المقالات

01 يوليو 2021

شخصيات الكتاب المقدس باروخ

باروخ "وأنت فهل تطلب لنفسك أموراً عظيمة. لا تطلب "إر 45: 5 مقدمة لم يكن باروخ الكاتب نبياً أو ملكاً، ولكنه كان - إذ صح التعبير - الساعد الأيمن لإرميا النبى، وسعيد إرميا إذ عثر على هذا المساعد الأمين، الذى عندما قدم نفسه للخدمة، لم يقدمها طمعاً فى مال، فأغلب الظن أنه كان من عائلة غنية شريفة، ولم يقدمها طمعاً فى جاه، إذ قبل على العكس أن يكون ثانياً للنبى، عندما يريد الناس أن يعرفوه، فإن معرفتهم به ستأتى خلال معرفتهم للنبى العظيم، وإذا تحدثت قصته إلينا بشئ فإنها تؤكد أن خدمة اللّه ليست قاصرة على أصحاب الخمس الوزنات، بل هى فى حاجة إلى أصحاب الوزنتين أيضاً، وأن أعظم حركات التاريخ لم تتم بدون هؤلاء المساعدين الذين يقفون إلى جوار العظماء والأبطال، كما وقف يشوع إلى جوار موسى، وكما وقف أليشع إلى جوار إيليا، وكما وقف تيموثاوس إلى جوار بولس، إنهم قد يكونون من الرعيل الثانى فى الخدمة عندما يسقط الرداء عن الرعيل الأول، ومهما يكن الدور الذى يلعبونه، فقد يكون دور الغلام الصغير المساعد، الذى كان لابد أن يقوم به، عندما قدم الخمسة أرغفة من الشعير والسمكتين، فصنع بها المسيح معجزة إطعام الخمسة اللاف رجل ما عدا النساء والأولاد.وعلى هذا الأساس يمكن متابعة قصة باروخ فيما يلى: باروخ: من هو كان باروخ بن نيريا، ونحن لا نعلم من هو نيريا هذا على وجه التحديد لكن العائلة - على الأغلب - كانت من العائلات الشريفة الارستقراطية، إذ أن سرايا أخا باروخ (إر 15: 95) كان من الرؤساء الذين رافقوا الملك صدقيا إلى بابل، وأو بعبارة أخرى، كانت هذه العائلة من العائلات التى انتظم واحد من أبنائها فى السلك السياسى، وآخر فى السلك الدينى،.. واحد كان صديق الملك وفى معيته، وآخر كان صديق النبى وفى صحبته، ويبدو أن العلاقة بين سرايا وإرميا كانت طيبة، وفى الغالب كان سرايا من الرجال الطيبين، الذين مس اللّه قلبهم، حتى أن إرميا كلف برسالة خاصة يحملها إلى بابل، تحدث عن عمق إيمان النبى بمصير المدينة العظيمة التى أذلت بلاده، وحطمتها تحطيماً: " الأمر الذى أوصى به إرميا النبى سرايا بن نيريا بن محسيا عند ذهابه مع صدقيا ملك يهوذا إلى بابل فى السنة الرابعة لملكه، وكان سرايا رئيس المحلة فكتب إرميا كل الشر الآتى على بابل فى سفر واحد كل هذا الكلام المكتوب على بابل. وقال إرميا لسرايا إذا دخلت إلى بابل ونظرت وقرأت كل هذا الكلام، فقل أنت يارب قد تكلمت على هذا الوضع لتفرضه حتى لا يكون فيه ساكن من الناس إلى البهائم بل يكون خرباً أبدية. ويكون إذا فرغت من قراءة هذا السفر أنك تربط به حجراً وتطرحه إلى وسط الفرات، وتقول: هكذا تغرق بابل ولا تقوم من الشر الذي أنا جالبه عليها ويعيون " " إر 51: 59 - 64 ".. ومهما تختلف الظروف الاجتماعية بين أخوين، ومهما يكن خط كل واحد منهما، فيكون الواحد فى القصر الملكى، ويكون الآخر فى الكوخ الصغير، فإنه لا يجوز لأحدهما أن يتعالى على الآخر، وعلى كل منهما أن يتمم رسالته، ويؤديها مهما يكن حظه أو وضعه فى الحياة!!.. ومهما يكن من وضع باروخ، فمما لا شك فيه، أن الرجل كان آية فى الوداعة والتواضع ونكران الذات، وذلك لأنه جاء دائماً ثانياً بعد إرميا وفى موضع الظل منه،.. فهو لم يضع حساباً لأصله وفصله كما تعود الناس أن يأخذوا هذا فى الاعتبار والحسبان. وهو لا يمانع فى خدمة إرميا وحمل حذائنه، والمسير معه، والمبيت على الطوى، دون أن يرى فى هذا أية مهانة أو تحقير لحياته ومركزه،.. ومع ذلك فقد كان الرجل شجاعاً، ولعله كان من أشجع الناس فى جيله، لقد كان عليه أن يحمل رسالة إرميا الثقيلة ضد الملك ورؤساء البلاد بل وضد الشعب نفسه، ولا يستطيع أن يفعل ذلك إلا من بلغوا أعلى درجات الجسارة والبطولة،.. من السهل جداً أن يصفق الناس لمن يرضى عليه الرئيس أو لملك، أو من يتمشى مع لغة الجماهير والشعوب ويتملقها،... ولكن أصعب الصور أن يسبح الإنسان ضد التيار مهما كان عاتياً وقوياً،.. وكان باروخ بهذا المعنى فى مواجهة التيار بل كان باروخ، أكثر من هذا، من أخلص الناس وأوفاهم، لقد ظل فى صحبة النبى وخدمته عشرين عاماً على الأقل، وقد صاحبه، لا فى مختلف الظروف فحسب، بل فى جولاته وتنقلاته، وقد ذهب معه إلى مصر، وهكذا كان الرفيق الوفى الأمين لنبى الأحزان،... وإذا كان الناس قد درجوا فى العادة على الفخر بالوفاء والإخلاص لمن ضحكت لهم الحياة وابتسمت الدنيا، فإن الوفاء الأصدق والأعمق يبدو فى الحقيقة عندما تأتى المحن والآلام،... كان فخر لوقا أن بولس وصفه بالقول: " لوقا وحده معى "،.. " 2 تى 4: 11 " فى الوقت الذى قال فيه: عن الآخرين فى احتجاجى الأول لم يحضر أحد معى بل الجميع تركونى لا يحسب عليهم "!!.. " 2 تى 4: 16 " وهكذا جاء باروخ ليعطى صورة للوفاء والولاء، عندما عز هذا أو ذهب من بين الناس!!.. باروخ والرسالة التى كلف بها لعل من أهم الحوادث فى حياة الرجل، الرسالة التى أوصاه إرميا النبى أن يكتبها، ويقرأها فى بيت اللّه، فى الهيكل، ويبدو أن عداء الرؤساء كان مستحكماً ضد إرميا، إذ منعوه من الدخول إلى البيت المفدى، بل كان محرماً عليه أن يدنو منه،.. ولما لم يجد سبيلا إلى الاتصال بالشعب، أملى الرسالة إلى باروخ وكلفه أن يقرأها فى آذان الشعب، وإذ قرأها، وكانت تتحدث عن عقاب أورشليم ويهوذا الرهيب نتيجة لخيانتهم الرب، وكان هذا كثيراً على الكهنة، والملك الذى بدلا من أن يتعظ ويتوب كما فعل يوشيا، ارتكب الحماقة الكبرى، إذ حاول القضاء على الكلمة وعلى الرسول الذى أعلنها، وعلى النبى المرسل بها من اللّه،.. كان يهوياقيم عندما قرأوا أمامه بعضاً من الرسالة جالسا فى بيت الشتاء يستدفئ، ولم يطق الملك سماع الرسالة المرسلة، فأخذ مبراة ومزق بها الكلمة، وألقى بها فى النار وظن أنه بذلك استطاع أن يتخلص منها وينتهى" انظر إر 36: 20 -32 "، وهو لا يعلم بأن ما مزقه، لن تحرقه النيران، إذ عاود إرميا وكتبه مرة أخرى بصورة أقسى وأشد، وحمل باروخ مرة أخرى الكلمة التى يحسن أن نقف لنراها، فيمن لا يزالون إلى اليوم يحاولون حرقها، ومع أننا لا نستطيع أن نعدد أنواعهم لكننا على الأقل يمكن أن نرى أشهرهم فى جماعات الملحدين الذين لا يؤمنون باللّه، وعندما تقدم كلمته لهم، لا نسمع منهم سوى كلمات السخرية والهزء، فالكتاب فى نظرهم قصة خرافية قديمة لا يأبهون لها، أو يتأملون فيها، وكم من الفلاسفة والناقدين والمتهجمين، من مد يده بجرأة وكبرياء ودون تعقل إلى الكتاب العظيم، وأمسك مبراته ومزقه ورمى به فى النيران،.. وهى كبرياء العقل البشرى، وسيتبين لنا عما قليل، حماقة هذا العقل وقصوره عن الرؤية الصحيحة للكتاب،.. وهناك جماعات السياسيين، الذين مزقوا الكتاب المقدس بدافع من سياستهم التى لم تستطع أن تعطى ما لقيصر لقيصر وما للّه للّه،.. وهناك أيضاً جماعات المتعصبين، الذين أعماهم التعصب الدينى، وهم لا يريدون للكتاب انتشاراً، فقاوموا ترجماته، ليفسروه كما يحلو لهم ولرجال الكهنة فيهم،.. وتعيش الشعوب أسرى تقاليدهم التى ما أنزل اللّه بها من سلطان،... وهناك أيضا المهملون الذين قد ينتسبون إلى المسيحية، وقد نجد فى بيوتهم كل شئ إلا نسخة من الكتاب المقدس،... وقد نجد الكتاب، ولكن قد غطاه التراب إذ هو أقرب الأشياء إلى التحف التى يراها الإنسان كصورة أو زينة،.. ومن الغريب أن وقت هولاء يتسع لقراءة مختلف الكتب والدراسات، لكنه لا يتسع مطلقاً لدراسة الكلمة الإلهية أو قراءتها، أو الإلمام بما فيها،... وهناك أيضاً الخطاة المتعلقون بشرورهم وخطاياهم، وهم لا يقبلون الكلمة الإلهية التى توبخ خطاياهم، أو كما قال السيد المسيح: " وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة لأن كل من يعمل السيآت يبغض النور ولا يأتى إلى النور لئلا توبخ أعماله " " يو 3: 19 و20 ".. وهؤلاء جميعاً يتوجون يهوياقيم بن يوشيا ملكاً عليهم، ويحمل كل واحد منهم مبراته ليمزق الكلمة الإلهية ويلقى بها فى النار!!.. على أن السؤال هو هل استطاع هؤلاء الرافضون أن يتخلصوا من الكتاب المقدس، ومن سلطانه الأبدى عليهم؟؟.. كلا وإلى الأبد كلا!! إذ أن نيران التاريخ كلها أعجز من أن تنتصر على كتاب اللّه،... عندما ترجم وليم تندال العهد الجديد، وأقبل الناس على شرائه، أرادته الحكومة الانجليزية فى ذلك الوقت منع هذه الترجمة، فسعت إلى جمع النسخ وشرائها بأى ثمن وأحرقتها، وكان تندال فى حاجة إلى المال ليتوسع فى نشر الكتاب، ومن المال الذى وصل إليه، نتيجة شراء الحكومة الإنجليزية للكتاب لحرقه، استطاع أن يترجم الكتاب المقدس بأكمله، وينشره بين الناس، ولعلنا نذكر ما قاله فولتير عندما قال: إن هذا الكتاب سينتهى بعد خمسين سنة، ولم يحلم فولتير بأن بيته سيكون فى ذلك التاريخ الدار التى يطبع فيها الكتاب المقدس، ويخرج منها إلى فرنسا وغير فرنسا!!... ومن المثير أن الألمان النازيين عندما أحرقوا الكتب الدينية والمقدسة، وقال جوبلز إننا نضع الآن أساس حرية جديدة، وروح جديدة، وبهما سنغلب، لم يكن يعلم أن صحيفة ألمانية ستكتب بعد سقوط النازية: إن، الكتاب المحترق مايزال يعيش!!... كان الملك يهوياقيم أحوج الكل إلى كلمة اللّه،... كانت مصر تستعبده، وبابل تهدده، والظروف الضيقة تحيط به من كل جانب، وكان فى حاجة إلى صديق ومرشد ومنبه ومحذر، وكانت كلمة اللّه يمكن أن تكون هذه جميعها له، ولكنه لم ينتفع بالكلمة كما انتفع أبوه يوشيا بها، وكانت خسارته لذلك فادحة وقاسية،... وليس هناك من خسارة تعدل خسارة إنسان لا يقرأ الكلمة الإلهية، أو يطوح بها، أو يحرقها، أو يلقى بها فى طريق حياته، وموكبه الأرضى،... وإذا كانت توماس كارليل قد قال: إنه من وقت عصا موسى حتى اليوم ليس هناك قوة تضارع قوة العلم،... وهو يقصد بذلك أثر الكلمة المكتوبة فى حياة الناس، ومما تفعله الصحف والكتب والمجالات، فإنه مما لا شك فيه أن الكلمة الإلهية تقف من كل كلمة أخرى مكتوبة الموقف الذى ذكره إرميا حين قال: " ما للتبن مع الحنطة يقول الرب، أليست هكذا كلمتى كنار يقول الرب وكمطرقة تحطم الصخر "؟.. " إر 23: 28 و29 "، أو بعبارة أخرى، إن الفارق بين كلمة البشر، وكلمة اللّه، هو الفارق بين التبن والحنطة،... وكل الاثار التى يمكن أن يتمخض عنها كلام البشر، وإذا قورنت بالكلمة الإلهية، هى التبن عندما يقارن بالحنطة إذ صح أن نقارن بين الاثنين،... فالتبن بادئ ذى بدء خفيف وكلام البشر كاذب يطير فى الهواء إذا قورن بالصدق الإلهى،... وما أكثر كذب الناس أو نفاقهم الذى تمتلئ به الصحف والمجلات والكتب كل يوم بالمقارنة أو الموازنة مع الحق الإلهى!!.. والتبن ليس غذاء للإنسان، بل هو طعام الحيوان والكلمة البشرية فى سداها ولحمتها، ليست إلا غذاء للحيوانية الكامنة فى الإنسان، ويوجد كثيرون من الكتاب لا يفعلون شيئاً من وراء الكلمة التى يكتبونها سوى إشباع الحيوانية فى الإنسان، أو إرضاء النزوات الحسية أو الاجتماعية، ويحتاجون إلى من يصرخ فيهم، هذا كذب، وبهتان وتضليل، وهوس وحشى حيوانى!!.. والتبن رخيص، وكل أدب إذا قورن بأدب الكتاب هو أدب رخيص وتافهه وحقير،... والتبن تذروه الرياح سريعاً، وتلتهمه النيران فى ومض البصر!!.. وكذا الكلام البشرى أمام الحق الإلهى واللهيب الأبدى!!... وعلى العكس من ذلك كلمة اللّه التى هى الحنطة المشبعة... كان شيشرون عندما يخطب يعتقد أنه يقول الحق تماماً،... وعندما يذهب إلى بيته يتساءل: هل كل ما قاله حق تماماً،... لكن كلمة اللّه تشبع على الدوام الفكر والمشاعر والإرادة،... إنها الحنطة الحقيقية للإنسان،... وهى إلى جانب ذلك الكلمة الملهبة إذ أنها نار، والنار تضئ قبل ان تحرق،... وكلمة اللّه هى النور المرسل لإنسان يعيش غارقاً فى الظلام - وهى النار المحرقة التى تحرق كل كذب وضلال.وجاء فى أسطورة قديمة أن هناك سائلا إذا شربه أى إنسان فإنه يضحك ويظل يضحك حتى يموت من الضحك،... وما أكثر ما تكون هكذا كلمات البشر التى تخدع الإنسان وتضحكه، وكان أولى بها أن تبكيه، لو أنها كانت بحسب الحق الذى يعلنه اللّه القدير فى كتابه، والذى يحرق الأوهام والأضاليل، ويضع الحقيقة مجردة وعادية أمام الإنسان،.. والكلمة الإلهية هى أيضاً، المطرقة التى تحطم الصخر، والإنسان إذا قسا قلبه وتحجر واستعبد للتقاليد والعادات الاثمة والشريرة، فليست هناك قوة تستطيع أن تحطم عنفه وقسوته وشره كما تفعل كلمة اللّه،... ولعل يهوياقيم بن يوشيا كان فى حاجة إلى هذه الكلمة التى رق أمامها قلب أبيه العظيم الملك يوشيا!! باروخ والعظمة المهجورة قال اللّه لباروخ: " وأنت فهل تطلب لنفسك أموراً عظيمة؟ لا تطلب ". ولعل باروخ كإرميا ضاق بالالام التى أحاطت به، والمتاعب التى توالت فى حياته، فى أيام امتلأت بالاضطهاد والمشقة والأحزان،... وربما جرب كإنسان، عندما كان أخوه فى القصر الملكى، يتمتع به الساكنون فى القصور،... لماذا لا يكون كأخيه، واحداً من عظماء الأمة، وسادة القوم ألم تلده أمة، كما ولدت أخاه!!؟ وألم ينشأ فى بيت واحد، فلماذا ينعم أخوه بما ينعم به العظماء فى الأرض، ويبقى هو على حظ من المعاناة والمتاعب! فى الحقيقة إن هذه تجربة البيوت العظيمة فى الأرض، عندما يتراجع أو يتقاعس أولادها عن الخدمة الدينية، لما قد يكون فى هذه الخدمة من عار أو تعب أو مشقة أو ضيق، ولكن أولئك الذين دخلوا الخدمة، وكانوا من أعظم البيوت على الأرض، لم يترددوا قط فى إدراك الحقيقة التى ملأت قلب موسى الذى " لما كبر أبى أن يدعى ابن ابنه فرعون مفضلا بالأحرى أن يذل مع شعب اللّه على أن يكون له تمتع وقتى بالخطية، حاسباً عار المسيح غنى أعظم من خزائن مصر " عب 11: 24 - 26 ". واستولت على مشاعر يوسف حتى حمل شعبه الرسالة أن تؤخذ عظامة عند رحيلهم من مصر، مع أنه كان يمكن أن يفاخر بأنها تتحنط لتغالب الأيام والليالى كجثث المصريين المحنطة،... وهى التى دعت نحميا إلى أن يرى فخره العظيم، لا فى أن يكون ساقياً للملك، أو وزيراً مفضلا فى قصره بل بالأحرى، أن يقف على أكوام التراب فى مدينة ابائه المحترقة، كى يرممها ويعيد أسوارها من جديد!!.. وهى التى جعلت دانيال ورفاقه من الشرفاء، أن يتطلعوا بأحلامهم وخيالهم، من البلاد البعيدة، نحو المدينة التى أسروا منها، ولكنها كانت آسرة لقلوبهم وعواطفهم فى السبى والمنفى،... كان باروخ يدرك ما هى العظمة الحقيقية، إذ أنها ليست المنبت العريق أو القصور الشامخة الماضية،... بل هى الحقيقة الكامنة فى أعماق الإنسان نفسه حيث يمكن بشخصه، دون بيته، أن يكون عظيماً أو غير عظيم،... كان اثنان يتجادلان، وكان أحدهما يفخر بعائلته، ويقول للآخر: وأنت من أنت!!؟... وأجابه الآخر: إن فضيلتى تبدأ من حيث تنتهى فضيلتك، إذ حسن أن تكون من عائلة عظيمة وعريقة، ولكن الأفضل لا أن تنبت من عائلة عظيمة، بل أن تكون أنت فى ذاتك عظيماً!. وكان باروخ، بهذا المعنى، على عكس الظاهر، أعظم من أخيه سرايا، الذى وإن كان كما يبدو من اللغة الكتابية، رجلاً كريماً طيباً، لكنه لا يمكن أن يرقى بحال ما إلى شخصية أخيه الذى عاش مع إرميا وفى خدمة اللّه!!... إن نقطة العظمة الصحيحة تبدأ من علاقة الإنسان باللّه،... عندما زار مارك نوين أوربا، استقبله المللوك والأمراء، وأفردت له الصحف مكاناً كبيراً على صفحاتها، وفى عودته إلى أمريكا قال له ابنه الصغير على ظهر الباخرة: يا أبى يخيل إلى أنك أصبحت تعرف جميع الملوك والأمراء والعظماء، ولم يبق إلا اللّه لتعرفه!!.. وأنها لأكبر مأساة على الأرض أن يعرف الناس العظمة بهذا المعنى فيعرفون ويعرفون إلا من اللّه،... إن الشهرة طبل أجوف لا يلبث ان ينتهى أو يضيع، ولعل اللّه وهو يقول لباروخ لا تطلب لنفسك أموراً عظيمة، كان يقصد أن يذكره بهذه الحقيقة التى ربما غابت عنه وراء التجارب والمحن التى أحاطت بحياته!!. وما أكثر الأخطار التى تلحق بالإنسان من العظمة حسب مفهوم الناس، وهو يوم ينسى اللّه، أو يهمل الشركة معه، سيتعرض للكثير من التجارب الروحية والأدبية، إذ يتعرض للانانية وحب الذات، والرغبة الكاملة فى أن يعيش جيله وعصره، تسلط عليه الأضواء، ويلمع اسمه بالنور، وإلا فإنه سيقاتل ويصارع، ويسحق كل من يحاول أن يقف فى طريقه، أو يضعه فى الظلال أو الظلام،... وهو على استعداد أن يفعل ذلك، فى نطاق الحياة العالمية أو الكنسية أيضاً، ألم يفعل هذا ديو تريفس الذى يحب أن يكون الأول، وهو على استعداد أن يفعل كل شئ فى سبيل ذلك إلى الدرجة التى فيها لا يقبل الرسول يوحنا، ويهذر عليه بأقوال خبيثة، ولا يقبل الأخوة، ويمنع أيضاً الذين يريدون ويطردهم من الكنيسة، " انظر 3 يو: 9 و10 ".. كما يتعرض الباحث عن العظمة إلى ما يخف بها من حياة الترف والدعة أو الكسل، أو حياة الكأس والطاس، دون أن يبالى بآلام الآخرين أو تعاساتهم أو أحزانهم أو ماسيهم، وكان باروخ مجربا بهذه كلها، ومن ثم قال له: " وأنت فهل تطلب لنفسك أمورا عظيمة؟ لا تطلب … ".. باروخ والضمان الإلهى لا يستطيع الإنسان أن يفهم الضمان الإلهى لباروخ إلا إذا ذكر أن هذا الضمان جاءه فى عام 605 ق. م. عندما قام نبوخذ ناصر بغزواته الواسعة، فقضى على اشور فى عام 613 وتحول إلى مصر فى موقعه كركميش المشهورة، وانتصر على فرعون نخو، وكان نبوخذ ناصر فى اكتساحه للأمم والممالك، أشبه بهتلر فى اكتساحه لغرب أوربا فى الحرب العالمية الأخيرة حيث ترك وراءه الفزع والرعب والحيرة والقلق فى كل مكان، ولا شبهة فى أن باروخ كان كإرميا مشغولا بمصير بلاده ووطنه، وزادته نبوات إرميا حزناً على حزن، وألماً على ألم، وعندما كانت بنفسه أفكار العظيمة التى يحلم بها، ولماذا لا يكون على الأقل مثل أخيه فى القصر الملكى؟... أعطاه اللّه الصورة المروعة للخراب الذى ستصل إليه بلاده،...: " هأنذا أهدم ما بنيته، واقتلع ما غرسته وكل هذه الأرض " (إر 54: 4) ولعله قد أبصر المصير التعس الذى سيذهب إليه أخوه نفسه، الذي سيهوى مع الملك صدقيا من حالق، ويساق وإياه إلى السبى القاسى فى بابل، وهو لن يأسف على العظمة الضائعة لبلاده فحسب، بل على المصير المحزن للاخ الذى تاق أن يكون مثله!!.. وقد قصد اللّه أن يريه قصة العظمة البشرية التى مهما علت، فإنها فى سبيلها إلى الحضيض والرماد،... ولست أظن أن هناك صورة تتفوق على ماكتبه إرميا عن مصير بابل المؤكد مما أشرنا إليه قبلا، وكيف أن المدينة، فى أعلى مجدها وقمته، ستغرق إلى الأبد دون أن تقوم لها قائمة إذ هى رمز للشر والفساد اللذين مهما علا فعلهما وامتد، فإنه سيسقط، كما صاح الرائى فى روياه العظيمة: " سقطت سقطت بابل العظيمة.. من أجل ذلك فى يوم واحد ستأتى ضرباتها موت وحزن وجوع وتحترق بالنار لأن الرب الإله الذي يدينها قوى. وسيبكى وينوح عليها ملوك الأرض الذين زنوا وتنعموا معها حينما ينظرون دخان حريقها، واقفين من بعيد لأجل خوف عذابها قائلين: ويل ويل. المدينة العظيمة بابل المدينة القوية، لأنه فى ساعة واحدة جاءت دينونتك ".. " رؤ 18: 2 و10 "وكل عظمة بشرية، طال الزمان عليها أو قصر، مصيرها إلى الضياع والهلاك، لأن يد اللّه القوية تتعقبها فى كل مكان، وتغرقها كالحجر الذى يسقط فى نهر الفرات!!.. على أنه على قدر ما يحدث من اضطراب أو فزع لجميع الشعوب والناس، فإن المؤمن سيبقى على الدوام محروساً باللّه مضموناً بقدرته وقوته، وأينما يذهب باروخ وأينما يتنقل، وفى الوقت الذي يجلب فيه اللّه الشر على كل ذي جسد: " أعطيك نفسك غنيمة فى كل المواضع التى تسير إليها ".. " إر 45: 5 " فإذا كان إرميا قد طوحت به الحياة، وباروخ معه، ورأيا روى العين، الهجوم الذي دمر أورشليم، والجماعات التى ألزمتهما بالذهاب معها إلى مصر،.. فهما فى أى مكان فى الأرض، وفى وسط الحروب والقلاقل والفزع الذى يكتسح العالم بأجمعه يعلمان تمام العلم، أن المؤمن آمن لأنه فى قبضة يمين القادر على كل شئ،... ولعلهما غنياً معاً، أو غنى الواحد منها: " الساكن فى ستر العلى فى ظل القدير يبيت أقول للرب ملجأى وحصنى إلهى فأتكل عليه. لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن الوبأ الخطر. يخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمى - ترس ومجن حقه - لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم يطير فى النار، ولا من وبأ يسلك فى الدجى ولا من هلاك يفسد فى الظهيرة، يسقط عن جانبك ألف وربوات عن يمينك. إليك لا يقرب إنما بعينيك تنظر وترى مجازاة الأشرار ".. " مز 91: 1 - 8 ".
المزيد
30 يونيو 2021

الجسد والروح

تذكرت مرة أننا مخلوقون من تراب الأرض، وأننا سنعود مرة أخرى إلى التراب بعد الموت فقلت في أبيات من الشعر: يا تراب الأرض يا جدي وجد الناس طُرّا أنت أصلي, أنت يا أقدم من آدم عمرًا ومصيري أنت في القبر إذا وُسَدتُ قبرًا على أنني راجعت نفسي، وتذكرت أن التراب هو أصل الجسد فقط، الذي خُلق من تراب أو من طين، قبل أنا ينفخ الله فيه نسمة حياة هي الروح. فعدت أصحِّح فكري, وأقول في أبيات أُخرى: ما أنا طينٌ ولكن أنا في الطين سَكْنتُ لست طينًا, أنا روح من فم الله خرجتُ سأمضي راجعًا لله أحيا حيث كنت وفي الحقيقة ما أنا مجرد جسد, ولا مجرد روح, بل أنا كلاهما معًا, جسد وروح وهكذا كل إنسان أيضًا. الجسد والروح متحِدانِ معًا, يكونان إنسانًا واحدًا, غير أن طبيعة كل منهما تختلف عن طبيعة الآخر. ولذلك كثيرًا ما نرى أن الجسد يشتهي ضد الروح, والروح تشتهي ضد الجسد, حتى أن كلا منهما يقاوم الآخر.مشكلة الجسد أنه مادي, لذلك فشهواته تتركز في المادة وفي كل ما هو مادي, أما الروح فاتجاهاتها سامية, فوق مستوى المادة الجسد ينشغل بالمرئيات والمحسوسات. أما الروح فيمكنها أن تنشغل بالأمور غير المرئية, بل وبالإلهيات أيضًا الجسد يدركه الموت, حينما تنفصل الروح عنه ويموت الجسد تخل عناصره, ويفقد الشعور والحيوية, أما الروح فلا تموت وما أكثر الحديث عن شهوات الجسد الخاطئة, وعن سقطاته الجسد يقع في شهوة الطعام, وفي المُسكِرات والمخدرات والإدمان، كما يقع أيضًا في شهوة الزنا وسائر سقطات الجنس, كما يقع في كثير من خطايا اللسان, والاعتداء على الآخرين بأنواع وطرق شتى.. وقد تمتد يده إلى السرقة وإلى الرشوة.. وما إلى ذلك من أجل هذا, كان كثير من الأبرار ومن النُسَّاك, ينظرون إلى الجسد كمصدر للخطيئة, ويبذلون كل الجهد للانتصار على شهوات الجسد, ويصبح قمع الجسد من الفضائل الأساسية. ولا ننسى أن الصلاة فضيلة في جميع الأديان, وهو فترة لانضباط الجسد ليعطي فرصة الروح فهل معنى كل ذلك أن الجسد شرٌ في ذاته كما يتخيله البعض؟! كلا, بلا شك، فلو كان الجسد شرًا, ما كان الله يخلق الجسد, بل الجسد خير إذا لم ينحرف، وإذا لم يقاوم الروح. وإذا لم يخضع لعوامل نفسية خاطئة أيضًا لو كان الجسد شرًا, ما كنا نُكرمْ رفات الأبرار والشهداء.. ولو كان الجسد شرًا ما كان الله ينعم عليه بالقيامة والحياة الأخرى بل كان يكفيه ما عاشه على الأرض, دون امتداد لحياته ولو كان الجسد شرًا, ما كان الأنبياء والرُسلْ يعيشون حياة بارة على الأرض, ولهم أجساد..! وكانت أجسادهم طاهرة ومقدسة.. الجسد إذن ليس شرًا في ذاته, ولكنه قد ينحرف فيخطئ. الروح أيضًا يمكن أن تخطيء سواء كانت وحدها, أو متحدة بالجسد. وأول خطايا عرفها العالم كانت خطايا "أرواح"! وأقصد بذلك خطايا الشياطين, وهم أرواح ليس لهم أجساد. وقد وصِفوا بأنهم أرواح شريرة أو أرواح نجسة الشياطين –وهو روح- وقع في خطية الكبرياء، وما زال في كبريائه يتحدى ملكوت الله على الأرض, وفي كبريائه يعصى الله ويكسر وصاياه. كذلك -وهو روح- وقع في خطيئة الحسد, فحسد الإنسان على ما وهبه الله من نعمة. ولا يزال يحسد القديسين والأبرار ويحاول إسقاطهم. وفي إغرائه للبشر يقع في خطايا الخداع والكذب بتصوير الشر أنه خيرًا! والشيطان -وهو روح- يقع في التجديف على الله تبارك اسمه, وينشر الإلحاد والبدع والأفكار المنحرفة.وكما يخطئ الشيطان وهو روح. كذلك يمكن أن تخطئ أرواح البشر.روح الإنسان قد تخطئ، وتجد الجسد معها في الخطأ. الروح مثلًا قد تسقط في الكبرياء, ثُم تجر الجسد معها في كبريائها، فيجلس في كبرياء، ويمشي في خيلاء, ويتكلم في عظمة, وينظر في غطرسة.. وتكون الكبرياء قد بدأت في الروح أولًا ثُم تحولت إلى الجسد. الروح قد تَفْتُر في محبتها لله, ثُم يقود الجسد معه في الفتور, فيكسل في صلواته, ويُهمِل واجبات العبادة. إن ضعفت الروح, يخور الجسد وان بعدت الروح عن الله, ينهمك الجسد في ملاذ الحياة والدنيا. إن تشبعت روح الإنسان بالكراهية, يمارس الجسد هذه الكراهية, فقد يعتدي على غيره, بيده أو بلسانه أو بقلمه. وهنا نسأل: هل حوادث القتل ترجع إلى الجسد مع الروح؟ وتكون الروح هي البادئة والمشجعة والمخططة!! ومن الناحية الأخرى: إذا قويت الروح, فأنها ترفع الجسد إلى فوق, فالروح المعنوية عند المريض إذا قويت تجعله يحتمل المرض ويجتاز مراحله الصعبة. وإن ضعفت روحه المعنوية, فإنه يستسلم للمرض وينهار.. كذلك في الصوم: إذا نفذت الروح بالصلوات والتأملات والتسابيح والقراءات المقدسة, فإن الجسد يستطيع أن يحتمل الصوم بدون تعب... وأيضًا الجندي في ساحة القتال إذا كانت روحه قوية لا تعرف للخوف معنى, بل تحفزها محبة الوطن, فأنها تدفع الجسد إلى الاستبسال والشهامة. وعمومًا فإننا تجاوبًا وتضامنًا ما بين الروح والجسد.. ففي الصلاة مثلًا, أن كانت الروح خاشعة, فإن الجسد يخشع بالتالي، تنحني ركبتاه بالركوع أو السجود, وترتفع عيناه في الصلاة, وترتفع يداه. وإذا لم تكن الروح خاشعة, يكسل الجسد أيضًا. الروح إذا حزنت, ممكن أن ملامح الوجه تعيب, ودموع العين تتساقط. وإذا فرحت الروح، تظهر البشاشة على الوجه, وتلمع العينان في فرح إذا سلم إنسان على رئيس له, أو على شخص كبير السن أو عالي المقام, فإن الاحترام الذي يكنه في روحه, يظهر في أنحاء جسده وتقريبًا كل المشاعر التي للروح, تظهر في حركات الجسد, أو في نظرات العينين, أو في لهجة الصوت, أي يكشفها الجسد لذلك لا نستطيع كثيرًا, أن نمنع هذه الصلة بين الروح والجسد، ولهذا فإن محاسبة الإنسان في القيامة, تكون للروح والجسد معًا لا يُدان الجسد بدون الروح, ولا تدان الروح بدون الجسد لقد اشترك الاثنان معًا في عمل الخير أو الشر، إما أن الروح خضعت للجسد في شهواته, أو أن الجسد أسلم قيادته إلى الروح, وارتفع معها, وعَبَّر عن سموّها بأفعاله ونصيحتنا لكل إنسان أن يقوي روحياته, ويسلك في السلوك الروحي, وحينئذ سيجد أن جسده يتجاوب مع الروح في عمل البرفالجسد يمكنه أن يتعب في خدمة الآخرين بفرح, وان يبذل ذاته ليسعد غيره, كما يمكنه أن يتبرع بدمه, إذا كان احد المرضى في حاجة إليه, بل أن يضحي بعضو من أعضاء الجسد لأجل حياة إنسان آخروكل الخدمات الاجتماعية التي تراها في العالم، وكذلك كل أعمال الإنقاذ التي يقوم بها رجال الإسعاف, ويقوم بها من يعملون في إطفاء الحرائق, وإنقاذ المشرفين على الغرق... كلها أعمال يشترك فيها الجسد مع الروح. الروح تدفع والجسد ينفذ.إن الله وهبنا الجسد، كما وهبنا الروح, هو قادر أن يعمل فيها لمجد اسمه, ولنشر الخير على الأرض, في غير تناقض, بل في تعاون تام بين الروح والجسد. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
29 يونيو 2021

روح الله يرف على وجه المياه

في قصة الخلق سجّل لنا الوحي الإلهي: «وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة، وروح الله يرفّ على وجه المياه» (تك1: 2). وكلمة "يرفّ" في أصل الترجمة العبرية هي "راخاف" وهي تعني احتضان الطائر للبيض حتى يفقس. ونفس هذه الكلمة تكررت في سفر التثنية في قول الرب: «كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه ويأخذها ويحملها على مناكبه» (تث32: 11). يعني ذلك أن الوحي الإلهي قصد أن يوضح لنا أن الروح القدس منذ البدء كان يرقد على الأرض كما ترقد الدجاجة على بيضها محتضنة إياه حتى يفقس. ومن المعروف أن الدجاجة عندما تحتضن البيض تنزع الريش من صدرها حتى يحافظ جلدها الدافئ على دفء البيض، وحتى يبقى هذا الريش المنزوع كعازل للعش. والدجاجة لا تقوم من على البيض سوى مرة واحدة في اليوم لتأكل وتشرب ثم تعود سريعًا لترقد على البيض من جديد حتى يفقس.وإن كان السيد المسيح قد علمنا أن نصلي قائلين: «أبانا الذي في السماوات»، إلّا أن الكتاب المقدس يتكلم في مواضع كثيرة عن "أمومة" الله". وفي أغلب الأحيان ترتبط أمومة الله في هذه المواضع الكتابية بالروح القدس. ومن أمثلة ذلك: «كالوالدة أصيح. أنفخ وأنخر معًا» (إش42: 14)؛ «هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟ حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساكِ» (إش49: 15)؛ «فترضعون وعلى الأيدي تُحملون وعلى الركبتين تُدلَّلون. كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا، وفي أورشليم تُعزَّون» (إش66: 12-13)؛ «بل هدّأتُ وسكّتُّ نفسي كفطيم نحو أمه» (مز131: 2). أمّا في قصة الخلق، فقال: «فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خلقه. ذكرًا وأنثى خلقهم» (تك1: 27). أي أن الإنسان الذي هو المرآة العاكسة لصورة الله، أظهر بخلقته أن الله الذي لاجنس له،هو أب وأم بآن واحد!وفي قصة نيقوديموس يرد قول صريح للسيد المسيح عن الروح القدس الذي يلد مثل الأم حيث قال: «إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله» (يو3: 5). والأم الجسدية تشعر بمسئولية شديدة من نحو طفلها الذي تلده، فلا تكتفي فقط بولادته بل تعتبر تلك الولادة نقطة البدء في تعهدها له بالرعاية والتربية والتعليم، حتى ينمو ويصير ناضجًا. هكذا أيضًا الروح القدس الذي نولد منه لا يتركنا يتامى، بحسب تعبير السيد المسيح، بل تبقى مسحته داخلنا ثابتة فينا تعلّمنا عن كل شيء كما تعلّم الأم ابنها عن كل شيء، بدءًا من كيف يأكل ويشرب ويمشي ويتكلم. والسيد المسيح وصف أيضًا الروح القدس بأنه "المعزي"، ومن المعروف أن الأم هي أكثر من يعزي أبناءها في حضنها الذي يرتمي فيه الطفل الباكي المضطرب فيجد أمانه وسلامه. وبالتالي، يكون من الأرجح أن عبارة: «شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني» (نش2: 6) تخص العمل الأمومي للروح القدس المعزي بالدرجة الأولى.لقد أعجبني قول أحدهم: "الله هو أب يحبنا بقلب أم"!! كل عيد عنصرة ونحن جميعًا متمتعون بأمومة روحه القدوس الوديعة الحانية!! نيافة الانبا يوسف أسقف جنوب الولايات المتحدة الأمريكية
المزيد
28 يونيو 2021

الخادم وحياة الصلاة

إن الصلاة هي أداة اقتراب الإنسان من الله فهي تُمثل العلاقة الشخصية بين الإنسان والله. * وهي علاقة العروس بعريسها السماوي. ففيها.. تقترب النفس البشرية إلى عريسها المحبوب شهوة قلبها. يقترب الشيء إلى كل شيء. يقترب الكيان المحدود إلى اللا محدود. تقترب الطبيعة الساقطة إلى الله الذي بلا خطية ليغسلها ويُطهرها، ويُعيد لها صورتها الأولى الجميلة التي ُخلقت عليها بالصلاة نستطيع أن نفتح السماء لأن الصلاة هي مفتاح السماء كما أن التوبة هي باب السماء ففي الصلاة تُشفى النفس المريضة المنكسرة وبالصلاة تفرح النفس الحزينة فالصلاة هي باب ثمين مَنْ يُفرط أو يتهاون فيه فهو يُفرط في أغلى شيء عنده. لقد تغنى آباءنا القديسين بعِظَم الصلاة وقوتها وفاعليتهالأنها كانت حياتهم ومصدر شبعهم وغذائهم الروحي الذي لا ينتهي، وعين الماء التي يستقوا منها ولا تنضُب. "الصلاة هي سلاح عظيم، كنز لا يفرغ، غنى لا يسقط أبدًا، ميناء هادئ هي مصدر وأساس لبركات لا تُحصى هي قوية بل أشد من القوة ذاتها" (القديس يوحنا ذهبي الفم). "الصلاة هي مفتاح السماء بقوتها تستطيع كل شيء هي حِمى نفوسنا مصدر لكل الفضائل هي السلّم الذي نصعد به إلى الله هي عمل الملائكة هي أساس الإيمان" (القديس أغسطينوس). لذلك أصبحت الصلاة احتياج أساسي للإنسان مثل الأكل والشرب فكما يهتم الإنسان بغذائه الجسدي لضمان استمرار الحياة بصحة جيدة هكذا لابد من استمرارية الصلاة من أجل ضمان صحة الروح أيضًا.فما أكثر حاجة الإنسان للصلاة من أجل احتياجاته الروحية والجسدية معًا فبدون الصلاة لا تستقيم الحياة الروحية فهي المطلب الأول لبداية طريق الروح والجهاد الروحي لأنها تعلّمنا كل شيء. الصلاة فيها شفاء من كل الزلات والخطايا. الصلاة هي رباط متين يربطنا بالله، ويشدنا بالسماء بقوة، ويقينا شر السقوط والانحراف فهي تخلّصنا من كل الضيقات والمتاعب حتى إذا اعترانا فتور في الصلاة نفسها، وبدأ إحساس الملل والضجر وعدم الرغبة وعدم الشعور بالتلذذ بها فليس علاج من هذا إلاَّ الالتجاء للصلاة فبالتمسك بالصلاة نستطيع أن نخرج من حفرة الملل والضجر والفتور يستطيع الإنسان أن يقول: "مهما حصل لي لازم أصلي" فالاستمرارية حتى مع عدم الشعور بقيمتها هو الضامن الوحيد للرجوع إلى حياة الصلاة بعمق وتركيز وتأمل واستمتاع. إن الصلاة بالنسبة لحياتنا الروحية هي مثل اليد بالنسبة للجسد فاليد عضو عام للجسد كله، ومع ذلك فهي آلة خاصة لذاتها تخدم بها نفسها فإذا كانت يد مريضة تداويها اليد الأخرى، وإذا كانت متسخة فتغسلها وتنظفها، وإذا كانت باردة فتدفئها ولذلك فاليد تعمل كل شيء هكذا الصلاة هي العنصر الأساسي لحياتنا الروحية، وبالاهتمام بحياتي الروحية أكون مهتم بالروح والجسد(والعكس ليس صحيح) إن الصلاة بالنسبة للإنسان هي مثل النَفَس الذي يدخل الرئتين بالنسبة للجسد فبدون استنشاق الهواء لا يستطيع الإنسان أن يعيش، لأن الرئتين كيف تعمل وما هو عملها بدون هواء؟! فبقلة الهواء يحدث اختناق ويموت الإنسان (الجسد)هكذا الصلاة عندما تقل تضعف الروح وتذبل بل قد يؤدي ذلك إلى موت الإنسان (روحيًا). ونستطيع أن نلمس حاجتنا للصلاة بالنظر إلى النقاط الآتية:- أولًا: لأنها سر النصرة:- لاشك أن الصلاة هي سر النصرة في حياتنا الروحية والجسدية يقول القديس يوحنا ذهبي الفم "إذا لاحظت أن إنسانًا لا يحب الصلاة فاعرف في الحال أنه ليس فيه شيء صالح بالمرة فالذي لا يُصلي لله هو ميت وليست فيه حياة"ولقد ذُكر عن القديس تادرس المصري القصة التالية"في حين وجوده في القلاية في الإسقيط أتاه شيطان محاولًا الدخول، فربطه خارج القلاية بصلاته وأتاه شيطان ثاني وحاول دخول قلايته، فربطه القديس أيضًا خارجها ثم جاء شيطان ثالث فلما وجد زميليه مربوطين قال لهما "ما بالكما واقفين هكذا خارج القلاية؟" فأجاباه "بداخل القلاية مَنْ هو واقف يمنعنا من الدخول" فغضب هذا الأخير وحاول اقتحام القلاية، لكن القديس ربطة كذلك بصلاته فضجت الشياطين من صلاة القديس، وطلبوا أن يطلق سراحهم حينئذ قال لهم "أمضوا واخزوا"، فمضوا بخزي عظيم"هذه هي قوة الصلاة هي سور يحمينا من هجمات العدو الشرير. ثانيًا: لأنها وسيلة البركات:- بالصلاة يكمل عمل التوبة فعندما يريد شخص ما أن يقدم توبة عملية فلا بد أن يقدمها في الصلاة. بمداومة الإنسان على الصلاة ينمو بداخله إحساس الحياة والحشمة من الله "الذي يتهاون في عفة جسده يخجل في صلاته" (القديس الأنبا موسى الأسود) وقت الصلاة هو الوقت الذي نلتقي فيه مع الله، ونحظى بحضوره معنا، و"لأنَّهُ حَيثُما اجتَمَعَ اثنانِ أو ثَلاثَةٌ باسمي فهناكَ أكونُ في وسطِهِمْ" (مت18: 20) بالصلاة نسعى ونسير نحو نقاوة القلب.. لأنها توضِّح للإنسان عيوبه وخطاياه "بالصلاة نصل إلى الحب الإلهي الذي هو أسمى الفضائل والدرجات" (مار إسحق) وبالصلاة نتأهل لأن نشعر بمراحم الله ونتمتع بإحساناته.. "الصوم والصلاة هما اللذان عملا بهما الأنبياء والرسل والشهداء ولبّاس الصليب" (قسمة الصوم الكبير) فما أعمق وأغزر حياة الصلاة فهي تؤهلنا لمعرفة لغة السماءوطننا الأصلي الذي نسعى جميعًا للوصول إليه. أخي الخادم اسأل نفسك.. هل أستطيع أن أخدم بدون صلاة؟ ما هو عمق صلاتي.. هل هي بنفس مقدار الخدمة؟ هل اهتمامي بمخدعي وصلاتي الشخصية مثل اهتمامي بالخدمة المُؤتمن عليها؟ هل أحاسب نفسي على تقصيري في الصلاة مثلما أحاسب نفسي على تقصيري في الخدمة؟ هل صلاتي في حياتي رقم واحد وبعدها الخدمة.. أم العكس؟ هل مخدومينا يروا فينا (الخادم والخادمة) - (المُصلي والمُصلية) بالفعل وليس بالمظهر؟ هل اهتم بحضور القداس قبل الخدمة ليبارك الرب خدمتي أم أنشغل في هذا الوقت بتجهيز الخدمة وتحضيرها، وأترك الذبيحة على المذبح دون التمتع بها؟ نحن نحتاج إلى خادم مُصلى وليس خادم متكلم وواعظ شهير فالصلاة هي التي تعطي النجاح للخدمة وتثمر في قلوب المخدومين فهلموا بنا نطلب من السيد المسيح في صلاتنا الشخصية أن ينجح كل ما تمتد إليه أيدينا ربنا يبارك حياتكم وخدمتكم ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين. الراهب القمص بطرس البراموسي
المزيد
27 يونيو 2021

الخادم وزمن الكورونا 2

سبق وتحدثنا عن بعض طرق مقترحة لاستمرارية الخدمة في زمن الكورونا، وهنا نستكمل الحديث.. تشجيع المخدومين على قراءة الكتاب المقدس أو الكتب الروحية (يمكن مجرد قراءة فصول)، عن طريق تخصيص ساعة كل يومين مثلًا للقراءة الجماعية والتفاعلية، مع التعليق والايضاح إن أمكن. تشجيع المخدومين على القراءة عن طريق عمل مسابقات وأسئلة في مناهج أو كتب متنوعة تتناول الكتاب المقدس والطقس والعقيدة والثقافة العلمية والتربوية، مع عمل هدايا تشجيعية. ويُفضَّل أن تكون على مستوى الإيبارشية أو الكرازة كلها، مثل التي تقدمها أنشطة "مهرجان الكرازة" الذى يشمل العديد من المجالات لمختلف المراحل، ومعروف بفائدته وشموليته ومدى حماس المخدمين للمشاركة فيه، وخصوصًا وقد تم تطويره بعد مجهودات كبيرة ليناسب هذه المرحلة. وأيضًا مثل مسابقة "اقرأ واعرف واكسب" التي ينظمها مركز "إيمي" بالإسكندرية التي تحدّد سبعة كتب في مجالات متنوعة، ويتم عمل امتحان بعد أن يتم التسجيل والاشتراك on line. تشجيع الخدام والخادمات لمرحلة الطفولة وإعدادي على استخدام تطبيق "أبناء النور" من الموبايل " coptic sons of light" الذى يعمل على الموبايل والتابلت الأندرويد والأيفون والأيباد إلى جانب متصفح الإنترنت browsers وقد أطلقة قداسة البابا تواضروس في الاحتفال بمئوية مدارس الأحد في يونيو ٢٠١٨، حيث بُذِل فيه مجهود ضخم جدًا ليمكن اإستخدامه للمتابعة من الأب الأسقف والأب الكاهن وأمين الخدمة والخادم والمخدوم، ويحوى مناهج التربية الكنسية preloaded مثل منهج لجنة الإيمان والتعليم بالمجمع المقدس، ومناهج المهجر مثل منهج نيافة الأنبا يوسف، ومنهج كندا والسويد ومواد إضافية media ومهام روحية ونوتة روحية، وبداخله ربط لمحتويات من قناة كوجي وصوت الراعي، ويتم فيه التعديل والتطوير بشكل دائم، ويتابع خدمات الشمامسة والألحان والكتاب المقدس والكشافة. والتطبيق يعمل باللغتين العربية والإنجليزية. ومتابعة المخدومين ومكافأتهم وعرض وسائل إيضاح وبثّ مباشر وتقارير وتفاعل، ويستطيع الخادم والكاهن التواصل مع المخدومين بسهولة وتسجيل المتابعة. تشجيع المخدومين على حفظ الألحان وتسجيل الألحان للمخدومين، وإرسالها للآباء الكهنة والآباء الأساقفة للتشجيع، ويمكن نشر المميَّز منها على صفحات الكنيسة أو البث المباشر.عمل بعض كورسات متنوعة للمخدومين أون لاين حسب ميولهم واختياراتهم، فيمكن الإعلان عن كورس متكامل في الكتاب المقدس أو العقيدة في مواعيد محددة، ويتم عمل امتحان وإعطاء شهادة. ولنا تجربة إيجابية في مدينة الإسكندرية مع مركز البابا كيرلس عمود الدين لخريجي الإكليريكة، ومدرسة تيرانس، حيث تم تنظيم كورسات شارك فيها مئات، وقد تتعجبون لو قلت: آلاف من الدارسين. عمل أنشطة تعليمية مهارية مثل الرسم والعزف والتصوير والكتابة والشعر ومهارات برامج الكومبيوتر.ننصح بعمل مجموعات صغيرة لمواهب المخدومين وعدم وضع كل المخدومين في فئة واحدة لضمان تفاعل الجميع مع تقدير مواهبهم وتنميتهم والله الذي غُلِب من محبته، وأتى إلى محبوبه الإنسان، وعاش حياته ليرفعه إليه، قادر أن يشرق فينا الأفكار النورانيه القادرة أن تنزل إلى عمق حياة المخدومين وتلمس احتياجاتهم لترفعهم إليه، وتجذبهم وتربطهم برباطات محبته، وهو الضامن لخلاصهم، ويحفظ سلامهم وحياتهم بلا عيب، وليبارك في القليل الذي عندنا. القمص أنطونيوس فهمى - كنيسة القديسين مارجرجس والأنبا أنطونيوس - محرم بك
المزيد
26 يونيو 2021

الأولويات فى حياة الخادم

الحاجة إلى واحد (لوقا 10: 41) ذهب يسوع إلى بيت مريم و مرثا فاختارت مريم أن تجلس عند قدمي المعلم لتسمع منه واختارت مرثا أن تعمل لتجهز طعام للمعلم ولم يعجبها اختيار مريم فذهبت تشتكي للمعلم فقدم لها السيد المسيح تعليما هاما مَرْثَا مَرْثَا أَنْتِ تَهْتَمِّينَ وَتَضْطَرِبِينَ لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ( لو 10 :41 ) وَلَكِنَّ الْحَاجَةَ إِلَى وَاحِدٍ. فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا».(لوقا 10: 41) كانت مرثا مضطربة لأن أمور كثيرة تريد أن تفعلها وإمكانياتها لا تساعدها ووقتها لا يسعها على إنجازها فتوقفت وابتدأت تشتكي فكانت النصيحة لها أن تختار الأهم والأولي والأصح لحياتها وتعمله كما فعلت مريم فَاخْتَارَتْ مَرْيَمُ النَّصِيبَ الصَّالِحَ الَّذِي لَنْ يُنْزَعَ مِنْهَا ( لوقا 10: 42). عندما نشرع في العمل نجد أمامنا مهاما كثيرة علينا فنبدأ في تنفيذ أمر ثم نقلق على بقية الأمور فنترك الأول بدون اكتمال لنبدأ في الثاني والثالث وهكذا وفي النهاية نجد أمامنا أمورا كثيرة غير مكتملة وعملا واحدا لم ينجز قد يكون السبب في ذك إننا لا نملك القدرة مثل مريم على اختيار وترتيب الأولويات في حياتنا وفي أعمالنا. اطلبوا أولاً. من مبادئ الحياة المسيحية الهامة هي تحديد ما هو الأول والأهم ففي الصلاة يعلمنا السيد المسيح أن نطلب أولا ملكوت الله قبل أي طلبات أي نرتب طلباتنا في الصلاة حسب أهميتها وحتى الوصايا هناك وصايا أولي ولها أهمية فقد سأل واحد من الكتبة السيد المسيح «أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ أَوَّلُ الْكُلِّ؟» 29فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «إِنَّ أَوَّلَ كُلِّ الْوَصَايَا هِيَ: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ. الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. 30وَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى.( مر 12: 28 – 30). ويستخدم الكتاب المقدس تعبيرات تدل على تحديد الأولويات منها رأس الحكمة باكورة رتبه ترتيب فيقول أن رأس الحكمة مخافة الله أي أهم غرض للحكمة والأولوية الأولي لعمل الحكمة أن نصل إلى مخافة الله. كما أن بولس الرسول أوصي كثيراً بالترتيب وأهميته فيقول وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ.(1كو 14 :40 ) كما انه يهتم أن يرتب وينظم الأولويات بنفسه فيقول. وَأَمَّا الأُمُورُ الْبَاقِيَةُ فَعِنْدَمَا أَجِيءُ أُرَتِّبُهَا. (1كو 11: 34) وأعطي توجيها لكنيسة تسالونيكي أَنْ تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ (2تس 3: 6). ولنا في قصة الخلق نموذج رائع على تحديد الأولويات فالله لم يخلق النبات إلا بعد أن خلق النور ولم يخلق الإنسان إلا بعد أن خلق له الأرض والمياه والنبات فالخلق تم بترتيب معين حسب أولوية احتياج المخلوقات الأخرى لها. لماذا الأولويات؟ من حقائق الحياة أن الإنسان محدود أي إمكانياته محدودة وقدراته محدودة وكذلك وقته محدود لذلك لا يوجد إنسان يستطيع أن يعرف كل المعارف والعلوم ولا أن يعمل كل الأعمال ولا يستطيع أن يستمتع بكل الأشياء فإذا دعيت إلى وليمة وقدم لك أشهي الأطعمة وأجود الأصناف هل تستطيع أن تأكل كل الطعام هل تستطيع أن تستمتع وتتذوق كل الأصناف ولكن ماذا تفعل لابد أن تأخذ ما يكفيك فقط فماذا تختار ما الذي تعطيه الأولوية؟ وعلى أي أساس تختار؟ هذا مثال يتكرر معنا في أمور كثيرة في حياتنا داخل وخارج الخدمة فلأنك لا تستطيع أن تعرف كل المعرفة فاختار المعلومات الهامة لك ولحياتك أولاً ولا تبدد وقتك وعقلك في معارف غريبة نظرية لن تفيدك الآن ولأنك لا تستطيع أن تستمتع بكل الأشياء فاختار أن تستمتع بالأفضل لك أولاً الخمر الجد أولاً ثم بعد ذلك الدون كما قيل في معجزة عرس قانا الجليل عن كنت لا تستطيع أن تعرف كل المعرفة فاختار المعرفة المفيدة لحياتك ولعملك أولاً وإن كنت لا تستطيع أن تعمل كل الأعمال فاعمل ما تحتاجه أولاً وإن كنت لا تستطيع أن تستمتع بكل الأشياء فاستمتع بالأفضل لك أولا. كيف يجيد الخادم ترتيب أولوياته؟ الخادم شخص نجح في ترتيب الأولويات في حياته فاختار الله وخدمته أولاً ثم واجباته نحو خلاص الآخرين وسعادتهم ثم نجاحه وتحقيقه لذاته ثم بعد ذلك تأتي الأمور الأخرى الخادم يعرف جيداً كيف يفاضل وكيف يختار ويعرف ما هو الأهم وما هو الواجب هناك خمسة قواعد تساعدنا على ترتيب اولوياتنا. القاعدة الأولي: الله ثم الآخرين وأخيرا نفسي. ما لله أولاً: ما يخص الله لابد أن يكون أول كل أمر وقبل أي شيء فالكتاب المقدس علمنا اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ (متى 6: 33) كذلك يعلمنا أن نعطي البكور أول الأشياء والوقت لله لماذا؟! الله أولاً لأن الله الآب هو مصدر حياتنا ولا تستمر بدونه فأي شيء أو أمر بدون الله الآب هو مصدر حياتنا ولا تستمر بدونه فأي شيء أو أمر بدون الله يكون مصيره الفناء فلا أولوية على أولوية التمسك بمصدر الحياة وسر استمرارها لذا يجعل الخادم الله هو الأول في يومه وفي أعماله وفي خدمته العبادة أولاً ثم واجباتنا يتمم الخادم صلواته وقراءاته الروحية قبل أن يخدم ويعلم ويفتقد الخادم بالله أولاً قبل لقاءه بالناس في حياته اليومية فلا يذهب لافتقاد دون أن يصلي ولا يعظ ويعلم دون أن يصلي ولا يعطي مشورة دون أن يطلب مشورة الله ولا يتكلم عن أمر دون ان يذكر الله وبمجد اسمه. واجبات الخادم تجاه الآخرين لها أولوية على ما يخصه الخادم لا يفعل ذلك بدافع الحب الباذل فقط ولكنه يعرف جيدا مفهوم الكنيسة الجسد الواحد ويشعر بمسئولية عن سلامة هذا الجسد وتماسكه ويعرف أن في سلامة الجسد سلامته ومن صحته خيره فكل عطاء للآخرين يعود خيرا عليك فسلامة أسرتك يحقق استقرارك نمو كنيستك ينشط روحانياتك استقرار مجتمعك يمنحك الأمان كذلك بقدر عطائك للآخرين تتحقق إنسانيتك ثم إن السيد المسيح كان له توجيها خاصا إيجابيا للخدام من أراد أن يكون أول الكل فليكن أخر الكل وخادم للكل. القاعدة الثانية: العمل ثم الراحة. وَفَرَغَ اللهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ. فَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ مِنْ جَمِيعِ عَمَلِهِ الَّذِي عَمِلَ (التكوين 2: 2) هذا ما يعلنه الله في بداية خلقه العالم العمل أولاً ثم الراحة أجعل الأولوية لما يبني حياتك روحيا أو جسديا أو اجتماعيا ثم بعد ذلك الراحة واللهو والمرح فعندما نأكل نعطي الأولوية للطعام الذي يبني الجسد ثم بعد ذلك الأطعمة ذات المذاق أو الشكل الحسن أو حسب المزاج فبهذه القاعدة نعطي الأولوية للمذاكرة والعمل ثم بعد ذلك الهواية والرحلة ونعطي الأولوية في الحياة الروحية للتعلم والتوبة ثم إلى الخدمة والتعليم. القاعدة الثالثة: الواجب لا يؤجل. في مثل العشرة عذارى العذارى الجاهلات ناموا قبل أن يجمعوا زيتا في آنيتهم وحينما أرادوا إصلاح ذلك جاء العريس ودخلت معه المستعدات وأغلق الباب ولم يفتح لهم بعد ذلك. في حياتنا لآبد أن نتذكر دائما أن هناك بابا يغلق وأن الأمور محكمة بوقت معين وزمن محدد فهناك أمور مستعجلة لا تحتمل التأجيل وهناك ما يمكن أن يؤجل إلى وقت أخر لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ. (الجامعة3 :1)* كذلك هناك أوقات مناسبة لأمور معينة بعدها لا يصلح عمل الأمر ويكون بلا معني وبلا قيمة وكما يقول الكتاب الكلام في غير وقته كالغناء في النوح( سيراخ 22: 6). فقترة الشباب المبكر والمراهقة فترة التعليم وليست فترة الحب والزواج هناك وقت لتعليم وآخر للزواج والعمل فلا نضيع فرصة التعليم فلنتعلم أولاً لأنه لن نجد وقتا للتعليم والدراسة فيما بعد لأبد أن تكون الأولوية لما لا يمكن تأجيله وهكذا فأمور كثيرة لا تؤجل التوبة لا تؤجل عمل الخير لا يؤجل الواجب لا يؤجل لنه لن ينفع في وقت آخر فما لا يؤجل لابد أن يأخذ أولوية تنفيذها على كل الأمور الأخرى. القاعدة الرابعة الأكثر احتياجا في ذلك الوقت له أولوية. عندما هرب إيليا من وجه إيزابيل الشريرة وسقط على وجهه في الصحراء أرسل له الله الملاك وأعطاه فطيرة ليأكل وماء ليشرب أولا ثم بعد أن ارتاح حدثه الله وعابته وعلمه وعرفه ماذا يفعل فعند التعب تكون الأولوية للراحة وللماء عند العطش فعند التعب نرتاح أولاً ثم نواصل العمل لأن العمل مع التعب يسبب المزيد من الإرهاق ويجعل العمل غير متقن. القاعدة الخامسة: أصنع ما تستطيع أولاً وأجل ما لا تستطيع إلى مراحله أخري. هناك أمور ليست في إمكانياتي أو قدراني الحالية فهذه أمور تؤجل أما الأمور التي تحسن مهاراتي وقدراتي هي التي أصنعها أولاً مثلاً تعلم ثم علم كن تلميذاً أولاً معلماً كذلك أبدا بالسهل من الأعمال ثم بعد ذلك العمال الصعبة.
المزيد
25 يونيو 2021

أمور تبدو صغيرة ذات مدلولات كبيرة

كنت أصلِّي القداس الإلهي يوم أربعاء.. والقداس بحسب المواعيد المعتادة يبدأ الساعة 7 صباحًا وينتهي في التاسعة. وكان يصلِّي معي أحد الآباء الكهنة. وفي غالب الأحيان نصلِّي الأواشي الكبار -التي تُقال بعد قراءة الإنجيل المقدس- نصلِّيها سِرًّا.. بسبب ضيق الوقت.أَعطيتُ الأبّ الكاهن شريكي أن يقرأ الإنجيل المقدس.. وبعد قراءة سِرّ الإنجيل أمام المنجلية.. دخلتُ إلى داخل الهيكل، وصلّيت الأواشي الكبار سِرًّا.. وأعطيتُ الشوريّة للشماس، ووقفتُ داخل الهيكل مُنصِتًا للإنجيل المقدّس. وبينما أنا كذلك جاءني هاتف في داخلي يقول: صلّ الأواشي جَهرًا بعد كمال الإنجيل. قلتُ في نفسي: لقد صلّيتُها سِرًا. جاءني ذات النداء الداخلي مرّة أخرى.. كأنّ أحدًا يتكلّم في أذني ويقول: لا صَلّها جَهرًا.. قلتُ مرّة أخرى: لقد صلّيتها.تكرّر الأمر معي مرّات.. ووجدتُ نفسي غير قادر أن أتغلّب على هذا الفكر، أو أن أفلت منه. فلمّا فرغ أبونا من قراءة الإنجيل المقدس. وكاد الشماس أن يردّ المردّ الذي يقول: أنصتوا بحكمة الله.. وبعده يقولون: بالحقيقة نؤمن. أشرتُ للشماس ألاّ يقول.وتقدّمتُ إلى المذبح وقُلت: اشليل.. وصليتُ الأواشي جَهرًا.. ثم ذهبتُ لأغسل يديّ. فبادرني الأب الكاهن قائلاً: ألم تُصَلِّ الأواشي سِرًّا.. قلت: نعم. فقال: لماذا صلّيتها جَهرًا.. قلت: لا أعلم. صلّينا القداس.. وتناولنا الأسرار المقدسة. وشكرنا الله على نعمته التي يعطيها لنا نحن غير المستحقين.. وصرفنا الشعب.وطلب إليَّ البعض أن يجلسوا معي.. بعضهم للاعتراف، والبعض يسأل أو يستفسر عن شيء، أو يطلب خدمة معيّنة كالعادة. كان من بينهم إحدى بناتي في الاعتراف. وهي سيّدة في الثلاثين من عمرها، لها ثلاثة أطفال صغار. وهي إنسانة ذات قلب نقي.. بسيطة غاية البساطة، تفحص نفسها وتقدّم للرب توبة خالصة جادّة. وتعيش بقدر إمكانها حافظة لوصايا المسيح، مُحِبة لجميع الناس ومُحتمِلة بوداعة كلّ ما يأتي عليها.فلما جلَسَتْ بجانبي وجدتُها تكاد تطير من الفرح.. متهلّلة جدًّا. وفي حال الشكر.. قالت: «أنا لي ما يقرب من شهر لم أتناول الأسرار المقدسة بحسب ظروفي ومشغولياتي.. قُمتُ في هذا الصباح وعندي شهوة عارمة وشوق لا يوصَف للتناول. ركبتُ سيارتي لأوصّل ابني للمدرسة. وكنتُ أقود السيّارة مُسرعةً. وأدرتُ تليفوني لأسمع الإرسال المباشر من الكنيسة، وكنتُ أتابع الصلاة، ولكنّي كنتُ متأخرة. وكانَتْ شهوة قلبي أن أكون في الكنيسة من أول القداس. فرفعتُ قلبي للمسيح ورجوته. وقلت له: خلِّي أبونا يصلِّي الأواشي جَهرًا. وكنتُ أطلب إلى المسيح في هذه اللحظات بكلّ قلبي حتى سال الدمع من عيني. فلمّا انتهى أبونا من قراءة الإنجيل المقدس.. وكنتُ مازلت على بُعد عشرة دقائق من الكنيسة.. وجدتُك تقدّمتَ إلى المذبح وبدأتَ تصلّى الأواشي جَهرًا. لم أمتلك نفسي من الصراخ والشكر. وتهلّلتْ نفسي بفرحٍ عجيب. وقلتُ يا ربّي إلى هذه الدرجة تسمع الصلاة وإلى هذه الدرجة تكون الاستجابة.. حقًّا إنّك إله عجيب ومُتعجَب منك بالمجد».صحيح إنّه أمر بسيط، ولكن قد زاد إيماني ورجائي وثقتي في إلهي الذي يسمع الصلاة، حتى من الخطاة والمساكين. ويُريني كَم هو قريب، وكَم هو طيّب وصالح. كنتُ أسمعها، ولم أتكلّم بشيء، ولم أُعلِّق بكلمة على الأمر. ثم قلت لها: إنتي جايّة تعترفي.. قالت: نعم. وقدّمت اعترافها للمسيح بأمانتها وتدقيقها في توبتها، وفحص نفسها، والرجوع باللوم على نفسها. وطلبَتْ إرشادًا.. فقدمتُ لها بحسب ما أعطتني النعمة أن أقول لها.. وأحنَتْ رأسها تحت يد الربّ، وقرأتُ لها التحاليل، وصرفتها بسلام. وكنتُ في داخل نفسي في ذهول.. فلم يكن الهاتف في داخلي كذبًا.. ولم يكن إلحاح الصوت عليَّ أن أصلِّي الأواشي ظَنًّا أو وَهمًا. بل كان حَقًا وصِدقًا. ولكن إلى هذه الدرجة يكون الاتصال بالله حتى من البسطاء.. وإلى هذه الدرجة يكون الردّ السماوي هكذا سريعًا وفَعّالاً. ولكن هذه هي مواعيد الله، وهكذا ممكن أن نرى تَدَخُّل الله ويده الحانية في التفاصيل الدقيقة في الحياة اليومية، إن كانت لنا العين البسيطة التي تعاين، والقلب النقي الذي يطلب فيُجاب، ويَقرع فيُفتح له. وفي آخر النهار تقابلتُ مع الأب الكاهن زميلي وقلتُ له.. هل عرفتَ السرّ لماذا صليتُ الأواشي جَهرًا؟ قال: لا. فحكيتُ له حكاية هذه الأخت وما فعلتَه. وقلت له مُداعِبًا: شوف الناس مُمكِن يشَغّلونا ب Remote Control من على بُعد.. فهُم يتّصلون بالسماء، ويستطيعون أن يحركونا بالنعمة والروح. المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
24 يونيو 2021

شخصيات الكتاب المقدس أيوب

أيوب " بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عين "" أى 42: 5 " مقدمة عندما أفاقت الفتاة فرانسس من المخدر أثر عملية كبيرة، قالت لها الطبيبة التى كانت تقف إلى جوارها: تشددى يا فتاتى إن هى إلا بضع ساعات تتحررين بعدها من الآلام، وفى الغد لن تشعرى بآلام أقسى وأشد وأجابت الفتاة الجميلة، وعيناها تلتهبان بشواظ من الضيق والتمرد: إن الأمر لا يقتصر على وليس بى أدنى خوف من الغد، فإن فى أعماقى شيئاً يقهر الألم القاسى،... لكن المشكلة التى تفزعنى هى فى آلاف الناس فى العالم الذين يطحنهم الألم،.. والكثيرون منهم ليس لهم قدرة على النضال، والسؤال الذى ربما تضيقين به، ولكنه يراودنى: كيف أحب إلهاً يسمح بهذه الآلام؟ ولعلك تقولين، إنه ليس مسئولا عن الآلام، إذ هى خطية الناس التى تجلب عليهم آلامهم، ومع ذلك فأنا أعلم أنه قادر على كل شئ فلم يسمح لهم بالآلام؟!!... وقالت الطبيبة: أجل، أنا أعلم أن بعض الآلام تأتى من خطايا الناس،.. ولا أعلم لماذا يسمح اللّه بالكثير من الآلام التى قد لا تكون نتيجة مباشرة للخطية!!.. ومع ذلك أود أن أقول لك: إن هناك فتاة شابة فقيرة على مقربة منك، وقد تعرضت هذه الفتاة لمرض خطير، وكان من المستحيل أن تقاوم المرض، ما لم يكن لها الروح المعنوية العالية التى تتغلب بها عليه،.. وقد قصصت عليها شجاعتك فى تحمل الآلام، إلى درجة أنها تود رؤياك وتشتاق أن تسمع كل شئ عنك!!... وربما لا تعلمين أنه لولا قصتك لما اجتازت الفتاة محنة مرضها!!.. وإذ سمعت فرانسيس هذا امتلأت تأثراً وقالت للطبيبة: أنا لا أستحق أن أوصف بهذه الصورة التى رسمتيها لى، وأود أن أرسل إليها باقة من الزهور!!.. وإذا بنوبة من الألم تسكتها.. وأكملت الطبيبة الكلام قائلة: وسأقول لها: إنكما تقفان معاً على خط النار!!... وقصة أيوب فى كل التاريخ هى قصة الواقفين على خط النار فى أتون الآلام، إذ هو الرجل الذى تتطلع إليه الأجيال كنموذج عظيم للانتصار على التجارب والمآسى: أو كما يذكر الرسول يعقوب: " ها نحن نطوب الصابرين، قد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف " يع 5: 11 ". ولعلنا بعد هذا كله يمكن أن نرى القصة فيما يلى:- أيوب من هو:- يعتقد بعض المفسرين أن الاسم " أيوب " من الكلمة العبرية التى تناظر فى العربية " آب " أى رجع.. فهو " التائب " أو " الراجع ". ولعلهم قصدوا أن يصوروه فى قوله أمام اللّه: " لذلك أرفض وأندم فى التراب والرماد " " أيو 42: 6 ".. وهناك من يعتقد أن الاسم يعنى " المضطهد " أو " المتألم "... وأياً كان الاسم، فما من شك أن الرجل كان شخصية تاريخية، وليس مجرد شخصية خيالية أو رمزية،... وحجة المنادين بأنه شخصية رمزية، أن مقدمة السفر وخاتمته جاءت نثراً، وأما البقية فقد كانت شعراً رائعاً وعظيماً،.. ومثل هذا لا ينهض حجة ضد تاريخية الرجل، فإن الشعر فى كل أقطار الأرض تناول أناساً تاريخيين دون أن يقدح هذا فى شخصياتهم التاريخية،... فإذا قيل إن الأرقام الواردة به وردت ابتداء وتضاعفت انتهاء فى البهائم والسائمة والماشية وأن أرقامها الدائرية، لا تعطى حقيقة تاريخية، كان الرد أن هذه أيضاً حجة واهية، لأن كاتب السفر لم يقصد أن يسجل عددها، بقدر ما أراد أن يسجل مضاعفة بركة اللّه للرجل الذي احتمل التجربة،... وأن الأولاد فقط هم الذين كان عددهم مماثلا فى النهاية للذين ذهبوا إلى اللّه فى الكارثة التى أحدثها الشيطان، فهم لم يضيعوا، بل حفظوا فى المجد إلى أن لحق بهم أبوهم وأخوتهم!! وهناك حجة ثالثة تقول إن السفر قد ضم إلى الكتب التعليمية، كسفر المزامير والأمثال والجامعة والمراثى، ولم يضم إلى الكتب التاريخية،... غير أن هذه الكتب نفسها تعد حجة مع أيوب كشخصية تاريخية، وليست ضده، لأن الكتب التعليمية كانت هى ذاتها، والكثير مما تضمنته وقائع تاريخية، لأشخاص تاريخيين!!.. وفى الواقع أن كتاب سفر أيوب، هو كما وصفه فيكتور هوجو قائلا: ربما هو أعظم كتاب على الأرض واجه الذهن البشرى وكان أيوب شخصية تاريخية، ذكره حزقيال النبى كشخصية تاريخية يقول عنها اللّه له: " ياابن آدم إن أخطأت إلى الأرض وكان فيها هؤلاء الرجال الثلاثة: نوح، ودانيال وأيوب... إن عبرت فى الأرض وحوشاً وفى وسطها هؤلاء الرجال الثلاثة، فحى أنا يقول السيد الرب إنهم لا يخلصون بنين ولا بنات هم وحدهم يخلصون " " حز 14: 13 - 20 " ويقول أيضاً يعقوب الرسول: وقد سمعتم بصبر أيوب ورأيتم عاقبة الرب لأن الرب كثير الرحمة ورؤوف " " يع 5: 11" ويعتقد مارتن لوثر أن أيوب شخصية تاريخية، وأن كاتب السفر رجل تقى عميق الفهم والدراية الكتابية!!ومن الواضح أن أيوب كان أعظم رجل شرقى فى عصره، وأنه من " عوص " التى يعتقد أنها كانت فى الطرف الشمالى للجزيرة العربية، وتقع بين فلسطين ونهر الفرات، وربما كانت المدينة على اسم " عوص " من سلالة سام!! فإذا تحولنا إلى أخلاق الرجل وصفاته، نجد أنه وصف بأربعة أوصاف أساسية: " وكان هذا الرجل كاملا، ومستقيما، يتقى اللّه، ويحيد عن الشر " " أيو 1: 1 و8، 2: 3 " ولا يعنى الكمال أنه كان بلا خطية، فهو قد تحدث عن خطاياه، وأنه لا يمكن أن يظهر الإنسان كاملا أمام اللّه، ولكن الكمال بالمعنى النسبى، وهو التوازن الخلقى الذى يظهر فيه الإنسان " موزوناً " على حد التعبير الشائع، بدون ازدواج أو انفصام فى الشخصية، أو يعتبر ملوماً فى هذا أو ذاك من أوضاع الحياة، وقد أوضح الرسول بولس هذا الكمال النسبى فى رسالة فيلبى عندما قال: " ليس أنى نلت أو صرت كاملا ولكنى أسعى فليفتكر هذا جميع الكاملين منا " " فى 3: 12 - 15 " إن الولد الصغير الذى ينال الدرجة النهائية فى الحساب مثلا درجة الكمال، ليس معناه أنه أصبح عالماً فى الرياضيات لا يحتاج إلى نمو فى معرفته للحساب، لكنه الكمال الذى ينمو ويتحول كمالا آخر مع تزايد المعرفة والإدراك،ولعل هذا الكمال يتضح فى السلوك المستقيم الذى لا يعرف الالتواء، بل يتبع الخط المستقيم طوال الطريق كلها، والرجل لا يمكن أن يكون هذا إلا إذا توفر له أمران: أحدهما داخلى، والآخر خارجى، أحدهما مع اللّه والآخر مع الناس، أحدهما فى السريرة، والآخر فى السيرة،فهو فى السريرة الداخلية " يتقى اللّه " أى يخاف اللّه ويخشاه ويجله ويحترمه، وهو فى السيرة أمام الناس " يحيد عن الشر " أى يتباعد عنه، ولا يرتبط به بأية صورة من الصور!!.. أيوب والحوار غير المنظور:- إن النقطة التى يبدأ بها سفر أيوب، وينتهى، هى الحوار غير المنظور، بين اللّه والشيطان ابتداء، وبين اللّه وأيوب انتهاء، ومن اللازم أن نشير إلى أن أهم ما فى الوجود، ومن فى الوجود، هو غير المنظور، وأن مصائر الحياة، تتعلق بغير المنظور دون أدنى شبهة أو شك،وإن أقل ما فى الوجود هو المنظور،وإن أقل ما يجرى بين الناس هو المنظور، وأنه كان من الطبيعى إذا أردنا لقصة أيوب أن تتصور على حقيقتها، أن نبدأ بغير المنظور، أو أن نبدأ بالمنظر العلوى غير المكشوف للعين البشرية، الذى يمثل فيه الشيطان فى حضرة اللّه،والسؤال: كيف يمثل، وهل يمثل برغبته، أم يمثل بأمر أو سماح من اللّه؟؟ إنها أسئلة عويصة، ليس من السهل الإجابة عليها، وإن كنا نعلم أنها حقيقة واقعة، وأن ما يحدث على الأرض فى حياة الناس أو البيوت أو المجتمعات أو الممالك، يحدث فى العادة لأن غير المنظور تحكم فى المنظور،وأن الناس لا تعرف فى العادة من الحقيقة: إلا أقلها وأبسطها،فهذا الشيطان الذى مثل أمام اللّه يطلب أيوب، هو نفسه الذى مثل أمام السيد لنفس الشئ تلاميذ المسيح. وكما ادعى الشيطان أن أيوب لا يعبد اللّه مجاناً، وأنه لو سلم فى يده لأثبت هذا، هو نفسه الذى أراد أن يفتك بتلاميذ المسيح، وهو يصورهم على استعداد أن يتركوا المسيح عند أقل بادرة: " هوذا الشيطان طلبكم لكى يغربلكم كالحنطة ".. (لو 22: 31).. وهو الذى يشتكى على المؤمنين ليلا ونهاراً أمام اللّه، " رؤ 12: 10 "ولو أننا تأملنا هذا الحوار المثير لأدركنا أنه تحد للّه، أكثر من تحد لأيوب، وكأنما الشيطان يريد أن يقول للّه إن نعمته ليست كافية قط لأن تحفظ الإنسان، فى شتى التجارب والآلام، وأن العلاقة بين الإنسان واللّه، ليست هى نوعاً من الحب بين الإنسان واللّه، الحب العميق المجرد الخالص، بل هى نوع من المتاجرة، يجزل اللّه العطاء ليكسب ولاء الإنسان وتعبده وصلاته،وهذا الاتهام التعس الرخيص، إذا كان يصيب الإنسان فى الصميم، فإنه يجرح مشاعر اللّه ولا شك، واللّه الآب السماوى لا يقبل أن تكون علاقته بابنه المؤمن، مجرد علاقة وصولية نفعية، يعطى فيه الابن مقابل ما يأخذ، أو يقدم على أساس الانتفاع والمصلحة،... وقد أخذت قصة أيوب قوتها أمام الأجيال والتاريخ، فى أن اللّه يريد أن يكشف الحقيقة الثابتة لديه، والغائبة عن العالم والشيطان والتاريخ: إن نعمة اللّه الحافظة قوية منتصرة على طول الخط، وأن علاقة المؤمن باللّه تضرب جذورها العميقة فى المحبة الإلهية - محبة المسيح لنا وليست محبتنا للمسيح - والتى جعلت بولس يتحدى الشيطان فى قوله العظيم: " من سيشتكى على مختارى اللّه؟ اللّه هو الذى يبرر. من هو الذى يدين. المسيح هو الذى مات بل بالحرى قام أيضاً الذى هو أيضاً عن يمين اللّه الذى أيضاً يشفع فينا. من سيفصلنا عن محبة المسيح؟ أشده أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عرى أم خطر أم سيف؟ كما هو مكتوب اننا من أجلك نمات كل النهار قد حسبنا مثل غنم للذبح. ولكننا فى هذه جميعها يعظم انتصارنا بالذى أحبنا. فإنى متيقن أنه لا موت ولا حياة ولا ملائكة ولا رؤساء ولا قوات ولا أمور حاضرة ولا مستقبلة ولا علو عمق ولا خليقة أخرى تقدر أن تفصلنا عن محبة اللّه التى فى المسيح يسوع ربنا " " رو: 33 - 39"إن الحقيقة المثيرة التى ينبغى أن ننبه الناس إليها، فى قصة أيوب، والتى تقلبها رأساً على عقب، هى أن أيوب صمد فى المعركة لسبب واحد لا أكثر ولا أقل، وقد ذكره السيد المسيح فى قوله: " وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدى، أبى الذى أعطانى إياها هو أعظم من الكل ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبى ".. " يو 10: 28 و29 " عندما هدد الكاردينال " كاجيتان " لوثر وهو يقول له: " إن خنصر البابا أغلظ من ألمانيا التى أنت متكل عليها، وأين تكون أنت عند ئذاك؟!!... وأجاب لوثر: أكون حيث أنا الآن فى قبضة يمين القادر على كل شئ!!.. قال أحدهم: إن الشيطان رغم معرفته بحقائق كثيرة، لكن هناك حقيقة يجهلها أو لا يستطيع أن يصل إلى عمقها، وهى قدرة نعمة اللّه الفعالة فى حفظ الناس!!.. وهذه الحقيقة ليست مجرد خيال أو تصور، أو من باب التخمين أو الاستنتاج، بل إنها واضحة من القصة نفسها، لقد استنفد شيطان تجاربه بالقضاء على ثروة أيوب وأولاده، بسماح من اللّه، ثم عاد مرة أخرى يطلب مواصلة الامتحان فى جسده، وأعطى له كل شئ بحدود، فهو ليس مطلق التصرف، وعندما طلب التلاميذ ليغربلهم كالحنطة... كان هناك طلب آخر، مضاد ومعاكس لطلب الشيطان، وهو طلب المسيح " طلبت من أجلك لكى لا يفنى إيمانك. وأنت متى رجعت فثبت إخوتك ". " لو 22: 32 ".. لقد ذهب يهوذا لأنه كان ابن الهلاك، وبقى بطرس لا لقوة فيه، بل للحارس الضامن بأعجوبة النعمة الإلهية الفعالة فى حياة المؤمنين!!... أما ما هى البواعث العميقة فى قلب اللّه للمنح أو للترك؟؟؟... فهذا سؤال أعمق من أن يصل إليه الإنسان فى العالم الحاضر، وربما يشاء اللّه فى جلاله الأبدى أن يبقيه، إلى أن يكشف حكمته العظيمة الكلية، فيما وراء عالمنا المنظور وفى مجده الفائق فى السماء،... ومن الثابت على أية حال أن صراعنا الأكبر فى الأرض، ليس الصراع مع المنظور، بل مع غير المنظور، أو كما يقول الرسول بولس: " البسوا سلاح اللّه الكامل لكى تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد ابليس، فإن مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين، مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد الشر الروحية فى السماويات " " أف 6: 11 و12 " إن الناس، كبروا أو صغروا، ما هم إلا دمى فى يد الشيطان يلعب بهم ويستخدمهم فى حربه مع المؤمنين!!.. ومن أول التاريخ البشرى حتى نهايته، من اللحظة التى اختبأ فيها الشيطان فى الحية، والتى ظهر فيها فى الصليب من وراء قيافا وبيلاطس واليهود والرومان،... والتى فيها ارتكب يهوذا جريمته الكبرى بعد أن دخله الشيطان،... وإلى آخر القصة البشرية، لا ينبغى أن نحول النظر عنه، لأنه دائم الجولان والتمشى فى الأرض، " ولأن ابليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمساً من يبتلعه هو "... " 1 بط 5: 8 " هل يستطيع البشر كتابة التاريخ من هذه الزاوية؟،.. إنهم إن عجزوا، فإن الأبدية سترويه وستقصه من هذه النقطة المثيرة التى لا يتعمق الناس فى دراستها، وهم يناقشون مسرحية الإنسان ولعبته الكبرى فى الأرض!!. أيوب والحوار المنظور مع أصحابه:- فإذا تركنا الخلفية غير المنظورة، وتحولنا إلى الحوار المنظور، وهو الحوار الذى قام بين أيوب وبين أصدقائه الأربعة،... ولكن قبل أن نتعرض لهذا الحوار، لابد أن نشير إلى أن لغز الألم أعمق من أن يكشف عنه البشر فى الأرض!!.. قال ج. ولا س هاملتون: " لا يمكن لأى إنسان إلا الأحمق أن يدعى معرفة الجواب عن كل آلام الإنسان فى العالم،... إن آلام الإنسان مغطاة بالرهبة وبالفزع المقدس، وهى التى تجعله يصرخ فى اتجاه السماء قائلا: لماذا!!؟... وأحكم الناس على الأرض، لا يستطيعون معرفة لماذا!!... ومع ذلك، فنحن لسنا فى ظلام مطبق!!... فالناس الذين يشتكون، كثيراً ما ينسون أن شكواهم ما هى إلا خلاصة الاختيار الذى اختاروه هم لأنفسهم!!.. ومع ذلك فليس الكل يشتكون دائماً، إذ نحن نعيش فى عالم واحد، والناس يدخلون الاختبار الواحد بدرجات مختلفة، وتقبل الإنسان الأمور بالشك أو الإيمان، إنما هو عملية داخلية بينه وبين نفسه!!.. ورد الفعل عند البعض بالمرارة والتذمر، وعند آخرين هو التدرب على اليقين بأن صمت السماء ليس مجرد صمت غليظ أو جاف، بل سيتعلمون بعض المعانى، وسيرون فى أعماق الليل، النجوم التى لم يستطيعوا أن يروها فى النهار، وسيدركون أن المعنى الأعمق فى الحياة هنا ليس السعادة بل القداسة، وأن ما هو أفضل لنا، هو القياس الصحيح للنضال المحتدم فى حياتنا!!.. فقد " هارولد رسل " يديه فى الحرب العالمية الأخيرة، لكنه أصبح واحداً من أشجع الناس فى تقبل صدمته بعد الحرب، وشق طريقه لتصبح حياته ذات فائدة ومغزى عندما كتب كتاباً فى عام 1949: " النصر فى يدى " قال فيه: إنه ليس هناك قاعدة سهلة للحياة السعيدة، والذى يقول غير ذلك إما أنه ساخر، أو كاذب ولست أقصد أن أعطى وصفة أو تذكرة طبية من عندى،... ولكنى أركز على حقيقة واحدة بسيطة، إذا كان لى أن أذكر، وهى ليست وصفة مؤكدة للسعادة، أو سبيلا يمكن أن يملأ حديقتك الخلفية بالطيور المغردة، بل هى فى الواقع، ما وجدت أنه يساعد على الانتصار على الأسف الذى لا يجدى، أو هزيمة النفس!!... إنه ليس ما تفقد بل ما تترك هو الذى يتبقى،... وما أكثر الذين يبذرون جهدهم ووقتهم وأحلامهم فى الأمور التى انطوت، والتى لا يمكن أن تعود، وكان الأحرى بهم أن يشغلوا حياتهم بالحقائق، والواجبات الثقيلة اليومية " لقد أفلس أيوب وأصحابه فى الوصول إلى الحل الأخير لمشكلة الألم، وبقيت المشكلة أعمق من أن نجد لها الجواب الصحيح فى العالم الحاضر، ويكفى أن نلخص الحوار العظيم حول هذه المشكلة فى سفر أيوب!!.. لقد بدأ أيوب الحوار، بعد أن عجز عن ضبط نفسه، فلعن اليوم الذى ولد فيه، والليل الذى تصور فيه فى بطن أمه، وتمنى لو أنه مات طفلا، ليتساوى مع الذين ماتوا بعد أن بنوا الأهرام،... ومن المتصور أن اليفاز التيمانى كان أكبر الصحاب، وخلاصة كلامه فى الأصحاح الرابع أنه لابد أن هذا عقاب من اللّه على خطايا ارتكبها أيوب، وطلب إليه فى الأصحاح الخامس أن يتوب عنها، وسارع أيوب فى الرد على أليفاز، فى الأصحاحين السادس والسابع، غير أن بلدد الشوحى وصوفر النعمانى ساندا أليفاز فى الأصحاحين الثامن والحادى عشر، وكان بلدد أقسى من أليفاز، وصوفر أقسى من بلدد،... ورد أيوب بضعف على الجميع فى الأصحاحات التاسع والعاشر والثانى عشر، والثالث عشر، والرابع عشر ووصفهم بالقول: " أما أنتم فملفقو كذب أطباء بطالون كلكم ". " أيو 13: 4 ".. ومع أن أيوب اعترف بخطايا صباه: " لأنك تثبت على أمور مرة وورثتنى آثام صباى ". " أيو 13: 26 ".. ومع أنه اعترف بنقصه شأن كل بشر: " أ أخطات؟ ماذا أفعل لك يارقيب الناس؟ لماذا جعلتنى عاثوراً لنفسك حتى أكون على نفسى حملا؟. وولماذا لا تغفر ذنبى ولا تزيل إثمى لأنى الآن اضطجع فى التراب تطلبنى فلا أكون؟ " " أيو 7: 20 و21 " إن اخطأت تلاحظنى ولا تبرئنى من إثمى. إن أذنبت فويل لى، وإن تبررت لا أرفع رأسى " " أيو 10: 14 و15 " " كم لى من الآثام والخطايا أعلمنى ذنبى وخطيتى " " أيو 13: 23 " " أما الآن فتحصى خطواتى، ألا تحافظ على خطيتى؟ معصيتى مختوم عليها فى صرة وتلفق على فوق إثمى " (أيو 14: 16/17) إلا أن أيوب مع هذا كله لا يعلم خطية معينة معروفة لديه قد ارتكبها، وهو لهذا يؤكد: " فى علمك إنى لستت مذنباً " " أيو 10: 7 " وهو إذا حوكم سيخرج بريئا!!.. وبينما يرى أصدقاؤه أن هذا الإصرار من جانبه على براءته يعتبر نوعاً من التجديف: " أما أنت فتنافى المخافة وتناقض التقوى لدى اللّه، لأن فمك يذيع إثمك وتختار لسان المحتالين " " أيو 15: 4 و5 " ومع أن أيوب، وهو فى سياق الدفاع عن نفسه، كاد يصور اللّه، وكأنه لا يبالى بالفرق بين الكامل والشرير: " لذلك قلت إن الكامل والشرير هو يغنيهما. إذا قتل السوط بغتة يستهزئ بتجربة الأبرياء. الأرض مسلمة ليد الشرير. يغشى وجوه قضائها، وإن لم يكن هو فإذاً من " " أيو 9: 22 - 24 " " خيام المخربين مستريحة والذين يغيظون اللّه مطمئنون الذين يأتون بإلههم فى يدهم " (أيو 21: 6).. وهو مع هذا كله، لا يتخفى عن اللّه مهما يفعل اللّه معه،... وهو يؤمن أنه سينصفه بصور ة ما، وفى يوم ما... ولذا يقول مهما بلغت قسوة أصدقائه عليه: " هوذا يقتلنى. لا انتظر شيئاً. فقط أزكى طريقى قدامه ". " أيو 13: 15 " فإذا انتهى الحوار الأول عند هذا الحد، فإن حواراً ثانياً يبدأ من الأصحاح الخامس عشر حتى نهاية الأصحاح الحادى والعشرين وقد بدأه أيضاً أليفاز التيمانى، وفيه يؤكد بشهادة الحكماء الأقدمين، العقاب الذى يلاحق الأشرار فى الأرض،... وقد عدد بعده بلدد فى الأصحاح الثامن عشر الألوان المختلفة لهذا العقاب،... ويبدو أن صوفر وهو يساند الاثنين، يكاد ينعت أيوب بالخطايا السرية التى ارتكبها، وجلبت عقاب اللّه عليه،... وقد رد أيوب فى الأصحاحات السادس عشر والسابع عشر والتاسع عشر والحادى والعشرين، ويبدو من الرد أنه لا يهتم باتهامهم له، فهو فى نظره لغو فارغ بغير دليل،... وأنه لهذا يشهد اللّه: " أيضاً الآن هو ذا فى السموات شهيدى وشاهدى فى الأعالى " " أيو 16: 19 " وهو لا يتحدث عن براءته فحسب، بل يؤكد أن اللّه لابد أن يكشف الحق يوماً ما ولو بعد حياته هنا على الأرض، أو كما يقول: " ليتك توارينى فى الهاوية وتخفينى إلى أن ينصرف غضبك عنى وتعين لى أجلا فتذكرنى. إن مات رجل أفيحيا؟ كل أيام جهادى أصبر إلى أن يأتى بدلى تدعو فأنا أجيبك تشتاق إلى عمل يديك " " أيو 14: 13- 15"" أما أنا فقد علمت أن وليى حى، والآخر على الأرض يقوم، وبعد أن يفنى جلدى هذا وبدون جسدى أرى اللّه ".. " أيو 19: 25 و26 " على أنه فى الوقت عينه، وفى الرد على صوفر يبدو أيوب أو بالحرى يقع فى التجربة التى وقع فيها آساف عندى يرى خير الأشرار وفيضهم وبهجتهم، وهو يفزع لهذا كله على النحو الذى يذكره فى الأصحاح الحادى والعشرين!! فإذا جئنا إلى الحوار الثالث وهو الذى يبدأ من الأصحاح الثانى والعشرين حتى نهاية الأصحاح الحادى والثلاثين، فنجد أنه فى هذا الحوار يتخلف صوفر عن الاشتراك فيه. ويتكلم أليفاز فى الأصحاح الثانى والعشرين وبلدد فى الخامس والعشرين، ويجيب أيوب فى الأصحاحات الثالث والعشرين والرابع والعشرين، ومن السادس والعشرين حتى الحادى والثلاثين - ويؤكد أليفاز بشاعة خطية أيوب، كما يتصورها فى الأصحاح الثانى والعشرين، وفى الوقت عينه رحمه اللّه الواسعة متى اتضع أمامه وتاب،... ويضيف بلدد إلى ذلك متحدثاً عن عظمة اللّه وسلطانه، وضعف الإنسان ونقصه: " السلطان والهيبة عنده. هو صانع السلام فى أعاليه، هل من عدد لجنوده وعلى من لا يشرق نوره فكيف يتبرر الإنسان عند اللّه وكيف يزكو مولود المرأة هو ذا نفس القمر لا يضئ والكواكب غير نقية فى عينيه فكم بالحرى الإنسان الرمة وابن آدم الدود " " أيو 25: 2 - 6 " ويرفض أيوب إتهام الرجلين، ويؤكد براءته ويدعمها باستعداده للمثول فى حضرة اللّه، وأنه إذا جربه سيخرج كالذهب، وهو يذكر كم يعانى الأبرار من متاعب، وكم يستمر الأشرار فى ظلمهم،... ومع ذلك فهو يؤكد عظمة اللّه وجلاله ومجده، فى الأصحاح السادس والعشرين، وأن نهاية الأشرار، مهما ارتفعوا وعلوا، قاسية وشنيعة كما يظهر فى الأصحاح السابع والعشرين - ومن الغريب أن الإنسان مهما علا فى الفهم والإدراك والمعرفة العالمية، فهو عاطل تماماً من كل حكمة سماوية كما يظهر فى الأصحاح الثامن والعشرين!!.. ويختم أيوب هذا الحوار بالحديث عن نفسه، فى مجده السابق، وفى حياته العظيمة، وفى مأساته اللاحقة،... دون أن يتخلى عن يقينه بصدق حياته وأمانته أمام اللّه والناس، وأنه ليس لأصدقائه أدنى حق، فيما حاولوا أن يتهموه، أو يلصقوه به!! فإذا أردنا أن نلخص كل مساجلات الحوار التى أشرنا إليه، فهو اتهام يبدأ بالتشكك، ثم تصاعد إلى مرتبة اليقين من أصدقاء أيوب، عن الخطايا المتعددة والجسيمة التى اقترفها صاحبهم سراً أو علنا، والتى لا يمكن أن يتركها اللّه دون عقاب، إذ هو شديد البأس والبطش بالخطاة والأشرار، وهيهات لمجرم أو آثم أن يفلت من بين يديه، وأنه يمكن أن يكون هناك رجاء، لو أن أيوب اتضع فى حضرة اللّه، وندم، ويدفع أيوب عن نفسه سائرالتهم. ويؤكد براءته، ويسجل أن الأبرار وليس الأشرار هم الذين يعانون مرات كثيرة من الظلم والمتاعب والآلام،... وعلى العكس، فما أكثر النعم والمتع والخيرات التى تمتلئ بها بيوت العتاة! وهو لا يعرف السبب الذى من أجله تلاحقت النكبات، والتى قلبت حياته رأساً على عقب،... وهو يتمسك باللّه، وبكماله، وهو يؤمن أن اللّه لابد أن يحقق العدل الذى ضاع فى الأرض ويؤمن بحياة بعد الموت، فصحح فيها كل الأوضاع، ويتم فيها الجزاء الصحيح للأبرار أو الأشرار على حد سواء!!... وإذ ينتهى الحوار عند هذا الحد، دون أن ترجح كفة أيوب أو كفة أصحابه، يدخل أليهو طرف فى الحوار، وقد ظل مستمعاً طوال الوقت وكان أحدث سنا، ولعل هذا هو الذى منعه من المساجلة أولا!!.. ولكنه لا يلبث وقد تمكن منه الغضب على أيوب وأصحابه، أن يدفع فى حديث طويل، يتجه شطره الأكبر إلى أيوب، ما بين الأصحاحات الثانى والثلاثين إلى السابع والثلاثين، والأقل إلى أصحابه،... وفيه يندفع قاسياً فهو لا يقبل تبرير أيوب لنفسه، ويشتد عليه فى الكلام،... وإن كان فى الوقت نفسه يدخل عنصراً جديداً لم يذكره أصحاب أيوب الثلاثة... وهو أن الآلام والمآسى، تأتى من اللّه أساساً فى أغلب الأحوال، وهى تأديبات المحبة، وليست عقوبة الغضب، وأنها مرسلة للتعليم والتقويم والتحذير، دون أن تكون رصداً لخطايا قديمة ينتقم منها!!.. أيوب والسبى المردود:- وفى الأصحاحات الأربعة الأخيرة، تأتى نهاية القصة العظيمة. ويظهر اللّه من خلال العاصفة، ليتحدث إلى أيوب، وإذا كان أصدقاء أيوب جميعاً، قد صمتوا، ولم يعد لهم كلام، ولم يكن لأيوب سوى كلمات قليلة، فإن اللّه يتكلم، وهو لم يأت ليتحاجج مع أيوب أو ليعطيه جواباً على أسئلته، بل أخرجه إلى الطبيعة الواسعة ليعرف منها كيف يكون الجواب!!.. وكان السؤال: هل يستطيع أيوب وهو يرى السماء والنجوم، والبحار والنور، والزوبعة والجليد، والضباب والوحوش، والحيوانات البرية وفرس البحر، والتمساح وغيرها، هل يستطيع أن يخلفها، ويقودها، ويوجهها!؟؟ وهل له القدرة والحكم والسلطان على تسييرها وضبطها وفق النظام الدقيق العظيم الذى تسير به كما يلمح ويشاهد!!؟... ومع أن أيوب سبق أن صاح: " من يعطينى أن أجده فأتى إلى كرسيه. أحسن الدعوى أمامه وأملأ فمى حججاً فأعرف الأقوال التى بها يجيبنى وأفهم ما يقوله لى " " أيو 23: 3 - 5 "... إلا أنه - وقد جاء أمام اللّه فى جلاله العظيم - لم تعد له كلمة أو حجة واحدة يجاوب بها، إذ أدرك حقارته ووضع يده على فمه إذ لا يجد الجواب!!.. وإذا كان اللّه يدير الكون بهذه القدرة الواسعة، والحكمة العظيمة، فهل يستطيع أيوب أمام أسرار اللّه الفائقة أن يبحث سراً واحداً، ويهتدى فيه إلى حل!!؟.. لقد أدرك أيوب، ما ينبغى أن يدركه الإنسان فى كل العصور والأجيال، إن الحياة مفعمة بالأسرار، وأن الإنسان مهما يبلغ من معرفة أو فهم ستأتى عليه اللحظات التى يقف فيها أمام الجلال الإلهى، عارى القدم، مغطى الوجه، لأن الأرض التى يقف عليها أرض مقدسة، وأن أسرار اللّه التى يطويها، (ومن بينها سر الألم) ستبقى مكنونة، ومحفوظة، ومهما قال الإنسان إزاءها: لماذا!!؟ لماذا!!؟ فإنه يجمل به على الدوام أن يقول: " لما كنت طفلا كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن... ولكن لما صرت رجلا أبطلت ما للطفل. فإننا ننظر الآن فى مرآة فى لغز لكن حينئذ وجهاً لوجه، الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت "!! " 1 كو 13: 11 و12 ".نسى أيوب كل حججه أمام اللّه، وإذ سمع صوت القدير انجابت عن نفسه الزوابع والأعاصير، وسكنت مشاعره وقرت نفسه،... إن سر عاصفته هو أنه كان يتكلم عن الرب ويبحث عنه دون أن يجده، ولكنه الآن قد رآه وسمعه، وهناك فرق شاسع بين أن يتكلم الإنسان عن الرب، وأن يكلم الرب،... وبين أن يسمع عن الرب، وأن يسمع الرب. إن سر الشقاء والتعاسة الدائمة للانسان، هو أنه لا يستطيع أن يتبين اللّه أو يسمعه من خلال تجاربه، ولكن أيوب تعلم بعد أن سمعه، أنه وإن كان لا يفهم شيئاً فمن واجبه أن يثق فيه ويؤمن به، وهو إذ يصل إلى هذه النتيجة، يندم على ما فرط منه دون فهم، بل يلتتصق بالتراب والرماد فى الخضوع والتسليم للّه!!.. ملك الشيطان الزمام مؤقتاً، ولكنه خسر المعركة، وسيخسرها على الدوام، لأن اللّه محبة، ولأن السبيل إليه، على الدوام، هو سبيل الإيمان..لم يؤخذ أيوب مع أملاكه إلى الأسر، ولم يذهب بعيداً عن المكان الذى عاش فيه. فلماذا يقال: " ورد الرب سبى أيوب؟ ".. إن الكلمة تعنى نهاية الألم والتعب، والضيق والمشقة، والعسر والمرض،.. أو فى - لغة أخرى - إن عودة الحياة والصحة والأصدقاء والظروف الطيبة، كمن أفلت من الأسر والغربة والبؤس والتشريد، ليعود إلى السلام والبهجة والهدوء والراحة بعد طول البلوى والمعاناة، وهو لم يعد إلى هذه جميعاً، إلا بعد أن جلس مستضعفاً على التراب فى حضرة اللّه،.. ولن يرد اللّه سبينا أو يعيد إلينا المجد والجلال والحياة، إلا ونحن فى وادى الوداعة والتصاغر والاتضاع أمام عظمته الكلية ومجده الأسنى، وهو لن يفعل ذلك قبل أن نغفر لإخوتنا، ونزيل كل مرارة من نفوسنا تجاههم،.. ولم يرض اللّه على أليفاز وصوفر وبلدد، رغم ما تكلموه أو ظنوا أنه يتكلمونه من أجل اللّه،.. ومع أنهم تكلموا جميعاً عن المبادئ السليمة عن اللّه وحقه ومجده العظيم، لكنهم أخطأوا، إذ تحدثوا عن أيوب، وظلموه بما لم يكن لهم به علم، واللّه لا يقبل دفاعاً يستند إلى ظلم، أو حقاً يتمشى إلى جانب القسوة فى الحكم على البائس المسكين. وعفا اللّه عنهم بالذبيحة التى قدمها أيوب من أجلهم!!.. وانتهت قصة أيوب بالبركة المضاعفة، والأولاد السبعة والبنات الثلاث البارعات الجمال،.. وبالحياة الصابرة التى عوضها اللّه كل شئ بسخاء عظيم!!.فى أحد معسكرات أسرى الحرب العالمية الأخيرة، وجدت هذه الكلمات التى كتبها أحدهم: إنى أؤمن بالشمس حتى لو لم تكن ساطعة، وأؤمن بالمحبة حتى ولو لم أحس بها، وأؤمن باللّه حتى ولو صمت ولم يتكلم!!... حقاً نحن لا نعلم ماذا سيأتى به الغد. ولكننا نعلم من يمسك بالغد!!..
المزيد
23 يونيو 2021

التوازن في الفضائل

قال بعض الحكماء في تعريف الفضيلة:'إن الفضيلة هي وضع متوسط بين الإفراط والتفريط' أي التوسط بين الإفراط في الزيادة، والتفريط الذي هو النقص أي أن يسلك فيها الإنسان بميزان الاعتدال. لا يبالغ حتى يصل إلي التطرف، ولا يتهاون فيصل إلي الإهمال..فالمبالغة مرفوضة سواء كانت سلبًا أو إيجابًا.. فما هو ميزان الفضيلة في التدين مثلًا؟ التدين هو الوضع المتوسط بين المغالاة إيجابًا إلي حد التطرف، والمبالغة سلبًا إلي مستوي الاستهتار. كذلك هي الوضع المتوسط بين التشدد في التطبيق إلي درجة التزمت، والمغالاة في التساهل إلي درجة الاستباحة. كذلك في التعامل مع الناس، ما أجمل المثل المصري القديم: 'لا تكن لينًا فَتُعْصَر، ولا يابِسًا فَتُكْسَر' إنها نفس سياسة الاعتدال فلا يصح أن يكون الإنسان متساهلًا في حقوق نفسه، حتى يدوس الغير عليه في امتهان ولا مبالاة. ولا يكون عنيفا في تعامله مع الآخرين، بحيث يصبح موضع بطشهم وانتقامًا منه بسبب شدة تعامله. وأتذكر أنني في شبابي، رثيت احد أساتذتنا الأفاضل، فقلت في بعض أبيات من الشعر: يا قويا ليس في طبعه عنف ووديعا ليس في ذاته ضعف يا حكيما أدب الناس وفي زجره حب وفي صوته عطف لك أسلوب 'نزيه' طاهر ولسان أبيض الألفاظ عف وهكذا توجد حدود للطيبة فلا يبالغ فيها حتى تبدو وكأنها لون من ضعف الشخصية كما لا يبالغ في الحزم حتى يتحول إلي عنف وبهذا توضع قاعدة للتربية، يسلك بها الآباء نحو أبنائهم. يشعر فيها الابن بحب أبيه وعطفه، وفي نفس الوقت بكرامة أبيه وهيبته والأب في معاملة الابن، يحنو بغير تدليل، ويؤدب بغير قسوة. لا يهمل التأديب بسبب الحب، ولا ينسي الحب حينما يؤدب. نفس الوضع بين الاحترام والدالة: ففي علاقة كل شخص برؤسائه وأولي الأمر منه: عليه أن يحترم رئيسه في غير خوف وان عامله رئيسه بدالة، لا يستغل الدالة بحيث يفرط فيما يليق بالرئيس من هيبة وتوقير. وتطبق نفس القاعدة بالنسبة إلي الطاعة: فعلي الصغار أن يطيعوا الكبار، ولكن ليس بلون من العبودية أو صغر النفس. وعليهم أن يطيعوا الأوامر، لا بأسلوب يفقدون فيه شخصياتهم، أو يصبحون كقطع من الشطرنج يحركها الكبار..! إنما يكون هناك توازن في الطاعة. بحيث يطيع كل شخص رئيسه، وفي نفس الوقت يطيع ضميره، ويطيع القيم السليمة. ولا مانع في سبيل ذلك من السؤال والحوار وإبداء الرأي. إن عبارة 'الطاعة العمياء' تحتاج إلي تفسير ولا تنفذ ألا في حدود معينة لا تتنافي مع القيم. مبدأ التوازن يطبق أيضًا في موضوع الحرية: بحيث تأخذ الحرية وضعًا متوسطًا بين الكبت والتسيب فلا تمنع الحرية في كبت وإجبار، حيث يفقد الشخص الشعور بإنسانيته، كما يفقد إرادته، وكأنه مسير رغم أنفه! ومن الناحية الأخرى لا تطلق الحرية بلا ضابط، حتى تصل إلي التسيب، ويتصرف فيها الشخص بلا رادع يردعه عن أخطائه!والحل الأمثل هو الوضع المتوسط بين الضبط والضغط.وحبذا لو حدث ذلك عن طريق التوعية والتربية والإرشاد. بحيث يسلك الإنسان في طريق مستقيم، منضبطًا بدافع من اقتناعه ونقاء قلبه، دون ضغط عليه من الخارج. التوازن ينطبق أيضا علي الوضع المتوسط بين الصمت والكلام: فلا يبالغ الإنسان في الكلام حتى يصل إلي الثرثرة، أو التحدث في ما لا يليق، وما لا يخصه، وما ليس في معرفته. ولا يكثر من الكلام حتى يمل سامعوه. كما يحرص أن يتكلم دون أن يخطئ، ودون أن ينطبق عليه قول الحكيم 'لَيْتَكُمْ تَصْمُتُونَ صَمْتًا. يَكُونُ ذلِكَ لَكُمْ حِكْمَةً' (سفر أيوب 13: 5).ومن الناحية الأخرى لا يبالغ في الصمت، حتى يحسب عيبًا.. بل يتكلم حين يحسن الكلام، ويصمت حين يجب الصمت. ويحفظ التوازن بين صمته وكلامه. هناك توازن أيضا في معني الشجاعة وفي استخدامها: الشجاعة لازمة في الدفاع عن الحق، وفي نصرة المظلوم، وفي رفض الظلم (اقرأ مقالًا عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في قسم الأسئلة والمقالات)والاستبداد ولكن لها حدودًا. فلا يجوز أن تصل إلي التهور واللامبالاة. كما لا تكون بأسلوب من الطيش والاندفاع وعدم التروي ولا يكون الدافع إليها بأسباب خاطئة أنها شيء محبوب إذا مورست في حكمة، وبطريقة سليمة. نتكلم أيضا عن توازن في مفهوم القوة واستخدامها القوة لا يجوز أن تتطور إلي العنف أو البطش أو الاعتداء علي الغير. إنما تكون أولا في قوة الشخصية وقوة الإقناع، وفي الحكمة وحسن التصرف، والبعد عن التجبر وتهديد الآخرين. التوازن يكون أيضا في المديح وفي النقد: فالمديح المتزن يكون تعبيرا عن تقدير الغير في صفاتهم السامية، أو تصرفاتهم الحسنة. ولكن لا يجوز أن يبالغ احد في المديح، حتى يصل إلي التملق أو النفاق، ولا يكون برياء أو عدم صدق! كذلك لا يبالغ احد من الناحية المضادة، بحيث لا يمدح علي الإطلاق! وإنما يجب أن يعطي لكل ذي حق حقه من التكريم بالنسبة إلي الكبار، ومن التشجيع بالنسبة إلي المبتدئين والصغار.كذلك في النقد، لا يصح أن يصل إلي مستوي الذم والسب والإهانة والتشهير. فلك أن تنقد ­في مجال النقد­ ولكن ليس لك أن تجرح الناس أو تحط من كرامتهم فللنقد حدود. وفي هذا المجال، هناك فرق بين الصراحة والإهانة: بدافع من الإخلاص، يمكن للصديق أن يتكلم في صراحة، لكن في مودة ولا تخرج الصراحة عن حدودها إلي جرح المشاعر. فهنا تعتبر إهانة، ولا تكون مقبولة وأيضا في غير مجال الصداقة، يمكن أن يكون الإنسان صريحًا. إنما لا يكون هدامًا في صراحته. له أن يوضح الأمور، وقد يذكر الأخطاء، في أدب وبغير تحقير. وأيضًا يكون عادلا، لا يتجني في صراحته. كما تكون صراحته ممتزجة بالصدق، مع ذكر نقاط المديح أن وجدت مختلطة بالأخطاء. كأن يمدح الهدف مثلًا، وينقد الوسيلة. وفي الحياة الخاصة يكون هناك توازن في المتعة واللهو والمرح: من حق الإنسان أن يتمتع بأمور جائزة ومحللة. ولكن لا يبالغ في المتعة بحيث تصل إلي الفجور. ولا يخرج المرح عن حدوده، حتى يصل إلي التهريج! أو أن يمتزج اللهو بأخطاء لا يرضي عنها الضمير. كذلك من حق الإنسان أن يفرح، بحيث لا يتبذل في أفراحه.أيضا من حق المرأة أن تتزين، دون أن تبالغ في زينتها حتى تصل إلي التبرج وإلي الفتنة وإعثار الآخرين! الفن أيضًا يجب ألا يخرج عن معناه، وان يحتفظ بتوازنه فلا يتطور إلي أساليب ومعان لا تليق..! إننا لا ننكر جمال الفن ولزومه. ولكن تبقي أمامنا أسئلة: ما هو الفن؟ وهل كل ما يسمونه فنا، هو فن بالحقيقة؟ ثم ما هي أهداف الفن؟ وهل هو يحقق أهدافه؟ الرسم فن، والموسيقي فن، والغناء فن، والتمثيل فن، والتصوير فن، والنحت فن.. وما أجمل أن تكون للفنون أهداف سامية ورسالة نبيلة وحش هو لقب 'الفنون الجميلة' وحبذا لو وجد التوازن بين الهدف من الفن، والوسيلة في الأداء والتعبير.. وهذا الموضوع طويل. أخيرا نقول أن كل ما ذكرناه في موضوع التوازن، هو مجرد أمثلة بسيطة للتوضيح ويبقي المجال مفتوحًا. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل