرد يوسف على الشر، فليحكم الشيطان قبضته الظالمة عليه داخل سجن هيهات أن تتحطم قضبانه أو يخرج هو إلى أن تنتهي الحياة، في أرض ظالمة يدوس فيها الظلم أعناق الأبرياء بدون حنان أو شفقة أو عدالة أو رحمة!!.. هل ذهبت عدالة الله أو ضاعت في الأرض، إن تجربة الثلاثة العشر عاماً كثيراً ما ترسل غيومها القاسية في سماء العدالة وقوة شمسها، وكثيراً ما يصل الناس إلى النقطة التي وقف عند آساف في مزموره القديم: "حقاً قد زكيت قلبي باطلاً وغسلت بالنقاوة يدي وكنت مصاباً اليوم كله وتأدبت كل صباح لو قلت أحدث هكذا لغدرت بجيل بنيك فلما قصدت معرفة هذا إذا هو تعب في عيني حتى دخلت إلى مقادس العلي وانتبهت إلى آخرتهم".. لكن يوسف كان يؤمن أن الله هناك، وكانت هناك دائماً الكأس المروية، التي تلطف من حدة التجربة، والتي تبل شفتيه بمائها القراح، وكلما زاد الظمأ، والتهب السعير،.. لقد أدرك بأنه غير متروك، وأنه غير منسي، ربما ينساه البشر كما نسيه رئيس السقاة، لكن الله هيهات أن يهمله أو يتركه، أو ينساه، وفي أعماق ليله الطويل، كانت عدالة الله تعد المخرج. وتمهيد السبيل، ولكن في الموعد الحكيم المحدد الدقيق المرتب من الله،.. وإذا كان الظلم قد أخذه خفية وغدراً، فإن عدل سيخرج مثل النور بره، وحقه مثل الظهيرة،.. وسيرى رئيس السقاة هذا العدل، وسيراه فوطيفار، وستراه زوجة فوطيفار، وسيراه إخوة يوسف، وسيراه أبوهم، وستراه مصر والدنيا بأكملها، وسيراه التاريخ، لأن الرب عادل ويحب العدل، وطوبى لجميع المتكلين عليه".. إن العربة التي ركبها يوسف -وقد رد اعتباره، وارتفع فيها مجده- ما تزال إلى اليوم في مصر وفي كل أرجاء التاريخ، العربة التي يركبها المظلومون الأبرياء الذين ظن الناس أنهم قضوا عليهم إلى الأبد!!.. هل رأيت هذه العربة تجري في شوارع التاريخ!!.. إنها دائماً عربة عدل الله الذي قال إبراهيم وهو يتحدث معه جل جلاله: أديان كل الأرض لا يصنع عدلاً؟!! كان ارتفاع يوسف لا يتحدث فقط عن صدق الله، بل عن عدله أيضاً!!.. يوسف وخدمة الله كان يوسف من أقدم الناس الذين أدركوا أن الارتفاع ليس نزهة أو ترفاً في حد ذاته، عندما ركب يوسف العربة، ولبس خاتم الملك، وطاف في أرض مصر، وركع أمامه الناس، لم يكن هذا نوعاً من النزهة أو الاستعلاء على غيره من بني البشر،.. لقد كانت عظمة يوسف ملتصقة بالخدمة، بل أن اسمه الذي أطلق عليه في مصر "صفنات فعنيع" أو "حاكم الحي مكان الحياة"، أو "حاكم الواحد الحي" أو "خبز الحياة": على الأصح، كان يؤكد ارتباط الاسم بنوع الخدمة التي سيقوم بها يوسف في مصر،.. كان هو الإنسان المرسل من الله لإبقاء الناس على حياتهم، بما يقدم لهم من طعام وخبز،.. كان رمزاً للخادم الأعظم الذي جاء بعد ذلك بقرون طويلة ليقول: "أنا هو خبز الحياة من يقبل إلى فلا يجوع ومن يؤمن بي فلا يعطش".. كان يوسف وكيلاً أميناً طوال ثمانين عاماً قضاها في مصر،.. هل رأيت الحياة بهذا المعنى؟ وهل قرأت قصة ذلك الشاعر الذي سار ذات يوم وهو يضرب بقدميه المتعبتين في حر النهار، حتى أبصر من على بعد خميلة ظليلة، فسعى إليها ووجد مقعداً كتب فوقه: اجلس هنا واسترح فوق المقعد، وإذ هو أن يستريح، وجد سلة بها تفاح، وفوقها عبارة “خذ تفاحة من السلة وكلها”!!.. وعندما أخذ التفاحة رأى ورقة وقد كتب عليها: “على قيد خطوات من هنا غدير ماء، اذهب إليه واشرب!!”.. وتعجب الشاعر ورام أن يدرك قصة المكان، فرأى من على بعد كوخاً يقف على بابه رجل عجوز، وإذ استفسر منه الشاعر قال الرجل: “هذا المكان مكاني، وقد كتبت هذه الورقات، ربما يأتي متعب في الطريق، فيجد مكاناً يستريح فيه،.. وربما يكون في حاجة إلى طعام، وعندنا تفاح فائض، فلماذا لا يأخذ واحدة من التفاح؟ وقد يكون ظامئاً ويحتاج إلى من يهديه إلى الغدير". واستمع الشاعر، وخرج من عند الرجل، وكتب قصيدة يتمنى فيها أن يقف على الطريق في الحياة ليعين متعباً ليستريح، أو جائعاً ليشبع، أو عطشاناً ليرتوي!!.. لم يأخذ يوسف الحياة راحة له أو لبيته، بل لقد جعله الله راحة لكل جائع ومتعب ومنكوب في الطريق البشري المليء بالآلام والمتاعب والمأسي والدموع!!.. يوسف وعفو الله لا أعلم ماذا فعل يوسف مع فوطيفار أو امرأة فوطيفار، لقد شاء الله أن يترك هذا الجانب من القصة في زاوية من الظلال لا تجلب الانتباه، لقد كان ارتفاع يوسف في حد ذاته، عقوبة دونها كل عقوبة للرجل أو زوجته على حد سواء.. وقد يكون العفو هنا أقتل من القتل نفسه!!.. على أننا نعلم أن يوسف لم يكتف بالعفو عن إخوته، بل اهتم بإعالتهم،.. وذلك لأنه رأى يداً أعلى من أيديهم في القصة، وهو لا يقف عند اليد البشرية، إذ يرى يد الله: "أنتم قصدتم.. أما الله فقصد".. لقد ارتفع يوسف عن كل حقد ومرارة، وضغينة وانتقام.. لأنه رأى يد الله وقصده في الأمر،.. وليس هناك من شيء يدفع إلى العفو أو يرفع إلى التسامح قدر الارتفاع إلى القصد الإلهي الأعلى، عندما تطوي الآلام جميعاً في فيض إحسانه وجوده ورحمته وتعويضه وحبه الظاهر علانية أمام جميع الناس!!..
المزيد
16 نوفمبر 2022

يعيش خارج نفسه

إن نفسك أمانة في عنقك ستقدم عنها حسابًا في اليوم الأخير فاهتم بنفسك، واهتم بأبديتك، وحاذر من أن تعيش حياتك خارج نفسك فما أقسى أن يعيش الإنسان خارج نفسه هل فكرت أيها القارئ العزيز في أبديتك؟ أعنى في مصيرك الأبدي، في المكان الذي ستستقر فيه أخيرًا بعد رحلة هذا العمر؟ إنه سؤال خطير ينبغي أن تفكر فيه، وأن تعد حياتك كلها من أجله إن لك نفسًا واحدة إن ربحتها، ربحت كل شيء وإن خسرتها خسرت كل شيء ففكر في مصير هذه النفس، التي لا يوجد في هذا العالم كله ما هو أثمن منها. وفي ذلك قال السيد المسيح "ماذا يستفيد الإنسان، لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟‍! "إن الشيطان مستعد أن يعطيك كل شيء، في مقابل أن يربح نفسك له هو مستعد أن يعطيك الغنى والشهرة والمجد واللذة، في مقابل أن يأخذ منك نفسك وكثير من الناس تغريهم أمثال هذه الأمور، فينسون أنفسهم كثير من الناس تغريهم أمور العالم الحاضر، حتى يصبح التفكير في الأبدية أمرًا ثقيلًا عليهم! تراهم يهربون من هذا الموضوع، ولا يحبون التحدث فيه، لأنه يزعج بهجتهم، ويعطل تمتعهم بالحياة ومع ذلك فهذا الموضوع حقيقة قائمة، الهرب منها لا يمنع وجودها والشيطان مستعد أن يشغل الإنسان بأي شيء، على شرط ألا يفكر في أبديته، وألا ينشغل بخلاص نفسه والشيطان مستعد أن يشغل الإنسان بأي شيء، لكي لا يضع أمام عينيه ذلك اليوم الرهيب الذي يقف فيه أمام منبر الله العادل، ليعطى حسابًا عما فعله في هذه الحياة الدنيا نعم ذلك اليوم الرهيب، الذي تفتح فيه الأسفار، وتكشف الأعمال، وتعلن الأفكار والنيات ما أكثر المشغولين عن نفوسهم بأمور أخرى، لذلك هم يعيشون خارج نفوسهم قد جرفهم العالم بكل مشاغله ومشاكله، وبكل شهواته ونزواته، وبكل أخباره وأفكاره وإن فكروا في نفوسهم، فإنما يفكرون من حيث ارتباطها بأمور العالم، وليس من حيث ارتباطها بالأبدية..! آمالهم وأحلامهم مركزة هنا، في هذا التراب، في أمجاد هذا العالم الزائل الذي قال عنه الكتاب إن "العالم يبيد، وشهوته معه" ويندر أن يفكر أحد منهم في العالم الآخر، في أمجاد السماء، في ذلك النعيم الأبدي الذي قال عنه بولس الرسول "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر ما أعده الله لمحبي اسمه القدوس"إننا نعيش في عالم مشغول عن خلاص نفسه ليس لديه وقت للتفكير في مصيره عالم تجرفه دوامة عنيفة في أبعاد سحيقة، خارج نفسه لذلك حسن قال الكتاب عن الابن الضال الذي تاب أخيرًا، إنه " رجع إلى نفسه" لقد نجح الشيطان في أن يشغلنا جميعًا، حتى لا يبقى لنا وقت للتفكير في أبديتنا بل إن استطاع واحد منا أن يهرب من مشغوليات العالم، لكي ينشغل بالله وحده، بأن يهدأ في البرية عابدًا ناسكًا مصليًا، مهتمًا بخلاص نفسه، مناجيًا الله طوال ليله ونهاره، مرتفعًا عن تفاهات العالم وأباطيله، نرى الشيطان يتهكم عليه ويقول انظروا هذا الهارب من العالم!! هذا الخائف العاجز!! أية رسالة له؟ وأية منفعة؟! إن هدف الشيطان واضح: يريد أن يشغل هذا العابد أيضًا، أو هذا المصلى، حتى يرجع إلى مشاكل العالم ومشاغله..! إن الشيطان يعدل خططه وأساليبه طبقًا للظروف ومقتضيات الحال كان يقنع الناس في القديم بأن الله هو تلك الأصنام والأوثان.. فلما فشل في ذلك الأمر، قدم للبشر فلسفات مضلة.. فلما فشلت تلك أيضًا، قدم لهم الشهوات واللذة حتى يغريهم بعيدًا عن الله فإن تنبه الناس لإغراءاته، يقدم لهم شيئًا آخر هو المشغولية الدائمة إنه لا يهمه نوع السلاح الذي يحارب به إنما المهم عنده أن يربح على كل حال قومًا فقد يحارب بهذا السلاح أو ذاك، أو بكل تلك الأسلحة جميعها، لكي يصل إلى هدف واحد، وهو أن ينفرد بالإنسان، بعيدًا عن الله، في متاهة خارج نفسه و إن اتجه الإنسان نحو الصلاح والخير، وعجز الشيطان عن إبعاده، يحاول حينئذ أن يجعل سعى الإنسان للخير خارج نفسه! فيدعو الناس للخير، دون أن يهتم بالسلوك فيه يكون كما قال أحد الآباء، كمن يشبه أجراس الكنائس، التي تدعو الناس إلى دخول الهياكل دون أن تدخل هي إليها.. أو كما قال أحد الاقتصاديين يكون الخير عنده للتصدير الخارجي، وليس للاستهلاك المحلى..! هذا الإنسان يتصل بالخير عن طريق المعرفة، وليس عن طريق الممارسة.إنه يتحمس للخير لكي يسير فيه الناس، لا لكي يسير هو فيه. إنه يشبه ذلك الرجل الذي بكته الشاعر بقوله يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذوى الضعفى كيما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم من أجل هذا الإنسان قال السيد المسيح له المجد "أخرج أولًا الخشبة من عينك، قبل أن تخرج القذى من عين أخيك"إن كثيرين يهتمون بأخطاء غيرهم، دون أن يهتموا بأخطاء أنفسهم يتحمسون في مناقشة أخطاء الغير، كأنهم بلا أخطاء! يتأثرون بأخطاء الغير ويثورون عليها، كأنهم هم الذين سيحاسبون عليها في اليوم الأخير..! وأما أخطاؤهم هم فلا يبصرونها.. هم أمام أنفسهم ولا يصلحون لذلك، لأنهم يعيشون خارج أنفسهم! بل أن أخطاءهم ينسبونها إلى غيرهم، كما قال الشاعر: نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا أيها القارئ الكريم، اهتم بنفسك وقبل أن تفكر في أخطاء غيرك، جاهد لكي تصلح أخطاءك وقبل أن تطبق المثاليات على غيرك من الناس، طبقها على نفسك أولًا وبدلًا من أن تكون واعظًا لسواك، كن عظة، كن قدوة، كن درسًا عمليًا، كن نموذجًا ولكن حاذر من أن تفعل الخير لكي تكون قدوة، وإلا عشت خارج نفسك. وإنما افعل الخير من أجل نفسك، لكي تكون نقيًا ومقبولًا أمام الله ومحبًا له وإن كنت قد عشت هذا الزمان كله خارج نفسك، ادخل الآن إليها، واكتشف خباياها، وأصلحها ولا تنشغل بأخطاء الناس، أو ما تظنها أخطاء، فربما تكون ظالمًا في ظنك ضع أمامك ذلك المثل المشهور الذي يقول " من كان بيته من زجاج، لا يقذف الناس بالحجارة". قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب مقالات روحية نشرت في جريدة الجمهورية
المزيد
15 نوفمبر 2022

المغفرة

نغفر للآخرين لكي يغفر لنا الله. والإساءات التي تلحق بنا فنغفر ونسامح، لا تساوي شيئاً إلى جوار الخطايا والتجاوزات التي تصدر عنا نحن. إذا فنحن نترك القليل لأجل الكثير. وعندئذ نصلى بدالة: واغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا. وينبغي أن يفكر المرء إلى أي مدى هو محتمل، لا إلى كم أخطاء الآخرين، وان كانوا محقين أم لا. بل علينا أن نأتي باللوم على أنفسنا في كل مرة، إمّا لأننا قد نعثر الآخرين مما يدفعهم إلى الخطأ وإمّا أننا قد أخطأنا في مواقف اخرى فاستحققنا التأديب. وهذه محبة من الله "لأن الذي يحبه الرب يؤدبه". نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
14 نوفمبر 2022

«إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ، جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ» (أم16: 7)

تنطبق هذه المقولة تمامًا على الآباء الرسل الذين أرضوا الرب بأعمالهم الصالحة، وجالوا يكرزون بكلمة الإنجيل في كل العالم حسب أمر الرب: «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا» (مر16:15)، مضحّين بحياتهم من أجل المسيح. تعرّضوا لاضطهادات كثيرة من اليهود ومن الأمم، وكان الرب يسندهم وينقذهم، ويدبّر لهم مَن يدافع عنهم ويحميهم من المؤامرات والمخاطر، رغم أن هؤلاء المدافعين ليسوا مسيحيين وليسوا أصدقاء للرسل، وإنما بعضهم يهود وبعضهم وثنيين من أعداء المسيحية، لكي تكمل عليهم آية الحكيم سليمان «إِذَا أَرْضَتِ الرَّبَّ طُرُقُ إِنْسَانٍ، جَعَلَ أَعْدَاءَهُ أَيْضًا يُسَالِمُونَهُ» (أم16:7).وإليك بعض الأمثلة: 1- لما جرت على أيدي الرسل آيات وعجائب كثيرة في الشعب، وكان ينضم كل يوم إلى الكنيسة جماهير كثيرة من رجال ونساء (أع5:12-14)، امتلأ رئيس الكهنة اليهودي وحزبه من الصدوقيين بالغيرة وقبضوا على الرسل وألقوهم في السجن، ولما قدموهم للمحاكمة وجعلوا يتشاورون أن يقتلوهم ويقضوا على الكنيسة في مهدها، قام -بتدبير إلهي- عضو كبير في مجمع السنهدريم اسمه غمالائيل ودافع عن الرسل وقال للمجمع: «أيها الرجال الإسرائيليون احترزوا لأنفسكم من جهة هؤلاء الناس فيما أنتم مزمعون أن تفعلوا... فانقادوا إليه ودعوا الرسل وجلدوهم (بدل القتل) وأوصوهم أن لا يتكلموا باسم يسوع ثم أطلقوهم» (أع5:33-40)، وهكذا نجا الرسل ومعهم الكنيسة كلها وازدادت نموًا وانتشارًا. 2- ذهــــــــــــب بولـــــــــــــس إلى كورنثوس وكان يخدم ويبشر اليهـــــــــــود واليونانييــــــــن ويشهد للمسيــــــــــــــــح، وكثيـــــــــــــرون من الكورنثيين لما سمعـــــوا آمنوا واعتمدوا (أع18:8)، فقـــــــــــام اليهود بنفس واحدة وقبضوا على بولــــــس وأتوا به إلــــــــــى كرسي الولايـــــــــــة أمام غاليون الوالي العادل، وقدموا ضده شكاوى كثيرة، ولكن غاليون الوالي الوثني دافع عنه ضد اليهود وطردهم من الكرسي (أع18:16)، وهكذا نجا بولس من مؤامرة اليهود بفضل غاليون والي كورنثوس الوثني. 3- جاء بولس الرسول إلى أورشاليم ومعه صدقات كنائس الأمم لفقراء أورشاليم، ودخل إلى الهيكل ليصلي ويوفي ما عليه من نذور، فقبض عليه اليهود وهم يصرخون «يا أيها الرجال الإسرائيليون أعينوا، هذا هو الرجل الذي يعلّم الجميع في كل مكان ضد الشعب والناموس وهذا الموضع (الهيكل)». فهاجوا عليه كلهم ونزلوا عليه ضربًا طالبين أن يقتلوه، فسمع الخبر الضابط الروماني كلوديوس ليسياس أمير الكتيبة المكلفة بحراسة الهيكـــــــــل وأورشاليم، فللوقت أخـــــــــذ العسكر وقواد مئات وركـــــــض إليهم، فلما رأوا الأمير والعسكر كفّوا عن ضرب بولس (أع 21)، وهكذا خلصه من أيديهم وأخذه معه إلى المعسكر لحمايته منهم. نيافة الحبر الجليل الأنبا متاؤس أسقف دير السريان العامر
المزيد
13 نوفمبر 2022

فعل كلمة الله الاحد الاول من هاتور

تقرأ علينا الكنيسة يا أحباء في هذا الصباح المبارك مثل نعرفه جميعاً وهو (مثل الزارع) أنواع من الأراضي في الطريق وهم:- 1- الأرض التي فيها الشوك. 2- الأرض التي فيها حجارة. 3- الأرض الجيدة. نعرف جميعاً أنه عندما نبدأ في الزراعة يجب أن تكون الأرض مهيئة والزرع هو كلمة الله والبذرة كلمة الرب وكلمة الله تكون متاحة للجميع وتنزل على الكل ويسمعها الكل ولكن الأهم هو القلب الذي يستقبل هذه الكلمة ويوجد أنواع من القلوب منها:- 1- يوجد قلب في الطريق لا يسمح لك بالدخول يكون من الخارج فقط مثل: (الذي تعطيه كوب من الماء ولا يستفيد به بل يأخذ منه قطرتين على يده)، فأحياناً تكون كلمة الله من الخارج فقط ليس لنا علاقة بها وتكون غير فاعلة بنا هذا هو القلب الذي يكون على الطريق. 2- القلب الذي يكون في الطريق الذي يكون فيه الشوك بمعنى ان الكلمة التي تنزل على ارض الشوك تتفاعل معها قليلاً وعندما تخرج من الكنيسة، او تنتهي من الصلاة، او عندما تقابل أصغر المشاكل، او أي فكرة تمر في بالك تجد بان الكلمة خرج الشوك وقام بخنقها. 3- والثالثة هي الأرض الحجارة ان البذرة نزلت وبدأت تكبر وعندما يصل الجذر الى الأسفل تجد حجر كبير يعيق طريقها ومنعتها من النمو. اذن ما هو الحل لهذا الموضوع؟ يقول إننا لسنا بحاجة لمعرفة أنواع الأراضي بقدر ما نتكلم عن تغيير هذه الأراضي. فهل يمكن ان تتغير هذه الأراضي؟ نعم، فالشخص الأول يمكن ان نسميه الشخص السطحي، والشخص الثاني هو الشخص المغلوب من الهموم القادمة من الشوك، والشخص الثالث المغلوب من القساوة القادمة من الحجارة. فهل للشخص السطحي والمهموم والمغلوب علاج مع المسيح يسوع؟ نعم، لهم علاج فهذه الثلاث أنواع من الحجارة يمكن ان نكون نحن أي نوع من هذه الأراضي ويمكن أن نكون الثلاث أنواع معاً فيمكن أن أكون انا (سطحي ومهموم وسطحي)، فكلمة الله لا تدخل الي نهائياً فأنت يمكن ان تعرف أية معينة ولكن هل تحاول ان تعيشها هل تحاول ان تطبقها، ففي الحقيقة تجد نفسك قد وقفت عند حيز المعرفة فقول لك لا لان الوصية ليست للمعرفة العقلية وليست للتلذذ العقلي وليس لكي تقول إنك قد حفظت أية ولكن لتقول إنك عشت هذه الآية ويقول لنا معلمنا بولس الرسول: (فقط عيشوا كما يحق لإنجيل ربنا يسوع المسيح)، مطلوب من أن نعيش الانجيل يا احبائي ليس مجرد أن نعرف ونحفظ فالسطحية والهموم والقساوة هي التي تخنق كلمة الله فينا وهذا هو الحاجز الذي يحجز كلمة الله عنا وهذا هو السبب الذي يمنع البركات عنا. اولاً: السطحية: - ما هو علاج السطحية؟ فمثل أنني جالس الأن في الكنيسة وسمعت كلمة الله لا أجعلها فقط ان تمر في فكري بل أدخلها داخل فكري وأحاول ان اتفاعل معها لكي ينزلوا على قلبي فعندما ينزلون على القلب فيكون الذي فكرت فيه أشعر فيه عندها يتحول الى فعل فتتحرك قوة الأرداة عند الانسان (فالفكر يحرك المشاعر والمشاعر تحرك الإرادة والإرادة تحرك الأفعال)، اذن انا من أجل البذرة التي تقع على أرضي وتأتي بثمر يجب ان أفكر في الكلام، قم بالتفكير في الآية التي تقول لك (لا تحبو العالم) وفكر في الآية التي تقول لك (أن العالم يمضي بشهواته)، فعلاً ان هذا العالم زائل فعندما أفكر في الكلام ابدأ بتصديقه واتفاعل معه كثيراً بكل مشاعري وكل افكاري وكل احاسيسي، اذاً طالما هذه هي الحكاية، لماذا انا متمسك في هذه الدنيا كثيراً؟ ولماذا متمسك بالمال بهذه الطريقة؟ ولماذا اضع يقيني في هذه الأرض بالرغم انني رأيت احبائي يدفنون في التراب ففي هذا اللحظة أبدأ في التفكير والشعور وتبدأ هذه الأفكار والشعور بتحريك الإرادة، فيجب ان أبدأ من التغيير من حياتي لان هذا العالم يمضي وشهواته معه ففي هذه اللحظة الكلمة التي تنزل الى الأسفل تفعل، نصل الى ان علاج السطحي هو العمق، فلتجعل الأفكار تنزل الي الأسفل لتصل للقلب واشعر وقم بتصديقها وسوف نرى ان هناك الكثير من الأشياء نقولها ولا نصدقها فنحن نُصدق القيامة ونُصدق الحياة الأبدية ونُصدق مكافأة القديسين ونُصدق ان وراء كل نعمة ألم ونُصدق وجود قيامة بعد كل موت لان كل هذا الكلام على السطح من الخارج، أذن يا احباء نحن بحاجة ان تنزل الكلمة وتختلط مع العمق لتعمل فيها لذلك يحتاج الشخص الذي يريد التخلص من السطحية هو التفاعل مع الكلمة. لذلك يوجد تدريب صغير للتفاعل مع الكلمة هو قم بتخصيص وقت لقرأه الكتاب المقدس، فيمكن ان يكون اخر وقت قرأت فيها الإنجيل تكون من شهور فهذا تكون الكلمة على السطح، مثل: الزارع يقوم بترتيب الأرض وحراثتها ويقوم بتعريضها للشمس ويقتل الميكروبات ويضع سماد لها حتى تكبُر ثمرته وتنبت وغير ذلك لن يأتي بالمحصول فاذا اشتكاك أحد المزارعين يقول لك لم أتي بمحصول تقول له هل حصدت وزرعت ورويت يقول لك لا اذاً كيف تريد ان يكون لك ثمار فأنت لا تستحق ان يكون لك زرع لأنك لم تتعب فيه اذاً لا تشتكي من الجوع، اذا نصل الى ان علاج السطحية هو ان الشخص يأتي بآية و يقوم بترديدها عشرات المرات مثل آية (ليكن لي كقولك) فعند ترديدها أكثر من مرة تنزل الكلمة من الأعلى الى الأسفل وتدخل القلب وانا اغمض عيني وأردد الآية تخضع نفسي للمشيئة الألهية فعندما تردد الآية بهدوء تكون انت تخاطب مشاعرك و الكلمة تسكن فيك بغنى الله وانتم متأسسون ومتأصلون فالكملة تنزل الى الأسفل فكذا ابدأ بتغير الأرض التي على السطح كمثل الزارع عندما يبدأ في زراعة أرض جديدة تكون متعبة بالنسبة اليه ولكن فيما يعد تصبح أرض جيدة فلتصدقو بأن الله أعطانا ارض جميلة، كل أحد فيكم قلبه جميل وكل أحد فيكم توجد فيه صورة المسيح وكل واحد فيكم تسكن الروح القدس بداخله وكل واحد يملك الصورة الإلهية، فالشر هو شيء دخيل علينا يا أحباء و ليس من الأصل الذي نملكه فالشر الدخيل علينا هذا نحن قادرون على طرده مثل الشخص الذي يُمسك مكنسة ويقوم بكنس الأرض فيعتبر هذا التراب دخيل على هذا البيت فبمجرد ان تمسح قليلاً تجد ان التراب قد ذهب، فالخطيئة هكذا نعمل على ازاحتها، اذن الأرض السطحية علاجها هو العمق عندما أفكر كثيراً في الذي اسمعه حاول ان تأخذ فترات هدوء قليلاً، حاول ان تردد الآية عدة مرات ولا تحاول فقط ان تخاطب عقلك ولكن حاول ايضاً ان تخاطب مشاعرك لان قلبك ومشاعرك تعمل على دفع إراداتك الارداة التي ضعفت وانهارت و لم تصبح إرادة لذلك يا رب حرك هذا الارداة، وكقول أحد الإباء كان يقول انا اشبه لعازار الميت لكن انا لدي رجاء في بكائك علي فأن ان كان للميت رجاء في بكاء هكذا يكون رجائي فيك لأنه يوجد رجاء لبكاء الموتى عند الرب، من اجل هذا يا احباء نحن محتاجون ان نرى الأرض السطحية و نحاول ان ننزل الكلمة الى العمق. ثانياً: الأرض التي يوجد فيها الشوك: - البذرة نزلت والأرض من الأسفل صالحة يعني القلب صالح وأستقبل كلمة الله، فابتدأت مثلا الانتظام على الصلاة وتحدد إنك تريد ان تذهب الى القداس في كل أسبوع ولكن بعد ذلك تنظر ان الشوك بدأ في خنق الكلمة في كل مرة تقول هذا موعد قرأه الانجيل تأتيك مكالمة هاتفية يأتيك أي شيء يقوم بعكس افكارك نحن الان يا احباء في كل حين أي خبر يزعجنا وأشياء تضايقنا في كل حين وفي كل مكان يفقدنا سلامنا لدخلي مثل الاكل والشرب والعمل والمصاريف هذه الهموم تأكل في عمرنا ومشاعرنا وتأكل كلمة الله. فا ما هو علاج هذه الهموم؟ فكما السطحية لها حل في المسيح، الحل في الأرض هي التسليم والثقة في الله فأذا كان المحيط كله حولك مشاكل فقط ارفع عينك الى السماء وقل يا رب لتكن اراداتك يا رب تصرف في أي موضوع يضايقك لان الله هو رجاء لمن ليس له رجاء معين من ليس له معين قصة في مرة كنت جالس مع احد النساء البسطاء كانت تشتكي من الحياة ومن أمور تحدث معها فقلت لها كلمة أعجبتها قالت لي هل من الممكن ان تكتبها لي قلت لها بالطبع، فنصل الى مقولة رجاء لمن ليس له رجاء، فقلت لها اليس لديك احد في هذه الحياة قالت لي ليس لي احد ابدا قلت لها ليس لكي غير الله فهو معين لمن ليس له معين لا تخافي عندك اله ضابط الكل الذي هو اباك فعندما تشعر بالهموم فليس لك غير الله فعندما ننظر الى الأشياء التي كانت تزعجنا قبل 10 سنوات نجد انها كان ذهبت فأحيانا الانسان ينكسر من الهموم و عندما تأتي للكنيسة تأتي مع همومك التي تجعلك تشعر بالهموم حتى لو فعلت أي شيء، احياناً يا احباء يرتاح الانسان للقيود. قصة يقول لك انه في أحد الأيام كان هناك رجل يربط قدم طائر لكي يربطهم ويمنعهم من الطيران وعندما يأتي العصفور للطيران يدور في شكل دائري لأن قدمه مربوطة فعندما يبيع العصور ويقوم بأعطائه للرجل فيقطعها من الخيط وتصبح مُلك للرجل وعندما يفك الخيط وتتحرر قدمه يعود ويدور في نفس الدائرة فلماذا تطير بنفس الطريقة؟ لأنها اعتادت على الطيران بشكل دائري، أحياناً تأسرنا الهموم بداخلها ما هو حل الهموم؟ الحل هو التسليم لله فلتدبر يا رب كما تريد، يقول لك كم مرة تقرأ الكتاب المقدس يخبرك ان ليس لديه وقت من كثرة الهموم فلنرمي كل حملنا على الله، جميل يا احبائي جميل ان يرتفع الانسان فوق الهم ويضع الهم على الله وكما كانوا يعلمونا الذي لديه مشكلة كبيرة بدل ان يقول يا رب بدل مشكلة كبيرة يقول للمشكلة انا لدي رب كبير وبدل ان اضع المشكلة بيني وبين الرب بس اضع الله بيني وبين المشكلة، وسوف أرى عمل الله لان الثقة في الله تعمل على حل المشكلة فاذا اخذنا تدريب روحي لمدة ساعتين فقط يومياً ولنقسمها نصف ساعة صلاة وساعة الا ربع قرأه في الكتاب المقدس ونص ساعة أخرى للترتيل ومزامير والحان الكنيسة حتى لو سمعت فقط من دون ان تقول شيء فيحصل في هذه الحلة تنقية للأفكار فكما الجسد يتعب فايضاً الروح والنفس يتعبون ويبدأ الجسد ان يشيخ وتبدا الشرايين في التصلب والقلب يتلف، فلا ننتظر روحياً ان نتلف فساعتين في اليوم لله كفيلة ان تزيل عنك الهم، فنصل الى ان علاج الهم هو التسليم والثقة. ثالثاً: القساوة: - وهي تعد مشكلة كبيرة ان نسمع ولا نفعل نعمل على تبرير اخطائنا ونؤجل عملنا مع الله والكلمة لا تؤثر في داخلي فيؤدي هذا الكلام الى القساوة ففي بعض الأحيان نصل الى هذه الحالة مع الله الى درجة القساوة والله متأني وصابر علينا، فنقول يا رب لا تأخذني وانا في منتصف ايامي ومصباحي منطفئ ما الحل وكيف نعالج هذه القساوة وما حلها؟ حل هذه القساوة هي النعمة والتوبة والدموع ومحاسبة النفس والتوبة اللحظية والتدقيق في الحياة لا اترك تفكيري وعيني ولساني ومشاعري وانا لا اشعر، عندما تصل الى هذه الحالة استيقظ واقرأ، هل سوف احمل الضغينة للأشخاص كثيراً، وهل سوف أبقى على الخطيئة ولا اعمل على تغيريها وهل سوف أبقى من دون ان اتعظ الى أي شيء ما هو الحل؟ لو كان العمر ثابت وكان هذا العالم مؤبد لكانت لكي يا نفسي حُجة فهذا العمر ليس ثابت وهذا العالم ليس مؤبد اذن ما هي الحجة؟ فالقساوة تريد الشخص ان يجلس ويدقق في افعاله ويرى الشيء الذي دخل داخله وقام بتوليد هذا الجمود والأسباب هي الذات والعالم وحب الأرض والاتكال على البشر م الذي جاء بكل هذه القساوة؟ الغياب عن الله، الغياب عن عمل النعمة، لقد قُفل قلبي ولا اريد ان افتحه ومن اجل هذا قال حزقيال النبي يا رب غير لهم قلوبهم الحجرية واعطهم قلوب من لحم، يمكن ان يعيش الانسان بقلب من حجر؟ نعم، يستطيع، فتتكلم معه لا يسمع وتحاول ان تعظه لا يسمع، احداث تحدث وأطفال نودعهم وكبار نودعهم ولا يؤثر فينا، فالله يعملنا من خلال الاحداث التي نمر بها ويعملنا بالأشخاص والكنيسة فالله يريد ان يخلص الجميع بكل الطرق، فالذي لا يسمع للإنجيل يسمع لنفسه، فلنفرض ان الله يعطينا فرص فهل نستفيد منها، فعلينا يا احباء ان نلين حياتنا بزيت نعمة الله والشخص الأمين عندما يأتي ويحاسب نفسه يجد ان دموعه قد نزلت فتزيل هذه الدموع جميع القساوة والجمود، عندما تسمع آية وتجد الرب يقول لك أنا طوال النهار أبسط يدي، انا يدي مفتوحتان لك، انا لم ارفضك وانا لا اكرهك ولست ضدك ولكن لا يجوز يا احباء ان يمد احد الشخص يده للسلام والشخص الاخر يُمثل أنه لم يراه فلتتخيل شعورك في هذه اللحظة كيف سوف يكون فسوف تنجرح جرح كبير، فتخيل ان الرب طوال النهار يبسط يده لك وانت غير مهتم، يجب عنما يفتح الله لك تذهب الى احضانه وتقول يا رب احتويني، اذا علاج القساوة هي التوبة ومحاسبة النفس وتشعر يوماً بعد يوم أن هذه القساوة قد ذابت، فيقول لك نقطة المياه لو نزلت باستمرار على صخر يمكن ان تحفر لها طريق بداخل الصخر، فنعمة وكلمة الله هكذا يحول صخر قلوبنا الى قلوب تتجاوب مع كلمة الله اذا فالأرض التي فيها الحجارة تتفتت ويضعف فالحجارة عندما تلين كلمة الله تجد لنفسها مكان فترى ان الأرض تصبح جيدة وان اخطأ أحد اليك تقول فليسامحه الله اذا كان هو سيء فأنا اسوء منه، هي لديها خطأ ظاهر انا لدي الف خطأ ظاهر ويستر الله عليها وعلي ويرحمنا جميعاً تحت الضعف فمن فينا من دون خطيئة. اذن يا احبائي الانسان الذي يبدأ بوضع نفسه مع الإنجيل تبدأ مشاعره تتغير وقلبه يتغير وفكره يتغير، نحن نعيش فترة طالت او نقصت سوف تنتهي في النهاية نعيشها لكي تثمر كلمة الله في داخلنا وعندما تكون كلمة الله عاملة فينا نكون صادقين للرسالة الإلهية فلا تكونوا غاشين لأنفسكم ربنا يريدنا جميعاً ان نكون له لأنه خلقنا لكي نكون له هو يريدنا معه في الملكوت وهو اتى بنا الى الأرض لكي نكون معه في النهاية في السماء فنحن لسنا من الأرض نحن من فوق ولكن ما زلنا في الأسفل نعيش فترة لكي نعود مرة أخرى الى فوق وكما يقول لنا الرب انتم لستم من اسفل، ولكن الذي بريد ان يكون في الأسفل يقول له فلتتركني في الأسفل يجاوبه الله ان بقيت في الأسفل لن يكون لديك مكان في الأعلى فيكون هذا هو قرار الانسان فلتكون هذه الحياة رسالة نمجد فيها اسم الله لكي نعود اليه مجدداً واحيا مع الى الابد. من اجل ذلك يا احباء عنما نودع شخص من احبائنا وندفنه في التراب يمسك الكاهن القليل من التراب ويضعه عليه ويقول نحن قد قمنا بدفن التراب لان الانسان من تراب والى التراب يعود وهكذا يكون الجسد قد مات، اما النفس والروح نقول لها انتي من السماء والى السماء تعودين، نحن من السماء ومخلوقين من السماء وسوف نعود للسماء، فلتتحول ارضنا أي ارض جيدة تثمر فيها كلمة الله. لربنا كل مجد وكرامة الى الابد آمين. القمص أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والانبا انطونيوس محرم بك الاسكندرية
المزيد
12 نوفمبر 2022

إنجيل عشية الأحد الاول من شهر هاتور

تتضمن تبكيت محبى الغنى . مرتبة على فصل مثـل الزارع . ( مر 4 : ۱۰-۲۰ ) ينبغي لنا أن نطهر ذواتنا ونزكي عقولنا . ونسارع إلى العمل بمـراد ربنـا . لئلا نشابه أولئك القوم الذين لهم الأبصار وهم لا يبصرون . ولــهم الآذان وهـم لا يسمعون ولهم القلوب وهم لا يفهمون . ولنزرع الأقوال الصالحة في أراضي العقـول النقية الخالية من الأشواك . البعيدة عن قوارع الطرقات . لتأتى بــــالثمرات الذكيـة . عوضاً عن الواحد مئة ضعف مت ٢٩:١٩ وإذا كان مراد ربنا أن نـدع التماسـك بالفانيـات . ونجتهد في تحصيل الباقيات . فما بالك يا هذا إلى الأن تجمع ذهباً . وتروم أن تكــثر قناياك . وحتى متى تستكثر من الشهود . بأنك عبد للمال وخادم للشــــــــياطين ؟ وغلـى متی تجتهد في أن تصلح لذاتك سجناً حصيناً . وتعد فيه الأغلال والسلاسـل وألات العذاب ؟ لنفرض إيها المحب للغنى . والمستكثر للقنايا . أنك الآن قد حويت المعـادن كلها وخزائن الملوك جميعها . أفهل تحصل على أكثر مـن مـلء بطنـك وسـتر عورتك ؟ ويكون ماعدا ذلك بمنزلة الة من الحجر أو من التراب أو غير ذلـــك . أن كنت لا تسعف مظلوماً ولا ترحم فقيراً . ولا تؤاثر القريب . ولا تفرج عـن ذوى الكروب وإن كنت تجتهد لتجمع كثيراً . وتنفق يسيراً فما بالك لا تنظر إلى التعـب الصائر إليك . وتذهب إلى الراحة المتباعدة عنك لأنك الأن تشبه الكلـب والخـنزير الجائع إذ تمشى مهرولاً وتجرى مسابقاً . وتحدق إلى الذين عـن يمنـك ويسـارك كالمجانين مع كل ما شابه ذلك من الأتعاب والمخاصمات . ومقاساة عنـاء الأسـفار وأهوال البحر وغير ذلك لأنك تريد أن تحزن الناس بأخذ أموالهم والناس يريـــــــدون أن تكون أنت حزيناً وخائباً لا الغني البخيل الممسك علـى قناياه ببغضـة بنـوه وزوجته وعبده وجاره وقريبه . ويريدون موته ويقصدون ورود المصـاعب عليـه وليسوا هؤلاء يحزنونه فقط . بل والتراب والنار وباقي العناصر مع هـوام الأرض وغير ذلك فيكون ( والعياذ بالله ) بعيداً عن رحمة الله . قريباً من الشياطين مهيئاً لعذاب الجحيم . إني مكاره حب المال لكثيرة جداً فلا يستطيع اللسان حصرها . فأن قلـت أن الغنى يفرح ويتلذذ بجمع المال وضبطه ، حتى يعلم أن له خزائـن وكنـوزاً . بينمـا غيره فقيراً منها . قلت هذا مرض عقلي شبيه بـأمراض الأجسـام . لأن المريـض بالحمى كثيراً ما يرى الألوان البيضاء صفراء . ويستطعم الحلو مرا وكرهاً . وهمـا ليس كذلك في طبيعتهما . فإن قلت إن بعض الأغنياء يتلذذ بقناياه ويبلغ بها الشهوات والمقاصد . قلت إن هؤلاء أيضا يصيرون ذواتهم عبيـدا لسـادات كثيرة . لأنـهم يرصدون أنفسهم لخدمة لذة الفم وباقى الحواس الأخرى . ويهتمون بخدمة الزوانـى والمضحكين . والذين يمدحون السكر والغنا والهزل وغير ذلك . فإن الاموال تصـير الجهال الفقراء أشد جهلاً . وكلما كثرت نعمتهم زادت قبائحهم . إنى أعجب من الذيـن يثلبون الفقراء ويستقلون بمنازل المقلين . لكونها عارية من آلات الذهب والفضـة وتستعمل أواني خزفية . الأقل لي ايها المغتبط بذلك وافهمني . مـا الفـرق بيـن أن يسكب عليك الماء من أبريق ذهب . أو من أناء فخار أو ان تغسل يديك في طشـت من فضة أو فخار ؟ إذ المنفعة الحاصلة من الجميع هي واحدة . فمـا الأغنيـاء فـى التطلع إلى الملونات والمنقوشات واتخاذ الأواني المختلفة الأشكال إلا كالصبيـان أو المجانين أو المخائلين الذين يضعون الستور علـى الحيطـان . ويتخـذون تمـاثيل الحيوانات والطيور وغير ذلك مـن أعـواد الخشـب ويلبسـونها الثيـاب والآلات ويتكلمون عنها . ويحضرون الكراسي والأسرة والراقصات والملهين . ويضحكـون على انفسهم ويضحكون غيرهم عليهم . ويتعجبون مما صنعت ايديهم . فأنظر كيـف أن منازل الأغنياء تشبه ملاعب الراقصين . ومنازل الفقراء تشـبـه منـازل الرسـل والقديسين . وأن اردت ياهذا أن تحقق فأنظر إلى المسيح حيث قصد الدخـول إلـى بيت زكا . وكيف ان هذا لم يقل له تمهل يا سيد حتى أهيئ اواني الذهب . واســـــتعير ستور الديباج " . وأنصب الكراسي والأسرة . وأعـد أنـواع الأطعمـة واصنـاف المشروبات وغير ذلك . لأنه علم ان هذه جميعها مباينة له و اوغير موافقة لقصـده . فسارع إلى الاشياء التي يؤآثرها سيده ( واعد الأواني اللائقة لجمالـه.فقـال انـى اعطى المساكين نصف أموالي . ومن غصبته شيئاً ارد له اربعة اضعاف فان اردت يا هذا أن تضايف المسيح فأصنع له وليمـة عاريـة مـن هـذه التكلفات كلها . ادع الفقراء والمساكين والذيـن لا ترجـو مكافأت وأن اردت أن تكون غنياً صديقا فاتبع آثار الأغنياء الأبرار كابراهيم وايوب وكرنيليوس وأمثالـهم . فأن هؤلاء كانوا يحصلون الأموال من الوجوه الحلال ويصرفونـها فـي مصـالح المحتاجين . فسبيلنا أن نهرب من العالميات . ونجتهد في تحصيـل السـمائيات . لنفـوذ بملكوت ربنا ومخلصنا يسوع المسيح . الذي له المجد دائماً سرمداً أمين . القديس يوحنا ذهبى الفم عن كتاب العظات الذهبية
المزيد
11 نوفمبر 2022

مفهوم الاتحاد الزيجي الاتحاد الفكري

الأسرة هي المكون الطبيعي لأيّة كنيسة أو مجتمع، وباعتبار الزواج ليس قرارًا سهلًا قررنا في المجمع المقدس أن يكون هذا العام (من يونيو 20٢٢ إلى يونيو 20٢٣) في كل الاجتماعات والإبيارشيات داخل وخارج مصر، للتركيز على مواضيع الأسرة ‏بكل تنوعاتها: المقبلين على الزواج، حديثي الزواج، أو من لهم عشر سنوات، بحيث يكون هناك حملة توعية كبيرة من أجل سلامة الأسرة المسيحية. لا بد أن تكون المفاهيم التي تقوم عليها الأسرة واضحة وحاضرة أمامنا في كل، وهذا الأمر كبير وليس سهلًا، وهو مسئولية كل أب وكل أم، كل شاب وكل شابة؛ مسئوليتك في تكوين واختيار الأسرة التي ستنتمي لها، وتكوينها بنعمه المسيح. لذلك في الاجتماع الأسبوعي خلال فترة صوم الرسل (في الإسكندرية)، سنتناول موضوعات أسرية تهم جميعكم، وكما ذكرت فنحن نشجع الآباء الأساقفة والآباء الكهنة على تناول هذه المواضيع لأهميتها، ولأن هناك أفكارًا غريبة تغزو الأسرة، مثل مفهوم الجنس والنوع وغيرهما... نقرأ جزءًا من رساله معلمنا بولس إلى أفسس، حيث كتب عن الأسرة، وهو الفصل الذي يُقرَأ في سر الزيجة المقدس: «فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ، مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ. وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ، مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، للهِ وَالآبِ. خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ. أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ. كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ. لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. «مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا». هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا» (أف5: 15-33). أريد أن أكلمكم عن مفهوم الاتحاد الزيجي في خمس مجالات: (1) الاتحاد الفكري، (2) الاتحاد العاطفي، (3) الاتحاد الروحي، (4) الاتحاد الاجتماعي، (5) الاتحاد الجسدي. هذه الخمس مجالات تشكّل قوام الاتحاد الزيجي. سنتحدث اليوم عن الاتحاد الفكري.. هو إنسان فاضل، يصلي ويطلب من الله أن يختار له إنسانة فاضلة، وهي كذلك بالمثل تطلب من الله أن يختار لها زوجًا مناسبًا، وفي الوقت المناسب يلتقيان وتحدث الخطوبة. قرار الزواج ليس قرارًا سهلًا. بعض العلماء يقولون إن قرار الزواج للأفراد يساوي قرار الحرب للدول. نقطة البداية مهمة وإلّا سيتوه الطرفان في رحلة الحياة. تكوين الأسرة يحتاج شخصًا ناضجًا جدًا، نفسيًا وعقليًا وعاطفيًا وروحيًا.الاتحاد الفكري هو بداية الخطوبة، وهي المرحلة التي يكثر فيها الكلام بين الخطيبين ليعرفا أحدهما الآخر، مثلما قال الإنجيل «لغتك تظهرك» (مت26: 73). الخطوبة ليست مجرد وعد ولا عقد ولا مشروع، بل هي دعوة للاتحاد الشامل عاطفيًا وروحيًا ونفسيًا وجسديًا، هي دعوة وبداية لإتمام سر الزيجة المقدس. في فترة الخطوبة يجب ان يضع الخطيبان في ذهنيهما أن الأسرة أيقونه الكنيسة، أيقونة حية. الخطوبة تبدأ بالصلاة، ولهذا هي بداية لطريق القداسة والطهارة، وكأن الصلاة في الخطوبة معانها أن الله شاهد على هذه الخطبة. أحيانًا ينشغل الخطيبان بمظاهر الخطوبة من ثياب وأكل وشرب، وينسيان جوهر الموضوع! ارتباط الخطبة بالصلاة يعني أن الله شاهد عليها، وأنها تتم تحت رعايته. كذلك تتم الخطبة في العلانية الكنسية، حيث يحضر الخطيبان وأسرتيهما والمدعوين؛ والعلانية نوع من الالتزام من كلا الطرفين والأهل. كذلك هناك محضر للخطبة (شاع جدًا كلمة نصف إكيل وهي تسمية خاطئة)، والمحضر دليل على صدق رغبة الخطيبين في تكوين أسرة تدوم مدى الحياة؛ وتعجبني كثيرًا كلمة "شريك الحياة". ماذا يفعل الخطيبان في فترة الخطبة؟ هي فتره يتبادل فيها الخطيبان الأفكار. أرقى ما في الإنسان هو العقل، والغرض من هذه الفترة هو تبادل الحديث لكي يتعرّف كل منهما على الآخر وعالمه وأسلوب تفكيره في المستقبل، وكيف يمكن أن يرضي كلٌّ منهما الآخر ويعطيه المكانة اللائقة ويقدم له المحبة، وانتبهوا لأن المحبة بالكلام هي أرخص محبة، ولكن المحبة الحقيقية هي أعمال مثلما عمل السيد المسيح حين نزل من السماء وتجسد وصُلِب ليبين محبته لنا. كذلك يجب أن يكون الكلام موزونًا، سواءً حين يلتقيان أو تلفونيًا أو غيره، يحاولان إيجاد ماهو مشترك بينهما. الزواج السليم والصالح أن يكتشف الزوج زوجته كل يوم، وكذلك هي. الزواج رحلة يتغير في الإنسان من يوم إلى يوم. في الخطوبة يتبادل الخطيبان الأفكار والكلام والاشتياقات والطباع، كيف يحترم أحدهما الآخر وكيف يعبران لبعضهما عن محبتهما. فترة الخطبة هي فترة يكتشف فيها أحدهما الآخر، ويفكران في كيفية إدارة الحياة. هذا هو الاتحاد الفكري، أن أفهم الآخر والاختلافات وغير ذلك.وإذا تم الاتحاد الفكري، فستجد أن أن الأربعة اتحادات الباقية تمت تلقائيًا. افهموا بعضكم البعض، تفهموا مخاوف بعضكما، ولكن أريد أن ألفت نظركم لشيء هام في موضوع الخطبة؛ من الطبيعي أن البنات تحب أن تتكلم كثيرًا، وشيء طبيعي أن الرجال قليلو الكلام. الرجل دائمًا يتكلم بالعقل ثم القلب، ولكن المرأة تتكلم بالقلب ثم العقل، فعلى بيل المثال حين يحكي الرجل حكاية، سيحكيها في دقائق لكن المرأة قد تحكيها في ساعتين، حذارِ أيها الرجل أن تخطئ وتطالبها بالاختصار، أو توجهها لما يجب عمله، وإيّاكِ أيتها المرأة أن تتهميه بأنه يخفي عنكِ أشياء حين يحكي باختصار، هذه طبيعة كليكما، لهذا نت المهم في فترة الخطوبة أن تفهما أحدكما الآخر، لا يحاول أحدكما أن يجعل الآخر نسخة منه، بل كلٌّ منكما له طبيعة وكيان خاص، وعيكما أن تكتشفا كيف تتلاقيان وتتفاهمان وتتشاركان وتتحدان.في فترة الخطوبة يجب أن يعرف الخطيبان أسرة أحدهما الآخر، فالزواج ليس ارتباط رجل وامرأة فقط، ولكنه ارتباط أسرتين، لذلك يجب أن يحصل كلا الخطيبين على مباركة أسرتيهما للارتباط. أخيرًا هناك ثلاثة أشياء تفسد الخطبة: (1) الغيره المتطرفة أو الأنانية، (2) الماضي، (3) الأمور المادية. الخلاصة أيها الأحباء: إن أرد الإنسان أن يبدأ مشروعًا قويًا للارتباط، وتكون الأسرة الجديدة بالحقيقة مصنع قديسين، عليه أن يبدا بالاتحاد الفكري. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
10 نوفمبر 2022

شخصيات الكتاب المقدس يوبال

يوبال واسم أخيه يوبال الذي كان أباً لكل ضارب بالعود والمزمار تك 4: 21 مقدمة لست أعلم لماذا اخترع يوبال الموسيقى!!؟.. ولماذا وقف هذا الرجل على رأس كل ضارب بالعود والمزمار في الأرض!! أهو إحساس الألم الذي يحس كنهه، ولا يعلم سره؟!! إحساس الألم الذي أراد أن يغطيه، فبدلاً من الصخب الداخلي الذي يملأ نفسه، أراد أصواتاً أعلى تنسيه هذا الصخب، فكانت الموسيقى بمثابة التعويض الخارجي عن الألم الداخلي الدفين؟!!.. أم هي الأذن الموسيقية التي كان ولا شك يملكها، وبينما هو سائر في الطريق منكوباً أو مهموماً استرعى سمعه صوت بلبل يغني على فنن الأشجار،.. فأعطاه البلبل صيحة فرح، وعى لها، وحاول أن يقلدها بصورة ما في موسيقى العود أو المزمار؟!!. أهو خرير جدول أبصره ذات صباح، فأعطاه تعويضاً عن الخرير الداخلي في نفسه، فغنى أو علم أولاده أن يغني، على خرير الجدول، أو هدير البحر، أو صوت العاصفة؟.. كان بيتهوفن واحداً من أولاده العظام، وكان يسير في الطبيعة ويستمع قبل أن يصيبه الصمم، إلى ندائها الحبيب إلى نفسه، والذي نقله ألحاناً رائعة على مدى الدهر؟!!. أم أن الأمر –إلى جانب ذلك- كان الانتباه إلى أخيه "توبال" وهو يطرق النحاس والحديد، فتحدث من الأصوات ما لم يكن مألوفاً.. فلماذا لا يأخذ مثل هذه الأصوات، ويطوعها على آلة موسيقية يصنعها ويبدعها؟.. قد يكون هذا أو غيره مما دفع "يوبال" ليكون أباً لكل ضارب بالعود والمزمار. لكن الرجل –على أي حال- يقف في كل التاريخ، بأذنه الموسيقية، وأدائه العظيم كالإنسان الأول الذي استخدم الموسيقى، وتفرق أبناؤه وبناته في الأرض يلعبون على مختلف الآلات، ويصنعون الحلبات التي أثارت الإعجاب أو حركت المعارك، إذ كانت نغماً مسموعاً في الخير أو الشر على حد سواء!!.. دعنا نقف هنيهة من الرجل، ومن أولاده الخيرين أو الأشرار، لنرى كم تفعل الموسيقى، وهي ترفع الإنسان إلى أجواء السماء، أو تهبط به إلى القاع قاع الهاوية الرهيبة التي لا قرار لها!!.. يوبال الفنان الأول مهما يكن الدافع الذي علم يوبال الموسيقى، فمما لا شك فيه أنه كان يحمل في أعماقه وبين جنبيه إحساس الفنان العظيم المرهف، والأذن الموسيقية التي طالما رأيناها في الكثيرين من أولاده على مر التاريخ والأجيال، الذين عشقوا الموسيقى والذين فتنوا بها، فهي أكلهم وشربهم، وهي رقصهم وغناؤهم، وهي ذلك الشيء الرهيب الذي عندما استولى عليهم، سيطر بقوة غلابة، وجعلهم ينسون أنفسهم بين الناس، ويسيرون في الطبيعة، فهي تتكلم إليهم في الجدول الرقراق، وفي العصفور المغرد، وفي النسيم الهاديء، وفي الزوبعة العاتية، وفي البرق الخاطف، وفي الشعاع الجميل. والطبيعة على الدوام عندهم تتكلم، في المروج الخضراء أو الجبال السامقة، في القمر المنير أو النجوم التائهة، وهي عندهم تصبح لحناً وعزفاً ونغماً!!.. فإذا كان أورافيس (في أساطير الإغريق) كان يروض الوحوش بالنغم، إلى الدرجة التي يجعلها تسكن وتهدأ وتنام،.. وإذا كان هو وحده الذي يتغلب على صوت الفتيات الساحرات الجميلات اللواتي يقال أنهن كن يصطدن السفن التي تمر على مقربة من جزيرتهن في البحر الأبيض المتوسط، وكن يخدعن الملاحين بالصوت الجميل والنغم الساحر، فينسى هؤلاء الخطر الداهم، ويتركون المجاديف لترسو السفينة على الشاطيء فتذهب ضحية "السيرين" الفتيات الجميلات،.. ولم يكن هناك سوى أراوافيس الذي تفوقت ألحانه على الجمال الخلاب، والأغنية الساحرة،.. وإذا كان بيتهوفن يخرج ذات مساء وقد خلبه القمر وصفاء الليل وجمال الطبيعة، وهو يطلب من الله أنه إذا أتيح له أن يفقد شيئاً، فهو يرجو أن يفقد كل شيء إلا الموسيقى،.. ومع أنه أصيب بالصمم، إلا أنه ترك سيمفونياته العظيمة ترن في مسمع الدنيا بالصورة التي تحرك الناس في كل مكان!!.. هل سمعت معزوفة "المسيا" الرائعة التي لحنها هاندل في سنة 1742، وقد أرسلها إليه صديق يطلب منه أن يضع لها أنغاماً،.. وهل علمت أن هاندل كان قد أصيب قبل ذلك بشلل موضعي في الجانب الأيمن، ومع أن أطباءه نصحوه بالذهاب إلى الحمامات المعدنية في اكس لاشبل، ومع أن هذه الحمامات أفادته إلى حد كبير، ألا أن الطبيب العظيم الذي حركه، وأعطاه قدرة عجيبة على الشلل، كانت معزوفة "المسيا" التي أبدعها في أربعة وعشرين يوماً متوالية، نسى فيها الأكل والشرب وكل شيء حوله، وكان خادمه يراه يذرع الغرفة، تارة يقفز وأخرى يلوح بذراعه إلى العلاء، وطوراً يرنم، وأخرى يهتف "هللويا" والدموع تنهال من مآقيه، وعندما انتهى منها قال: خلت نفسي أرى السماء كلها أمامي والإله العظيم مستوياً على عرشه أمام أبصاري، ووقع على الأثر لا يسمع ولا يعي، واستغرق في نوم طويل متواصل مدة سبع عشرة ساعة، ومع أن "المسيا" تشتهر بوحدتها، -وإن تألفت من 56 مقطعاً- إلا أن الوحدة والاسنجام يتخللانها، فالجزء الأول منها يشير إلى اشتياق العالم "للمسيا" وتحقيق ذلك الشوق بولادة المسيح، والثاني عن موت المسيح وقيامته منتهياً بهتاف النصر الذي يصل الذروة بكلمة اللهللويا، والجزء الأخير الثالث يعلن عن الإيمان بالله وعن الحياة الأبدية.. وعندما استدعى هاندل لتقديم المعزوفة أمام أهل دبلن نالت استحسان الجماهير، وعندما انتهى منها تعالت الهتافات، ودوت القاعة بالتصفيق، وقد انسل هاندل في تلك اللحظة من المكان لأنه شعر أن الفضل أولاً وأخيراً لله الذي أعطاه هذا اللحن ليسجله أمام الناس مات هاندل ودفن في وستمنستر، مقابر العظماء، وفي إحدى ساحات لندن أقيم نصب تذكاري وضعت فيه الآلات الموسيقية أمامه مع عبارة من معزوفة "المسيا" منقوشة بأحرف بارزة: "أعرف أن مخلص"إذا عرفت أورافيس وبيتهوفن وهاندل وغيرهم من ذلك الجيش الطويل الذي غنى على مختلف العصور وعزف ولحن للأجيال وسألت عمن هو أبوهم لكان الجواب العظيم: كان يوبال أباً لكل ضارب بالعود والمزمار. يوبال المخترع الأول للموسيقى لا أود أن أظلم يوبال بما انتهت إليه الموسيقى في أشر صورها، وأفحش مظاهرها، لكن السؤال مع هذا يأتي: لم حمل يوبال العود أو المزمار في ذلك التاريخ المبكر للجنس البشري؟.. يخيل إليَّ أنه إن آمنا أن الحاجة أم الاختراع، نستطيع أن ندرك السر الذي جعل يوبال عازفاً أو مغنياً!!.. هل قرأت عن عامل المصعد الذي كان ينقل الناس صاعداً يغني، نازلاً يغني، ونظر إليه أحدهم –ولعله كان مهموماً- وقال له: يبدو أنك سعيد جداً، فما رأيتك مرة إلا وأنت تغني، أليس لك من آلام أو هموم في هذه الحياة، ونظر إليه الشاب هنيهة ثم قال: يا سيدي إنني أغني لأنني أريد أن أمنع نفسي من الصراخ.. ويبدو أن يوبال كان من أوائل من اكتشف هذه الحقيقة بالنسبة لنفسه أو بالنسبة للآخرين!!.. كان عليه أن يعزف أو يصرخ تجاه آلامه أو آلام البشر المحيطين به، حيث فتحت الخطية جرح الألم الذي لا يندمل في حياة الإنسان في الأرض!!.. هل حاول أن يداور الخطية أو يداريها،.. هل حاول أن يوقف نزيفها الدائم في الحياة، فرفع صوته بالأغاني، لعله يستطيع أن يوقف بالعود والمزمار بعض نشيجه أو نحيبه الباكي؟!! هل حاول في عصره أن يعيد تيار النهر العارم –نهر الآلام- أو يقيم له سدوداً أو يمنع فيضانه على الجانبين، فصنع العود والمزمار وضرب بهما في أذنه، أو آذان الآخرين، لعله يتمكن، ولو على الأقل لتخفيف حدة الألم عند مولود المرأة القليل الأيام والشبعان تعباً؟!!. إن محاولات الإنسان المختلفة من هذا القبيل متعددة وبغير حدود، لقد عرف الخمر والمسكر، يغالب بهما التعاسات والآلام، أو كما يقول الحكيم: "أعطوا مسكراً لهالك وخمراً لمري النفس يشرب وينسى فقره ولا يذكره تعبه بعد".. لقد عرف الشهوات والإدمان هروباً واعياً أو غير واعٍ مما يعاني من قسوة وعذاب في الحياة،.. لقد ذهب إلى المسارح ودور السينما وأماكن اللهو والمتع والملذات، لعله يغيب في عالم الخيال فترة من واقعه المضني القاسي المترع بالآلام والأحزان والشجون!!.. مسكين أنت أيها الإنسان، تعلمت من مولدك البكاء،.. والبكاء إن كنت تدري أو لا تدري ليس إلا محاولة لنزح الفيضان من بئر أحزانك، ‎.. أو إخراج بعض البخار من مرجل تعاستك وآلامك!!.. مسكين أنت أيها الإنسان الذي تضرب بقدميك كالجواد التعب تائهاً وهارباً في الأرض، لا تلوي على شيء، وأنت تعلم لماذا تركض دون توقف والحقيقة أنك هارب من نفسك، ما دمت خاطئاً، لا تستقر على حال!!.. أنت تظن أن هناك شيئاً يطاردك من الخارج، والحقيقة أنك طريد النفس الخاطئة التي صاحت منذ أول التاريخ في قايين عندما قال للرب: "ذنبي أعظم من أن يحتمل إنك قد طردتني اليوم عن وجه الأرض، ومن وجهك أختفي وأكون تائهاً وهارباً في الأرض. ويكون كل من وجدني يقتلني"رأى يوبال هذا، رآه في جده قايين ورآه في أعداد من الناس لا تنتهي حوله، رآه في الأغنياء الذين حاولوا عبثاً –عن طريق الثروة والغنى- أن يوفروا لنفسهم الحياة الناعمة، وقالوا مع سليمان: "قلت أنا في قلبي هلم أمتحنك بالفرح فتري خيراً وإذاً هذا أيضاً باطل للضحك قلت مجنون وللفرح ماذا يفعل افتكرت في قلبي أن أعلل جسدي بالخمر وقلبي يبتهج بالحكم وأن آخذ بالحماقة حتى أرى ما هو الخير لبني البشر حتى يفعلوه تحت السموات مدة أيام حياتهم، فنظمت عملي، بنيت لنفسي بيوتاً غرست لنفسي كروماً عملت لنفسي جنات وفراديس وغرست فيها أشجاراً من كل نوع ثمر عملت لنفسي برك مياه لتسقي بها المغارس المنبتة الشجر فتنبت عبيداً وجواري وكان لي ولدان في البيت وكان لي أيضاً قنية بقر وغنم أكثر من جميع الذين كانوا في أورشليم قبلي، جمعت لنفسي أيضاً فضة وذهباً وخصوصيات الملوك والبلدان واتخذت لنفسي مغنيين ومغنيات وتنعمات بني البشر سيدة وسيدات. ومهما اشتهت عيناي لم أمسكه عنهما لم أمنع قلبي من كل فرح لأن قلبي فرح بكل تعبي، وهذا كان نصيبي من كل تعبي ثم التفت أنا إلى كل أعمالي التي عملتها يداي وإلى التعب الذي تعبته في عمله فإذا الكل باطل وقبض الريح" ورآه يوبال في الفقراء الذين طحنهم الفقر، واختلط عرقهم بتراب الأرض التي يعملون فيها وتنبت لهم الشوك والحسك،.. رآه في ألوان الحياة المختلفة بين الناس، عندما بكى الطفل أمامه، وبكى الرجل، بكى الشاب وبكت العذراء، بكى الوادع الآمن وبكى الطاغية الجبار، بكى رجل السلام، وبكى المقاتل في الحرب!!.. هذا الينبوع البغيض الكريه الذي لا ينتهي في حياة الناس، ظن يوبال أنه يستطيع أن يواجهه –أو على الأقل- يخفف من حدته باختراع العود والمزمار.. وكان لذلك منذ فجر التاريخ أباً لكل ضارب بالعود والمزمار والآلات المتعددة المختلفة للموسيقى على الأرض!!.. يوبال والموسيقى العالمية لست أعلم ماذا كان لحن يوبال الأول، وبماذا جرت أصابعه على العود أو المزمار في أول أغان سمعها البشر على الإطلاق، كل ما أعلمه أن هذا الطوفان الرهيب من الأغاني العالمية لم يكن يخطر بباله على الإطلاق، وأن الشيطان استلم العود والمزمار وسائر آلات الموسيقى والغناء، وقاد بها الناس –يدرون أو لا يدرون- إلى الهاوية والجحيم!!.. إن هذه الآلات علمت الناس لا الغناء فحسب بل الرقص، وذبح الشيطان الناس وهم في مسارح الغناء، وعلمهم رقصة الموت، "والطير يرقص مذبوحاً من الألم"!!.. وإذا كان نيرون قد أمسك قيثارته وغنى، وروما تحترق، فإن الشيطان قد حول العالم كله، روما وهو يدفعه إلى الهاوية، على أنغام شيطانية من رقص وغناء!!.. أليس من المبكى أن الآلات المقدسة التي غنى بها داود فوق بطاح بيت لحم أجمل الأغاني وأروع الأناشيد، حولها المستريحون في صهيون إلى آلات إثم وفساد: "المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم وعجولاً من وسط الصيرة الهاذرون مع صوت الرباب المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كدواد الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف".. وهل رأيت البطنة والرخامة والكسل وما يصاحبها من مستنقع الأوحال والدنس إلا في صحبة الأغاني الفاضحة، والموسيقى البشعة الملوثة الدنسة!!.. هل رأيت الفضيلة تذبح على أنغام الموسيقى العالمية، موسيقى الجاز أو ما يطلق عليها الروك أند رول أو ما أشبه من اختراع الشيطان، وهو يستقبل الابن الضال في الكورة البعيدة بموسيقى الزواني والفاسقات،.. وهل رأيت قدرة الإنسان عندما يحول المر حلواً والظلام نوراً والشر خيراً لمن يحتج على ذلك، فيؤكد أن الموسيقى بهذا المعنى، هي قمة الفن العظيم الراقي، الذي لا يملك إدراكه والوصول إليه إلا البالغون أعلى درجات الحضارة والرقي الإنساني!!.. وهل رأيت الذهب ينثر تحت أقدام المغنيين والمغنيات، ويرتفع هؤلاء إلى ما يشبه الآلهة وأماكنهم إلى ما يطلق عليها معابد الفن، وتجرى الناس وراءهم في كل مكان بخبل وجنون؟!!.. وهل رأيت أكثر من ذلك كم من الجرائم تحدث في مصاحبة الفن؟!!.. لقد مات المعمدان على رقصة سالومي!!.. ضاعت حياة القديس في حفلة ماجنة!!.. لم يقصد يوبال عندما ضرب بالعود والمزمار كل هذا، ولم يدر كم من الآثام ترتكب باسم هذا الفن الجميل في كل التاريخ!!.. يوبال والموسيقى المقدسة على أننا من الجانب الآخر ينبغي أن نرى الصورة المشرقة للعود والمزمار عندما يقدسان لمجد الله ولراحة الإنسان وخيره في الأرض!!.. والأصل في الموسيقى أنها النغم الصحيح دون نشاز، والفن الجميل دون لوثة، والترنم الأعلى للإنسان أمام الله في كمال الصدق والصحو!! ولابد لنا من الإشارة هنا إلى ثلاث ترنيمات خالدة ترتبط بالخليقة، وتاريخ الإنسان على الأرض، الأولى عقب الخليقة التي صنعها الله: "عندما ترنمت كواكب الصبح وهتف جميع بني الله".. والثانية عندما جاء الملخص وغنت الملائكة فوق بطاح بيت لحم: "المجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة".. والثالثة عندما تطوي القصة البشرية ويغني المفديون جميعاً: "ترنيمة موسى والحمل". ولابد من الإشارة أيضاً أن الأساس في الموسيقى هو رفع النفس فوق المستوى الأرضي، والتحليق بها في عالم سماوي مجيد،.. وقد استخدمت لذلك في رفع شاول بن قيس فوق الروح الرديء الذي كان يباغته، حتى تطيب نفسه وتهدأ،.. وأحس أليشع بن شافاط ذات مرة أنه في حاجة إلى عواد يضرب أمامه ويهيء له الجو الذهني والروحي الذي ينبغي أن يكون عليه قبل أن تسمو روحه وترتفع إلى مراقي الشفافية والنبوة أمام الله!!.. ومن نافلة القول أنها أضحت جزءاً من حياة الإنسان المتعبدة المترنمة، عندما تسمو مشاعره فرداً أو مجموعاً على حد سواء، وهل يمكن أن ننسى أعظم جوقة عرفها التاريخ عندما ترنم موسى وبنو إسرائيل على بحر سوف، وأخذت مريم النبية أخت هرون الدف بيدها وخرجت جميع النساء وراءها بدفوف ورقص، وأجابتهم مريم: رنموا للرب فإنه قد تعظم، الفرس وراكبه طرحهما في البحر؟!! وهل يمكن أن ننسى مرنم إسرائيل الحلو الذي أمسك بعوده من الصبي، وسار فوق بطاح بيت لحم، بل تخطي الحياة والأجيال بمزاميره الخالدة التي ستعيش ما بقى الإنسان على هذه الأرض؟!! وهل ننسى فرق المرنمين في الهيكل، والآلات الموسيقية المختلفة؟ وهل ننسى أن آخر المزامير وهو يغني أمام الله طالب المؤمنين: "هللويا سبحوا الله في قدسه. سبحوه في فلك قوته سبحوه حسب كثرة عظمته سبحوه بصوت الصور سبحوه برباب وعود. سبحوه بدف ورقص سبحوه بأوتار ومزمار سبحوه بصنوج التصويت، سبحوه بصنوج الهتاف كل نسمة تسبح الرب هللويا"؟؟.. فإذا كانت الموسيقى قد أخذت مركزها العظيم في العهد القديم على هذه الصورة، فلماذا لم تأخذ ذات المركز في العهد الجديد؟.. إن المتتبعين للتاريخ الكنسي، يعلمون أنه في العصر الرسولي، والكنيسة المسيحية الأولى، لم تكن هناك الفرصة الكافية للموسيقى لتلعب دورها العظيم، في عصر الاضطهاد المرير، والإمكانيات المحدودة التي كانت لدى المؤمنين والكثيرون منهم كانوا من الفقراء أو الذين يكافحون كفاحاً مريراً لأجل لقمة العيش التي يصلون لها،.. كما أن استخدام الآلات الموسيقية والذي شاع في المسارح العالمية، أشاع التحفظ في قلوب المؤمنين في استخدامها على الأسلوب الواسع في العبادة الكنسية، وقد أضيف إلى ذلك ما اعتنقه الكثيرون في عصور مختلفة من التاريخ، وعلى رأسهم أوغسطينس وجرمي تيلور وأمثالهما قديماً وحديثاً، ممن ضاقوا بآلالات الموسيقية في الكنيسة، وبلغت العقيدة ببعضهم أن ضررها أكثر من نفعها، إذ تخرج بالمتعبد إلى دور انفعالي قد يتحول عند رأيهم إلى التهوس أو ما يشبه ذلك، مما لا يجعل أن يكون في الإنسان الماثل بكل خشوع وعمق وإجلال وتأمل في حضرة الله!!.. وهم يتصورون أن هذا الصخب الموسيقي سيخرج المتعبد بعيداً عن الوتار، وعن الترتيل المطلوب بالذهن والروح، وهو قد يلفته إلى الموسيقى أكثر من الاتجاه العميق الروحي إلى الله!!.. وربما بدا هذا حقاً في بعض الألحان التي قد ينجرف فيها الإنسان دون وعي أو فهم إلى السحر الموسيقي في حد ذاته، يقول تايلور: إن استخدام الآلات الموسيقية قد يقدم بعض الفائدة للترنيم، لكن هذه الآلات يمكن أن تحول الديانة إلى صور هوائية خيالية وتجردها من بعض بساطتها، ولن يصلح العزف على الأورج أو يحل محل المواعظ والترانيم في التهذيب، وموسيقى الآلات في حد ذاتها لن تجعل الإنسان أحكم، أو تبنيه في شيء،.. وفي الوقت عينه لا يمكنني أن أحرمها متى استخدمت على وجه حسن لمساعدة الترنيم.. والموسيقى في أفضل الحالات لا ينبغي إدخالها في صميم الخدمة الدينية، حتى ولو قصر الأمر على مجرد الأداء الحسن بالصوت وحده".. إن خشية هذا الفريق الذي يعارض النغم الموسيقي في العبادة هو أن يؤخذ الإنسان بحلاوة النغم دون التأمل في المضمون والمعنى، وقد أدان الله قديماً الشعب الذي يستمع إلى الرسالة الإلهية كما يستمع إلى المطرب دون أن يعمل بها: وها أنت لهم كشعر أشواق لجميل الصوت يحسن العزف فيسمعون كلامك ولا يعملون به"على أنه مهما يكن في هذا الهجوم على الموسيقى من بعض الصدق أو الحق، إلا أنه لا يصلح دليلاً لزعزعة التاريخ الطويل الممتد لخدمة الموسيقى في العهد القديم أو الجديد على حد سواء،. كان القديس فيليب نيري يذكر تلاميذه بأن الموسيقى على الأرض، هي الظل أو الشبيه لما سيراه الإنسان في السماء في مجد أبهر وأعظم، عندما يعيش المؤمنون أغنية الأبد أمام الله،.. وكان يؤكد بأن الألحان الموسيقية تحمل في ذاتها القوة الرافعة السرية للقلب المتعلق بالله، وتعلو بالإنسان فوق الواقع القاسي الأليم الذي يعانيه إلى حياة أسمى وأعلى وأرفع وأمجد.وعندما جاء الإصلاح عاد يوبال مرة أخرى أباً لكل ضارب بالعود والمزمار في الكنيسة المسيحية، ويكفي. أن لوثر دعى الموسيقى "أجمل هبات الله وأروعها"، وكان يطلب من الملوك والأمراء والسادة العظام أن يولوها أكمل عناية وأجل تقدير، فهي في نظره تهذب وتعلم وتسمو بالناس، فتجعلهم أكثر لطفاً ورقة وأدباً ودعة وتعقلاً!!.. كان لوثر يضع الموسيقى في المكانة التالية للدراسة اللاهوتية في الكنيسة!!.. ومنذ ذلك التاريخ والموسيقى تأخذ دورها العظيم في الكنيسة المسيحية جنباً إلى جنب مع خدمة الوعظ في المنبر، وسار تشارلس ويسلي إلى جانب أخيه جون ويسلي، وعاش سانكي مع مودي، وكرست أعداد كبيرة من المسيقيين آلاتهم الموسيقية لمجد الله، وكم ربحت الموسيقى في بيت الله ملايين الناس، إذ كانت النغم الحلو الذي صدح في آذانهم وقلوبهم بحب الله وإحسانه وجوده وصليبه وغفرانه،.. فجاءوا إليه لأن واحداً من أبناء يوبال عزف أمامهم على العود والمزمار أغنية الخلاص!!..
المزيد
09 نوفمبر 2022

جحيم الرغبات

أيها القارئ العزيز، لتكن رغبتك الأولي والعظمي هي الحياة مع الله. أما باقي الرغبات فلتكن داخل هذه الرغبة العظمي. واحذر من أن تعيش في جحيم الرغبات العالمية التي تستعبد من يخضع لها أو يسعى إليها بحث أحد الحكماء في أسباب السعادة والشقاء. فوصل إلي حقيقة عميقة في فهمها وهي: أن أهم سبب للشقاء هو وجود رغبة لم تتحقق: فقد يعيش الإنسان فقيرا. ويكون سعيدا في نفس الوقت. ولكن إن دخلت إلي قلبه رغبة في الغني ولم تتحقق، حينئذ يتعب ويشقي. وأيضا قد يكون الإنسان مريضا وراضيا شاكرا، يقابل الناس في بشاشة وابتهاج، لا يشقيه المرض. ولكن المريض الذي تدخل في قلبه رغبة في الشفاء ولم تتحقق فهذا بلا شك يتعب في رغبته إن رحلة الرغبات داخل القلب تتعبه وتضنيه، وترهقه وتشقيه: إنه يشتاق، ويشقي في اشتياقه. يريد ويجاهد ويتعب لكي يصل. ويلتمس الوسائل، فيفكر ويقابل ويكتب ويشكو، ويروح ويجيء، ويسعى ويتعب في سعيه. وقد ينتظر طويلا متي تتحقق الرغبة، ويشقي في انتظاره. يصبر ويضيق صدره، ويمل ويضجر. ويدركه القلق حينا، واليأس حينا آخر. أو قد يتعبه الخوف من عدم الوصول إلي نتيجة. وربما يتعب من طياشة الفكر ومن أحلام اليقظة، أو من أن رغباته مجرد آمال، مجرد قصور في الهواء، لا يراها إلا إذا أغمض عينيه! وقد ينتهي سعيه وتعبه إلي لا شيء. ويحرم من رغبته التي يود تحقيقها، فيشقي بالحرمان وأخطر من هذا كله، فإن آماله وأغراضه قد تجنح به عن طريق الصواب. فتقوده إلي الخداع، أو اللف والدوران، أو التذلف والتملق، أو الكذب أو الرياء، أو ما هو أبشع من كل هذا. وقد صدق أحد الحكماء حينما قال: لابد أن ينحدر المرء يوما إلي النفاق، وإن كان في قلبه شيء يود أن يخفيه والعجيب في هذه الرغبات الأرضية، أنها تشقي الإنسان حتى إن تحققت! ذلك لأنها لا تقف عند حد.. فقد يعيش الإنسان في جحيم الرغبات زمنا. حتى إذا ما تحققت له رغبة، وفرح بها وقتا ما ما تلبس أن تقوده إلي رغبة أخري، إلي خطوة أخري في طريق الرغبات الذي لا ينتهي! إن الرغبات عندما تتحقق يلتذ بها، وتقوده اللذة إلي طلب المزيد وللوصول إلي هذا المزيد، قد يجره إلي تعب جديد، وقد تحدثنا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلاهيمانوت في أقسام أخرى. .. ويكون كمن يشرب من ماء، مالح، كلما شرب منه يزداد عطشا. وكلما يزداد اشتياقًا إلي الماء، في حلقة مفرغة لا يستريح فيها ولا يهدأ صاحب الرغبة يعيش في رعب إما خوفًا من عدم تحقق رغبته. أو خوفًا من ضياعها إن كانت قد تحققت ومن القصص اللطيفة في هذا المجال أن رجلًا فقيرًا لا يملك شيئًا علي الإطلاق، كان يعيش في منتهي السعادة. يضحك ملء فمه، ويغني من عمق قلبه. وفي إحدى المرات رآه أحد الأمراء وأعجب به. فمنحه كيسًا من الذهب. فأخذ الرجل الفقير كيس الذهب إلي بيته. وبدأت الآمال والرغبات تدخل إلي قلبه: أية سعادة سيبنيها بهذا المال! ثم لم يلبث الخوف أن ملك عليه، لئلا يسرق أحد منه هذا الذهب قبل أن يبني سعادته به، فقام وخبأ الكيس وجلس مفكرًا. ثم قام وغيَّر المكان الذي أخفاه فيه. ثم حاول أن ينام ولم يستطع. وقام ليطمئن علي الذهب.. وفي تلك الليلة فقد سلامة. حتى قال لنفسه: أقوم وأعيد هذا الذهب إلي الأمير، وأنام سعيدًا كما كنت.إن الإنسان قد يقاد من رغباته، ورغباته تمثل نقطة ضعف فيه، يقوده الناس منها: وما الإنسان الذي تكون رغباته في أيدي الناس، في حوزتهم أو في سلطانهم أو في إرادتهم! وبإمكانهم أن يحققوها له، وبإمكانهم أن يحرموه منها. لذلك يعيش عبدا للناس. تتوقف سعادته علي رضاهم لقد عاش النساك في سعادة زاهدين لا تتعبهم الرغبات هؤلاء قد ارتفعوا فوق مستوي الرغبات الأرضية. ولم تعد لهم سوي رغبة واحدة مقدسة هي الحياة مع الله والتمتع بعشرته. وهذه لا يستطيع أحد من الناس أن يحرمهم منها. وهكذا فإن سعادة الناسك الزاهد تنبع من داخله، من قبله، من إحساسه بوجود الله معه. وإذ تتبع سعادته من داخله، لا تصير تلك السعادة رهنا للظروف الخارجية، كما لا يتحكم الناس فيها حقا أي شيء في العالم يمكن أن تتعلق به رغبات الروحيين ؟! لا شيء فليس في العالم سوي المادة والماديات، ومشتهيات الجسد والنفس أما رغباتهم هم فتتعلق بالله وسمائه وبعالم الروح. لذلك ليس في العالم شيء يشتهونه. لو كان الذي يشتهونه في هذه الأرض، لتحولت الأرض إلي سماء. إن الروحيين أعلي من رغبات العالم وأسمي. العالم لا يعطيهم بل هم بركة للعالم. وبسببهم يرضي الله علي الأرض. وإنهم نور للعالم يبدد ظلماته. وهم بهجة للأرض ونعمة هؤلاء لا يعيشون مطلقا في جحيم الرغبات الأرضية.ولقد تأملت في حياتي أحد هؤلاء الزاهدين المرتفعين عن مستوي الرغبات الأرضية فناجيته بآبيات من الشعر قلت فيها: كل ما حولك صمت وسكون هدوء يكشف السر المصون هل تري العالم إلا تافها يشتهي المتعة فيه التافهون؟ هل تري الآمال إلا مجمر يتلظي بلظاه الآملون لست منهم هم جسوم بينما أنت روح فر من تلك السجون نعم ما أجمل أن يعيش الإنسان سعيدا بالله. يمكن أن تكون له رغبات داخل محبة الله ولكن لا يمكن أن تستعبده الرغبات.تكون الرغبات مفتاحًا في يده، ولا تكون أسغلالًا في يديه. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب مقالات روحية نشرت في جريدة الجمهورية
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل