المقالات

20 مايو 2022

المسيح هو الطريق

أجمل ما في مسيحيّتنا هو شخص المسيح نفسه.. فنحن لسنا مجرّد "أهل كتاب" كما يدعونا البعض، ولكنّنا "أهل شخص"؛ أحبّنا إلى المنتهى.. أخذ جسدنا، وهزم الموت لحسابنا، وفتح لنا باب العضويّة في جسده، لكي يهبنا الحياة فيه..في حديث السيّد المسيح المُمتِع مع توما، في ليلة الصليب، ألمح له وللتلاميذ أنّه سيتركهم، ولكنّهم سيعرفون أين سيذهب، وسيعلمون الطريق.. فتحيّر توما بالأكثر، وقال له: «يَا سَيِّدُ، لَسْنَا نَعْلَمُ أَيْنَ تَذْهَبُ، فَكَيْفَ نَقْدِرُ أَنْ نَعْرِفَ الطَّرِيقَ؟ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.» (يو14: 4-6)..هنا ينفتح لنا مفهوم جميل، وهو أنّه بوجودنا في المسيح فنحن في الطريق المؤدّي إلى الله.. وحول هذا المفهوم عاشت الكنيسة منذ عصر الرسل وحتّى الآن.. فقد كان المسيحيّون الأوائل، يُسَمَّوْن «أهل الطريق»، كما جاء في سِفر أعمال الرسل (أع9: 2 - أع19: 9، 23 - أع22: 4 - أع24: 14، 22)..!أحيانًا ننزعج، عندما نفكّر في كلام السيّد المسيح عن الطريق المؤدّي إلى الحياة (مت7: 13-14)، عندما وصفه بأنّه طريق كرب، وبابه ضيّق جدًّا.. ولكن بعد أن فهمنا أنّ الطريق هو المسيح نفسه، فهذا يطمئنّا جدًّا، بأنّ ثباتنا في المسيح سيضمن لنا الوصول بكلّ تأكيد..!لكن لعلّنا نفكِّر، ما هو دورنا نحن بالتحديد؟! فإذا كان السيّد المسيح هو الطريق، هو طريق الخلاص، هو طريق الحياة الأبديّة.. فماذا نفعل لكي نضمن الخلاص والحياة الأبديّة؟!ينبّهنا القديس بولس الرسول قائلاً: «كَمَا قَبِلْتُمُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ الرَّبَّ اسْلُكُوا فِيهِ، مُتَأَصِّلِينَ وَمَبْنِيِّينَ فِيهِ..» (كو1: 6-7).. فسلوكنا وكلّ تصرفاتنا ينبغي أن تكون نابعة من عضويّتنا في المسيح؛ فهو الطريق الذي يحملنا فيه..وأيضًا يضع لنا القديس بطرس الرسول في رسالته الثانية (2بط1: 3-11) روشتّة متكاملة عن كيفيّة السلوك في الطريق.. فبعد أن يؤكِّد لنا أنّه قد وُهِبَت لنا المواعيد العُظمى والثمينة، وصِرنا شركاء الطبيعة الإلهيّة، باتحادنا بالمسيح.. يطلب مِنّا ما يلي:1- رفض الفساد والشهوات العالميّة، بل والهروب منها تمامًا.2- بذل كلّ الجهد في النمو الروحي.. فنُضيف على الفضيلة معرفة نقيّة وصبرًا، ونتحلّى بمخافة الله والمودّة الأخويّة، ويمتلئ قلبنا حُبًّا للجميع..3- تثبيت أقدامنا في طريق الذي اختارنا ودعانا هذه الدعوة السماويّة.ثمّ يختم كلامه بالقول: «أَنَّهُ هكَذَا يُقَدَّمُ لَكُمْ بِسِعَةٍ دُخُولٌ إِلَى مَلَكُوتِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ الأَبَدِيِّ».. وهذا كلام مُشجِّع جدًّا، ويُعني أنّه إذا سلكنا حسب الخطوات السابقة، سيكون باب الملكوت مفتوحًا لنا على اتّساعِهِ.. وسيكون السير في الطريق مُمتِعًا، ومُفرِحًا.. وغاية في الأمان والطمأنينة..!فإذا كان الأمر هكذا، فلماذا يصفّ الرب يسوع الباب بأنّه ضيّق والطريق أنّه كَرْبٌ وصعب، مادام الطريق هو المسيح نفسه..؟!الحقيقة أنّ صعوبة الطريق تأتي من أنّ المسيح الذي نحن ثابتون فيه هو مسيحٌ مصلوب، ومُهان، ومجروح، ومرفوض من العالم.. مع أنّه قائم وغالبٌ أيضًا..!الطريق بالتأكيد مؤدّي إلى الحياة، ولكنّه يمرّ عبر أرض غربة هذا العالم، وسط مقاومة شرسة من عدوّ الخير.. ولذلك فإنّ السائر فيه بثبات ينبغي أن يتألّم مع المسيح، كعضو في جسده.. لابد أن يأخُذ نصيبه من آلام هذا الجسد الذي دخل إلى عضويّته بالمعموديّة (1كو12: 13)، لكي يأخُذ أيضًا نصيبه من المجد والقوّة والفرح..! القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
19 مايو 2022

شخصيات الكتاب المقدس سنبلط

سنبلط " ولما سمع سنبلط أننا آخذون فى بناء السور غضب واغتاظ كثيرا "" نح 4: 1 " مقدمة سنبلط واحد من أقدم الأسماء التى تقف على رأس كل تعصب دينى أو جنسى أو اجتماعى أو ثقافى فى الأرض!!.. ولا يمكن أن تعرف قصته الصحيحة، وقصة طوبيا العبد العمونى، وجشم العربى، قبل أن تعلم أنه وقف على رأس الصراع، لأنه كان سامرياً تشرب روح الحقد والبغض والشر لكل ما هو يهودى، الحقد الذى عاش مئات السنين حتى نراه على لسان السامرية وهى تقول للمسيح: « كيف تطلب منى لتشرب وأنت يهودى وأنا امرأة سامرية ».. " يو 4: 9 " لأن اليهود لا يعاملون السامريين، وعندما رفضت إحدى قرى السامريين أن تقبل المسيح ثار ابنا زبدى، وطلبا من السيد أن تنزل نار من السماء لتحرق القرية بأكملها، وزجرهما المسيح قائلا: « من أى روح أنتما؟!.. " لو 9: 55 " ولكنها - على أية حال - روح التعصب التى تنتقل على مر العصور والأجيال، وتأخذ ألوانها المتعددة بين الناس، فى الصراع بين العبد والحر، والأسود والأبيض، والشيوعى والرأسمالى، ومختلف الأديان والعقائد والمذاهب،... وكم سالت الدماء أنهاراً لهذه الدوافع الرهيبة الكريهة الحمقاء بين بنى البشر من فجر التاريخ وإلى يومنا الحاضر، دون أدنى توقف أو تردد أو خشية أو تسامح أو تعقل!!..ولعله من المناسب لهذا أن نتعرض لقصته ونعرف كيف يضيع أكثر الجهد البشرى فيما هو ضار وبشع ومخيف، بسبب الأشخاص الممتلئين بالتعصب الأعمى الممقوت!!... ولهذا يحسن أن نراه من الجوانب اتالية: سنبلط وعداوته الأسم سنبلط يعنى « سن معطى الحياة » وسن هذا كان إله القمر الذى يتعبدون له،... وفى مخطوطات البردى التى وجدت فى معبد الفيلة بمصر، ذكر اسم سنبلط كحاكم السامرة فى وقت داريوس الثانى حوالى عام 407 ق.م.، وكان له ولدان يحملان أسماء عبرانية اسم أحدهما دلايا، والاسم الآخر شلمايا،.. وهو على أية حال وقف مع طوبيا العبد العمونى، وجشم العربى وقفة العداء المستحكم من نحميا وأورشليم، وبدأت بين الفريقين حرب حياة أو موت، والسر فى هذا كله، اعتقاد سنبلط الجازم بأن قوة أورشليم ضعف للسامرة، وأن حياتها فناء لبلده، أو على أقل تقدير، على حساب السامرة ومجدها وجلالها وعظمتها!!... وفى الحقيقة أن سر العداء والحزبية البغيضة والقاتلة بين الناس، هو فيما يطلق عليه « المزاحمة »، إذ أن الأرض، مهما اتسعت، لا تتسع فى تصور المتزاحمين لاثنين يجمعهما مكان واحد، أو مكانان متقاربان أو مجالان فيهما شبهة التزاحم أو التضارب أو التنافس،... وقد ضاقت الأرض كلها أمام أول أخوين، إذ لم يستطع قايين أن يرفع وجهه أو يأخذ مكانه، طالما كان هناك هابيل أخوه على وجه الأرض، وطالما حظى بالرضا الإلهى، والسمو الذى يجعله متقدماً عنه، وهو الأصغر. وربما الأضأل حجماً وشكلا!!... ولم تتسع الأرض كلها أمام لامك، ومن تعدى عليه، والمظنون أنه كان بسبب أمور نسائية: « اسمعا قولى يا أمرأتى لامك، وأصغيا لكلامى. فإنى قتلت رجلا لجرحى، وفتى لشدخى »" تك 4: 23 "... وكيف تحتمل الأرض المتصارعين على امرأة والمتقاتلين فى سبيلها، وقد نشبت حرب تروادة من أجل هيلين اليونانية الجميلة والصراع عليها!!؟... فإذا تحولنا إلى إبراهيم ولوط، أو إلى إسحاق وإسماعيل، أو إلى يعقوب وعيسو، لوجدنا أن المزاحمة القاسية لم تمكنهم من البقاء فى وحدة واحدة أو جيرة متقاربة،.... كان داود ولداً محبوباً جداً من شاول، إلى أن تغنت بنات إسرائيل: « ضرب شاول ألوفه وداوود ربواته » " 1 صم 18: 7 " وإذا به يقول ليوناثان ابنه: « لأنه مادام بن يسى حياً على الأرض لا تثبت أنت ولا مملكتك. والآن أرسل وأت به إلىّ لأنه ابن الموت هو ».. " 1صم 20: 31 ".إن التاريخ حافل بصراع البيوت المختلفة على القوة والجاه والنفوذ والسيطرة فهى تتصاهر أو تتقاتل، وهى تحب أو تحقد، وهى تتعاهد أو تتآمر بدافع المزاحمة للوصول إلى المكان الأسمى والأفضل!! والدولة فى كافة الصور والألوان تتصارع صراعها الخفى أو المنظور، من أجل مصالحها المتعارضة المتضاربة، وهى تعقد المعاهدات أو تثير الحروب تبعاً لهذه المزاحمة العنيفة القاسية،... والعداوة والصداقة بينها تدور وجوداً وعدماً تبعاً لمصالحها المختلفة المتضاربة المتشابكة!!.. والنظم الاجتماعية والاقتصادية تلعب دورها الرهيب فى هذا المجال!!.. فالصراع بين العبد والحر، وبين الأسود والأبيض، وبين الفقير والغنى، والشيوعى والرأسمالى جعلت الإنسان بلا عقل، وحولته وحشاً ضارياً يبطش بأخيه الإنسان دون وازع أو زاجر من ضمير أو إنسانية،... فإذا انتهينا إلى ما هو أرهب وأقسى ونعنى به صراع الأديان منذ فجر التاريخ، وصراع المذاهب المختلفة فى الدين الواحد،... لتعجبنا للمذابح والمجازر التى جرت فيها الدماء أنهاراً باسم الدين، الذى تحول اسمه الجميل إلى أبشع ما عرف الإنسان من حقد وكراهية وطغيان وانتقام!!... ومن الموسف أو المؤلم أنه باسم المسيح، حدثت المعارك المذهبية، ومذبحة سان بارثولميو، وغيرها من صور المعارك المتكررة فى أحشاء التاريخ، ومن الموسف أو المؤلم أن يتقدم زنجى أمريكى إلى راعى كنيسة من كنائس البيض يطلب أن ينضم إلى عضوية الكنيسة، وقد ارتبك الراعى لطلب هذا الزنجى، وتحير كثيراً، إذ كيف يستطيع أن يرفض طلبه، وهو شخص مشهود له بالحياة المسيحية التى تجيز له القبول فى عضوية الكنيسة، وكيف يقبله،الكنيسة لا تقبل إلا البيض فى عضويتها، وإذ لم يكن له من جواب ينقذه من حرج الموقف قال للزنجى: دعنا نصلى ونتقابل فيما بعد لنرى ماذا يقول المسيح لنا!!؟ وقد كان هذا الجواب كافياً لأن يفهم منه الزنجى أن طلبه مرفوض، فخرج متألماً ولم يعد لمقابلة الراعى … غير أنه حدث أن تقابل الاثنان صدفة فى الشارع بعد ذلك بمدة، فقال الراعى، وقد أراد أن يغطى موقفه الأول، لم لم تحضر إلى مرة أخرى … ألم نتفق على المقابلة ثانية!!؟ فأجابه الزنجى: لقد صليت وأخذت الجواب!!... وإذ سأله الراعى ماذا قال له المسيح أجاب: لقد قال لى لا تحزن، فأنا نفسى واقف على باب هذه الكنيسة منذ عشرة أعوام دون أن يسمح لى أحد بالدخول فيها!! وقد يكون هذا الجواب لاذعاً،.. لكنه فى واقع الأمر الصورة الدقيقة لما يحدث فى عالمنا الحاضر، باسم الدين، وتحت مظلته!!.. سنبلط وأسلحته شاء اللّه أن يعطينا صورة واضحة لأسلحة سنبلط، لا لأنها أسلحة قديمة، يلزم أن نعرفها، كما نتعرف على القوس والسهام والترس والحراب التى تعود الناس أن يقاتلوا بها، قبل أن يعرف العالم أسلحة الدمار والتخريب الحديثة المعروفة فى الوقت الحالى!!.. فالحقيقة أن سنبلط يتكرر فى كل جيل وعصر وأسلحته القديمة تظهر فى حياة الإنسان العصرى سواء بسواء!!.. ولعل أول سلاح استخدمه هو السخرية: « ولما سمع سنبلط الحورونى وطوبيا العبد العمونى وجشم العربى هزأوا بنا واحتقرونا » " نح 2: 19 ".. « ولما سمع سنبلط أننا آخذون فى بناء السور غضب واغتاظ كثيراً وهزأ باليهود وتكلم أمام إخوته وجيش السامرة وقال ماذا يعمل اليهود الضعفاء. هل يتركونهم؟. هل يذبحون؟. هل يكملون فى يوم؟ هل يحيون الحجارة من كوم التراب وهى محرقة؟ وكان طوبيا العمونى بجانبه، فقال إن ما يبنونه إذا صعد ثعلب فإنه يهدم حجارة حائطهم، إسمع يا إلهنا لأننا قد صرنا احتقاراً » " نح 4: 1 - 4 ".. والسخرية فى العادة هى التعبير االدقيق عن الكبرياء والتعالى والحقد والضغينة والمرارة والكراهية، التى تظهر فى لغة الإنسان ولفظه،... وهى التمنى الأسود الذى قد يظهر فى الفكاهة أو النكتة أو الشتيمة أو الملحمة أو ما أشبه من عبارات أو ألفاظ،... وهى المحاولة التى يبدأ بها الإنسان لإرضاء نفسه، قبل أن يرضى الآخرين، إذ هى الصورة الذهنية لما يتمناه لعدوه أو خصمه - سواء أكان يدرى أو لا يدرى - فى لغته وكلامه،... ولم يكن سنبلط يرى فى خياله إلا مدينة أورشليم وهى أكوام من تراب محرقة بالنار، بدون ذبيحة أو مذبح، يسكنها جماعة من الضعفاء والتعساء البائسين،.. وكان طوبيا يتخيل المدينة وقد امتلأت بالثعالب وبنات آوى، والثعلب يقفز هنا وهناك بين خرائبها، ليهدم البقية الباقية من أنقاضها لكى تسوى بتراب الأرض،... وكلاهما يستريح إلى هذا الخيال الذى يملأ ذهنه، ويحلو أن يعبر عنه بما يصادفه من ملحة أو نكتة، وإذا صح ما يتجه إلىه رجال علم النفس من أن النكتة ليست إلا انعكاساً للكبت النفسى، وأن الفرد أو الشعب الذى يحسنها، قد يكون فى الحقيقة معذباً فى داخله، يسرى عن نفسه أو يخادعها أو يغطيها أو يتجاهلها، باللفظ المضحك أو الرواية الساخرة،... وقد تحول العذاب النفسى لسنبلط وطوبيا وجشم إلى الهزل الذى به يواجهون نحميا فى بناء سور أورشليم!!... والسخرية إلى جانب ذلك هى نوع من المداورة تجاه العجز عن العمل،... ومن ثم تظهر فى العادة تعويضاً فى الشعوب المغلوبة على أمرها، إفصاحاً عن السخط العاجز عن أى سلاح آخر قد يحمله الإنسان لاقتضاء حقه، ودفع ما يتعرض له من ظلم أو شر!!.. ولما لم يكن لدى سنبلط شئ فى البداءة يستخدمه ضد نحميا، أسرع بسلاح السخرية يجرب حده، ومفعوله، تعبيراً للوصف الكتابى الدقيق: « ولما سمع سنبلط الحورونى وطوبيا العبد العمونى ساءهما مساءة عظيمة لأنه جاء رجل يطلب خيراً لبنى إسرائيل».. " نح 2: 10 " وكان سنبلط - إلى جانب السخرية - مفترياً، وهو يذكر بشاول الطرسوسى عندما كتب عن نفسه يسجل تاريخه الآثم فى القول: « كنت مجدفاً ومضطهداً ومفتريا ».. (1 تى 1: 13) والافتراء هو الكذب الذى يأخذ صورة النميمة والوقيعة، وقد أراد سنبلط أن يستعدى الملك على نحميا فادعى: « ما هذا الأمر الذى أنتم عاملون، أعلى الملك تتمردون» " نح 2: 19 ".. وليس على المفترى إلا أن يكذب، ويصور الأمور على العكس ما هى عليه، ويكررها حتى يبدأ هو فى تصديقها، ثم يشيعها لعلها تأتى بالمقصود منها... والافتراء هو السلاح الذي صال به المتآمرون وجالوا فى كل عصور التاريخ، فجعلوا الحلو مراً، والمر حلواً، والظلام نوراً، والنور ظلاماً،.. ألم تستخدمه إيزابل باتهام نابوت اليزرعيلى بالتجديف على اللّه والملك؟ وليس أيسر من إثبات التهمة بإشاعة الجو المناسب لها بالصوم والصلاة، وإبداء الحزن عليها كأعظم جريمة يتصور وقوعها فى ذلك الحين، فإذا وجد الشاهدان اللذان يمكن أن يعدا للشهادة بذلك، فالعقوبة لا تلحق بنابوت وحده، بل لابد لفظاعتها ورهبتها، أن تجرف أسرته معه، فيرجم الكل، ويصبح الكرم بلا وارث، فيرثه الملك بحكم تقليد كان متبعاً وقتئذ!!.. وألم يستخدمه اليهود فى أكبر جريمة فى التاريخ بتصوير يسوع المسيح، ثأثراً على قيصر، ولابد من وضع حد لهذه الثورة بالصليب!! وما أكثر ضحايا الافتراء من الشهداء الذين ذهبوا كاستفانوس، تلصق بهم أبشع التهم وأقساها وأحطها، وهم منها جميعاً براء، ولكنه الافتراء والكذب اللذان استخدمهما الشيطان منذ القديم، وربما من فوق المنابر التى هى أساساً للنداء بالحق!!.. ويكفى أن ننقل صورة لعظة ألقاها أحد رجال الدين ممن حملوا قرار حرمان مارتن لوثر إلى كنيسة ألمانية، وقد قال فى روتشبرج ما يلى: « أيها الآباء والأخوة والأبناء، إن الكنيسة عانت طويلاً من سم حية نشأت بين أحضانها، هذه الحية هى مارتن لوثر، والسم هو تعاليمه التى ينشرها... ولا حاجة إلى أن أخبركم عن قصة ضلاله فهو أولا فى كبرياء قلبه يحتج على المحبة العظمى فى قلب أبينا البابا المقدس الذى جعل من الميسور بيع غفران الخطايا عند أبوابنا،... وهو فى هذا يؤذى الكنيسة إذ يعظ ضد الصكوك المقدسة والغفرانات، ويمنع خلاص النفوس، وهو قد كتب حججاً كاذبة وسمرها على باب الكنيسة وتنبرج، وانتشرت من هناك فى كل ألمانيا، وكثيرون يموتون فى خطاياهم، ويذهبون إلى الجحيم بسبب هذه الحجج، وقد كانت الكنيسة مترفقة به، إذ وعدته بالعفو إذا تراجع، وأعطته الفرصة ليظهر فى أوجسبرج أمام قداسة الكاردينال جاجيتان الذى تعامل معه بلطف، ولكن دون جدوى، وبعد هروبه الجبان من أوجسبرج كان له الشرف أن يتقابل مع دكتور إيك العظيم الذى تغلب عليه تماماً، ومع ذلك فهو ما يزال ينشر أكاذيبه فى كل مكان، وقد أضحى الآن أكثر غطرسة وقسوة،.. إذ لم يكتف بمهاجمة الغفرانات، بل بدأ يهاجم البابا نفسه، وقد كتب كتباً متعددة ممتلئة بالباطل والأضاليل، وزرع الشوك فى عقول الكثيرين من أبناء الكنيسة المؤمنين، وأبعد آلافاًعن الأم الوحيدة الحقيقية، الكنيسة، ولهذا فإن البابا عزم على أن يضع حداً لهذا الهرطوقى الكبير وأبى الأكاذيب »...كان سنبلط من أقدم الناس الذين لجأوا إلى الافتراء فى مقاومة نحميا بمحاولة استعداء الملك ضد الرجل الذى وثق به، وجعله من فرط الثقة فيه ساقياً له!!... ولم يكتف سنبلط بذلك، بل لجأ إلى سلاح الغدر باستخدام عنصر المفاجأة فى الحرب،... ولما سمع سنبلط وطوبيا والعرب والعمونيون والاشدوديون أن أسوار أورشليم قد رممت والثغر ابتدأت تسد غضبوا جداً وتآمروا جميعهم معاً أن يأتوا ويحاربوا أورشليم ويعملوا بها ضرراً... وقال أعداؤنا لا يعلمون ولا يرون حتى ندخل إلى وسطهم ونقتلهم ونوقف العمل »" نح 4: 7 - 11 ".. والغدر من أشر الأسلحة الشيطانية، منذ ذلك اليوم الذى قتل فيه قايين أخاه الآمن الوادع عندما دعاه ليذهب معه إلى الحقل وقام هناك على أخيه وقتله،... ومنذ أن باع أخوة يوسف أخاهم وغمسوا قميصه فى الدم، وسلموه إلى أبيه الذى أكد أن وحشاً افترس ابنه، ولم يعلم أن الوحش كان أبناءه أخوة يوسف،.. ومنذ أن صاح يوليوس قيصر عندما انهالت عليه الطعنات: « حتى أنت يابروتس »... وكم بيت المتآمرون الخطط والمؤامرات حتى يفاجأ الضحايا: « لا يعلمون ولا يرون حتى تدخل إلى وسطهم ونقتلهم ».. ولم يردع الغادرين أيام نحميا إلا علمه بالنية الغادرة، واستعداده لمواجهتها!!.. فإذا لم يكن هناك من سبيل إلى الحرب الخارجية، فلا بأس من الحرب الداخلية، فيما أطلق عليه فى الحرب العالمية الأخيرة الطابور الخامس، وهم جماعات الحزنة، والنفعيين، والوصوليين، وقد كانوا كثيرين أيام نحميا فأشاعوا الرعب، والمذمة، والتذمر حتى تكل الأيدى عن العمل، وحتى يستولى اليأس والقنوط على العاملين،... وحتى تنطفئ الجذوة الممتلئة بالحماس والولاء والنشاط فى الخدمة،... لست أعلم مدى الصدق فى قول الرجل الذي صاح: « ربى احمنى من أصدقائى أما أعدائى فأعرف كيف أقابلهم »... فأنا إنسان أحتاج مع نحميا إلى حماية اللّه من الصديق ومن العدو أيضاً،... لكن الحقيقة المريرة أن الذين قد يكونون معنا فى الكنيسة، هم أشد ضراوة وقسوة من الذين نواجههم فى الخارج،... لقد كان المتآمرون يوم المسيح فى حاجة إلى يهوذا الأسخريوطى حتى تنجح مؤامرتهم البشعة الرهيبة،... وفى أيام نحميا يكفى القول: « وكان واحد من بنى يوياداع بن الياشيب الكاهن العظيم صهراً لسنبلط الحورونى فطردته من عندى » " نح 13: 28 " دانية سنبلط المتزوجة بابن الكاهن العظيم، كان يمكن أن تفعل الكثير مما فعلته إيزابل من قبل فى شعب اللّه!!.. وكان يمكن للكثيرين من المتحالفين مع سنبلط أو المتعاطفين معه، أن يضروا بالقضية ضرراً بالغاً، لولا شجاعة نحميا ومقاومته الباسلة لهم!!...على أنه وقد عجزت هذه الأسلحة جميعها عن إسقاط الرجل، عمد سنبلط إلى سلاح آخر، يمكن أن نطلق عليه سلاح المداهنة بغية اللقاء والتشاور والتفاهم، فى الوقت الذى يبطنون الشر له، يزعمون أن اللقاء للخير ولمصلحة الجميع، وكل مرادهم إدخاله فى متاهة النظريات والمفاوضات وما تحفل به من كلام منمق، وقبلات حلوة، وولائم كريمة، إنه مزج السم بالدسم ومحاولة إبعاد الرجل عن العمل الجاد، وصرفه عنه بالحيل والأساليب الملتوية الشيطانية،... وإنها لأكبر كارثة فى حياة فرد أو أمة أو شعب، إبطاء العمل أو تأجيله حتى تنتهى اللجان المعينة من درسه، والأخذ بأفضل الوسائل للوصول به إلى غايته،... وليس أبلغ من سخرية أحدهم عندما قال: « إن اللّه صنع العالم فى ستة أيام لأنه لم تكن هناك لجنة معينة للعمل!!..والسلاح الأخير الذى حاول سنبلط استخدامه للقضاء على عمل نحميا، هو إسقاط القيادة أمام الشعب وإظهارها بمظهر الخوف والجبن إذ استأجر شمعيا بن دلايا من الكهنة، والذى كان يسكن فى بيت اللّه، لكى يدعو نحميا للدخول إلى بيت اللّه فى الهيكل على زعم أنه المكان الذى يمكن أن يختبئ فيه عن أعين الذين قد عقدوا العزم على أن يأتوه فى الليل ليقتلوه،... وهو لم يقصد حمايته، بل قصد فى الواقع تعريته ليظهر أمام الناس بمظهر القائد الجبان الذي يخاف على نفسه وعلى مصيره،.. لقد كان نحميا هو قائد الحركة وزعيمها البارز، فإذا ظهر أنه إنسان يبحث عن سلامته الخاصة، فى وقت ينبغى أن يقود الصفوف، وأن يبرز أمامها، فهنا الكارثة، إذ تتلطخ سمعته بالوحل، فينصرف الناس عنه، ويشكون فى خدمته وعمله ورسالته!!... ولكن نحميا فطن إلى الهدف الخبيث، وصاح صيحته العظيمة المدوية: « أرجل مثلى يهرب ومن مثلى يدخل الهيكل فيحيا؟ لا أدخل ».. " نح 6: 11 " عندما حاولوا تخويف لوثر بالقول أنه لن يعود من ورمس حياً، … وعندما جاءه رسول من قبل صديق من النبلاء الألمان بهذا.. قال للرجل: « اذهب وقل لسيدك إنه لو كان هناك شياطين فى ورمس بعدد القراميد على سطوح المنازل فإنى سأذهب إلى هناك »...!!.. سنبلط: الرد على أسلحته وصراعه من الطريف أن أحدهم، وهو يتحدث عن أسلحة سنبلط، شبهه ببعض البنادق التى أرسلت إلى الانجليز فى حرب البربر فى جنوب إفريقيا، وقد أراد الانجليز أن يجربوا فاعلية هذه الأسلحة ومدى بلوغها الهدف،... كانوا على رابية، وأبصروا على رابية أخرى، بالمنظار المكبر، قطيعاً من الماعز عدده عشرة، فجعلوها هدفهم، وأطلقوا عليها عشرين طلقة، ثم ذهبوا إلى المكان ليروا أن العشرة تحولت إلى إحدى عشر من الماعز، لأن واحدة فى ذلك الوقت ولدت أخرى!!... لم يفشل سنبلط فحسب، بكل أسلحته، بل أعطانا صورة للنجاح الذى تتمخض عنه خدمة اللّه فى وسط الشدائد والمتاعب والمقاومات، وهذا ما يحدث دائماً فى كل جيل وعصر، عندما يصنع اللّه من الشر خيراً، ومن الآكل أكلا ومن الجافى حلاوة،... ومن حقنا ونحن فى قلب المؤامرات الشريرة التى لا تنتهى طالما بقى أشرار ومؤمنون على الأرض،... أن نسأل كيف نقاوم الشر وننتصر عليه؟.. ومن اللازم أن نعلم بادئ ذى بدء، أننا: « وإن كنا نسلك فى الجسد لسنا حسب الجسد نحارب. إذ أسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة باللّه على هدم حصون. هادمين ظنوناً وكل علو يرتفع ضد معرفة اللّه ومستأثرين كل فكر إلى طاعة المسيح » " 2 كو 10: 3 - 5 ".. لقد كان السلاح الأول فى مواجهة سنبلط هو سلاح الإيمان،.. إذ أن حركة نحميا من أولها إلى آخرها كانت تتميز بالإيمان،.. وهذا الإيمان بدأ من أول الأمر فى عزلة النقاوة التى رفضت الاختلاط أو التعاون أو التهاون مع الوثنيين، فهو لا يرضى شركتهم، ولا يقبل مصاهرتهم، وهو لا يقود جماعة اختلط فيها الحابل بالنابل، والمؤمن بغير المؤمن،... إنه جاء ليبنى سوراً للمدينة، وسوراً أعظم، عازلا من الوجهة الروحية، كل اختلاط بالفساد والشر والوثنية والتعامل مع الشر،... على أن هذا الإيمان كان من الوجهة الأخرى، الإيمان فى قوة اللّه التى تعمل معه،.. لقد أدرك أن له الصديق القوى القادر على كل شئ... وسلاح الإيمان هو أمضى الأسلحة فى مقاومة الصعاب الهائلة التى تعترض طريقنا فى الحياة،... وهو الذى مكن أبطال الإصلاح فى كل العصور والأجيال من أن يهتفوا هتاف الرسول: « فماذا نقول لهذا. إن كان اللّه معنا فمن علينا »... " رو 8: 31 " وكان السلاح الظاهر أيضاً مع نحميا: سلاح الصلاة... كان الرجل يؤمن بأن الصلاة تستطيع أن تواجه جيوش الأرض كلها، وليس سنبلط وحده،.. وقد كان اختباره عظيماً فى فاعليتها، منذ اللحظة التى وقف فيها أمام الملك، عندما رأى وجهه المكمد،... وإذا خاف رفع عينيه فى الصلاة إلى اللّه، وقال: « فصليت إلى إله السماء » " نح 2: 4 " وأنت لا تستطيع أن تقرأ السفر دون أن تدرك أن نحميا كان يواجه دائماً مشكلاته بالصلاة،... وما أجمل أن ندخل معه فى مواجهة الظروف والمشاكل فى اختبار الصلاة، قال بللى صاندى فى حديثه عن الصلاة: « صلى إبراهيم من أجل ابن فأعطاه اللّه نسلا كالرمل الذى على شاطئ البحر.. صلى من أجل سدوم فسمع اللّه صلاته وأخرج لوطاً منها،.. صلى يعقوب من أجل اللقاء الطيب مع عيسو!!.. وصلى موسى من أجل الغفران لشعبه، وصلى جدعون للانتصار على المديانيين، وصلى إيليا وأجابه اللّه بنار، وصلى يشوع فكشف عاخان، وصلت حنه فولدت صموئيل، وصلى حزقيا فقتل مائة وخمسة وثمانون ألفاً من الأشوريين، وصلى دانيال فسد اللّه أفواه الأسود، وصلى الرسل فجاء يوم الخمسين!!... وكان من المستحيل على نحميا أن ينجح من غير الصلاة! على أن نحميا أجاب على سنبلط، وعلى سخريته، ونقده، وتهديده، وتشويشه بشئ واضح ظاهر، هو العمل المستمر، دون توقف أو تردد أو إهمال أو تكاسل،... وما من شك بأن ظروفه كانت قاسية، والعمل الذى يواجهه كان جسيما، لكنه أجاب على كل شئ إجابة أحد خدام اللّه الذى جاءته ذات يوماً سيدة تشكو مر الشكوى من مدرسى مدرسة الأحد الذين يعلمون أولادها الأربعة، وقالت للراعى: أعتقد أنه يلزم أن تغيروا هؤلاء المدرسين جميعاً!!.. وأنصت إليها الراعى ثم قال: « إنى أتفق معك، وأنت تعلمين أنه خلال العامين السابقين، وأنا أحاول معك ومع زوجك للمساهمة فى خدمة مدرسة الأحد،.. وأنت إلى هذه الساعة ما تزالين ترفضين!!.. بل لا تزالين ترفضين تحمل أية مسئولية فى عمل الكنيسة، فهل يحق لك بعد هذا أن تنتقدى الذين يبذلون جهدهم حتى ولو لم يكن كافياً؟ ».. على أية حال، كان نحميا عظيماً ورائعاً، إنه واجه النقد بالعمل، ولم يتوقف قط ليدخل فى نقاش أو مجادلة مع هذا أو ذاك من الناس!!.. وليس هناك ما هو أعظم من أن نرد على الناس، وعلى سخريتهم، ونقدهم، واحتقارهم، بغير العمل، حتى نصل معهم إلى الحقيقة التى فيها يتحولون من الاحتقار للعاملين، إلى الاحتقار لأنفسهم!!.. وما من شك فى أن اليقظة والسهر من أهم ما ينبغى أن نواجه به عداوة. الآخرين وخصومتهم، ونحن لا نستطيع أن نبنى سوراً لخدمة اللّه ومجده، بغير العين المفتوحة، والقلب الملتهب، واليد المجتهدة، واليقظة الكاملة كما فعل نحميا قديماً فى مواجهة سنبلط وطوبيا وجشم، وكما علمنا السيد فى معنى أعظم وأكمل عندما قال: « إسهروا وصلوا لئلا تدخلوا فى تجربة» " مت 26: 41 "..!!.
المزيد
18 مايو 2022

الجسد الممجد مابين جسد القيامة وجسد الميلاد ج٣

11- إن السيد المسيح ولد بجسد بمثل طبيعتنا. شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية. أخذ نفس طبيعتنا التي بها دُعِيَ (ابن الإنسان)، والتي بها أمكن أن يفدينا. وأجتاز مراحل النمو الجسدي مثلنا (لو 1: 80). وكان يجوع (متى 4: 2) ويعطش (يو 19: 80) ويتعب (يو 4: 7) وينام (متى 8: 24). وفي بستان جثسيماني كان عرقه في جهاده يتساقط كقطرات دم نازلة علي الأرض (لو 22: 44). 12- ولولا أنه في طبيعتنا،ما كان ممكنًا أن يتألم. إذ هو كان في طبيعة قابلة للتألم. وقد تألم بالجسد. ذاق آلام الضرب والجلد والصلب. ووقع تحت الصليب وهو يحمله أكثر من مرة، فحمله عنه سمعان القيرواني. وكانت طبيعته البشرية قابلة للموت، فمات عنا وفدانا. بينما الجسد الممجد لا يتألم ولا يتوجع ولا يموت. إذن هو قد ولد بطبيعة مثلنا قابلة للألم والموت، وللتوجع وللحزن، وبهذا أمكنها أن تتم عملية الفداء.. ثم تمجدت في القيامة. 13- أما المجد الذي كان لطبيعته قبل الفداء، فهو مجد العصمة من الخطية. منذ ميلاده، بل منذ الحبل به، وطول فترة تجسده بيننا علي الأرض. هذا مجد روحي، وبإرادته الصالحة. أما جسده، فقد شابهنا في كل شيء ما عدا الخطية، وقد أخلى ذاته. 14-وكان من مجده أيضًا اتحاده باللاهوت. علي أن اتحاده باللاهوت لم ينقص إطلاقًا من طبيعة ناسوته، ولم يلغ ضعفات الجسد من الجوع والعطش والتعب والموت، وإلا فقد الفداء طبيعته وقيمته. كانت آلامه حقيقية، لذلك كان فداؤه لنا حقيقيًا. أخلى ذاته من المجد، لكي يهبنا المجد في قيامته. ولأنه أخلى ذاته من المجد البشري، لذلك قال للآب قبل صلبه "مجد ابنك، ليمجدك ابنك أيضًا.. والآن مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم" (يو 17: 1، 5). 15- وعن القيامة قيل "ولما تمجد يسوع.." (يو 12: 16). 16- غير أن التلاميذ ما كانوا يحتملون رؤية مجده. ولذلك لما رأي القديس يوحنا الحبيب شيئًا من مجد الرب في سفر الرؤيا (وقع عند رجليه كميت) لماذا؟ لأن "وجهه كان كالشمس وهي تضئ في قوتها، وعيناه كلهيب نار" (رؤ 1: 17، 16، 14). 17- لهذا كله، تدرج السيد مع تلاميذه في إظهار مجد قيامته لهم. فعل هذا مع المجدلية التي ظنته أولًا البستاني وكشف ذاته لها أخيرًا (يو 20: 14، 16). وفعل ذلك أيضًا مع تلميذيّ عمواس اللذين "كان يمشي معهما، ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته" (لو 24: 16). وهكذا مع باقي التلاميذ، نفس أسلوب التدرج، لكي يحتملوا، لأن رؤيته بجسده الممجد بعد القيامة ليست أمرًا سهلًا. إنها قصة طويلة لا يحتملها هذا المقال. 18-هل معني هذا أننا سوف لا نراه في مجده؟! وإن كنا سنراه: فكيف؟ ومتى؟ طبيعتنا هذه ستتغير حينما نقوم من الأموات، ونأخذ "صورة جسد مجده" (في 3: 21). وحينئذ سنراه. وكما يقول الرسول "إننا ننظر الآن في مرآة في لغز، لكن حينئذ وجهًا لوجه" (1 كو 13: 12). وما معني عبارة "وجهًا لوجه "؟ وكيف تتم؟ يا أخوتي.. خير لي الآن أن أصمت، فهذا أفضل جدًا. وأسهل جدًا قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
17 مايو 2022

قيامة المسيح هي الحدث الفريد في تاريخ الإنسانية

قام السيد المسيح له المجـد من القـبـر مـنـتـصـرا لأنه هو القـيـامـة والحياة .. والحياة تحررت من قيودها ، فقال لمرثا « أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا أيها الأولين والآخرين تمعتوا بالجزاء على حد سواء ، أيها الأغنياء والفـقـراء أطربوا مـعـافرحين ، أيهـا الذين صـامـوا والذين لم يصـومـوا إفـرحـوا اليوم ، المائدة جاهزة فتنعموا كلكم ، يخرج أحد جائعا ، تمتعوا كلكم بوليمة الإيمان ، تمتـعـوا كلكم بكل غنى صلاحه ، لا يبكين أحـد زلاته في كابة لأن الغفران قـد أشـرق من القبر ، يخف أحد الموت لان موت المخلص قد حررنا « أين شـوكـتك يامـوت ؟ أين غلبتك ياهاوية ؟ قـام المسيح وأنت صـرعت ، قـام المسيح والشياطين ، تساقطت ، قام المسيح والملائكة ابتهجوا ، قام المسيح والحياة تحررت ، قام المسيح ولم يبق في القبر ميت ، لأن المسيح بقيامته من الأموات صار باركورة الراقدين ، فله المجد والعزة إلى دهر الدهور ، المسيح قـام داس الموت والذين في الـقـبـور أنعم لـهـم بـالحـيـاة الأبدية ، فـجـسـد المصلوب مات لأجلنا ، نؤمن أن لاهوته لم يفـارق ناسـوته لحظة واحـدة ولا طرفة عين فـقـيـامـتـه تـدل دلالة قاطعة على أن وداعته أعظم قوة في العالم ، لأن الموت لم يجـد قـوة وحـقـا فـيـمن يمتلئ بثـمـار روح الله ، ونحن نطلق على احتفالنا بقيامة ابن الله « العيد الكبير » لأن هذا الحدث العظيم قد أعاد لنا سلامنا مع الله وبداية موكب انتـصـار المسيح الغـالـب وراءه كل أعدائه أسرى منكسرين بينما أتباعه المؤمنون يتبـعـونه بهاتف وتهليل ، لأنه أشـركـهـم بإيمانهم بقوته المنتـصـرة ومن يغلب فسأعطيه أن يجلس معي في عرشي كما غلبت أنا وجلست مع أبي في عرشه ( رؤ ۲۱ : ۳ ) ليتنا نقـوم من غفلتنا ونعيش القيامة المجيدة ذات الطبيـعـة الجـديدة والانطبـاع الجديد والفاعلية الأصيلة للقـيـامـة المفرحة والمبهجة . نيافة الحبر الجليل الأنبا بسنتى أسقف حلوان والمعصرة ومدينة 15 مايو والتبين
المزيد
16 مايو 2022

قومي استنيري...

«قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ» (إش60: 1)كان خروج بني إسرائيل من أرض مصر، وتحررهم من عبودية فرعون، إشارة إلى تحررنا من عبودية الشيطان بصليب السيد المسيح وقيامته.كما كانت عودة اليهود من السبي، رمزًا للقيامة من الموت. فالسبعين عامًا التي قضوها في مذلة السبي، ترمز إلى ظلمة القبر، وبالعودة من السبي تمتعوا بنور الحياة والحرية. أمّا أورشليم الجديدة، فقد تمتعت بما هو أعظم من حرية العودة من السبي. فبالقيامة فُتِح لنا الطريق للحياة الأبدية، باتحادنا بالسيد المسيح الذي هو القيامة والحياة (يو11: 25). كذلك كانت شريعة تطهير الأبرص رمزًا للقيامة (لا14: 4 -76)، فالشفاء والتطهير مصدر للفرح والاستنارة.الله هو النور الحقيقيّ الأزلي (يو1: 9؛ 8: 12)، باتحادنا به نلنا قبسًا من هذا النور، بل وأصبحنا نحن نورًا للعالم (مت5: 14)، من قِبَل الاستنارة التي حصلنا عليها كنعمة وبركة من بركات القيامة «لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُورًا» (مز36: 9). يقول القديس يوحنا ذهبي الفم في عظة فصحية: [الآن أضاءت علينا إشعاعات من نور المسيح المقدس، وأشرقت علينا أضواء صافية من الروح القدس وانفتحت علينا كنوز سماوية من المجد. لقد اُبتُلِع الليل الكثيف الحالك وانقشع الظلام الدامس، واختفى ظل الموت الكئيب... إنه الفصح العجيب، إبداع فضيلة الله وفعل قوته] (رسائل آباء الكنيسة4: 29). إن ما نعنيه بالاستنارة يختلف عن إعمال العقل، فالاستنارة من عطايا القيامة لنا. يقول القديس مقاريوس المصريّ: [الذي عنده استنارة، هو أعظم من الذي له عقل ومعرفة، لأن الإنسان المستنير قد نال عقله استنارة أكثر من الإنسان الذي له معرفة فقط] (عظة 7: 5).إن القيامة هي حجر الزاوية في الإيمان المسيحي «وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضًا إِيمَانُكُمْ» (1كو15: 14)، فقد كانت الكنيسة الأولى تعيش بالفعل حالة يقين الإيمان بالقيامة، ليس فقط كمبدأ إيمانيّ أو مجرد عقيدة لاهوتية، لكنها كانت تعيش في حالة قوة القيامة كحقيقة مُعاشة. بقيامة السيد المسيح من الأموات، وتحطيمه لمملكة الشيطان، وهبنا حياة جديدة لن يغلبها الموت، بل وجعل من الموت جسرًا للحياة. لذا يدعونا القديس بولس الرسول أن نعيش القيامة «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ بين الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ» (أف5: 14). إن المسيح القائم هو الطريق والمصدر الوحيد للاستنارة، إن الليتورجية الكنسية تجسد لنا ذلك، حينما تُطفَأ الأنوار، وتُصلّى "تمثيلية القيامة"، ويعقبها إنارة الكنيسة بالشموع، التي تًضاء جميعها من على المذبح من الشمعدانين المحيطين بالدفنة، أي أن مصدر استنارتنا مُستمَّد من المسيح القائم. وكما كان الطريق إلى القيامة هو الصليب، الذي عن طريقه ذاق السيد المسيح الموت بالجسد. هكذا السبيل للتمتع باستنارة القيامة، بعدما مشاركة رحلة الآلام والقيامة، عن طريق التمتع بالتمتع بالأسرار الكنسية: «مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا اقِمْتُمْ ايْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي اقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ» (كو2: 12)، وبذلك صرنا خليقة جديدة (2كو5: 17) نلنا فيها استنارة سمائية جديدة. علينا أن نكمل في طريق الإماته لكي نحصل على نور القيامة عن طريق رفض العالم (لو14: 33)، ونكران النفس (لو9: 23)، والانفصال عن الخطيئة (كو3: 5). إننا لا نأخذ الاستنارة بصورة كاملة مرة واحدة، أو يحصل عليها الجميع بقدر متساوٍ، بل بقدر ما يجاهد الإنسان في حياة التوبة والنقاوة، بقدر ما تفتقد النعمة الإنسان، وذلك لكي تمتحن قصد الإنسان لترى مدى حفظه للمحبة الإلهية. لذلك نرتل في توزيع الخماسين المقدسة، كدعوة للإستنارة، قائلين: "أضيئي واستنيري يا أورشليم، لأنه قد جاء نوركِ. لأن ربنا يسوع المسيح، الحمل الحقيقي، قام من بين الأموات" (لحن كل الصفوف: 3). القمص بنيامين المحرقي
المزيد
15 مايو 2022

صورة الحياة الجديدة بالمسيح

الكنيسة في هذه الفترة بتقدم صورة الحياة الجديدة بالمسيح، مثل الشعب الذي عبر من العبودية إلي الحرية وفي البرية هذا الشعب يجد الحياة فقط في الله، الذين انطلقوا معه بالإيمان وهذا هو الأحد الأول،وهو الذي اعطاهم المن في البرية ..الأحد الثاني، ثم الذي أعطاهم الماء من الصخرة..وهذا هو الأحد الثالث، لذلك اليوم هو أنجيل السامرية، المسيح هو ماء الحياة، السامرية كانت شخصية غير مستقرة إجتماعياً ولا نفسياً ولا دينياً..من يصدق شخصية مثلها لها نصيب مع المسيح، وجود المسيح يغير كل شئ ويعطي حياة جديدة، ليس فقط لكي نخرج من حالة العبودية والخصام والخطية، ولكننا أيضاً نستمتع بوجود المسيح فينا. أحياناً كثيرة نظن أن الحياة الروحية أنها طريق صعب وصلوات وأصوام وجهاد، ولكن بها تعزية، مقابلة المسيح مفرحة، المسيح يغير كل شئ ويعطي عمق لكل شئ، حتي أن كل من يحمل صليباً، ولكن تحت الصليب يوجد أيضاً مسيح يفرح ايضاً، "خرجوا فرحين لأنهم حسبوا مستأهلين أن يتألموا من أجل أسمه" ويقول القديس إيسيذيروس: "صرنا نستعذب الألم لأجلك" . "الذي يحبني يحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" وجود المسيح ليس وجود عابر، في العهد القديم كانت كل أشتياقتهم الأقتراب من قدس الأقداس، في مز 41 "إذ قيل لي كل يوم أين إلهك" "كما يشتاق الأيل إلي جداول المياة هكذا تشتاق نفسي إليك يا الله"، مجرد اشتياقات روحية ولكن كان هناك حجاباً ثقيلاً بين البشرية والله، والآن نحن نستمتع بوجوده الفعلي "نحن ناظرين وجه الرب كما في مرآة نتغير إلي تلك الصورة" نأخذ مجداً جديداً، صارت البشرية بالمسيح بعد القيامة ليست فقط تقترب من الله ولكن صارت مسكناً أيضاً لله. موسي النبي بعظم قدرة كل ما كان يشتاق إليه أن يري وجهه "ارني وجهك" فرد عليه االله "من يراني ويعيش"، أما نحن وبرغم ضعفنا وحقارتنا ولا نحمل طبيعة مجاهدة ولكن صار لنا في العهد الجديد لا أن نرآه فقط ولكن أن نتحد به"، " الكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مثل مجد ابن وحيد"، بالتجسد أصبح لنا إمكانية الرؤيا، وبالقيامة أصبح لنا إمكانية الوجود الدائم في الأبدية، وبحلول الروح القدس أصبح لنا إمكانية الشركة الفعالة في أسرار إتحادنا به. وجود المسيح في حياتنا يجب أن يغير كياننا، ويغير طبعتنا، يجب أن نحيا ليس مثل باقي العالم "نأكل ونشرب لأننا غداً نموت"، الحياة مع المسيح هي رؤية دائمة له، يقول مار أسحق: "هذه النعمة يؤهل لها الأنسان بقدر ما يستطيع العتيق أن يتعري" . البشرية كان عندها أشتياقات ولكن لا تمتلك الأمكانية، أخاف أن نكون نمتلك الأمكانية ولكننا فاقدين الأشتياقات، تقول له عذراء النشيد "أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعي أين تربض عند الظهيرة"، ولكننا نحن الآن نعرف اين يربض، أن الصليب هو مكان لقائنا المحبوب ونعرف أن الذبيحة والمذبح يعطينا حياة أبدية وخلوداً، ولكن كثيراً ما نفقد الأشتياق إليه، نفقد هذه الروح التي كانت تتكلم بها العروس وتقول "أني مريضة حباً"، أننا نحبه ولكن إلي آي حد، نسعي خلفه كي نراه فقط..كي يصنع لنا معجزة..كي يحقق لنا رغبة، أم نسعي إليه لأننا نحبه حتي وأن كنا نتألم أو متعبين في العالم.إذا لم ترآه فهذا معناه أن حواسك منغلقة ولم تشعر بوجودك معه. الملحدين الذين رفضوا الله وصلوا لحالة أكتئاب، يقول سارتر: ""وجود هذا الإله يلغي وجودي لذلك لا أرديه" أما هؤلاء البسطاء الذين صاروا خلفه تاركين كل شئ، شاعرين وكأنهم في السماء، يُقال عن الأنبا أنطونيوس أن وجهه كان بشوشاً حتي أن أحد تلاميذه يدعي الأنبا مرقس لم يفتح فاه طوال الليل، وحينما سأله الأنبا أنطونيوس لماذا لم تسأل أجاب" كان يكفيني أن أنظر إلي وجهك يا أبي" . إن أردت أن تحيا أبحث عن المسيح بكل أشتياق، لأنه هو يريدك أيضاً، هو مات لأجلك لا فقط لكي يخلصك ولكن لتكن لك معه شركة حياة.لإلهنا كل مجد وكرامة إلي الأبد أمين القمص أنجيلوس جرجس كاهن كنيسة أبي سرجة مصر القديمة
المزيد
14 مايو 2022

الأحد الجديد والإيمان الواثق

الأحد الجديد من الخماسين المقدسة .. ونحن نعيش فترة الخماسين المقدسة ونفرح بقيامة الرب من بين الاموات لابد ان نحيا القيامة الروحية الحياة المقامة مع المسيح القائم بالتوبة المستمرة والمتجددة ونطلب ما هو فى السماء { فان كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله} (كو 3 : 1). فنحن ابناء القيامة والمسيح القائم من بين الأموات، الذي مات من اجل خلاصنا وقام من أجل تبريرنا. ان الرب القائم غالباً ولكى يغلب بنا وفينا يريد لنا حياة الإيمان القوى والواثق والمتجدد والذى ينمو يوما بعد يوما لنصل الى ملء القامة فى المسيح يسوع ربنا الذى تجسد ليعلن لنا محبة الله الكاملة والشاملة والمستمرة ، ويعلن لنا رحمة الله للخطاة ويعطينا حياة أفضل وفى نهاية رحلة الحياة يهبنا الحياة الأبدية . ظهر الرب يسوع المسيح يوم الاحد حيث أعتاد التلاميذ ان يحتفلوا فيه بقيامة الرب من بين الاموات بالصلاة وكسر الخبر ليؤكد وعده بطريقة ملموسة أنه إن اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمه يكون في وسطهم. وقد حرص توما أن يكون حاضراً مترقباً ظهور السيد المسيح للتلاميذ. فلم يكن موجودا بينهم فى أحد القيامة وعرف باخبارها ولما كان لديه شكوك بطبعه، كان ينتظر مترقبا يوم الاحد الجديد ليأتى الرب وله الايمان الواثق يعيد. وهنا نرى الرب القريب مهما بدى الينا بعيد، السامع والفاحص ما فى القلوب، ياتى الى الرسل ويهب الرجاء لبطرس ويبدد شك توما ويهب لنا الايمان الواثق. كما بدد خوف التلاميذ وحوله الى قوة وسلام فامتلأت قلوبهم فرحا ومنحهم السلطان وقوة الروح القدس للكرازة وغفران الخطايا باسمه القدوس. أهتم الرب بالمؤمنين ككل كما يهتم بكل واحد وواحدة منا فقد اولى توما الرسول الشكاك عناية خاصة وازال شكوكه وان اختلفت الآراء، فالبعض يرى أن توما أعلن إيمانه ولم يلمس جراحات السيد، وآخرون يرون أنه أعلن إيمانه فعلاً، وفي طاعة لسيده لمس جراحاته، وإن كان لم يعد بعد محتاجًا إلى ذلك لكي يؤمن {قال له يسوع: لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين آمنوا ولم يروا} (يو 20 : 29) . فلم يقل له السيد: "لأنك لمست جراحاتي آمنت"، وإنما قال: "لأنك رأيتني"، فرؤيته للسيد المسيح جذبته للإيمان. يمكن القول بأن التلميذ لم يجسر أن يلمسه عندما قدم (السيد) نفسه لهذا الهدف، إذ لم يُكتب "فلمسه توما". ولكن سواء أكان ذلك بالرؤية فقط أو باللمس أيضًا رأى وآمن، فمبارك هو شك توما الذى وهبت به الطوبى للذين يؤمنوا ولم يروا. ان الغاية من كتابة يوحنا الانجيلى للأيات التى فعلها السيد المسيح هى ان يكون لنا الإيمان الحيّ الواثق العامل بالمحبة والذي يقدم معرفة حقيقية تهب حياة أبدية لمن يؤمن . فالإيمان بيسوع أنه المسيح ابن الله لا يترك الإنسان في موقعه كما هو، بل يقوده للتمتع بالحياة الأبدية، أو التمتع باسم المسيح بكونه الحياة ومعطيها { وايات اخر كثيرة صنع يسوع قدام تلاميذه لم تكتب في هذا الكتاب. واما هذه فقد كتبت لتؤمنوا ان يسوع هو المسيح ابن الله ولكي تكون لكم اذا امنتم حياة باسمه} (يو30:20-31). انتصرالمسيح بقيامته علي الخطية والشيطان والموت ووهب الحياة للذين في القبور. قام منتصراً ليقودنا في موكب نصرته، ولكي يهبنا الشجاعة والقوة في مواجهة الشر والشيطان والموت فان الله الذي سمح أن يدخل الموت الي طبيعتنا بمخالفة وصيت من ابوينا الأولين بحريتهم دبر لنا الخلاص برحمته الغنية وأراد لنا ان نقوم معة في جدة الحياة المنتصرة وننعم معه بالحياة الأبدية. أعطي الرب بقيامتة للمؤمنين روح السلام والقوة والفرح، وكان قد وعدهم قبل صلبه (أراكم فتفرح قلوبكم، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم ) وأتم وعده بعد قيامتة المجيدة (ففرح التلاميذ اذ رأوا الرب) يو 20:20. وكانت الكرازة بالقيامة والحياة الابدية وأفراحها موضوع كرازة الرسل فى كل مكان ( ان لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا وباطل ايضا ايمانكم. ونوجد نحن أيضا شهود زور لله . ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين.فانه اذ الموت بانسان، بانسان أيضاً قيامةُ الأموات .لأنة كما في أدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع. (1كو 15 : 20،14). الكرازة بالقيامة فى حياة الرسل والمؤمنين لقد أثمرت قيامة السيد المسيح في التلاميذ والمؤمنين فى العصر الرسولي ويجب ان تعمل وتبث مفعولها الروحى والإيمانى فى حياتنا. القيامة تهب المؤمنين روح الفرح والسلام والقوة والثبات فينا. وكما سار ابائنا الرسل علي درب سيدهم مقتدين به علينا أن نعرف المسيح وقوة قيامتة وشركة الآمه . علينا أن نسير علي ذات الدرب والله قادر ان يقودنا في موكب نصرته لنحيا إيماننا ونشهد له لنكون أبناء وشهودأ للقيامة، لنكون دعاة سلام وعدل وحرية ونضحي في خدمة الجميع ولبناء مجتمع تسوده روح القيامه والفرح والقوة والسلام . كانت القيامة وستبقي مصدرا للسلام وشتان بين حالة التلاميذ يوم الجمعة العظيمة وأحد القيامة كان الخوف قد ملأ قلوبهم وتفرقوا يوم الصلب وحتي ان اجتمعوا كانوا في خوف ورعدة ولكن دخل اليهم الرب يسوع وهم في العلية والابواب مغلقة وقال لهم سلام لكم {ولما كانت عشية ذلك اليوم وهو اول الاسبوع وكانت الابواب مغلقة حيث كان التلاميذ مجتمعين لسبب الخوف من اليهود جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم سلام لكم} (يو 20 : 19) . جال الرسل يكرزو ببشري السلام الذي صنعة لنا الرب بموته عن خطايانا وقيامته من اجل تبريرينا وكل من يحيا القيامة مدعوا الي حياة السلام والشهادة لمخلصه الصالح باعماله وأقواله {سلاما اترك لكم سلامي اعطيكم ليس كما يعطي العالم اعطيكم انا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب} (يو 14 : 27). تحول الرسل بعد القيامة الى كارزين وشاهدين بقوة لقيامة الرب يسوع من بين الاموات {وبقوة عظيمة كان الرسل يؤدون الشهادة بقيامة الرب يسوع ونعمة عظيمة كانت على جميعهم }(اع 4 :33). وكان الرسل يحيون فى الرجاء المبارك الذى ادخلته قيامة الرب فى قلوبهم والتى بددت الخوف واليأس والضعف {مبارك الله ابو ربنا يسوع المسيح الذي حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من الاموات }(1بط 1 : 3). ونحن من المسيح القائم نستمد القوة والنعمة والإيمان والرجاء ولابد ان نشهد لإيماننا ونعيشه يوما فيوم. لقد منحت القيامة القوة للمؤمنين فلا خوف من قوة الشيطان الذي انتصر علية الرب بصليبة وقيامتة، ولا خوف من العالم والشر امام قوة القيامة التي دحرت المضطهدين ولا خوف من الموت أمام قوة من قام من بين الاموات ووهب الحياة للذين في القبور. نعم نحن الذين أخذنا قوة الروح القدس وثمارة لا نخشي شيئا بل نشهد لمن أحبنا وبذل ذاتة فداءً عنا وسط جيل ملتوي شرير {لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودا في اورشليم و في كل اليهودية والسامرة والى اقصى الارض}. (اع 1 : 8). أمتلأ التلاميذ من الفرح بقيامة الرب من الأموات وهو معطي القيامة ومصدر فرحنا. كان قال لهم قبل صلبه (أراكم فتفرح قلوبكم ، ولا يستطيع أحد أن ينزع فرحكم منكم ) وأتم وعده بعد قيامتة المجيدة (ففرح التلاميذ اذ رأوا الرب) يو 20:20. وأتخذ التلاميذ من الإيمان بالقيامة وأفراحها موضوع كرازتهم {وان لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا و باطل ايضا ايمانكم. ونوجد نحن أيضا شهود زور لله .ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين.فانه اذ الموت بانسان، بانسان أيضاً قيامةُ الأموات .لأنة كما في أدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع}(1كو15 : 20،14). حتي عندما تعرض الرسل للسجن او الاضطهاد كانوا يقابلون ذلك بفرح وسلام وقوة .هكذا راينا الرسل بعد ان تعرضوا للضرب امام المقاومين {واما هم فذهبوا فرحين من امام المجمع لانهم حسبوا مستاهلين ان يهانوا من اجل اسمه} (اع 5 : 41).وهذه وصية الكتاب لنا يجب ان نختبرها ونحياها{فرحين في الرجاء صابرين في الضيق مواظبين على الصلاة} (رو 12 :12). فلنعيش يا أحبائى قوة الإيمان بالقيامة ومفاعيلها الروحية فينا ولنصلى ليعطي الله كنيستنا ومؤمنيها كل ثمار القيامة المجيدة وليعطى بلادنا سلاماً ورجاءاً فى حاضر أفضل ومستقبل مستقر ومزدهر ولنحيا فى سلام وفرح لا ينطق به ومجيد بإيماننا الذى يغلب ويتخطى كل تحديات الحياة . القمص أفرايم الأنبا بيشوى
المزيد
13 مايو 2022

معجزة صيد السمك بعد القيامة

هذه المعجزة الفريدة سجّل تفاصيلها القديس يوحنا في إنجيله، الأصحاح 21، وبوجه عام فإنّ صيد السمك يشير إلى اصطياد النفوس للملكوت، كما جاء في تعليم السيّد المسيح وأمثاله..هناك معجزتان حدث فيهما صيد سمك كثير، الأولى قبل القيامة والثانية بعدها.. وكما يشرح القديس أغسطينوس فإنّ المعجزة الأولى توضِّح طبيعة الكنيسة الآن، بينما الثانية تُظهِر الطبيعة التي ستكون عليها الكنيسة بعد القيامة وانقضاء هذا العالم.+ المعجزة الأولى (لوقا5) نلاحظ فيها أنّ إلقاء الشِباك لم يكُن في اتّجاه محدِّد، وتمّ اصطياد سمك كثير جدًّا، حتّى كادت الشباك تتخرّق، وتمّ وضع السَمَك في المركب الذي كاد يغرق أيضًا... بينما المعجزة الثانية: الشَبَكة تُجمَع فقط من الجانب الأيمن، والسمك كبير وعدده 153، والشباك سليمة على الرغم من كثرة السمك وكِبَر حجمه، ونلاحظ أيضًا أنّ السمك سُحِب في الشبكة إلى الشاطئ مباشرةً، والمركب لا يتعرّض للغرق..!+ في المعجزة الأولى الشباك أُلقيت من دون تحديد اتّجاه، مثل الكنيسة الآن في الأرض تجمع من كلّ نوع ومن كلّ اتجاه، وأحيانًا يختلط الأبرار والأشرار في الكنيسة معًا.. بخلاف المُعجزة الثانية التي فيها الشبكة والسمك على الجانب اليمين، وهذا يعني أنّ الكنيسة في الدهر الآتي يوجَد فيها فقط الأبرار الذين عن يمين الملك ويستحقّون المجد الأبدي.+ الشباك في المعجزة الأولى تتخرّق من كثرة السمك، وهذا يشير لبعض الانشقاقات والانقسامات في الكنيسة الآن.. أمّا في المعجزة الثانية فالشباك سليمة تمامًا علامةً على وحدانيّة الإيمان وسلام الكنيسة في الأبديّة..!+ المركب في المعجزة الأولى يتعرّض للغرق، ولكنه لم يغرق.. وهذا يعني أنّ انضباط الكنيسة يكون مهدّدًا بسبب كثرة عدد الناس الموجودين فيها وتنوّعهم..+ السمك في المعجزة الأولى وُضِع في المركب، إشارة إلى وضع المؤمنين حاليًا داخل الكنيسة.. أمّا في الثانية فقد تمّ سحب الشبكة مع السمك إلى الشاطئ الذي يمثّل الأبديّة.. فالشاطئ يَظهَر حيث ينتهي البحر، ونحن حين ننتهي من عبور بحر هذا العالم نَصِل إلى الأبديّة.. كما نلاحِظ أنّه عن طريق الرسل، يجتذبُ المسيحُ العالمَ إلى شبكته المقدّسة..+ السمك الكبير يشير إلى أصحاب القلوب الكبيرة الممتلئين ثمرًا، إشارة إلى العظماء فقط الذين وضعوا أنفسهم وخدموا الآخرين (متى18)، والذين عملوا وعلّموا (متى5)..+ رقم 153، بحسب تفسير القدّيس أغسطينوس هو عدد مرتبط بالأرقام من 1 إلى 17 فعند جَمْع كلّ السبعة عشر رقمًا معًا يكون حاصل الجمع 153. ورقم 17 هو حاصل جمع 10+7 (الوصايا العشر + عمل الروح القدس الكامل).. ومعنى هذا أنّ الأبرار الذين سيصلون بسلام إلى شاطئ الأبديّة هم الذين حفظوا الوصايا العشر وسلكوا فيها بقوّة الروح القدس وبمعونة عمله فيهم.+ رقم 7 يشير إلى التقديس بعمل الروح القدس.. «سبعة أرواح الله» (رؤ4: 5).. «رُوحُ الرَّبِّ، رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ، رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ، رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ» (إش11: 2). «بارك الله اليوم السابع وقدّسه» (تك2: 3).. أي أنّ كمال تقديسنا سيكون هناك، حينما نستريح مع الله إلى الأبد..وأخيرًا.. فإنّ المسيح ينتظرنا على شاطئ الأبديّة.. يجب ألاّ نأتي إليه فارغين.. يلزمنا طاعة وصاياه والاهتمام في حياتنا الأرضيّة بالجانب اليمين، أيّ نسلك في طريق النور.. فنأتي إليه محمّلين بثمار تنفيذ وصاياه بعمل الروح القدس فينا.[معظم أفكار المقال مأخوذة عن عظة للقديس أغسطينوس] القمص يوحنا نصيف كاهن كنيسة السيدة العذراء شيكاغو
المزيد
12 مايو 2022

شخصيات الكتاب المقدس سليمان

سليمان "فلنسمع ختام الأمر كله اتق الله وأحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله" جا 12: 13 مقدمة لا شبهة في أن سليمان الحكيم يعد واحداً من أعقد الألغاز التي اختلف الناس في فهمها، وذهبوا فيها شتى الأفكار والمذاهب،.. وقد تساءل الكثيرون منذ القديم، وما يزالون إلى اليوم يتساءلون، وأغلب الظن أن سؤالهم سيبقى قائماً لي أن تنتهي الأرض، وما عليها ومن عليها ما مصير سليمان الأبدي؟!!.. وإذا كان دانتي الشاعر العظيم لم يتردد في ضمه في كتاب الكوميديا الإلهية إلى الزمرة المنتخبة من المعلمين العظماء في السماء،.. فإن الكسندر هوايت على العكس من ذلك، لم يترك لنا بارقة أمل في ذهابه إلى المجد، إذ عده من المطروحين خارج المدينة المقدسة السماوية، ولم يقطع الرسام العظيم أوركاخبا بهذا الرأي أو ذاك، إذ استبدت به الحيرة الكاملة، في الصورة العظيمة التي رسمها في بيزا، وفي فلورنسا، وفيها نرى سليمان ينهض في يوم القيامة عند سماع البوق الأخير، مرتدياً ثوبه الملكي، وتاجه، متعباً متألماً، لا يدري أين يتجه.. أإلى اليمين مع المخلصين، أم إلى اليسار مع الهالكين؟!!.. وإن كان لنا أن ندلي برأي في الأمر، وأية كفة نعتقد أنها الراجحة،.. فإن الرجاء في سليمان لا يرجع في شيء البتة، إلى الرجل أو عظمته، أو حكمته بل إلى كل شيء، في إحسان الله، ورحمته، وجوده، وحبه، وهباته، وعطاياه التي هي بلا ندامة،.. ومن ثم سندرس قصة سليمان من جوابنها المختلفة التالية: سليمان من هو؟!! هو سليمان بن داود، أطلق عليه أبوه الاسم "سليمان".. والكلمة مرتبطة بالسلام، وهي تشير في أكثر من معنى إلى أن مولده مرتبط بالسلام.. وقد أطلق عليه ناثان "يديديا" أو "محبوب الرب" لكي يؤكد هذا المعنى، وما هو أكثر منه!!.. أجل وإنها النعمة العظيمة التي اختارت هذا الابن بالذات، ليكون هو مختار الرب، ووارث العرش، وإذا كان الله قد عبر بوفاة الابن الأول -ثمرة الخطية- عن كراهيته العميقة العتيدة للخطية، وإذا كان قد أعلن عن أكثر من عقوبة، للعثرة التي جلبتها هذه الخطية في حياة الأمة والناس،.. فإنه في الوقت نفسه قد عبر عن رضاه العميق بتوبة داود وبثشبع في الابن الثاني محبوب الله ومختاره،.. ولم يتردد داود لذلك أن يدعوه "سليمان" تعبيراً عن السلام العميق الذي ناله بالغفران الإلهي، والثقة بأن الله قد طرح وراء ظهره خطيته الكبرى،.. كما أنه -إلى جانب ذلك- آمن بالوعد الإلهي، بأن عصر ابنه سيكون عصر السلام والهدوء والراحة، الذي يتمكن معه هذا الابن من إتمام رسالته العظيمة، وبناء بيت الله، البيت الذي سيصبح نقطة تجمع الشعب حول الحياة الدينية، والاقتراب الصحيح لله!!.. ومع أن نشيد الأنشاد يمتد بكل تأكيد إلى ما هو أبعد وأعظم من سليمان، إلى ذلك الذي هو أبرع جمالاً من بني البشر، إلا أن المفسرين أكدوا أن سليمان لم يكن جميلاً فحسب، بل كان بارع الجمال. وأن جماله الذي ورث فيه الكثير من أبويه، قد جاء وصفه في قول العروس: "حبيبي أبيض وأحمر معلم بين ربوة رأسه ذهب إبريز قصصه مسترسلة حالكة كالغراب عيناه كالحمام على مجاري المياه مغسولتان باللبن جالستان في وقبيهما، خداه كخميلة الطيب واتلام رياحين ذكية، شفتاه سوسن تقطران مراً مائعاً، يداه حدقتاه من ذهب مرصعتان بالزبرجد، بطنه عاج أبيض مغلف بالياقوت الأزرق ساقاه عمودا رخام مؤسستان على قاعدتين من إبريز، طلعته كلبنان فتى كالأرز، حلقه حلاوة وكله مشتهيات. هذا حبيبي وهذا خليلي يا بنات أورشليم". فإذا كانت هذه الأوصاف الرمزية تشير إلى المسيح في أكثر من معنى، إلا أنها على الأقل تعطينا صورة واضحة إلى من جاء في حد ذاته رمزاً ليسوع في كثير من المواضع والصور"..وقد اشتهر سليمان قبل وبعد كل شيء بالحكمة، إذ دعى في الأجيال كلها "سليمان الحكيم"، ونحن نعلم أن فرصته العظمى للتفوق في الحكمة جاءت إثر حلمه في جبعون، لكنه الواضح أن سليمان كان حكيماً، بطلبه هذه الحكمة، وقد وفر له الله منابع الحكمة، إذ ولد من أبوين مقتدرين في الإداك والفهم، فداود أبوه كانت له المقدرة العظمى في التأمل العميق، وأمه وإن كانت قد اشتهرت بجمالها الفائق- إلا أنه يعتقد أنها ورثت عن جدها أخيتوفل الألمعية والذكاء وقوة التمييز،.. وأعطاه الشفافية، والقدرة الهائلة في فهم الطبيعة البشرية، والحكم على العلاقات بين الناس، كما أنه كان من أقدر الناس في عصره، وفي كافة العصور، على استيعاب الفلسفة، والشعر، والتاريخ الطبيعي، وغيرها من المعارف والعلوم!!... "وفاقت حكمة سليمان حكمة جميع بني المشرق وكل حكمة مصر، وكان أحكم من جميع الناس من إثيان الأزراحي وهيمان وكلكول ودردع بني ما حول، وكان صيته في جميع الأمم حواليه وتكلم بثلاثة آلاف مثل وكانت نشائده ألفاً وخمساً، وتكلم عن الأشجار من الأرز الذي في لبنان إلى الزوفا الثابت في الحائط، وتكلم عن البهائم وعن الطير وعن الدبيب وعن السمك، وكانوا يأتون من جميع الشعوب ليسمعون حكمة سليمان من جميع ملوك الأرض الذين سمعوا بحكمته"..وكان سليمان -بكل تأكيد- أقرب أولاد داود إلى الله، ولعل أثر ناثان في مطلع حياته كان عميقاً، إذ كان ناثان مربياً له، ويبدو أن داود وهو شيخ يراقب أولاده، رأى ابنه سليمان أصلح أولاده جميعاً ليرث العرش، وشتان بينه وبين أمنون أو إبشالوم أو أدوينا، ومن ثم وعد داود بثشبع بقسم أن يكون سليمان وريثه في العرش،.. ولم يشأ أدونيا الذي كان ابناً مدللاً متكبراً، ويكفي أن الكتاب يصفه: "ولم يغضبه أبوه قط قائلاً لماذا فعلت هكذا".. لم يشأ أن ينتظر وفاة أبيه أو حتى أخذ رأيه وموافقته، فنصب نفسه على العرش بدون علمه، وقد انحاز إليه جميع إخوته الذين كانوا أقرب على شاكلته، من سليمان الذي لم يدع إلى الحفل أو يشارك فيه،.. فإذا أضفنا إلى ذلك أنه الرجل الذي يعتقد أنه كاتب المزمور الثاني، والخامس والأربعين، والثاني والسبعين، والمائة والسابع والعشرين، وكلها واسعة الرؤى ممتدة الأحلام، إلى جانب أسفار الأمثال، والجامعة، ونشيد الأنشاد، والذي لم يسترح أو يهدأ حتى أكمل بناء بيت الرب وصلى في تدشين صلاته العظيمة، وكلها تشهد بعظمة الحياة الدينية التي وصل إليها ذلك الملك القديم!!... سليمان واختياره بعد أن توج سليمان واستوى على عرشه، أحس أنه في حاجة عميقة إلى الله، وإلى إرشاده وهدايته ومعونته، فسعى إلى جبعون الواقعة على بعد ستة أميال إلى الشمال من أورشليم حيث كانت هناك خيمة الاجتماع التي عملها موسى، وحيث كانت تقدم الذبائح لله، وأقام حفلاً دينياً عاماً يبدأ به حياته الملكية بتكريس عظيم أمام الله، وأصعد هناك ألف محرقة، وليس العبرة في حد ذاتها بهذا العدد الكبير من المحرقات كما يقول صموئيل: "هل مسرة الرب المحرقات والذبائح كما باستماع صوت الرب هوذا الاستماع أفضل من الذبيحة والإصغاء أفضل من شحم الكباش" أو كما يقول ميخا "بم أتقدم إلى الرب وأنحني للإله العلي هل أتقدم بمحرقات بعجول أبناء سنة هل يسر الرب بألوف الكباش بربوات أنهار زيت هلى أعطي بكري عن معصيتي ثمرة جسدي عن خطية نفسي. قد أخبرك أيها الإنسان ما هو صالح وماذا يطلبه منك الرب إلا أن تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعاً مع إلهك"...وقد جاء سليمان في الواقع بإحساس الضعف والاتضاع والحاجة إلى الله،.. وإذ رآه الله على هذا الوضع ظهر له في حلم، ووضع أمامه الاختيار المطلق دون قيد أو شرط،.. ولعله من اللازم قبل أن نتعرض لاختيار سليمان أن نشير إلى أنه ليس وحيداً أو منفرداً في هذا الاختيار، إذ أن كل واحد منا مثله له مملكته الخاصة، ومن حقه أن يختار اختياره المطلق، وما يريد بالنسبة لهذه المملكة صغرت أو كبرت على حد سواء،.. وإذا كان اليونانيون قد صوروا في أساطيرهم القديمة، هرقل بطلهم العظيم، وقد جلس ذات يوم في شبابه محزوناً متضايقاً، وإذا بفتاتين حسناوين تمران به، واحدة اسمها "اللذة" والأخرى اسمها "الفضيلة".. أما الأولى فقد وعدته أن تقدم له حياة رضية ممتلئة بالبهجة والمسرات، بينما وعدته الأخرى أن تقدم له حياة ممتلئة بالنفع والشهرة، ورفض هرقل نداء اللذة، واستجاب لنداء الفضيلة، وعاش حياته كلها لمعونة الضعيف والمحتاج والبائس... وإذا كان لورد ملبورن عندما أعلن الأميرة الشابة فيكتوريا أنها أصبحت ملكة انجلترا لم يجد أفضل من أن يقرأ لها حلم سليمان في جبعون، فمن الواضح أن الاختيار يواجه كل إنسان في الحياة،.. وحتى رفض الاختيار، هو نوع من الاختيار الذي لا يمكن تفاديه!!..جاء الاختيار إلى سليمان وهو نائم، والاختيار الصحيح يأتينا مصحوباً بنوم ما، إذ لابد أن ينام فينا الإنسان الأناني الضعيف، الناقص، الشرير المقاد بالجسد، ليستيقظ فينا الإنسان الأسمى والأعلى والأعظم،.. وقد نام هذا الإنسان في سليمان، إذ أن الله عندما سأله: "اسأل ماذا أعطيك، ربما همست في أذنه التجربة.. "أطل طول أيام، أطلب ثروة وغنى، أطلب أنفس أعدائك"!!.. ويبدو هذا من قول الله: ولم تسأل لنفسك أياماً كييرة ولا سألت لنفسك غني، ولا سألت أنفس أعدائك، مما يشجع على الاعتقاد أن المجرب قد جرب بهذه كلها، ولكنه انتصر عليها جميعاً. وطلب القلب الفهيم. والقلب الفهيم يتطلب أمرين واضحين، إذ يبدأ أولاً بالذهن الجبار المقتدر الحكيم، الذي يستطيع الكشف عن الحقيقة المخبأة وراء ستار من الأضاليل والأكاذيب، وخير مثال علي ذلك قصة الزانيتين اللتين احتكمتا إليه في قصة الابن الميت والآخر الحي،.. على أن الأمر أكثر من ذلك لا يقف عند حدود الذهن بل يتعداه إلى "القلب" والذي قال عنه في الأمثال: "فوق كل تحفظ احفظ قلبك لأن منه مخارج الحياة"... والحكمة الصحيحة عند سليمان تتضح من قوله في سفر الأمثال: "بدء الحكمة مخافة الرب ومعرفة القدوس فهم"... وفي الحقيقة أن سليمان كان يدرك بالتأكيد أن الإنسان لا يمكن أن يكون حكيماً إلا إذا كانت له الرابطة القوية العميق بالله، والتي جعلته يقول في المزمور الثاني والسبعين: "اللهم أعط أحكامك للملك وبرك لابن الملك يدين شعبك بالعدل ومساكينك بالحق تحمل الجبال سلاماً للشعب والآكام بالبر يقضي لمساكين الشعب يخلص بني البائسين ويسحق الظالم"... أو إذا جاز التعبير: إن الحكمة هي "الشفافية" التي يعطيها الله للإنسان لكي يبصر الحقيقة، أو الإلهام، أو الإيحاء، بالمعنى الذي قاله يعقوب: "وإنما إن كان أحدكم تعوزه حكمة فليطلب من الله الذي يعطي الجميع بسخاء ولا يعير فسيعطي له"!!..كان اختيار سليمان بجانبيه "السلبي والإيجابي" مقبولاً وحسناً أمام الله، وقد أعطاه الله لذلك فوق ما يطلب أو ينتظر، إذ أعطاه الغنى والكرامة إلى جانب الحكمة الفائقة التي اشتهر بها، على أنه من اللازم أن نشير أيضاً إلى أن عطية الله كانت مشروطة بشرط واضح متكرر: "فإن سلكت في طريقي وحفظت فرائضي ووصاياي كما سلك داود أبوك فإني أطيل أيامك"... "والآن أيها الرب إله إسرائيل: احفظ لعبدك داود أبي ما كلمته به قائلاً لا يعدم لك أمامي رجل يجلس على كرسي إسرائيل إن كان بنوك إنما يحفظوا طرقهم حتى يسيروا أمامي كما سرت أنت أمامي".. "وأنت إن سلكت أمامي كما سلك داود أبوك بسلامة قلب واستقامة، وعملت حسب كل ما أوصيتك، وحفظت فرائضي وأحكامي فإني أقيم كرسي ملكك على إسرائيل إلى الأبد كما كلمت داود أباك قائلاً لا يعدم لك رجل عن كرسي إسرائيل"... وقد أخفق سليمان في تحقيق هذا الشرط، أو كما قال أحدهم: إن الاختيار الموضوع أمام الإنسان ليس مجرد اختيار بين الرديء والحسن، بل أكثر من ذلك، بين الرديء والحسن والأحسن، وقد اختار سليمان الحسن، وعجز عن أن يصل إلى الأحسن، ومرات كثيرة يكون الحسن عدو الأحسن، أو أن التوقف عند الحسن قد يعود بصاحبه إلى الوراء إلى الرديء.. إنه من الحسن أن نطلب "القلب الفهيم" الذي ميز بين الحق والباطل، والخير والشر، والنور والظلام،.. ولكن الأحسن أن نطلب "القلب النقي"... ولو طلب سليمان طلبة أبيه العظيمة: "قلباً نقياً أخلق في يا الله وروحاً مستقيماً جدد في داخلي" لما تردى في المنحدر الذي آل إليه فيما بعد،.. كانت طلبة سليمان الحسنة، كمن يبني قلعة عظيمة من غير أسوار، ما أسرع ما تسقط أو تنهار عند أي اقتحام أو هجوم،.. ألم يقل كونفوشيوس الحكيم الشرقي الذي جاء بعد سليمان بخمسة قرون: "هذه هي الأشياء التي ترعبني، إني لا أصل إلى مستوى الفضيلة الذي أرغبه، وأنني لا أعيش تماماً حسبما علمت، ولست قادراً على السير في حياة البر وعمله في الوقت الذي أعرف فيه أن هذا هو البر إني لا أستطيع عمل الخير، ولست قادراً على تغيير الشر في نفسي أنا لست الإنسان الذي ولد حكيماً"؟؟ سليمان وأمجاده لم يكن سليمان الملك من أعظم ملوك يهوذا وإسرائيل فقط "بل من أعظم ملوك التاريخ قاطبة، وقد أحاطت به هالة من المجد لم تتح لكثيرين قبله أو بعده، حتى اقترن اسمه في بعض المواطن بالتقاليد والأساطير التي لا تجد سندها في كتاب الله، ويكفي أن نعلم أنه كان من أعظم ملوك الأرض وأغناهم وأحكمهم، حتى أن شهرته ذاعت في الخافقين، فاجتذبت من أقصى الأرض ملكة سبأ لتسمع حكمته كما أن سيدنا له المجد أدناه من نفسه كثيراً عندما قال هوذا أعظم من سليمان ههنا، ولعل أمجاده الثلاثة الشهيرة: مجد الإمبراطورية وما أكثر ما يشبهون امبراطورية سليمان بالامبراطورية الأغسطسية إذ كان عصر سليمان أقرب العصور إلى عصر أوغسطس قيصر أول امبراطور للامبراطورية القديمة، على أن مجدها الحقيقي جاء في أنها كانت رمزاً وصورة ضئيلة لمجد مملكة ابن الله في الأرض، إذ كانت تجمع إليها ثروة الأمم: وجعل الملك الفضة في أورشليم مثل الحجارة، وجعل الأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة".. وأليست هذه رمزاً لصورة أورشليم العليا أمنا جميعاً والتي وصفها الرائي بالقول: "وكان بناء سورها من يشب والمدينة من ذهب نقي شبه زجاج نقي وأساسات سور المدينة مزينة بكل حجر كريم الأساس الأول يشب. الثاني ياقوت أزرق. الثالث عقيق أبيض الرابع زمرد ذبابي. الخامس جزع عقيقي. السادس عقيق أحمر. السابع زبرجد. الثامن زمرد سلقي. التاسع ياقوت أصفر. العاشر عقيق أخضر. الحادي عشر اسمانجوني. الثاني عشر جمشت. والاثنا عشر باباً اثنتا عشرة لؤلؤة كل واحد من الأبواب كان من لؤلؤة واحدة وسوق المدينة ذهب نقي كزجاج شفاف"... كما أن الامبراطورية كانت متسعة امتدت من حدود مصر إلى العراق، وكان الملوك المجاورون يتزلفون إلى سليمان بالهدايا والتقدمات والخدمة وكان الرعايا من اليهود أو الأمم على حد سواء، أما اليهود فكانوا أشبه بالرمل الذي على البحر في الكثرة أما الأمم فكانوا من ممالك متعددة تخضع لهذا الملك العظيم، وقد خلا حكم سليمان من الحروب الخارجية والمنازعات الداخلية، وسكن يهوذا وإسرائيل آمنين كل واحد تحت كرمته وتحت تينته من دان إلى بئر سبع كل أيام سليمان، كما امتلأت البلاد بالرفاهية والترف، ويبدو هذا من طعام سليمان اليومي وخيله ومربكاته، وألوان العظمة التي كان يرفل فيها... ولم يكن هذا كله إلا رمزاً لذاك الذي وصفه سليمان في المزمور الثاني والسبعين: "يشرق في أيامه الصديق وكثرة السلام، إلى أن يضمحل القمر ويملك من البحر إلى البحر ومن النهر إلى أقاصي الأرض. أمامه تجثو أهل البرية وأعداؤه يلحسون التراب، ملوك ترشيش والجزائر يرسلون تقدمة ملوك شبا وسبأ يقدمون هدية ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه ينجي الفقير المستغيث، والمسكين إذ لا معين له، يشفق على المسكين والبائس، ويخلص أنفس الفقراء من الظلم والخطف يفدي أنفسهم، ويكرم دمهم في عينيه، ويعيش ويعطيه من ذهب شبا... يكون اسمه إلى الدهر قدام الشمس يمتد اسمه ويتباركون به. كل أمم الأرض يطوبونه، مبارك الرب إله إسرائيل الصانع العجائب وحده ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتليء الأرض كلها من مجده آمين ثم آمين"... أو الصورة الأخرى التي أشار إليها دانيال في القول: "وأما الحجر الذي ضرب التمثال فصار جبلاً كبيراً وملأ الأرض كلها"... مجد الهيكل عندما بنى جستناين الامبراطور كنيسة أجا صوفيا. وكانت أعظم عمل قام به إلى جانب تجميع القانون الروماني البيزنطي، ودشنها عام 548م. رفع يديه نحو السماء وصرخ: مجداً لله الذي حسبني مستحقاً أن أقوم بعمل عظيم كهذا، ثم تلتفت حوله وصاح: لقد تفوقت عليك يا سليمان!!!.. وهو يقصد أن يقارن بين الكنيسة العظيمة التي بناها، وهيكل سليمان العظيم على أرض المريا،.. وحقاً كان الهيكل آية من آيات الفن والجمال.ومن صلاة سليمان نعلم أن الهيكل كان عنده أكثر جداً من الأبهاء والعظمة التي كانت لمبانيه، إذ كان المكان الذي يحمل اسم الله، ويرمز إلى حضوره،.. كما أنه كان مركز العبادة، والشركة، والأخوة التي تربط الشعب بإلههم، وببعضهم البعض،.. وهو المكان الذي يستطيع أن يتجه إليه خيال المنفي والمسبي، ومن ثم رأينا دانيال في السبي، وإن كان لا يراه بعينه المادية، أو يراه حطاماً في أورشليم، إلا أنه الرمز الذي تفتح في اتجاه الكوى، كمكان الغفران والتضرع والأمل،.. وقد أوضح الله لسليمان أن هذه المعاني جميعاً ستبقى ما بقيت الرابطة الروحية مع الله، فإذا تمسك الشعب الصورة المادية، فإن الله سيجعل إسرائيل مثلاً وهزأة في جميع الشعوب: "وهذا البيت يكون عبرة".. مجد الحكمة ومن العجيب أن امبراطورية سليمان ذهبت، وذهب معها الهيكل، تماماً كما ذهبت الامبراطورية الرومانية القديمة، وكنيسة أجا صوفيا، وبقيت حكمة سليمان في سفر الأمثال، والجامعة ونشيد الأنشاد، تماماً كما بقى القانون الروماني البيزنطي، والذي هو أبو القوانين الحديثة، وكان مفخرة جستينان عندما أمكنه تجميعه، ليحمي الحضارة الحديثة ويمدها بأعظم الصور القانونية في الأرض!!.. ومن الملاحظ دائماً أن الكلمة المكتوبة، أقوى من كل الأوضاع المادية، وأبقى وأخلد!!.. وإذا كان أبناء عصر سليمان، قد تعلموا الكثير من الحكمة في سعيهم إليه من هنا ومن هناك، من أبناء أمته أو الأمم الغريبة، كما سعت إليه ملكة سبأ، تستلهم منه الحكمة والمعرفة،.. فإن العصور بأكملها ما تزال إلى اليوم تنهل، وستنهل مما ترك سليمان في أسفاره الكتابية الثلاثة!!.. سليمان وتجاربه كان شكسبير يقول: إن الجهل في الحياة سبب كل تعاسة ومأساة، ولكن سليمان لم يكن جاهلاً، وقد سقط سقوطه الشنيع رغم حكمته العظيمة، لثلاث تجارب قاسية: دبلوماسية الحكم كانت الدبلوماسية في نظر چورچ ماثيسور، وهو يحلل شخصية سليمان هي السر في كل ما وصل إليه وأصابه،... وماثيسون يعتقد أن سليمان لم يجمع في قصره ألف امرأة لمجرد الشهوة الجنسية، مهما كانت رغبته فيها، بل أن سليمان نفسه والأمم الذي حوله بروابط سياسية، بهذا الجمع الحاشد من النساء، إذ جاء مع بنت فرعون بالموآبيات والعمونيات والأدوميات والصيدونيات والحثيات، وهو يخطط لذلك في الوصول إلى السلام مع جميع جيرانه، دون الحاجة إلى النزاع معهم ورفع السلاح في وجوههم!!.. كما أنه أراد أن يوحد الأمة من الداخل، وهو لا ينسى أن الأمة كانت أساساً تلتف حول عائلة شاول في سبط بنيامين. وأن الاتحاد الظاهري، يحمل في أطوائه جرثومة الانقسام التي لم تلبث أن ظهرت فيما بعد في أيام ابنه، وهو يريد أن يذيب كل انقسام وفرقة، ولا سبيل إلى ذلك إلا بأن يشغل الناس بالحصول على الثروة التي تغنيهم عن كل تفكير في نزاع داخلي ومن ثم عمد إلى التجارة فأنشأ أسطولاً ناجحاً وتبادل مع الأمم الذين حوله التجارة التي دفعت الأمة دفعاً قوياً إلى الأمام.. ومن ثم جعل -كما ذكرنا- الفضة في أورشليم مثل الحجارة، والأرز مثل الجميز الذي في السهل في الكثرة!!... وعندما ينشغل الناس بالثروة، ستنسيهم الثروة أي شيء آخر يمكن أن يكون موضوع اهتمامهم وانشغالهم على الإطلاق!!... بل لعله من الناحية الدينية قصد بأن يجمع الشعب حول الهيكل، إذ يصبون هناك حنينهم وأشواقهم وشركتهم، الأمر الذي أفزع خيال يربعام فيما بعد، فأراد أن يفصل إسرائيل عن يهوذا بتمثالي الذهب في بيت إيل ودان، ليمنع الشعب من العودة إلى أورشليم إلى الهيكل،.. وسقط سليمان في الفصل -بهذه الدبلوماسية- بين الحكمة النازلة من السماء، والحكمة النفسية الأرضية البشرية، ونسى سليمان أول درس في الحكمة أنها عطية الله، وليست ذكاء البشر!!.. ومن الغريب أن الرجل الذي قال: "توكل على الرب بكل قلبك وعلى فهمك لا تعتمد في كل طرقك أعرفه وهو يقوم سبلك".. لم يستطع أن يدرك هذه الحقيقة، وارتبط أول ما ارتبط بمصر وغيرا من الأمم، على العكس من القصد الإلهي والغاية من شعب الله نفسه،.. وحفر بذلك -وهو لا يدري- الهوة الواسعة التي تردي فيها أخريات حياته!!.. إن الحكمة الإلهية لمن يريد أن يأخذها هي أشبه الكل بالتيار الكهربائي سيظل قوياً جباراً متغلباً طالما كان مرتبطاً بأصل الكهرباء، فإذا انفصل عن هذا الأصل لأي سبب من الأسباب، فإنه يموت في نفس الدقيقة التي يتم فيها هذا الانفصال!!.. وقد حدث هذا -للأسف- في قصة سليمان، وأين سليمان الذي قيل عنه في مطلع حياته: "والرب أحبه" من سليمان الذي وصف في أخريات حياته: "فغضب الرب على سليمان"..! الترف واللذة كانت التجربة الثانية أمام سليمان تجربة الترف واللذة، وقد أفصح عن ذلك في الأصحاح الثاني من سفر الجامعة، على النحو العجيب الذي وصل إليه، وهل كان من المنتظر من الإنسان الذي قال في سفر أمثال لله: "أبعد عني الباطل والكذب لا تعطني فقراً ولا غنى أعطني خبز فريضتي لئلا أشبع وأكفر وأقول من هو الرب أو لئلا أفتقر وأسرق وأتذخ اسم إلهي باطلاً" هل كان من المنتظر وقد أغرق نفسه في الثورة بغير حدود، والتصق بالمحبة وبالعدو الهائل من الفساد، وبحث عن الشهرة هنا وهناك ألا تفعل حياة الترف واللذة فيه ما فعلت، فتحرقه كالشمعة، إذ يضعف أمام نسائه، فيملن قلبه ويبني لهن -إلى جانب هيكل الله- مرتفعات وثنية ليقدمن عليها ذبائحهن، ويموت في الستين من عمره، دون أن يتحقق له طول العمر، الوعد المشروط بالسير مع الله وفي صحبته، ولكنها حياة اللذة والترف التي كتب عنها في الأصحاح الأخير من سفر الأمثال: "كلام لموئيل ملك مسا علمته إياه أمه ماذا يا ابني ثم ماذا يا ابن رحمي ثم ماذا يا ابن نذوري لا تعطي حيلك للنساء ولا طرقك لمهلكات الملوك ليس بالموئيل ليس للملوك أن يشربوا خمراً ولا للعظماء المسكر لئلا يشربوا وينسوا المفروض ويغيروا حجة كل بني المذلة".. ومن المؤسف أن سليمان شرب من الكأس حتى الثمالة، ونسى كل المفروض عليه!!.. القسوة والعنف لقد بدأ حكمه وختمه بكل قسوة وعنف، لقد اعتقد أنه من الحزم أن يتخلص في مطلع حكمه ممن يظن أنهم سيقفون في طريق هذا الحكم، لم يوصه أبوه بقتل أدونيا أخيه، فعفا عنه حتى طلب أبيشج الشونمية الفائقة الجمال، وكان أدونيا -كما يعتقد الشراح- يقصد بخبث أن يعيد مركزه مع الشعب بأخذ امرأة أبيه وضمها إلى بيته، كما كانت عادة الملوك بضم النساء والسراري للملوك السابقين، ولهذا قال سليمان لأمه: "ولماذا أنت تسألين أبيشج الشونمية لأدونيا، فاسألي الملك لأنه أخي ولأبياثار الكاهن ويوآب ابن ضرويه".. وبطش سليمان بأخيه، وتحول أيضاً إلى يوآب، ثم بعد ذلك إلى شمعي بن جيرا، لكي يتخلص من كل من يمكن أن يكونوا مقاومين له في الخفاء أوالظاهر،.. ودفع سليمان الشعب إلى السخرة القاسية، وأقام له الرب في أخريات حياته الخصوم أمثال هد الأدوحي ورزون بن البيداع ويربعام بن نباط، وزرع سليمان بهذه القسوة والعنف ما حصده ابنه رحبعام بعد ذلك سريعاً!!.. كان سليمان حكيماً، ومع ذلك لم يستطع أن يدرك أن السيطرة الحقيقية للإنسان على آخر، لا يمكن أن تتم بالعنف والطغيان، بل بالرفق والمحبة!!.. وعجز الملك العظيم أن يصل إلى القلوب بمثل ما فعل من هو أعظم منه إذ استولى على قلوب تلاميذه وأتباعه بالمحبة العجيبة الفائقة الحدو!!.. سليمان ومصيره لا نستطيع أن نذهب ما ذهب إليه الكسندر هوايت في فقدان الرجاء في سليمان،.. من الحق أنه انحرف في أخريات حياته، وليس عن جهل، لقد تنكب الطريق، وانحرف وهو يعلم معنى الانحراف: "وكان في زمن شيخوخة سيلمان أن نساءه أملن قلبه وراء آلهة أخرى، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب كقلب داود أبيه".. لكن رجاءنا لا يرجع إلى شيء في سليمان نفسه بل إلى كل شيء في شخص الله، الذي وعد داود: "متى كملت أيامك واضطجعت مع آبائك أقيم بعدك نسلك الذي يخرج من أحشائك أثبت مملكته، هو يبني بيتا لاسمي وأنا أثبت كرسي مملكته إلى الأبد أنا أكون له أباً وهو يكون لي ابناً إن تعوج أؤدبه بقضيب الناس، وبضربات بني آدم ولكن رحمتي لا تنزع منه كما نزعتها من شاول الذي أزلته من أمامك ويأمن بيتك ومملكتك إلى الأبد أمامك كرسيك يكون ثابتاً إلى الأبد!!" ومع هذا الوعد ينصرف أساساً إلى بيت داود الذي سيبقى ثابتاً حتى يأتي منه المسيح مخلص العالم، حتى ولو تعوج بعض أبنائه، ممن سيعالج الله تعوجهم بالضربات والمتاعب والآلام،.. وإذ كان سليمان قد بنى المرتفعات لنسائه الغريبات، فمن المتصور أنه لم يسجد هو أمام هذه المرتفعات، وإنما فعل ليترك لهن حرية السجود كما يردن: وهكذا فعل لجميع نسائه الغريبات اللواتي كن يوقدن ويذبحن لآلهتهن".. ومن المتصور أن سليمان كتب سفر الجامعة في أخريات حياته، وإذا كان الكسندر هوايت لم يستطع أن يكتشف توبة سليمان خلال أسفاره التي كتبها، فنحن على العكس من ذلك نرى رجلاً عاش وقتاً طويلاً يشرب من كأس العالم، محاولاً أن يرتوي من ملذاته الكثيرة المتعددة، ولكنه خرج باختباره المؤلم الحزين: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح".. ولعله -وهو يشرب من كافة المسرات والمباهج- قد تبين ما قاله السيد فيما بعد: "الذي يشرب من هذا الماء يعطش أيضاً. ولكن الذي يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد بل الماء الذي أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية"... وهو شديد اليقين بالدينونة الأبدية: "افرح أيها الشاب في حداثتك وليسرك قلبك في أيام شبابك واسلك في طرق قلبك وبمرأى عينيك واعلم أنه على هذه الأمور كلها يأتي بك الله إلى الدينونة".. وقد ختم الجامعة بقوله: "فلنسمع ختام الأمر كله "اتق الله واحفظ وصاياه لأن هذا هو الإنسان كله. لأن الله يحضر كل عمل إلى الدينونة على كل خفي إن كان خيراً أو شراً"...كان لورد بيكون من أعلى الناس فهماً ودراية وعلماً وحكمة، وكان أشبه بالحكيم القديم سليمان في حكمته وفي سقوطه أيضاً، لكنه وجدوا في مخلفاته في النهاية صلاة مرفوعة إلى الله يقول فيها: "أيها الرب الإله الكريم، أبي منذ صباي، وخالقي وفادي ومعزي، وأنت الإله الذي تتغور إلى أعماق القلوب، وتفحص أسرارها، وأنت تعرف المستقيم القلب، وتحكم على المنافق، وتأتي بأفكار الناس وأفعالها إلى الميزان، وتقيس نواياها بالمقياس الدقيق، ولا يمكن للطرق المتلوية أن تختفي عن عينيك، لقد أحببت يا رب محافلك، ونحت على الانقسامات في كنيستك، وسررت ببهاء مقدسك، وقد جعلت مخلوقاتك كتبي، ولكن الكتب المقدسة كانت قراءاتي، وقد بحثت عنك في دور القضاء، والحقول، والحدائق ووجدتك في هيكلك.. إن خطاياي تعد بالألوف، وتعدياتي بعشرات الألوف أيضاً، ولكن تطهيرك بقى لي، والتهب قلبي كالجمرة التي لم تطفيء بنعمتك على مذبحك،.. وكما تزايدت أفضالك عليَّ تزايدت أيضاً تصحيحاتك، وكلما كثرت امتيازاتي العالمية، كثرت سهامك السرية المصوبة إليَّ، وكلما ارتفعت أمام الناس تهاويت في وضاعتي أمامك، وأعترف أنني إلى جانب خطاياي التي لا تحصى مدين لك بالوزنات والنعم التي أغدقتها على، والتي لم أضعها في منديل، أو أستثمرها، بل استخدمتها أسوأ من ذلك فيما لا يفيد، حتى أضحت نفسي غريبة في بيت سياحتي،.. يا رب ارحمني، واهدني في طرقك، ثم خذني بعد ذلك إلى مجدك!!.. كان الكسندر هوايت يتمنى فيما يقدر أن يجد شيئاً من مخلفات سليمان يمكن أن يكون مثل هذه الصلاة، ونحن نعجب كيف لم يتنبه الواعظ الكبير، إلى الروح الغالبة في الجامعة، روح الإحساس العميق بالأسى والألم والبطلان في كل ما يمكن يخلف المجد العالمي، في أعماق النفس البشري، والصرخة الباكية في كل العصور: "باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح" روح الإفلاس الذي لم يعد يقدره الإنسان يجمعه سوى في تقوى الله وحفظ وصاياه: "لأن هذا هو الإنسان كله".. أجل ومرة أخرى إن رجاءنا في مصير سليمان لا يرجع إلى مجرد التمني ألا يضيع كاتب الأمثال والجامعة ونشيد الأنشاد، وبعض المزامير التي غنت للأجيال بمجد من هو أعظم من سليمان، وملكوته الأبدي الذي لا ينتهي،.. لكن الرجاء ينصب أولاً وأخيراً في وعد الله بالتأديب بقضيب الناس، وضربات بني آدم، دون انتزاع الرحمة من ذاك الذي قال أكثر من مرة، وهو أرحم الراحمين: "هوذا أعظم من سليمان ههنا"... له المجد الدائم الأبدي آمين.
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل