المقالات

31 يناير 2021

التوبة (13) القيم الروحية فى حياة وتعاليم السيد المسيح

مفهوم التوبة.. التوبة هى عودة الانسان الخاطئ الى الله بعزم قلب وارادة صادقة . واقلاعه عن الخطية وعدم الرجوع اليها وتحرره من العبودية للخطية والشيطان واعماله . لغوياً فى اللغة العربية ، تاب اي عاد الى ثوابه او رشده . كما قال الإنجيل عن الابن الضال { فرجع الى نفسه وقال كم من اجير لابي يفضل عنه الخبز وانا اهلك جوعا.اقوم واذهب الى ابي واقول له يا ابي اخطات الى السماء وقدامك}(لو 15 : 17- 18). اما التوبة في اللغة اليونانية ، في مأخوذة من كلمتين " ميتا" اي تغيير و"نوس" . اي العقل فمعناها ( ميتانيا) اي تغيير الذهن والفكر والسلوك . انها تحولاً في فكر الانسان وسلوكه وحياته . تغيير الفكر وتجديد الذهن من اجل ان يكون لنا فكر المسيح المقدس والاعمال الصالحة . والتوبة بذلك تحمل معانى الندم على العيش بعيدا عن الله والاصرار على عدم العودة الى الخطية . قد يخطئ الانسان عن جهل او عدم حرص او تهاون او بحيل الشيطان ومصادقة الاشرار وتفتقده النعمة ويستيقظ من غفلته وتهاونه وكسله فيعود الى الله الذى يدعونا للتوبة كآب صالح { ارجعوا اليٌ ، ارجع اليكم } ملا7:3 . ويبدأ التغيير فى حياته ويعمل على اصلاح ما أفسده ويسير مع الله فى اصرار على عدم الرجوع الى الخطية وهذا ما راينا فى حياة قديسى التوبة كداود النبي والقديس اغسطينوس ومريم المصرية وغيرهم ، لم يعودا الى الخطية وقاوموا حتى الدم مجاهدين ضدها . التوبة هى الوسيلة المتاحة لنا من الله لمحو الخطايا .. يقدم الله للبشرية علاج للخطية فى الايمان به وخلاصة وعمل روحه القدوس فينا ليبكتنا على الخطية ويحثنا على عمل البر ويدفعنا الى الرجوع اليه بالتوبة : { هلم نتحاجج يقول الرب ان كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ان كانت حمراء كالدودي تصير كالصوف }(اش 1 : 18). { فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تاتي اوقات الفرج من وجه الرب }(اع 3 : 19). التوبة لازمة لكل واحد وواحدة منا لانه من منا بلا خطية {الجميع زاغوا و فسدوا معا ليس من يعمل صلاحا ليس و لا واحد }(رو 3 : 12). وعندما اخبروا السيد المسيح عن الجليليون الذين قتلهم هيرودس وهم يقدمون الذبائح لله { وكان حاضرا في ذلك الوقت قوم يخبرونه عن الجليليين الذين خلط بيلاطس دمهم بذبائحهم. فاجاب يسوع وقال لهم اتظنون ان هؤلاء الجليليين كانوا خطاة اكثر من كل الجليليين لانهم كابدوا مثل هذا. كلا اقول لكم بل ان لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون. او اولئك الثمانية عشر الذين سقط عليهم البرج في سلوام وقتلهم اتظنون ان هؤلاء كانوا مذنبين اكثر من جميع الناس الساكنين في اورشليم. كلا اقول لكم بل ان لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون} لو 1:13-5. هكذا جاء القديس يوحنا المعمدان ليعد الطريق أمام الرب منادياً بالتوبة بقوة { وكان يقول للجموع الذين خرجوا ليعتمدوا منه يا اولاد الافاعي من اراكم ان تهربوا من الغضب الاتي.فاصنعوا اثمارا تليق بالتوبة ولا تبتدئوا تقولون في انفسكم لنا ابراهيم ابا لاني اقول لكم ان الله قادر ان يقيم من هذه الحجارة اولادا لابراهيم.والان قد وضعت الفاس على اصل الشجر فكل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار.وساله الجموع قائلين فماذا نفعل.فاجاب وقال لهم من له ثوبان فليعط من ليس له ومن له طعام فليفعل هكذا.وجاء عشارون ايضا ليعتمدوا فقالوا له يا معلم ماذا نفعل.فقال لهم لا تستوفوا اكثر مما فرض لكم . وساله جنديون ايضا قائلين وماذا نفعل نحن فقال لهم لا تظلموا احدا ولا تشوا باحد واكتفوا بعلائفكم} لو7:3-14. التوبة هي تغيير يتم بعمل النعمة واستجابة الخاطئ ..وهذا التغيير عمل متبادل من الانسان الخاطئ بالوعى والارادة والاصرار على الاصلاح والتغيير والندم على الخطأ وبقوة وعمل النعمة فينا لكي نتغير ونتحرر من سلطان ابليس وقبول الله لنا واعلان محبته وسلامه فينا { لان الله هو العامل فيكم ان تريدوا وان تعملوا من اجل المسرة }(في 2 : 13). الله يدعونا الى التوبة ويفتقدنا بنعمة لنرجع ويمهد لنا الطريق للرجوع ثم يقبل توبتنا ويفرح برجوعنا . الله يريدنا أن نعود إليه، و يستقبلنا فرحا ، ويرد الخاطئ إلى مكانته الأولى {فقال الأب لعبيده: أخرِجوا الحُلَّة الأولى وألبِسوهُ، واجعلوا خاتمًا في يده، وحذاءً في رِجليه، وقدموا العِجل المُسَمن واذبَحوهُ فنأكُل ونفرح. لان ابني هذا كان ميتا فعاش و كان ضالا فوجد فابتداوا يفرحون }(لو15: 22-24). كابناء لله يريد لنا الخلاص {الذي يريد ان جميع الناس يخلصون و الى معرفة الحق يقبلون} (1تي 2 : 4) . {أنا أنا هو الماحي ذُنوبَكَ لأجل نفسي، وخطاياكَ لا أذكُرُها} (إش43: 25). {قد مَحَوتُ كغَيمٍ ذُنوبَكَ وكسحابة خطاياكَ. اِرجِع إليَّ لأني فدَيتُكَ} (إش22:44). لان الله صالح ورحوم يعد بالغفران والقبول للراجعين اليه { فاذا رجع الشرير عن جميع خطاياه التي فعلها وحفظ كل فرائضي وفعل حقا وعدلا فحياة يحيا لا يموت. كل معاصيه التي فعلها لا تذكر عليه في بره الذي عمل يحيا. هل مسرة اسر بموت الشرير يقول السيد الرب الا برجوعه عن طرقه فيحيا. واذا رجع البار عن بره وعمل اثما وفعل مثل كل الرجاسات التي يفعلها الشرير افيحيا كل بره الذي عمله لا يذكر في خيانته التي خانها وفي خطيته التي اخطا بها يموت} حز 21:18-24. فالتوبة الحقيقية هي عودة من خدمة الشيطان وحياة الخطية والنجاسة الى الاحضان الابوية والبنوة لله.ان التوبة هى اعلان لرحمة الله وقبوله للتائبين وأظهار محبته لهم وسعيه لخلاص الانسان من اجل هذا قال احد القديسين : ( ان الله لا يسألنا لماذا أخطئنا ولكن يسألنا لماذا لم تتوبوا) .لقد راينا كيف ان التوبة استطاعت ان تمنع حكم الله بالهلاك على أهل مدينة نينوي قديما { فامن اهل نينوى بالله ونادوا بصوم ولبسوا مسوحا من كبيرهم الى صغيرهم. وبلغ الامر ملك نينوى فقام عن كرسيه وخلع رداءه عنه وتغطى بمسح وجلس على الرماد. ونودي و قيل في نينوى عن امر الملك وعظمائه قائلا لا تذق الناس ولا البهائم ولا البقر ولا الغنم شيئا لا ترع ولا تشرب ماء.وليتغط بمسوح الناس والبهائم ويصرخوا الى الله بشدة ويرجعوا كل واحد عن طريقه الرديئة وعن الظلم الذي في ايديهم.لعل الله يعود ويندم ويرجع عن حمو غضبه فلا نهلك.فلما راى الله اعمالهم انهم رجعوا عن طريقهم الرديئة ندم الله على الشر الذي تكلم ان يصنعه بهم فلم يصنعه} يون 5:30-19. وعندما أخطأ داود النبى وتاب الي الله معترفا بخطئه فغفر له الله { فقال داود لناثان قد اخطات الى الرب فقال ناثان لداود الرب ايضا قد نقل عنك خطيتك لا تموت} (2صم 12 : 13).اننا اذ ندرك نتائج الخطية المهلكة لابد ان نتوب.. ولا نعود نخطئ مرة أخرى. ان الخطية ضعف وانهزام وعدم ضبط للنفس وهى موجهة ضد الله فهى كسر وتعدى وعصيان لوصاياه وهى موت أدبى وانفصال عن الله القدوس كما انها تفقد الانسان سلامه { اما الاشرار فكالبحر المضطرب لانه لا يستطيع ان يهدا وتقذف مياهه حماة وطينا . ليس سلام قال الهي للاشرار (اش 57 : 20-21). ان الخطية تقود للحزن والكأبة والياس والانتحار ولهذا نرى أعلى نسب للامراض النفسية والانتحار فى البلاد التى يسودها الالحاد والاباحية . فالخطية تمرر حياة الانسان وتفسد وتسئ الى العلاقات بين الناس وتجلب الامراض والعار { البر يرفع شان الامة وعار الشعوب الخطية }(ام 14 : 34). وللنظر حولنا الى مدمني الخمور والمخدرات والشهوات والاشرار ونتأمل كم تحط الخطية من قدرهم وتعبث بحاضرهم وتجعلهم يسيرون بلا هدف وعلاوة على ذلك ينصب عليهم غضب الله بالاضافة الى الهلاك الابدي الذى ينتظرهم ان لم يتوبوا { لان غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس واثمهم الذين يحجزون الحق بالاثم. اذ معرفة الله ظاهرة فيهم لان الله اظهرها لهم. لان اموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولاهوته حتى انهم بلا عذر.لانهم لما عرفوا الله لم يمجدوه او يشكروه كاله بل حمقوا في افكارهم و اظلم قلبهم الغبي.وبينما هم يزعمون انهم حكماء صاروا جهلاء.وابدلوا مجد الله الذي لا يفنى بشبه صورة الانسان الذي يفنى والطيور والدواب والزحافات.لذلك اسلمهم الله ايضا في شهوات قلوبهم الى النجاسة لاهانة اجسادهم بين ذواتهم.الذين استبدلوا حق الله بالكذب واتقوا وعبدوا المخلوق دون الخالق الذي هو مبارك الى الابد امين} رو18:1-25. السيد المسيح ودعوته الى التوبة لقد جاء السيد المسيح ليدعونا الى الإيمان والتوبة { ابتدا يسوع يكرز ويقول توبوا لانه قد اقترب ملكوت السماوات} مت 17:4.{ قد كمل الزمان واقترب ملكوت الله فتوبوا وامنوا بالانجيل }(مر1 : 15). لقد وجه اليه الكتبة والفريسيين النقد لموقفه المترفق والقابل للخطاة والعشارين ، كان رده {فلما سمع يسوع قال لهم لا يحتاج الاصحاء الى طبيب بل المرضى.فاذهبوا وتعلموا ما هو اني اريد رحمة لا ذبيحة لاني لم ات لادعوا ابرارا بل خطاة الى التوبة} مت 12:9-13.وعندما دخل الى بيت زكا العشار ليبيت تذمر الكتبة والفريسيين علية فكان جوابه لهم انه جاء ليطلب ويخلص ما قد هلك {فلما جاء يسوع الى المكان نظر الى فوق فراه و قال له يا زكا اسرع وانزل لانه ينبغي ان امكث اليوم في بيتك. فاسرع ونزل وقبله فرحا.فلما راى الجميع ذلك تذمروا قائلين انه دخل ليبيت عند رجل خاطئ. فوقف زكا وقال للرب ها انا يا رب اعطي نصف اموالي للمساكين وان كنت قد وشيت باحد ارد اربعة اضعاف.فقال له يسوع اليوم حصل خلاص لهذا البيت اذ هو ايضا ابن ابراهيم.لان ابن الانسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك} لو 5:19-10. السيد المسيح قابل الخطاة .. لقد تجسد كلمة الله بالحقيقة وجاء الى العالم وصلب وقام من اجل خلاص البشرية الخاطئة وسعيه لرجوعهم اليه وضرب لنا الامثال عن قبول الله للخطاه وخلاصهم واهم هذه الامثال ما جاء فى انجيل لوقا البشير الاصحاح الخامس عشر عن الخروف الضال والدرهم المفقود والابن الضال وترينا هذه الامثال كيف يفرح الله برجوع الخطاة سواء ضلوا عن جهل او لعدم سهر واهتمام الراعى او الاسرة او بدافع الطيش والتهور، وفى كل الحالات يسعى الله الى خلاصنا . لقد حمَّل السيد المسيح الرعاة مسئولية إضاعة الخروف الضال. وحمَّل الكنيسة مسئولية إضاعة الدرهم المفقود، أما في مثل الابن الضال فكان الإنسان هو المسئول عن ضياع نفسه. وفي كل الأحوال كان باب التوبة مفتوحًا، والعودة المفرحة مطلوبة، وسعي الله والكنيسة لعودة الخطاة موجود، ويبقى دور الإنسان الخاطئ نفسه فى التوبة والرجوع .ان الله يبحث عن الضال بين الأشواك، وفوق الجبال، وفي البراري القفرة. والكنيسة توقد له سراج الروح القدس وتصلى من اجله وتفرح لرجوعه ، وتفتش باجتهاد عن الخاطئ بروح الرعاية الحانية حتى تجده، أما الخاطئ فمطلوب منه أن يرجع إلى نفسه ويقارن حالته السيئة بسبب الخطية بحالته قبل السقوط ، ويقوم سريعًا ويذهب إلى أبيه، ويعترف أمامه بخطاياه، ويفرّح السماء والملائكة بعودته سالما { اقول لكم انه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب اكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون الى توبة} لو 7:15. السيد المسيح يدافع عن الخطاة ويحررهم .. راينا كيف دافع الرب يسوع المسيح عن المرأة الخاطئة فهو المحبة الحانية والرحمة الغافرة المحررة { وقدم اليه الكتبة والفريسيون امراة امسكت في زنا ولما اقاموها في الوسط. قالوا له يا معلم هذه المراة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى في الناموس اوصانا ان مثل هذه ترجم فماذا تقول انت.قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه واما يسوع فانحنى الى اسفل وكان يكتب باصبعه على الارض.ولما استمروا يسالونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها اولا بحجر.ثم انحنى ايضا الى اسفل وكان يكتب على الارض. واما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ الى الاخرين وبقي يسوع وحده والمراة واقفة في الوسط.فلما انتصب يسوع ولم ينظر احدا سوى المراة قال لها يا امراة اين هم اولئك المشتكون عليك اما دانك احد.فقالت لا احد يا سيد فقال لها يسوع ولا انا ادينك اذهبي ولا تخطئي ايضا} يو 3:8-11. نعم من منا بلا خطية لهذا يجب ان نترفق بالخطاة ونتأنى ونعلن لهم محبة الله ليتوبوا ويرجعوا وتمحي خطاياهم . السيد المسيح هو الرحمة المعلنه لنا ودمه الثمين الذى سفك على الصليب كفارة لخطايانا { وهو كفارة لخطايانا ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم ايضا} (1يو 2 : 2) . {في هذه هي المحبة ليس اننا نحن احببنا الله بل انه هو احبنا وارسل ابنه كفارة لخطايانا }(1يو 4 : 10). جال السيد المسيح يبحث عن خلاص الخطاة .. يصنع خيراً ويشفى المرضى ويقيم الساقطين ويبحث عن الضالين . راينا كيف سار من الصباح الباكر حتى الظهيرة ليخلص المرأة السامرية ويقودها للاعتراف الحسن والتوبة مبيناً ان من يشرب من ماء الشهوة والخطية لا يشبع { اجاب يسوع و قال لها كل من يشرب من هذا الماء يعطش ايضا. ولكن من يشرب من الماء الذي اعطيه انا فلن يعطش الى الابد بل الماء الذي اعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع الى حياة ابدية} يو 13:4-14. وهو الذى قال على لسان حزقيال النبى قديما { انا ارعى غنمي و اربضها يقول السيد الرب.واطلب الضال واسترد المطرود واجبر الكسير واعصب الجريح واحفظ السمين والقوي وارعاها بعدل } حز15:34-16وعلى الصليب كما تنبأ اشعيا النبى قديما رايناه مجرحا لاجل معاصينا ومسحوق من اجل آثامنا وبجراحاته وصلبه شُفينا{ احزاننا حملها واوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لاجل معاصينا مسحوق لاجل اثامنا تاديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا ملنا كل واحد الى طريقه والرب وضع عليه اثم جميعنا. ظلم اما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق الى الذبح و كنعجة صامتة امام جازيها فلم يفتح فاه } أش 4:53-7. وكما تنبأ عنه القديس يوحنا المعمدان { وفي الغد نظر يوحنا يسوع مقبلا اليه فقال هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم }(يو 1 : 29). رايناه على الصليب يقدم ذاته فداءاً عنا ويغفر حتى لصالبيه { يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون } (لو 23 : 34). الرسل وكرازتهم بالإيمان والتوبة .. اوصى السيد المسيح تلاميذه الاباء الرسل بعد القيامة ان يكرزوا باسمه للتوبة { وقال لهم هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وانا بعد معكم انه لا بد ان يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والانبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغي ان المسيح يتالم ويقوم من الاموات في اليوم الثالث.وان يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الامم مبتدا من اورشليم} لو 44:24-47. وهكذا راينا الرسل بعد صعود السيد المسيح وحلول الروح القدس عليهم يبشروا بالتوبة والايمان وبعظة واحدة للقديس بطرس آمن ثلاثة الاف نفس { فلما سمعوا نخسوا في قلوبهم وقالوا لبطرس ولسائر الرسل ماذا نصنع ايها الرجال الاخوة. فقال لهم بطرس توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس} أع 37:2-38. وبعد شفاء المقعد عند باب الهيكل راينا الرسل ينادوا بالتوبة والايمان {فتوبوا وارجعوا لتمحى خطاياكم لكي تاتي اوقات الفرج من وجه الرب }(اع 3 : 19). {فالله الان يامر جميع الناس في كل مكان ان يتوبوا متغاضيا عن ازمنة الجهل} (اع 17 : 30). هكذا لخص القديس بولس الرسول أمام رعاة الكنيسة كيف قضى حياته كارزاً بالتوبة {شاهدا لليهود واليونانيين بالتوبة الى الله والايمان الذي بربنا يسوع المسيح }(اع 20 : 21) . وكان يشهد امام اليهود والامم والكبير والصغير على نعمة الله المحررة والمغيرة والقادرة ، فامام اغريباس الملك وزوجته والوالى الرومانى بين لهم كيف ظهر له السيد المسيح وغيره من شاول مضطهد الكنيسة الى بولس الرسول المجاهد من أجل نشر بشارة التوبة والخلاص { فقلت انا من انت يا سيد فقال انا يسوع الذي انت تضطهده. ولكن قم و قف على رجليك لاني لهذا ظهرت لك لانتخبك خادما وشاهدا بما رايت وبما ساظهر لك به.منقذا اياك من الشعب ومن الامم الذين انا الان ارسلك اليهم. لتفتح عيونهم كي يرجعوا من ظلمات الى نور ومن سلطان الشيطان الى الله حتى ينالوا بالايمان بي غفران الخطايا ونصيبا مع المقدسين.من ثم ايها الملك اغريباس لم اكن معاندا للرؤيا السماوية.بل اخبرت اولا الذين في دمشق وفي اورشليم حتى جميع كورة اليهودية ثم الامم ان يتوبوا ويرجعوا الى الله عاملين اعمالا تليق بالتوبة} أع 15:26-20. من اجل هذا رايناه فى تواضع ودموع يقول { صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول ان المسيح يسوع جاء الى العالم ليخلص الخطاة الذين اولهم انا (1تي 1 : 15). وينبهنا ان لا نستهين بغنى لطف الله وامهاله علينا بل يجب ان نسرع الى التوبة {ام تستهين بغنى لطفه وامهاله وطول اناته غير عالم ان لطف الله انما يقتادك الى التوبة} (رو 2 : 4). من اجل هذا يقول القديس باسليوس : (جيد ان لا تخطئ وان اخطأت فجيد ان لا تؤخر التوبة وان تبت فجيد ان لا تعود للخطية وان لم تعد فاعرف ان ذلك بمعونة الله وان عرفت ذلك فجيد ان تشكر الله ). ان الله يدعونا الى عدم اليأس او قطع الرجاء.. فباب مراحم الله مفتوح دائما للراجعين اليه فقد تنبأ الانبياء عن السيد المسيح { يخبر الامم بالحق.لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع احد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق الى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الامم} مت 18:12-21. فهو الذى جاء ليطلب ويخلص من قد هلك . ان الشيطان يعمل باستماتة ان يوقعنا فى اليأس من جهة أمكانية بعدنا عن الخطية لنستمر فيها أو من جهة قبول الله لنا ، لكن علينا ان نتمسك بالرجاء وبرحمة الله ونقوم ونرجع الى الله ونقول { لا تشمتي بي يا عدوتي اذا سقطت اقوم اذا جلست في الظلمة فالرب نور لي }(مي 7 : 8).فلا تيأس من نفسك بل أطلب من الرب ان يهبك القوة والقدرة والتوبة { توبني فاتوب لانك انت الرب الهي} (ار 31 : 18). والله هو معين من ليس له معين ورجاء من ليس له رجاء وهو كالسامرى الرحيم يبحث عن الانسان الذى جرحته الخطية ليضمد جراحاته ويعالجه ويضمه الى كنيسته لتعتنى به وهو كراعي صالح يتكلف بكل نفقات خلاصنا. لقد غفر لبطرس نكرانه وجحوده ورده الى رتبته مرة اخرى كما غفر لهارون رئيس الكهنة قديما اشتراكه فى صنع العجل الذهبى وعبادته بدلا من عبادة الله الحي بهذه الرحمة نتمسك ونتغني { الرب رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة.لا يحاكم الى الابد ولا يحقد الى الدهر.لم يصنع معنا حسب خطايانا ولم يجازنا حسب اثامنا. لانه مثل ارتفاع السماوات فوق الارض قويت رحمته على خائفيه. كبعد المشرق من المغرب ابعد عنا معاصينا. كما يتراف الاب على البنين يتراف الرب على خائفيه.لانه يعرف جبلتنا يذكر اننا تراب نحن} مز 8:103-14. كيف أتوب ؟ محاسبة الذات .. ان حساب الذات ومعرفة اننا مخطئين تجاه الله بخطايانا هو بداية التوبة { لانه ماذا ينتفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه او ماذا يعطي الانسان فداء عن نفسه }(مت 16 : 26). هكذا فعل الابن الضال بعد ان أخذ نصيبة من ميراث ابيه وبدده فى ارض الخطية وجاع ولم يجد ما يشبعه حتى من أكل الخنازير كرمز للخطية { فقال اصغرهما لابيه يا ابي اعطني القسم الذي يصيبني من المال فقسم لهما معيشته. وبعد ايام ليست بكثيرة جمع الابن الاصغر كل شيء وسافر الى كورة بعيدة وهناك بذر ماله بعيش مسرف. فلما انفق كل شيء حدث جوع شديد في تلك الكورة فابتدا يحتاج. فمضى والتصق بواحد من اهل تلك الكورة فارسله الى حقوله ليرعى خنازير.وكان يشتهي ان يملا بطنه من الخرنوب الذي كانت الخنازير تاكله فلم يعطه احد. فرجع الى نفسه و قال كم من اجير لابي يفضل عنه الخبز و انا اهلك جوعا.اقوم و اذهب الى ابي واقول له يا ابي اخطات الى السماء وقدامك.ولست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا اجعلني كاحد اجراك . فقام وجاء الى ابيه واذ كان لم يزل بعيدا راه ابوه فتحنن وركض ووقع على عنقه و قبله. فقال له الابن يا ابي اخطات الى السماء وقدامك ولست مستحقا بعد ان ادعى لك ابنا. فقال الاب لعبيده اخرجوا الحلة الاولى والبسوه و اجعلوا خاتما في يده وحذاء في رجليه.وقدموا العجل المسمن و اذبحوه فناكل ونفرح. لان ابني هذا كان ميتا فعاش وكان ضالا فوجد فابتداوا يفرحون} لو 12:15-24. يجب ان نفكر فيما حصدناه فى البعد عن الله ونصارح أنفسنا والله ونقف أمامه فى خشوع ودموع.. القمص أفرايم الأورشليمي
المزيد
30 يناير 2021

محبتنا للقديسين وإكرامنا لهم

اليوم فى عيد الأنبا أنطونيوس ، أتأمل معكم إكرام كنيستنا للقديسين . فى الواقع أن كل أبناء الكنيسة القبطية يحبون القديسين محبة كبيرة، ربما لا توجد فى أية كنيسة أخرى.انظروا إلى أعياد القديسة العذراء مثلا، وأعياد مار جرجس ، وأعياد الملاك ميخائيل ، والأنبا أنطونيوس ، والقديسة دميانة، والأنبا رويس والأنبا بيشوى ، والأنبا موسى الأسود ، ومكسيموس ودوماديوس… كم ترون فى زحام الناس ومحبتهم وتشفعهم بالقديسين…! كم من قديسين تركوا العالم ، ولكن العالم لم يتركهم ولا نسيهم.هم أمامنا فى كل حين ، نقابل حياتهم بوفاء عميق. وفاء نحو آباء عاشوا فى غير زماننا . ولكنهم ما زالوا فى قلوبنا وفى أفكارنا . أنها مشاعر وفاء، ومشاعر حب نحو الآباء.وحب الآباء الروحيين فضيلة راسخة فى أبناء كنيستنا . سواء الآباء الأحياء. أو الذين انتقلوا منهم … نقابلهم جميعا بكل توقير لأبوتهم، ولحياتهم ، وذكراهم. ولا يفهم الآباء خطأ ، ما قد فهمه البعض من عبارة: " لا تدعوا لكم أبا على الأرض". فهذه العبارة قالها السيد المسيح للرسل الإثنى عشر فقط ، لا لعامة الناس ، على اعتبار أن الرسل وخلفاءهم ليس لهم آباء على الأرض . أما بقية الناس فلهم آباء.يوحنا الرسول يقول: " يا أولادي، أكتب لكم هذا لكي لا تخطئوا" (1 يو 2: 1 ). وبولس يصف تيموثاوس بأنه" الابن الحبيب" ( 2تى 1: 2). وتيطس " الابن الصريح حسب الإيمان " (تى 1: 4) . ويقول لفليمون :" أطلب إليك لآجل أبني أنسيموس الذي ولدته فى قيودي "( فل 10). ويقول لأهل غلاطية " يا أولادي الذين أتمخض بكم أيضا"( غل4: 19). ويقول لأهل كرونثوس" أنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل " ( كو 4: 14 – 17 ). وبطرس الرسول يقول :" مرقس أبني "( 1بط 5: 13 ).الأبوة الروحية موجودة إذن فى الكنيسة ونحن نحب آباءنا.وهناك رابطة كبيرة بيننا، وبين الذين فى الفردوس.رابطة بين أهل العالم الحاضر والأخر . وهذه الرابطة مستمرة . إكرام القديسين دليل على وجودها . فالله ليس إله أموات . وإنما إله أحياء.ونحن نشعر أن هؤلاء القديسين ما زالوا أحياء ، وأنهم يعيشون بيننا، ونتحدث إليهم تماما كما نتحدث إلى الأحياء.يقف إنسان أمام أيقونة العذراء أو مار جرجس أو الأنبا أنطونيوس ، ويطلب، ويتكلم فى دالة، ويعاتب أيضا.نحن لا نشعر إطلاقا أن القديسين قد فارقوا عالمنا ، أو انتقلوا منه أو انتهوا…! كلا ، بل نشعر بوجودهم باستمرار.ونذكرهم ليس فى أعيادهم فقط، بل فى كثير من صلواتنا .القديس الأنبا أنطونيوس مثلا ، لا نذكره فقط فى عيده ، إنما يذكر فى مجمع الآباء فى كل قداسات الكنيسة . وليس فقط فى القداسات ، إنما أيضا فى تسبحه نصف الليل كل يوم فى الأبصلمودية ، نذكره مع آبائنا جميعا نحن لا ننسى آباءنا أبدا ،مهما نسى الغير آباءهم وأجدادهم . أنها كنيسة تتسم بالوفاء وحب الآباء وفى ذكرنا للقديسين وإكرامنا لهم ، إنما نعلن إيماننا بالأبدية، وبأن الحياة لا تنتهي بالموت ، وإنما لها امتداد بعد الموت لولا شعور كل واحد منا ، بأن الأنبا أنطونيوس لا يزال حيا’ يشفع فينا ويشعر بنا ’ ما كنا نحتفل به الآن ، ونردد له الألحان …! أنحتفل بحفنة تراب ؟ كلا ،بل بحياة. إننا نحتفل بكائن حي، نثق بأن حياته مستمرة ، فى الأبدية. وهذا يعطينا أيضا ثقة ، بأن حياتنا ستبقى مثل آبائنا وفى إكرامنا للقديسين، إنما أيضا نكرم الفضيلة ، التى عاشوها.الذين يكرمون رجال العلم ، إنما يكرمون العلم أيضا والذين يكرمون الأبطال، إنما يكرمون البطولة فيهم ، والذين يكرمون الأذكياء ، إنما يكرمون الذكاء ضمنا. كذلك الذين يحبون القديسين ويكرمونهم، إنما يحبون القداسة فيهم ويكرمونها نحن نحب القديسين، لأن فى حياتهم صفات نحبها . والكنيسة فى إكرامها للقديسين، إنما تكرم صفات القداسة فى أشخاصهم . حينما نقرأ كتابا روحيا، نطلع على مبادئ وأفكار روحية.أما فى حياة القديسين ، فنرى المبادئ الروحية ممثلة عمليا.ونثق أن الفضائل ليست أمورا نظرية، بل هي واقع ملموس، فنطمئن ونثق أن طريق الكمال ممكن التنفيذ وحياة قديس كالأنبا أنطونيوس تعلمنا أشياء كثيرة .تعطينا فكرة كيف أن الإنسان يمكنه أن يكتفي بالله ، ومعه لا يحتاج إلى آخر، ولا يعوزه شئ . بحيث يستطيع أن يترك الكل من أجل الرب ، الذي يصير له الكل فى الكل .وتعلمنا سيرته أيضا، كيف يمكن أن الإنسان يجلس وحده، فلا يمل ولا يسأم ولا يضجر، لأن قلبه مع الله فى كل حين شبعان بالرب تعطينا حياته مثالا عمليا عن الصداقة مع الله ، والعشرة مع الله، التى تملأ القلب وتملأ الفكر ، وتملأ الحياة ، فيقول مع المزمور :" معك لا أريد شيئا على الأرض ". إنها حياة:" الانحلال من الكل . للارتباط بالواحد " آي ينحل من كل أحد ،ومن كل شئ لكي يرتبط بواحد هو الله وما أكثر الفضائل التى نراها عمليا فى حياة هذا القديس. فى المعرفة، فى الإفراز، فى التواضع ، فى الهدوء والسكون . فى الوحدة فى محبة الله، أترى أنسانا يحوى كل هذا فى حياته؟! لأجل هذا قلت لكم أن القديسين عينات ممتازة من البشرومحبتنا وإكرامنا للقديس الأنبا أنطونيوس ، تعنى أيضا محبتنا لحياة الصلاة والتأمل والنسك، التى اتصفت بها حياة الرهبنة.لو لا إعجاب الناس بهذه الحياة النسكية والتأملية التى عاشها الأنبا أنطونيوس ما كانوا يبنون الكنائس والمذابح على أسمه، وما كانوا يرسمون له الأيقونات، ويقيمون له الأعياد وإكراما للقديسين يعنى أيضا لله نفسه لأنه قال : من يكرمكم يكرمني . ومن يقبلكم يقبلني … ولأننا نحب الله ، لذلك نحب أولاده الذين أحبوه والكنيسة فى إكرامها للقديسين، وزعت أعيادهم على مدار السنة فى كل يوم من أيامنا ، تحتفل الكنيسة بعيد أحد القديسين. أو بعض القديسين ، لا يخلو يوم من تذكار قديس ونحن نحتفل بهؤلاء القديسين فى أيام انتقالهم من هذا العالم ،فى يوم الوفاة أو يوم الاستشهاد ، لأنه اليوم الذي أكمل فيه القديس جهاده على الأرض… وكما قال الرسول: " انظروا إلى نهاية سيرتهم، فتمثلوا بإيمانهم"(عب13: 7).هؤلاء القديسون الذين نحتفل بهم ، إنما هم عينات ممتازة. إن كل من يحيا حياة الإيمان ؛ يسميه الكتاب قديسا.يكتب القديس بولس الرسول إلى :" القديسين الذين فى أفسس"( أف 1: 1) وإلى :" جميع القديسين فى المسيح يسوع الذين فى فيلبى"( فى1: 1) ويختم رسالته إليهم بعبارة " يسلم عليكم جميع القديسين "( فى4: 22). ويكتب أيضا إلى :"القديسين الذين فى كولوسى " (كو1: 2). ويخاطب العبرانيين بقوله:" من ثم أيها الأخوة القديسون، شركاء الدعوة السماوية"( عب 3: 1) . لأشك أن كل مؤمن، نزع الإنسان العتيق، ولبس المسيح فى المعمودية( غل3: 27). وسكن فيه الروح القدس ، وعاش فى طاعة الرب ؛ وفى ممارسة أسراره المقدسة، هو قديس لكننا هنا لا نتكلم عن القداسة العادية ، إنما نقصد العينات الممتازة، التى ارتفعت روحيا فوق المستوى العادى كالأنبا أنطونيوس هؤلاء جاهدوا كثيرا لكى يصلوا إلى هذه القداسة. وكل جهاد لهم ، إنما برهنوا فيه على محبتهم لله، وعلى أنهم مستعدون لبذل كل جهد من أجل الثبات فى الرب وهذا لا يمنع من أن البعض ولدتهم أمهاتهم قديسين، أو كانوا فى بطون أمهاتهم قديسين مثال ذلك يوحنا المعمدان الذي قيل عنه:" ومن بطن أمه يمتلئ من الروح القدس"( لو1: 15). والذي أحس بالمسيح فى بطن مريم ، فإرتكض يوحنا بابتهاج فى بطن أمه فرحا بالمسيح (1: 43 ) ومثال ذلك أيضا أرميا النبي ، الذي قال له الرب :" قبلما صورتك فى البطن عرفتك. وقبلما خرجت من الرحم قدستك. جعلتك نبيا للشعوب"(أر 1: 5) هذه عينات نادرة، مستوى عال وهبة من الله.أما الأنبا أنطونيوس، فهو شاب ولد فى أسرة عادية، غنية. ولكنه ، وانتصر على عقبات كثيرة، حتى وصل. مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
29 يناير 2021

القديس أنطونيوس ومحبته لله

لما ملكت محبة الله على قلب القديس أنطونيوس ، أنتزع الخوف تماما من قلبه حتى من الله نفسه، ما عاد يخاف واستطاع أن يقول لتلاميذه ، تلك العبارة المشهورة عنه[ يا أولادي ، أنا لا أخاف الله] فلما تعجبوا قائلين[ هذا الكلام صعب يا أبانا ] أجابهم[ ذلك لأنني أحبه. والمحبة تطرح الخوف إلى خارج] ( 1يو 4: 18) حقا أن الحياة الروحية يمكن أن تبدأ بمخافة الله ، كما قال الكتاب " بدء الحكمة مخافة الله "(أم9: 10) وبالمخافة ينفذ الإنسان الوصايا ولكنه إذ يمارس الحياة الروحية ، يجد فيها لذة ومتعة، فتزول المخافة ويبقى الحب وكلما نما الإنسان فى محبته لله ولوصاياه، حينئذ " المحبة الكاملة تطرح الخوف إلى الخارج" والقديس الأنبا أنطونيوس ، عاش فى هذه المحبة : بدأ بها ، فدفعته إلى الوحدة ثم نما فيها ، حتى وصل إلى قممها لولا محبته لله ، ما استطاع أن يحيا فى الوحدة فمحبة الله إحدى الصفات الجوهرية التي ينبغي أن يتميز بها من يطلب الوحدة . وكما نقول فى صلاة القسمة عن آبائنا السواح والمتوحدين " وسكنوا فى الجبال والبراري وشقوق الأرض ، من أجل عظم محبتهم للملك المسيح"هذه المحبة هي التي دفعتهم إلى سكنى الجبال ، لكي يتفرغوا لعشرة الرب الذى أحبوه من أجل هذه المحبة ، ترك القديس كل شئ ، لأن الله عنده هو أثمن وأغلى من كل شئ ، ومن كل أحد . ولأن محبة الله تشجع القلب ، فلا يحتاج إلى محبة أخرى تسنده أو تعزيه محبة الله هي الدافع إلى الوحدة ، وهي الدافع إلى الصلاة أحب القديس الله . ومن محبته له أنفرد به ، وأصبح لا يستطيع أن يفارقه ، ولا يستطيع أن ينشغل عنه بشخص أخر . وكما قال الشيخ الروحاني فى ذلك [ محبة الله غربتني عن البشر وعن البشريات]. ومن محبته له ، وجد متعه روحية فى مخاطبته والتحدث إليه ، كما يقول داود النبي " محبوب هو أسمك يا رب ، فهو طول النهار تلاوتي "، وكما نقول فى التسبحة" أسمك حلو ومبارك ، فى أفواه قديسيك" أن عمق الرهبنة هو فى معناها الإيجابي الالتصاق بالله . أما معناها السلبي : البعد عن العالم، فهو مجرد وسيلة ما أحلى قول داود النبي " أما أنا فخير لي الالتصاق بالرب "( مز73). وكيف يلتصق الإنسان بالرب ، أن كان بكل مشاعره وفكره منشغلا بالعالم وما فيه؟!ومحبة الله ، كما قادت للوحدة والصلاة ، قادت إلى الزهد لأن الشخص الذى يذوق الله وحلاوة محبته ، يبدو كل شئ آخر تافها أمامه . وأمام حلاوة الله ، يفقد كل شئ آخر قيمته ، ويصبح باطلا وقبض الريح. وكما قال بولس الرسول " خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية لأربح المسيح" (فى 3) . وهنا نجد الزهد ليس مجرد عمل تغصب ، يغصب فيه الإنسان نفسه على ترك مقتنيات العالم وملاذه من أجل الله ، إنما هو اقتناع عميق بتفاهة كل شئ . وهذا الاقتناع نتيجة لمحبة القلب لله وهكذا يرى الإنسان أن كل متع العالم لا تشبعه، فيزهدها ، لأن قلبه قد أنفتح على محبة أكبر ، وأعمق ، وأسمى ، هي محبة الله ، التي تضاءل أمامها كل شئ آخر . ومن الناحية المضادة، إن ملكت محبة العالم على قلب إنسان ، نزعت منه محبة الله ، ولذلك يقول الرسول أن " محبة العالم عداوة الله "ونحن نسأل أنفسنا كيف استطاع القديس أنطونيوس ، أن يسكن وحده فى تلك المغارة البعيدة؟ وكيف أحتمل البعد عن كل عزاء بشري ؟ وكيف وجد شعبة فى الوحدة ؟ الجواب هو أنه كان شبعانا بمحبة الله ، فلم يعوزه شئ الوحدة بالنسبة إليه ، لم تكن وحدة مطلقا ، وإنما كانت فى حقيقتها عشرة مع الله ، ومع ملائكته عشرة ألذ من عشرة البشر ، ومن المجتمعات البشرية.وعشرته مع الله جعلت المحبة تنمو فى قلبه ، فحينما كان يلتقي بالناس ، كان يلتقي بهم فى حب. وكانت معاملاته لتلاميذه مشبعة بروح الإتضاع والود ، من ثمار الحب الذى فيه وهكذا لم تكن وحدته انطواء ، وأنما حبا ومع محبته للقديس بولس البسيط ، طلب إليه أن يسكن وحده ، لفائدته الروحية لأنه كان يحبه حبا روحيا ، يدفعه إلى أن ينمى محبة التلميذ لله ، ولو فارقه إنها محبة لا تلصقه به شخصيا ، وأنما تلصقه بالله ، الذى يحب المعلم والتلميذ كليهما معا ، أنطونيوس العظيم وبولس البسيط… مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
28 يناير 2021

القديس أنطونيوس ومحبة الوحدة والسكون

أننا لا نستطيع أن نتأمل حياة الأنبا أنطونيوس فى يوم عيده ، دون أن نتذكر حياة الوحدة والسكون التي عاشها ، وثمار هذه الحياة فى حياته وفى تعاليمه لقد ذكر عنه القديس أثناسيوس الرسولى أنه قضى ثلاثين سنة، وقد أغلق على نفسه فى وحدة كاملة، لا يرى فيها وجه إنسان وفى هذه الوحدة اختبر ثمار السكون ، فى خلوة كاملة مع الله . وأمكنه أن يفرغ ذهنه من تذكارات العالم وأخباره وتفاهاته، لكي يملأ هذا الذهن بالله وحده ، فلا يفكر إلا فيه وفى مذاقته لحلاوة السكون نصح أولاده فيما بعد ، خوفا عليهم من أن يتبدد سكونهم خارج البرية، فقال[ الراهب فى الدير كالسمكة فى البحر ، لا تحيا خارج مياهه] وحتى حينما عاش معه القديس الأنبا بولس البسيط بضع سنوات ، يتتلمذ عليه ، ويحيا تحت ظل صلواته، طلب إليه أن يدخل إلى البرية ويحيا وحده [ ليجرب حروب الشياطين ]إنه الدرس الأول الذى أخذه الأنبا أنطونيوس [ أن كنت راهبا ، فأدخل إلى البرية الجوانية]… وكان هذا هو الدرس الذى يقال لكل راهب ، فى أن يتعلم الهدوء[ اجلس فى قلايتك ، والقلاية ستعلمك كل شئ] إن القديس الأنبا أنطونيوس هو الذى وضع أساس الرهبنة الأصيل. والنظام الذى وضعه هو الذى بقى أكثر من غيره… أكثر من حياة الشركة التي كانت تعتمد على رئيس حازم قوى كالقديس باخوميوس مثلا ، يديرها بدقة وجدية ، ويعاقب من يكسر قوانينها … فإذا لم توجد هذه الرئاسة انتهى قيام الرهبنة تبعا لذلك … وهكذا انتهت كثير من أديرة القديس باخوميوس.أما القديس أنطونيوس فكان يبنى الراهب من الداخل ، بمحبة الوحدة والسكون ، أكثر مما يبنيه بقوانين صارمة تحفظ طاعته كان يبنى قلب الراهب ، لا مجرد إرادته … وتصرفه كان يميت العالم داخل قلبه، ولا يقتصر على إماتة التصرفات العالمية فى سلوكه وهذه الإماتة كانت تأتى أولا بالوحدة ، بالبعد عن الكل ، لحفظ العقل فى السكون وتأتى ثانيا بانشغال الفكر والقلب بالله فى حياة السكون . ما أجمل قول مار أسحق [ إن مجرد نظر القفر ، يميت من القلب الحركات العالمية]. فى البرية تربى موسى قبل عمله الرعوي أكثر مما " تهذب بكل حكمة المصريين". وإلى البرية نقل الله أبانا إبرآم ، حيث تدرب على حياة الخيمة والمذبح ، أي الغربة والشركة مع الله . وفى البرية تدرب إيليا ، على جبل الكرمل . وفى البرية تدرب أيضا يوحنا المعمدان ، أعظم من ولدته النساء . وربنا يسوع المسيح أيضا أحب البرية والجبال ، وترك لنا فى ذلك مثالا ، حتى كما كان يختلي فى جبل الزيتون ( يو 8: 1) ويقضى الليل فى الصلاة ، نفعل نحن أيضًا وهكذا عاش الأنبا أنطونيوس ، ليس أياما ، وإنما الحياة كلها عاش بعيدا عن المدن ، وما فيها من صخب وضجيج وضوضاء ، وأيضا بعيدا عما فيها من دوامة المشغوليات ، التي لا تعطى فرصة لجلوس الإنسان مع نفسه أو جلوسه مع الله حقا ، لقد سألت نفسي مرة : لماذا خلق الله كل هذه الصحراوات؟ هذه الصحراوات الواسعة، وهذه الجبال والتلال ، فى كل قارة من القارات ، تمثل الهدوء والوحدة ، بعيدا عن صخب المدن أليس فى كل هذا إيحاء ، يشير إلى الناس بحياة الهدوء ؟! وكان السيد المسيح يأخذ تلاميذه إلى موضع قفر ، حتى تتركز حواسهم فى كلامه، ولا تنشغل بالمناظر والأفكار إن كل إنسان فى الدنيا ، مهما تعمق فى الحياة الروحية … هو محتاج إلى فترات هدوء ، يجلس فيها إلى الله، وإلى نفسه يهدأ بعيدا عن المشغوليات ، وبعيدا عما تجلبه الحواس من أفكار … وفى هدوء يأخذ من الله ، وأيضا يفحص ذاته ، ويأخذ من أعماق أعماقه ، حيث يسكن الله أيضا . هذا هو أول ما يجذبنا ، فى الحياة العميقة التي عاشها قديسنا وحياة السكون هذه، لها دلالتها الروحية الكثيرة فليس كل إنسان يستطيع أن يحيا حياة السكون فى البرية. وإن استطاع ذلك بضعة أيام أو أسابيع ، فلا يستطيع أن يحيا فى البرية العمر كله ، إلا إن كانت له دوافع روحية راسخة ، كما كان للقديس أنطونيوس . فما هي هذه الدوافع؟ أول صفة تلتزمها حياة البرية ، هي الزهد أن الذي يحب العالم ، تجذبه أمور العالم ، فلا يستطيع أن يبقى فى البرية إذ يشتاق إلى ما تركه فى العالم من أمور محببة إلى نفسه . وكما قال الكتاب : " حيثما يكون كنزك ، فهناك يكون قلبك "( مت 6: 21) . إنما يحيا فى البرية ، الإنسان الذى مات قلبه عن العالم موتا حقيقيا . بمقدار ما يكون قلبه مائتا عن العالم ، هكذا يكون ثباته فى البرية أيضا إذن الموت عن العالم ، يسبق بالضرورة الحياة فى البرية والقديس الأنبا أنطونيوس كان قلبه قد مات عن العالم وكل رغباته : ترك الأهل والبلد والمال والجاه والعلم وكل شئ . ولم يعد يشتهى شيئا عالميا ، لذا استطاع أن يسكن فى مقبرة ، وأن يسكن فى القفر وأن يحتمل الجوع والعطش والوحدة كذلك السكنى فى البرية تحتاج إلى شجاعة قلب يصلح لها قلب لا يخاف … لا يخاف الوحدة ، ولا الظلام ، ولا الوحوش والدبيب ، ولا الشياطين … وهكذا كان الأنبا أنطونيوس ، لقد تعرض لحروب مخيفة جدا . وكان الشياطين يظهرون له فى هيئة وحوش مفترسة ، تصيح بأصوات مرعبة، وتهجم عليه. ومع ذلك لم يخف ، بل وقف صامدا أمامهم … كذلك هاجموه لما كان فى المقبرة ، وضربوه ضربا مبرحا جدا ، ولم يهتز إطلاقا . وفيما بعد أصبحت الشياطين هي التي تخاف الأنبا أنطونيوس ، وأخذ قوة من الله على طرد الشياطين هذا هو الأنبا أنطونيوس رجل البرية ، وأبن الجبال ، صاحب القلب القوى الذى لا يخاف ، الذى عاش فى الجبال وحده عشرات السنوات ، لا يؤنسه سوى الله السكنى فى البرية أيضا يلزمها إنسان يعرف كيف يقضى وقته حسنا ، بحيث لا يمل من فراغ يحيط به فالوحدة ليست مجرد عمل سلبي ، هو البعد عن العالم ، أو الموت عن العالم ، إنما هي عمل إيجابي فى الحياة مع الله والالتصاق به ، ومذاقه حلاوته والعشرة معه. وهذا هو الهدف الأساسي من الوحدة ، التي تعتبر مجر وسيلة للالتصاق بالله . وأن كانت الوحدة هي الإنحلال من الكل ، فإن مار أسحق يقول [ الإنحلال من الكل ، للارتباط بالواحد] والأنبا أنطونيوس عاش حياة الصلاة وحياة التأمل ، منشغلا بالله كل وقته ، فكرا وقلبا ، فلم يمل ، ولم يعد محتاجا إلى عزاء بشرى يسليه. وصارت الوحدة بالنسبة إليه متعة روحية ، بسبب العشرة الإلهية التي شغلت حياته ولم يعش وحده فى البرية ، وانما كان الله معه عرف أن " الحاجة إلى واحد "، ونجح فى الارتباط بهذا الواحد ولما عاش فى حياة السكون ، دخل السكون إلى قلبه أيضاوكما قال مار أسحق :[ بسكون الجسد ، نقتنى سكون النفس ] هدأت حواسه ، وهدأت أفكاره، وهدأ قلبه من الداخل ، وهدأت ملامحه أيضا ، وصار مصدرا للسلام لكل من يتصل به . وفيه أحب الناس هذه الحياة الهادئة الساكنة المملوءة بالسلام بمرور الوقت زالت من فكره كل التذكارات القديمة التي عاشها فى العالم ، وأخذت نقاوة فكره تنمو شيئا فشيئا، حتى لم يعد فى فكره سوى الله وحده. أو محيت من ذهنه كل العالميات ، إذ لا استعمال ، ولا جديد يضاف إليها ، بل لا جديد سوى الأمور الإلهية التي رسخت فى ذهنه ، وملكته كله وفيما بعد، حينما سمح أن يكون له تلاميذ ، وزوار ، لم يكن يكلمهم إلا عن الله وحياة الروح. فصارت حياته كلها مركزة فى الله، فكرا، وشعورا وكلاما ومات العالم من حوله استطاع أن يحول الأرض التي عاش فيها إلى سماء ، وأن يحول أبناءه الرهبان إلى ملائكة أرضيين أو بشر سمائيين أما أنتم يا أخوتي ، فإن كنتم لا تستطيعون أن تسكنوا الجبال فعلى الأقل لا تحرموا أنفسكم من الخلوة والسكون على قدر طاقتكم ولو بضعة أيام كل سنة ، أو يوما كل أسبوع ، أو ساعة كل يوم ، أو بضعة دقائق كل ساعة انفضوا ضجيج العالم من آذانكم ، وغوصوا داخل أنفسكم ، واكتشفوا فى أية الطرق أنتم سائرون ، وماذا على كل منكم أن يفعل وأجلسوا مع الله ، وخذوا منه معونة ولا تجعلوا الفترة تطول بكم وسط ضجيج العالم ، حيثما استطعتم أن تنسحبوا من هذا الضجيج، انسحبوا بسرعة وإن لم تستطيعوا أن تنسحبوا منه موضعيا، فعلى الأقل انسحبوا منه موضوعيا فلا تشتركوا فى أعماله وأحاديثه كونوا كغرباء فى الموضع الذى لا يناسبكم حديثه. لا تشتركوا فى الكلام ، أن لم يمكنكم تغيير دفته. وفيما أنتم صامتون ، اسرحوا بأفكاركم فى الله وملكوته ، دون أن يشعر أحد وهكذا تحتفظوا بقلوبكم مع الله ، سواء كنتم فى خلوة أو مع الناس ، كما قال عن ذلك (الشاعر): كنت فى مجتمع أو خلوة أنا وحدي ، يستوي الأمران عندي لي طريق مفــرد أحببتـه عشـت فيه طـول هـذا العمر وحدي المهم أن محبة السكون تكون فى القلب ، وكإحدى نتائجها تتكون الرغبة فى الاختلاء بالله ، حتى وسط مشغوليات المجتمع ونصيحتي أنكم لا تأخذون أمور العالم بعمق لا تجعلوا أمور العالم تستقر فى عمق اهتمامكم ، بحيث تستولي على ذهنكم ، ويطيش فيها فكركم وقت الصلاة…!وفى محبتكم للوحدة ، لا تنفروا من الناس ومحبتهم، بل انفروا من الأخطاء … لأن هناك فرقا بين الوحدة والانطواء والقديس الأنبا أنطونيوس كانت حياته حبا للوحدة، حبا فى الله ، ولم تكن انطواء ولا كراهية للناس أو عجزا فى معاملتهم فكلما سمحت الفرصة ، كان يفيض حبا على الناس ، وكانت معاملاته تتميز بالطيبة والوداعة واللطف… مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
27 يناير 2021

القديس أنطونيوس أعطى أم أخذ ؟

لا شك أن القديس أنطونيوس قد أعطى الرب كل شئ إنه حسب الوصية:" مضى وباع كل ما له وأعطاه للفقراء "…أعطى الرب ثلثمائة فدان من أجود أطيان بنى سو يف .وأعطى الرب أيضا ما كان ينتظر من مركز وجاه كوريث لوالده. وأيضا زهد فكرة الزواج وما كان يمكن أن ينجبه من أولاد . وكذلك زهد كل ما فى الدنيا من علم ومعرفة ومتع وصلة بالناس ومع كل ذلك يلح علينا السؤال : هل هذا القديس قد أعطى أم أخذ ؟ أم أعطى فأخذ ؟… وننتقل من هذا السؤال إلى سؤال آخر يتبعه هل الرهبنة عطاء أم أخذ ؟ أم هى عطاء يتحول إلى أخذ ؟ أو عطاء يكافأ بأخذ؟ الأخذ فيها أكثر من العطاء؟ * هذا القديس أعطى الله قطعة أرض (300 فدان). ولكن الله أعطى الأرض كلها ، والسماء أيضا… فأصبح له فى كل بلد من البلاد أديرة، وكنائس ، وأماكن مقدسة . وأصبحت له كل البرية أيضا، وكل الأديرة التى على أسماء قديسين آخرين ، لأنه أبو الرهبنة فى العالم كله. فهل أعطى أم أخذ؟ أنني حينما أرى الأراضي والأملاك الموقوفة على دير الأنبا أنطونيوس فى مصر وحدها . أرى أنها أكثر مما تركه القديس الأنبا أنطونيوس فى قمن العروس …! بالإضافة إلى أرض الأحياءوانظروا إن كلمة ربنا يسوع المسيح لم تسقط أبدا ، حينما قال " من ترك أبا أو أما … أو أخوة أو أخوات ، أو زوجة، أو مقتنيات من أجلى، يأخذ مائة ضعف فى هذا العالم ، وملكوت السموات" ( مر 10: 29) لعل البعض حينما أعطى القديس أنطونيوس أرضه للرب ، قالوا عنه: مسكين ، ضيع نفسه وأرضه وثروته ومستقبله…! بينما يرد الرب عليهم قائلا: من أضاع نفسه من أجلى يجدها " (مت 16: 25) ويقول الكتاب للأنبا أنطونيوس :" مناك ربح عشرة أمناء"( لو 19: 16). ماذا ترك القديس أيضا غير الأرض ؟ هل ترك أولادا؟! لنفرض أن الشاب أنطونيوس ، بدلا من الرهبنة تزوج وأنجب ، كم من أبناء كان سينجب ؟ خمسة؟ عشرة؟ عشرين ؟… هودا له الآن آلاف من أبنائه الرهبان فى كل جيل ، يصل عددهم إلى ملايين منذ بدأ الحياة الرهبانية فى أواخر القرن الثالث حتى الآن … يضاف إلى ذلك ملايين من أبنائه الروحيين مثلكم ، من غير الرهبان حقا أن السيد المسيح حينما قال أن يعوض:" مائة ضعفا" كان منكرا لذاته فى كرمه ، لأنه أعطى بآلاف الأضعاف بل قد جعل الله هذا القديس يتخطى حدود المكان والزمان هذا الذي ترك بلده ، وتوحد فى الجبل لأجل الله ، تاركا العالم لأجله ، أصبح العالم كله يتحدث عنه . اسمه وصل إلى أقطار المسكونة كلها . لا توجد قارة من قارات العالم الست ، لا تعرف الأنبا أنطونيوس ! اسمه تخطى حدود قريته ، بل حدود مصر ، بل حدود أفريقيا ، حتى فى أيامه… وأصبح له أولاد وأديرة وكنائس فى كل موضع . وأصبحت له أماكن مقدسة لا تعد . حقا ، هل أعطى أم أخذ ؟! وماذا أعطى القديس الأنبا أنطونيوس أيضا للرب ؟ هل أعطاه عمرا؟ هو ذا الله جعل حياة الأنبا أنطونيوس تتخطى الزمان ! كثيرون تنتهي حياتهم فى الأرض بوفاتهم ، وينساهم جيلهم بعد حين ، وتناسهم الأجيال . هــو ذا قـــد مـــر أكثر من 16 قرنا على نياحة الأنبا أنطونيوس ، وما زال حيا بيننا حتى الآن ، حيا فى مبادئه ، وفى تعاليمه ، وفى أولاده ، وفى النهج الذي أختطه ، وفى ذاكراه... إنه من الأسماء الخالدة التى لا تنسى . إنه روح كبيرة، أكبر من الموت . لم يستطع الموت أن ينهى رسالتها . فلم تقتصر حياته على جيله، بل تختطه عبر الأجيال ، ولا تزال بيننا . إنه صاحب حياة بدأت ولم تنته عند رهبنة كل راهب ، يصلون عليه صلاة الأموات( أعنى المنتقلين) . على اعتبار أنه مات عن العالم . ولكن قديسنا هذا بموته عن العالم، دخل فى الحياة التى لا تنتهي ، وما زال بها حيا بيننا أتراه أعطى الله حياة كرسها له ، أم أخذ حياة لا تنتهي؟! هل لأجل الله أيضا ترك جاها وسلطانا وعظمة وشهرة؟ إذ كان أبوه بالجسد ذا جاه وعظمة يورثها لأبنه… هناك وأتخيل لو بقى القديس أنطونيوس فى مكان أبيه، آي مستقبل كان ينتظره ؟ أتراه كان سيصير عمدة البلدة قمن العروس ؟ أو أعظم رجل فى المركز أو فى محافظة بنى سو يف، مدى حياته، ثم ينساه الناس ، كما نسوا أسم أبيه على الرغم مما كان له من عظمة وجاه وغنى…! هو ذا الأنبا أنطونيوس فى جيله ، يرسل إليه الأمبروطور قسطنطين يطلب بركته، ويأتيه الفلاسفة والنبلاء من كل مكان يطلبون حكمته . وينال شهرة لم ينلها أحد. وتسميه الكنيسة: " العظيم الأنبا أنطونيوس ". أتراه حقا فى هذه النقطة ، أعطى أم أخذ ؟! ماذا ترك أيضا لأجل الله ؟ أتراه ترك الكهنوت ؟ فلم نسمع أنه نال من درجات الكهنوت أو رئاسة الكهنوت ولكن هو ذا أولاده صاروا بطاركة وأساقفة .بل أن البابا البطريرك فى أيامه ( القديس أثناسيوس الرسولى) كان أحد أولاده الروحيين . وجميع بطاركة العالم يسجدون فى مواضعه المقدسة ويطلبون بركاته وكل رتب الكهنوت ، مهما علت ، تطلب فى القداس الإلهي صلوات الأنبا أنطونيوس ، وتتشفع به الكل يعتبرون أنفسهم أولاده صدقوني ، لو أكتشف قطعة قماش صغيرة ، ثبت أنها من ثوب للأنبا أنطونيوس لتنافس عليها كل بطاركة العالم وكهنته ورهبانه ترك الأنبا أنطونيوس الكهنوت ورئاسته . فصار كل رجال الكهنوت من أولاده. أتراه فى ذلك أعطى أم أخذ ؟! حقا أن الله يعطى أكثر مما يأخذ ، بما لا يقاس يأخذ حبة قمح ، ليعطيك سنابل مملوءة قمحا. يأخذ نواة بلح ، ليعطيك نخلة، تحمل آلافا من ثمار البلح وللأسف ، البعض يحجمون عن العطاء . تطلب الكنيسة من أم أن تعطى أبنها للرهبنة أو الكهنوت ، فتبكى وتمرض كأن كارثة ستحدث ! تعجبني جدا فى الأمهات ، القديسة حنة أم صموئيل النبي . لم تنجب أبناء . ولما وهبها الرب صموئيل ، أعطته للرب وكان وحيدها ! فأعطاها الرب أولادا آخرين كثيرين ، لعلكم لا تذكرون أسماءهم ( 1صم 1: 22 ). أما الابن الذي أعطته للرب فهو الوحيد الذي خلد أسمه، وعرفت هى به أنها " أم صموئيل"أعط أذن للرب ، وسيرد لك أضعافا ، دون أن تطلب أو تنتظر. الأنبا أنطونيوس أعطى حياته للرب ، وليس فقط أملاكه. فماذا حدث؟ أعطاه الرب بدلا من هذه الحياة الأرضية، حياة روحية خصبة. حياة أبدية مثمرة فى ملكـوته ، أعطــاه أيضــا حياة أبنائه… بل أن الأنبا أنطونيوس ذاته، تحول إلى رمزأصبح ليس مجرد شخص ، وإنما صار رمزا ، رمزا لحياة الوحدة والصلاة والتأمل والزهد والنسك ، رمزا لحياة الرهبنة بكل ما فيها من فضائل وروحانيات . وكما قيل فى إحدى القصائد. أنت رمــــز لحـــياة طهـــرت أشتهي الخــالق يوما أن تكــون أصبح رمزا لحياة الهدوء والسكون، رمزا للحياة التى تتخلى من الكل لكى ترتبط بالواحد، الحياة السامية المقدسة التى لا تنشغل بتفاهات العالم وكل متعه، لأنها تفرغت لله وحده... أعطى راحته وهدوءه، وتعرض لحروب الشياطين وإيذائهم بالتخويف ، بالضرب، بالتشكيك ، فى صورة وحوش ، فى صورة نساء ، بأصوات مرعبة ، فى وحدة بلا أنيس...!ولكن الله أعطاه الاحتمال، والقوة، والانتصار ، وعدم الخوف، وأعطاه سلاما داخليا عجيبا، وأعطاه مهابة روحية، بحيث صارت الشياطين هى التى تخافه وترتعب من قوته الروحية، صارت له موهبة إخراج الشياطين. أتراه فى كل ذلك أعطى أم أخذ؟! كذلك فى تركه العمران وسكناه القفر، هل أعطى أم أخذ؟ يبدوا ظاهريا أنه ترك بهجة العمران ، ودخل فى وحشة القفر . من أجل الرب . ولكن الرب جعل القفر عامرا بهذا الملاك الأرضي . وحول البرية إلى سماء ، كواكبها هم هؤلاء الملائكة الأرضيون. وصار هذا القفر مكانا مقدسا يأتيه الناس من أقاصي الأرضي ليتبركوا حتى بترابه ، وصار جبل انطونيوس جبلا مقدسا وبرية انطونيوس صارت برية مقدسة. وكل شبرا داسته قدماه، باركه الرب ببركه خاصة. وفجر له فى القفر عين ماء . هل حقا أعطى أم أخذ ؟! إن الناس يشتهون بركة بريته أكثر من كل مباهج العمران الله يعطينا طبعا أكثر مما يأخذ منا . ولكن ولكن المهم أن نبدأ نحن بالعطاء . ولا نفكر حينما نعطى أننا نعطي. وأيضا لا نفكر أننا سنأخذ عوضاإن من يجعل علاقته بالله علاقة طلب مستمر وأخذ ، هو إنسان متمركز حول ذاته . أما الإنسان الروحي ، فأنه يعبر عن حبه لله ، بالبذل المستمر ، ويقول للرب : " من يدك أعطيناك" ( 1 أي 29: 14 ). بل في تقديمه شيئاٌ لله ، يشعر بتفاهة ما يقدمه، إذا ما قورن بما أخذه منه هوذا مثل من خارج الرهبنة ، هو موسى النبي لا شك أنه ترك قصر فرعون ،و " أبى أن يدعى أبن ابنة فرعون"وترك كل خزائن مصر "، وصار راعي غنم فى البرية… تراه خسر أم كسب ؟! لقد ترك الأمارة فإذا بالرب يقول له : " جعلتك إلها لفرعون "( خر 7: 1) . وإذا بفرعون يتوسل أكثر من مرة إلى موسى ، طالبا منه أن يصلى عنه ، الضربات. وكان واضحا أن موسى ، فى موقف أقوى من فرعون … ثم صار موسى قائدا لشعب بأسره ، وأصبح رجل معجزات ، يشق البحر ، ويفجر من الصخرة ماء . لا شك أن موسى قد أخذ أكثر مما أعطى ، بما لا يقاس إن علاقتنا بالله هي علاقة أخذ مستمر ، بلا عطاء هل تقول أنك تعطى الله وقتا للصلاة؟ كلا ، إنك لا تعطى وقت الصلاة بل تأخذ بركة ونعمة ، وتنال عملا من الروح القدس داخلك ، وبركات لا تحصى الله أعطاك أسبوع عمر ، وأنت تقدم له يوما من هذا الأسبوع الذى وهبك إياه، فهل أنت تعطى ؟! كلا بل أنت تأخذ بركة هذا اليوم . وكما يقول الكتاب أن : " السبت قد أعطى للإنسان "( مر 2 : 27) القديس انطونيوس، حينما أعطى حياته لله ، لم يكن يفكر إطلاقا أنه سيأخذ كل ما أخذه، وما جال ذلك بفكره.وفى نفس عملية العطاء بالنسبة إليه ، كانت عملية أخذ أخذ فيها بركة الجلوس مع الله ، وبركة حياة السكون والتأمل . وأخذ فيها بركة هذا الطقس الملائكي . وأخذ النعمة الكبرى التي عملت فيها حتى استطاع أن يصمد فى الوحدة إنه لم يقل إطلاقا : " سأعطي الله صلواتي ". بل كان شعوره: أريد أن أتمتع بالله والوجود معه ، وأن يعطيني الله هذا الشرف وهذه المتعة ، متعة الوجود فى حضرته شعور الإنسان بأنه يعطى الرب ، شعور خاطئ روحيا فنحن باستمرار نقترب إلى الله، لكي نأخذ ثم ، من نحن حتى نعطى الرب ؟! ومن هو الرب الذى نعطيه؟ الله مالك السموات والأرض ، وخالق السموات والأرض ، وصاحب كنوز النعم التي لا تحد ولا تفرغ … هل من المعقول أننا نعطيه؟! الأرملة التي أعطت رجل الله إيليا حفنة دقيق وقليل زيت ، هل أعطت أم أخذت ؟ انظروا، هوذا :" كوز الدقيق لا يفرغ ، وكوز الزيت لا ينقص " طول مدة المجاعة ( 1مل 17: 14) . وهكذا الأنبا أنطونيوس ، علمنا أن الحياة الروحية هي أخذ دائم من الله ، أخذ بركة، ومتعة، فى كل عمل روحي ولو لم يكن القديس أنطونيوس ، يأخذ متعة روحية ، فى كل أيام حياته فى البرية ، أتراه كان يستطيع الحياة فى القفر ؟! لو لم يكن يأخذ نعمة وقوة ، أتراه كان يستطيع مقاومة كل حروب الشياطين، فى كل عنفهم وكل حيلهم…؟! إنه كان يعيش جوار النعم كلها ، يغترف منه بالليل والنهار ، نعمة ، وقوة، وبركة، ومتعة روحية كان ممكنا للشاب أنطونيوس ، بالغنى الكثير الذى ورثه، أن يتعلم ، ويأخذ من العالم معرفة وعلما وشهادات دراسية ولكنه من الله أخذ معرفة عميقة ، ما كان ممكنا للعالم أن يعطيها… معرفة كانت تذهل كل فلاسفة وعلماء عصره وكان الناس يأتون من أقاصي الأرض ، لكي يسمعوا من فمه كلمة منفعة ، أو كلمة حياة ، يخلصون بها إنها كلمات أخذها من الله ، لها عمقها ، ولها قوتها وفاعليتها وتأثيرها ، وليست معرفتها من النوع الذي يعطيه العالم لقد فضل أن يعيش فى جهالة مع الله ، تاركا علم العالم." فأعطاه الله فما وحكمة"( لو 21: 15) . وأعطاه علما يفوق الكل فانذهل علماء الأرض من هذا (الأمي) . فهل الأنبا أنطونيوس أعطى أم أخذ ، وهوذا العالم كله يستفيد من تعاليمه ولأنه رفض من أجل الله معرفة العالم ، أعطاه الله علما روحانيا ، علما إلهيا … أعطاه علم معرفته ليس فى الأمور النسكية فقط ، وإنما حتى فى اللاهوتيات أيضا وقد أفحم الأريوسيين لما نزل إلى الإسكندرية ، وكان لكلماته تأثير عميق . ويعتبره العلماء أستاذا للقديس أثناسيوس أن الله حينما يضع كلمة فى فم إنسان ، يزود هذه الكلمة بقوة وتأثير وفاعلية، لا يستطيع أحد أن يقاومها كان الأنبا أنطونيوس جهازا جيد التوصيل لكلمة الله ، ولنعمة الله ، ولبركة الله ، وللسلام الممنوح من الله كان إنسانا يأخذ من الله ، ويعطى للناس ، نفس القوة لقد فرحت السموات ، لما وجدت على الأرض هذه الآنية المختارة، التي تستطيع أن تحمل نعمة الله للناس ، وفى نفس الوقت تحتفظ ببساطتها وهدوئها ، دون أن ترتفع ، ودون أن تنتفخ … ولم تكن كلمات هذا القديس فقط هي التي تفيض نعمة ، وإنما كانت حياته أيضا كذلك ، وكانت هكذا ملامحه كان كل إنسان يرى الأنبا أنطونيوس ، يحب أن لا يفارقه. كان وجهه يفيض بركة، وحديثة يفيض نعمة ، وحياته تفيض روحا … لذلك لا نعجب لتلمذه الذى قال له:[ يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبي …] بالنسبة إلى الله ، كان القديس أنطونيوس يأخذ باستمرار وبالنسبة للناس ، كان هذا القديس يعطي باستمرار، كسيده ولقد أعطاه الله الكثير ، لما زهد كل شئ ، لأجله أعطاه موهبة المعجزات والآيات والعجائب ، فكان يشفى المرضى ، وكان يخرج الشياطين وكان الناس يقصدونه لا من أجل المعرفة الروحية فقط ، والبركة، وأنما أيضا لأجل معجزاته هل هذا يقارن بما تركه من مال أو جاه أو أهل ؟!إنه لما أغمض عينيه عن المال ، فتحهما الله للرؤى السمائية فكم من مرة رأى ملائكة، وكم من مرة تحدث معهم؟!لقد ظهر له ملاك يشرح له كيف يصلى ويعمل ويقاوم الملل. والملاك هو الذى سلمه قلنسوة الرهبنة وفى إحدى المرات رآه تلاميذه ناظرا إلى السماء وساهما، فعرفوا أنه رأى شيئا، فسألوه . فأخبرهم عن نياحة الأنبا آمون أب جبل نتريا ، إذ رأى روحه يزفها الملائكة بالتهليل إلى السماء طوباك أيها القديس الأنبا أنطونيوس ، إن عينيك اللتين رفضتا أن تنظرا إلى المال ، وهو ملقى على الرمال ، صارتا تنظران الملائكة وأرواح القديسين ، أيها البار المفتوح العينين … وماذا أيضا؟ قال القديس الأنبا أنطونيوس :[ أبصرت مرة فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض ، فألقيت نفسي أمام الله وقلت : يارب، من يفلت منها ؟ . فأتاني الصوت من السماء " المتواضعون يفلتون منها "]طوبى لهاتين الأذنين اللتين أغلقتهما أمام أغاني العالم وطربه وأحاديثه، فاستحقتا أن تسمعا صوت الله في هذه المناسبة وغيرها ، وأن تسمعا تهليل الملائكة وهم يحملون روح الأنبا آمون حقا ، كلما نترك شيئا لأجل الله ، نأخذ أضعافا، وبنوعية أفضل، " ليس بكيل يعطى الروح "( يو3: 24) إنه يعطى بلا حدود إن الذى ترفض من أجله خزائن العالم ، يفتح أمامك خزائن السماء والمواهب الروحية ، كما حدث للقديس الأنبا أنطونيوس ، الذى ترينا حياته ، مقدار عمل الله فى النفس البشرية لقد ترك الزواج والنسل الجسدي ، انظروا عدد وحلاوة أولاده من أولاده القديس مقاريوس أبو الإسقيط ، والقديس الأنبا آمون أب جبل نتريا ، والقديس ببنوده رئيس أديرة الفيوم ، والقديس إيلاريون مؤسس الرهبنة فى سوريا وفلسطين . ومن أولاده الأنبا بولس البسيط ، والأنبا بيساريون ، والأنبا سرابيون ، والأنبا شيشوي … وكثيرون حقا" ترنمي أيتها العاقر التي لم تلد " وسعى خيامك لأن أولادك يصيرون أكثر من ذات البعل ( أش 54: 1) إنني لا أستطيع أن أدخل فى جزيئات ، وأقول أن الأنبا أنطونيوس ترك من أجل الله مالا ، أو أرضا ، أو وقتا ، أو زواجا أو أولاداأنما هو أعطى الله الحياة كلها ، كذبيحة طاهرة قدامه. فأخذ الله هذه الحياة ، وقدسها وباركها وزودها بالمواهب ، وأعطاها للعالم عندما يقول الله :" يا أبني ، أعطني قلبك"( أم 23 :26) ، هل تظنون أنه يريد أن يأخذ هذا القلب؟ كلا ، بل هو يريد أن يملأ هذا القلب حبا وبركة وبرا . ويريد أن يأخذ هذا القلب فيطهره من كل خطية ، ويجعل روحه القدوس يسكن فيه … كمن يقول لك :" أعطني جيبك الفارغ لأملأه خيرات ". أهو يأخذ أم يعطى؟ عندما تعطى الله قلبك ، إنما تعطى فراغك ، والله يملأ تعطى ضعفك وتأخذ قوة الله . كمن يعطى العشور، لتفتح له كوى السماء ، ويفيض اله عليه حتى يقول كفانا كفانا(ملا 3: 10).تقدم لله ، أعطه إرادتك، ليعطيها قوة ، ويرجعها إليك منتصرة… أتكون إذن تعطى أم تأخذ ؟! مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
26 يناير 2021

القديس أنطونيوس كمعلم وطالب علم

الأنبا أنطونيوس المعلم كثيرون ترهبوا . وكثيرون كانوا قديسين،وسواحا،ومتوحدين،ولم ينالوا شهوة الأنبا أنطونيوس.الأنبا بولا السائح مثلا ، ترهب قبل الأنبا أنطونيوس . وفى لقاء هذين القديسين ، كان الأنبا بولا يخاطب الأنبا أنطونيوس بعبارة يا أبني ، فيرد عليه بعبارة يا أبى . كان الأنبا بولا أكبر منه سنا ، وأقدم منه فى هذه السيرة الملائكية. ولكنه لم ينل نفس الشهرة ، لأنه لم يكن مثل الأنبا أنطونيوس أبا لرهبان كثيرين . ولم يكن مثله أبا لمدرسة من المدارس كان الأنبا أنطونيوس أبا لرهبنة. كان أبا لمدرسة رهبانية ، لأول مدرسة رهبانية . وكان أبا لفكرة معينة انتشرت فى كل مكان أنه لم يتزوج ، ولم ينجب أبنا . لكن له مئات الآلاف من الأبناء . له أبناء فى كل بلد من بلاد العالم . كل رهبان العالم أولاد الأنبا أنطونيوس عندما يدخل الأنبا أنطونيوس إلى الملكوت ، يقول لله :" هأنذا والأولاد الذين أعطانيهم الرب " (إش8: 18)،يدخل وراءه ألوف ألوف ، وربوات ربوات لأنه أب لمدرسة تتلمذ عليه تقريبا كل قادة الرهبنة فى مصر فمثلا كان من تلاميذه الأنبا آمون أبو جبل نتريا، أبو منطقة القلالى . وقد رأى الأنبا أنطونيوس روح الأنبا آمون وهى صاعدة إلى السماء ، تزفها الملائكة فى فرح وكان من تلاميذه أيضا ، القديس الأنبا مكاريوس الكبير، أتى وتتلمذ عليه وألبسه الأنبا أنطونيوس إسكيم الرهبنة. وأشتغل معه، وشهد له بقوله: [ إن قوة عظيمة تخرج من هاتين اليدين]وتتلمذ عليه الأنبا بيشوى ، أو الأنبا سيصوى من أباء الجبل الشرقي ، هو وتلاميذه. وتتلمذ عليه القديس الأنبا بولس البسيط ، والأنبا بيساريون، والأنبا سرابيون وتتلمذ عليه القديس الأنبا ببنوده رئيس أديرة الفيوم . وقد كتب إليه القديس الأنبا أنطونيوس رسالته العشرين وتتلمذ عليه القديس الأنبا إيلاريون الذي نشر الرهبنة فى سوريا وفى فلسطين وعندما كان يأتي إلى الأنبا أنطونيوس أحد من تلك المناطق يطلب إرشاده ، كان يقول لهم فى أتضاع :[ لماذا تأتون إلى ، وعندكم الأنبا إيلاريون ؟] وتتلمذ عليه شيوخ عديدون انتشروا فى الأرض كلها ونشروا الرهبنة فى كل مكان وأصبح الأنبا أنطونيوس أبا لفكرة ، ولمدرسة، ولطريق حياة، أبا لمنهج روحي له فروعه فى كل مكان وأطال الله عمر الأنبا أنطونيوس ولد سنة 251 م ، ورقد فى الرب سنة 356 م . وله من العمر 105 سنة شيخا كبيرا فى الأيام العجيب أن الأنبا أنطونيوس ، لم يتتلمذ عليه رهبان فقط إنما تتلمذ عليه أيضا البابا البطريرك كان القديس الأنبا أثناسيوس الرسولى البابا العشرون من تلاميذه . درس عليه الروحيات. تلقى عنه أيضا كثيرا من أفكاره اللاهوتية إن بعض العلماء ، حينما يدرسون فكرة أثناسيوس اللاهوتية، إنما يرجعون كثيرا من أفكاره اللاهوتية إلى القديس أنطونيوس الكبير. حقا إن هذا لعجيب… والقديس أنطونيوس تتلمذ عليه كثيرون لم يروا وجهه أبدا لقد تتلمذوا على حياته، على سيرته التى نشرها فى الغرب القديس أثناسيوس الرسولى فى كتابه (حياة أنطونيوس). وهذا الكتاب كان سببا فى انتشار الرهبنة فى روما وفى بلاد الغرب . فترهب كثيرون هناك وأتى العديد منهم إلى مصر . لمجرد أنهم تنسموا حياة القديس الأنبا أنطونيوس وكان لهذا الكتاب تأثيره فى هداية أوغسطينوس لقد تأثر أغسطينوس تأثيرا عميقا بسيرة القديس أنطونيوس ، فتاب، وترك حياة الفجور، بل صار راهبا وقديسا ومصدرا من مصادر الحياة والتأملية فى العالم بفضل سيرة الأنبا أنطونيوس والقديس الأنبا أثناسيوس الرسولى ، كاتب هذه السيرة ، حينما كان يذهب إلى آي مكان من بلاد أوربا، كانوا يسألونه عن أنطونيوس ، وعن أخبار الرهبنة فى مصر ، وعن الرائحة الزكية التى تفوح من البرية… وهكذا كان للأنبا أنطونيوس تأثير فى أمكنة عديدة جدا لا توضع تحت حصر. وكثيرون كانوا يأتون من بلاد الشرق والغرب ، لكى يتتلمذوا على القديس الأنبا أنطونيوس فى التدبير الرهباني وكان بعض الفلاسفة يأتون إليه ، ويسألونه ، ويحاورونه ، ويندهشون كثيرا من علمه ومن ذكاءه لدرجة أنهم قالوا له فى إحدى المرات : [ أنت لا تملك الكتب ،ولا تقرأ الكتب ، فمن أين لك هذه المعرفة وهذا الفهم العجيب ؟ ] فأجابهم بسؤال عجيب : [ أيهما أسبق : العقل أم المعرفة ؟ فلما قالوا له: العقل طبعا أسبق ، أجابهم : إذن المعرفة يمكن أن يلدها العقل ، بدون كتب…] !وكان يقول :[ أنا أن أردت معرفة شئ ، أصلى إلى الله ، فيكشف لي ، وأتأمل فى آيات الكتاب ، فأفهم منها . فلا حاجة بي إلى الكتب ] وكما أن الناس كانوا يأتون من مشارق الدنيا ومغاربها إلى الأنبا أنطونيوس ، يطلبون منه كلمة منفعة ، يجعلونها دستورا لحياتهم كذلك فإن الإمبراطور قسطنطين الكبير أرسل إليه رسالة،يطلب منه فيها بركاته وصلواته. ولما لم يقراء القديس هذه الرسالة لتوه. تعجب تلاميذه. فقال لهم: [ لا تتعجبوا من هذا ، بل تعجبوا بالأكثر أن الله يرسل لنا الرسائل كل يوم فى كتابه المقدس ، ونحن لا نسرع إلى قراءتها]…! محاربته للأريوسية: كان الأنبا أنطونيوس فى نظر الناس نبعا كبيرا للقداسة ، ومعلما كبيرا للروحيات وكانت كل كلمة تخرج من فمه هي كلمة ثقة وصدق لدرجة أنه عندما انتشرت الأريوسية فى الإسكندرية، نتيجة للشكوك العنيفة التى أثارها الأريوسيون ضد لاهوت السيد المسيح ، طلب الآباء الأساقفة من القديس أنطونيوس أن ينزل لكى يقول كلمة فيسند بها تعليم البابا أثناسيوس الرسولى ونزل الأنبا أنطونيوس ، إلى الإسكندرية ،وهو فـــوق المائة من عمــره، وقضى ثلاثـــة أيام ، فيهــا ثبـــت الناس فى الأيمان ويقول المؤرخون أن الأيام الثلاثة التى قضاها الأنبا أنطونيوس فى الإسكندرية كان لها مفعول السحر فى الناس وكانت أكثر دسما من سنوات عديدة فى التعليم كانت كلمة التعليم تخرج من فم الأنبا أنطونيوس ، تسندها قداسة سيرته ، وتسندها المعجزات ، وتسندها ثقة الناس به إنه رجل الله . فكل ما يقوله هو كلام من الله . إن الشخص العادى حينما يتكلم ، ربما يحتاج إلى أدلة كثيرة، وإثباتات وبراهين كثيرة لكى يقنع الناس. أما الإنسان القديس ، الذي يشهد الله بآيات ومعجزات ، الإنسان القديس الذي هو موضع ثقة الناس بروحياته. فيكفى أن يقول كلمة وينتهي الآمر هكذا كانت كل كلمة للأنبا أنطونيوس … لها ثقل عجيب !وكان الأنبا أنطونيوس يعلم، ليس فقط بالكلام ، وأنما أيضا بالرسائل . وله عشرون رسالة، أرسلها إلى أولاده ترجمت هذه الرسائل إلى العربية، وهى موجودة فى مخطوطاتنا فى الأديرة، آخرها رسالته إلى تلميذه ببنوده وقد طبع البعض هذه الرسائل ونشرها وكانت موضع دراسة لعلماء كثيرين وللقديس أنطونيوس تعاليم كثيرة ضمنها بستان الرهبان خاصة بنصائحه إلى أبنائه الرهبان، فى النسك والروحيات وله سيرته وحياته المقدسة التى كان يتغذى بها الناس وتعاليمه كانت إما فى كلمات قليلة يرد بها … أو فى عظات طويلة كما فى رسالته، وفى سيرته وله فى كتاب سيرته التى وضعها القديس أثناسيوس ، عظة طويلة قالها عن ضعف الشياطين، وأنه ليست لهم القدرة الخيالية التى يخشاها الناس لذلك لا داعي أبدا لأن يخافهم الناس ويرتعبوا منهم… إنها عظة طويلة وكلمات الأنبا أنطونيوس كان لها تأثيرها ، ليس فى الأشخاص العاديين فقط إنما أيضا فى شيوخ الرهبنة وقادتها ومرشديها .كانوا جميعا يعرفون أنه يتكلم بالروح القدس ولم تكن كلماته فقط نافعة للتعليم ، أو سيرة حياتــه فقــط نافعة للتعليم ، وإنمــا حتـى مجــرد ملامح وجهه. زاره مرة ثلاثة من الرهبان ، أخذ اثنان منهم يسألانه عن بعض أمور . أما الثالث فبقى صامتا . فسأله الأنبا أنطونيوس ، لماذا لا يطلب شيئا مثل زميليه ؟ فأجاب : يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبى وقد قال القديس أثناسيوس عن الأنبا أنطونيوس :[ من الناس كان مضطرب القلب أو مر النفس ، ويرى وجه الأنبا أنطونيوس ، إلا ويمتلئ بالسلام…] لعله كان أيضا من مصادر السلام بالنسبة إلى الأنبا أثناسيوس نفسه فى وسط ضيقاته الكثيرة وكان الأنبا أنطونيوس يحب الإفراز ، آي الحكمة والتمييز والمعرفة ففي إحدى المرات سأله أولاده عن الفضيلة العظمى فى الرهبنة . فقال لهم: إنها الإفراز ، لأن كثيرين صاموا، وأضروا أنفسهم بصومهم . وكثيرين صلوا وفشلوا فى صلواتهم، بسبب عدم الإفراز. وله عظة عن الإفراز فى بستان الرهبان ذلك لأن الشخص الذي يقتنى الإفراز والتمييز ، يستطيع أن يميز بين النافع والضار اللائق وغير اللائق . لذلك أهتم الأنبا أنطونيوس بفضيلة الإفراز . وهو أيضا كانت له هذه الفضيلة ولم يكن يفرح بالآراء بقدر ما كان يفرح بالعمل الروحي الفاضل ، وبخاصة الباطني منه فى إحدى المرات زاره بعض الرهبان ، وسألهم فى تفسير رأيهم آية معينة ، فأبدى كل منهم وجهة نظره . وكان الأنبا يوسف معهم فبقى صامتا . فسأله القديس الأنبا أنطونيوس عن رأيه فى تفسير الآية ، فأجاب : صدقني يا أبى أنى لا أعرف وهنا قال له الأنبا أنطونيوس :[ طوباك يا أنبا يوسف ، لأنك عرفت الطريق إلى كلمة لا أعرف]. الأنبا أنطونيوس كتلميذ يتعلم مصادر معرفته :- ما مصادر المعرفة عند الأنبا أنطونيوس ؟ وممن إستقى تعليمه ؟ فلا يمكن لشخص أن يرتقى إلى رتبة التعليم ، ما لم يتعلم أولا ويتتلمذ ويفهم. فأين تتلمذ القديس الأنبا أنطونيوس ؟ وعلى يد من ؟ كان الأنبا أنطونيوس يطلب المعرفة من كل مصدر : وكانت هذه هى الصفة الأولى فى تلمذته يطلب العلم من كل مصادره . لا يتعلم فقط من الأساتذة الكبار ،وأنما من كل شئ ، ومن كل أحد ، ومن كل حادث ، ومن كل شخص حتى لو كان خاطئا أول درس له ، تعلمه من إنسان ميت وعجيب أن يتلقى أول درس له فى الرهبنة، لا من إنسان حي ، إنما من شخص ميت . وكان هذا الميت هو أبوه لما مات أبوه ، نظر إلى جثمانه المسجى ، وتعلم من هذا الموت شيئا … نظر إلى أبيه الميت ، الذي كان يملك ثلاثمائة فدان من أجود أطيان قمن العروس ببني سو يف ، وكان له غنى ونفوذ بين مواطنيه ، وقال له [ أين هى قوتك وعظمتك وسلطانك ؟ أنت خرجت من العالم بغير إرادتك . ولكنني سأخرج منه بإرادتي ، قبل أن يخرجوني كارها ] وهكذا تلقى أول درس فى الموت عن العالم . تأمل فى ذلك الرجل الغنى العظيم، الذي كان يملأ الدنيا قوة وسلطة، وهو الآن بلا حراك ، لا يملك حتى التصرف فى جسده ! أما الدرس الثاني ، فأخذه من الإنجيل والأنبا أنطونيوس كان يسمع كلام الله فى عمق ، وكان جادا فى سماعه . وكل كلمة يسمعها ، كان يعتبر أنها موجهة إليه شخصيا … ففي إحدى المرات – وهو فى الكنيسة – سمع قول الرب للشاب الغنى :" إن أردت أن تكون كاملا ، أذهب بع كل مالك وأعطه للفقراء ، وتعال اتبعني" وكان أول من سمع هذا الكلام الإلهي شابا غنيا مثله سمع ومضى حزينا مع أنه سمع هذه الآية من فم الرب يسوع المسيح نفسه، من صوت السيد المسيح المملوء تأثيرا وعمقا وروحانية . ولكنه لم يتأثر ولم ينفذ ، لأن محبة المال كانت فى قلبه أما الأنبا أنطونيوس ، فلما سمع هذه العبارة ، وكان هو أيضا شابا غنيا، لم يمضى حزينا ، وإنما مضى وباع ما له فعلا ، وأعطاه للفقراء . أخذ الآمر الإلهي بطريقة جدية، لأنه كان يسير فى حياته بهذا الأسلوب الجدي ولما بدأ يدبر الأمور ، ويفكر كيف يصرف هذا المال ، وكيف يدبر أيضا مستقبل أخته، ، مضى إلى الكنيسة فسمع صوت الرب :" لا تهتموا بما للغد ". فأعتبر هذا الكلام أيضا موجها إليه هو بالذات ، وأسرع فى الخروج من العالم . بينما فى أيامه ، لم تكن هناك رهبنة بالمفهوم الحالي ، والنظام الحالي ، لأنه هو أول الرهبان .كم من مرة نسمع نحن الآيات تقرأ علينا فى الكنيسة ، ولا نتأثر ونعمل مثلما تأثر بها الأنبا أنطونيوس وعمل…! ولكنه كان إنسانا يود أن يستفيد، ويعتبر أن كلام الله للعمل ، وليس لمجرد السماع والمتعة الروحية به كان جادا فى سماعه، يحول كلام الله إلى حياة كان يعمل بقول الرب :" الكلام الذي أقوله لكم ، هو روح وحياة ". فكان يفهم الروح الذي فى الكلام ، ويحوله إلى حياة لقد تعلم درسه الأول فى الرهبنة من موت أبيه وتعلم درسه الثاني من آيات الإنجيل التى سمعها . فمن تعلم درسه الثالث إذن ؟ تعلم درسه الثالث من القدوة الحسنة كان هناك بعض النساك يعيشون على حافة القرى. ففي أول خروج الأنبا أنطونيوس تعلم من هؤلاء النساك . ولم يشأ أن يكون مقلدا لشخص معين منهم ، وإنما أخذ من كل واحد شيئا : كان يتعلم من هذا الهدوء ، ومن ذاك الوداعة والإتضاع ، ومن ثالث الصمـــت، ومن رابــع المداومة على الصـــلاة ، ومن خـامس النســك ومن سادس السهركان يبحث عن الشيء الفاضل فى آي إنسان يقابله، ويتعلمه منه ، دون أن يكون صورة طبق الأصل لشخص واحد بالذات . أما الدرس الرابع ، الكبير ، فتعلمه من امرأة مستهترة كان متوحدا إلى جوار النهر ، وإذا بامرأة لا حياء لها ، قد جاءت إلى حيث كان ساكنا يتعبد. وبدأت تخلع ملابسها لتنزل إلى البحر لتستحم أمامه، وهى لا تخجل ! أما هو فقد خجل ، وأنبها قائلا :[ يا امرأة أما تستحين أن تتعرى أمامي وأنا رجل راهب ؟!] فأجابته:[ لو كنت راهبا ، لدخلت إلى الجبل فى البرية الجوانية، لأن هذا المكان لا يصلح لسكنى الراهبان ]! قالت ذلك ، وهى تضحك منه باستهزاء…! أما الأنبا أنطونيوس، فأخذ كلمة الاستهزاء هذه، بجدية ، وقال :[ حقا هذا صوت الله لي على فم هذه المرأة]وقام فعلا ، وترك ذلك المكان ، شاعرا أنه لا يناسبه فعلا كراهب ، ودخل أعماق الجبل ، وكان دخوله بركة العالم… حتى كلمة الاستهزاء والتهكم التى سمعها ، أخذها بعمق وروحانية وتنفيذ. ولم يغضب بسببها ، إنما أنتفع روحيا… ويبدوا أن نساء شريرات كثيرات ، كن على غير قصد منهن ، سبب بركة وتعليم لكثير من القديسين وكما يقول الكتاب أن الله يخرج من الجافي حلاوة ( قض14: 14) . + وقد رأينا كيف أن الأنبا أنطونيوس أنتفع روحيا من كلمة قالتها امرأة لا تستحي من أن تتعرى أمامه. + والقديس مقاريوس الكبير ، كان سبب دخوله إلى البرية أيضا ، امرأة أخطأت مع شاب ، وحملت منه ، ولما أنكشف أمرها اتهمت هذا القديس المتوحد ظلما . فأتى أهلها وأهانوه أشد إهانة وكلفوه بالعانيه بها ، ولما حان موعد ولادتها لأبنها ، تعسرت ولادتها جدا. وكادت تموت ، فاعترفت بخطيئتها وظلمها لهذا القديس، فأتى الناس ليعتذروا إليه، فهرب من المجد الباطل ، وترك تعبده على حافة القرية، ودخل إلى البرية. + امرأة خاطئة أخرى ، قابلت القديس مار أفرام السرياني ، والظاهر أنه كان جميل الصورة جدا ، فأخذت تتأمل جمال وجهه، وثبتت عينيها على وجهه ، فخجل ولامها على ذلك ، فقالت له[ أنا امرأة ، فى الأصل مأخوذة من رجل ، فمن الطبيعي أن أنظر إليك . أما أنت فرجل مأخوذ فى الأصل من تراب، كان ينبغي أن تنظر إلى التراب الذي أخذت منه ]فأنتفع القديس مار أفرايم، وجعل وجهه فى الأرض ، وتركها ومضى ، واستفاد من عدم حيائها وطبعا لا يجوز أن تفعل النساء هكذا ، معتمدات على منطق هذه المرأة ! فإنها امرأة خاطئة، وليست مثالا عموما ، آن الشخص الذي يريد أن يستفيد روحيا يمكنه أن يتخذ كل مصدر لفائدته ، حتى المرأة الخاطئة . وكما يقول الكتاب :" كل شئ طاهر للطاهرين" (تى 1: 15) إن ربنا يسوع المسيح علمنا أن نستفيد دروسا روحية، من تأملنا لزنابق الحقل التى تلبس أعظم من سليمان فى كل مجده، ومن طيور السماء التى لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن ، وأبونا السماوي يقوتها ولقد أعطانا دروسا، من الزارع والبذار ، ومن الحنطة والزوان ، ومن الشباك والصيد ، ومن الخميرة ، ومن الابن الضال لأن من أراد أن ينتفع، يمكنه أن ينتفع ومن له أذنان للسمع ، سيسمع ما يقوله الروح للكنائس وعلى رأى أحد الآباء الروحيين ، الذي قال :[ تعلمت الصمت من الببغاء]. آي أنني لما رأيت تفاهة الثرثرة، تعلمت الصمت لقد تعلم القديس الأنبا أنطونيوس دروسه الأربعة : من جسد إنسان ميت ، ومن آيات الإنجيل ، ومن القدوة الصالحة ،ومن صوت الله على فم امرأة خاطئة فماذا كان المصدر الثابت لتعليمه ، ليس فى الدرس الخامس فقط إنما فى دروس عديدة؟ لقد تعلم أيضا من التأمل فى الكتاب عيبنا فى هذا الزمان أننا نقرأ كثيرا ، ولكن تأملنا قليل ، لذلك لا ندخل إلى أعماق المكتوب أما الأنبا أنطونيوس ، فلم تكن لديه كتب كثيرة مثلنا . كان راهبا بسيطا ، من غير المعقول أن ينتقل فى البرية من مكان إلى أخر وهو مثقل بأحمال من المخطوطات ! كان يقرأ قليلا فى كتاب الله ، ولا يقف عند المعنى الخارجي للكلمة، أو المفهوم السطحي ، إنما يدخل فى عمق إلى روحانية الكلام . وحسبما قال القديس بولس الرسول :" خمس كلمات بفهم، أفضل من عشرة آلاف كلمة بدون فهم" ( 1كو 14: 19) بهذا كان القديس أنطونيوس يفهم معاني الكتاب أكثر من غيره . وبهذا شهد له الكثيرون وكان القديس أنطونيوس يتعلم أحيانا من أولاده من أولاده الذين هو معلمهم . كما قال، أنه كان يأخذ أحيانًا من تلميذه الأنبا بولس البسيط ، وكان هذا يسكن فى مغارة تحت مغارة معلمه فى الجبل . وكانت فى حياته بساطة ونقاوة ، يصلح سلوكه أن يكون نافعا ومفيدا لمن يرغب فى المنفعة وهناك أمور تعلمها القديس أنطونيوس من الله مباشرة، عن طريق الكشف ، آو عن طريق الملائكة فلما حورب بالضجر فى الوحدة ، أرسل له الله ملاكا يريه كيف يصلى ويعمل بيديه ، ويقاتل الضجر بعمل اليدين وأراه الملاك الزي الرهباني ، القلنسوة المملوءة صلبانا ولما حورب بالمجد الباطل ، أرشده الله إلى حيث يوجد القديس الأنبا بولا السائح، ليأخذ درسا من حياته ويتضع وقد تعلم القديس أنطونيوس أيضا من الخبرة ومن حروب الشياطين كان يتعلم من الحيل التى يستخدمها الشياطين معه ، ومن أفكارهم وحروبهم ومحاولاتهم لإسقاطه . وهكذا بالخبرة والممارسة تدرب على أشياء كثيرة، واتسعت معارفه ولهذا بعد أن قضى تلميذه الأنبا بولس البسيط فترة معه، يتتلمذ عليه، ويعيش تحت ظل صلواته، وكان يود أن يستمر هكذا ، أمره الأنبا أنطونيوس أن يسكن فى مغارة وحده، (لكى يجرب حروب الشياطين )… ويختبر ، ويتعلم ، ويتقوى وفى الواقع كانت اختباراته كثيرة وعلى مدى طويل لقد عاش فى حياة الوحدة والنسك والصلاة أكثر من ثمانين عاما ، وقد حفلت – وبخاصة فى بدايتها – بالعديد من الحروب ، أثارها الشياطين عليه لكى يبعدوه عن هذه الحياة الملائكية حاربوه بالأفكار والشكوك وشككوه فى هذا الطريق ، وفى مصير أخته، وفى إمكانية استخدام المال للخير بدلا من توزيعه على الفقراء . وحاربوه بالحواس ، والمناظر المخيفة، وحاربوه فى عفته بمناظر العبث والنساء وظهروا له بهيئة فهود ونمور وأسود وحيوانات متوحشة ليرعبوه فانتصر عليهم ولم يخف . وقال لهم [ لماذا هذا التجمهر؟ لو كنتم أقوياء ، لكان واحد منكم فقط يكفى لمحاربتي ، بينما أنا أضعف من مقاتلة أصغركم] نقطة ذكاء حاربوه أيضا بالضرب والإيذاء وبالأخص حينما كان يسكن فى المقبرة، فى بدء رهبنته وربما يكون قليل من القديسين قد ضربوا من الشياطين ضربا عنيفا، كما حدث للأنبا أنطونيوس لقد ضربوه بعنف شيطاني لا رحمة فيه ، حتى تركوه فى المقبرة ما بين حي وميت . وهو نفسه قال عن هذا الحادث :[ إن الضربات التى كانت تقع على . كانت من القوة والعنف ، بحيث أنني لا أظن أن قوة بشرية تستطيع أن تضرب بمثل ذلك الإيلام وبمثل تلك القسوة]…. ولما جاء العلماني الذي يخدمه ووجده هكذا ، حمله إلى كنيسة القرية وهو فى غيبوبة ، فبكى عليه الناس. وعند منتصف الليل تقريبا ، وكان الناس قد انصرفوا ، فتح الأنبا أنطونيوس عينيه، وسأل الأخ العلماني:[ أين أنا ؟] فلما أخبره أنه فى كنيسة القرية ، قال له :[ احملني إلى المقبرة]. ولما أدخله فيها ،قال له :[ اغلق وأمضى ]. ثم أعتدل الأنبا أنطونيوس وقال للشياطين[ إن كان الله قد أعطاكم سلطانا على ، فمن أنا حتى أقاوم الله؟! وإن كان الله لم يعطكم سلطانا ، فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذيني !]. وبدأ يرتل مزاميره الرب نوري وخلاصي ممن أخاف ؟! الرب عاضد حياتي ممن أرتعب؟ عند اقتراب الأشرار منى ليأكلوا لحمى ، مضايقي وأعدائي جزعوا وسقطوا . إن يحاربني جيش ، فلن يخــاف قلبي . وإن قــام على قتــال ، ففي هـــذا أنا مطمئن" وكانت الشياطين تنحل أمامه كالدخان وتمضى صارخة ولما أنتصر هكذا على الشياطين ، بدأت الشياطين تخافه عالمة أنه أقــوى منها . وتعلــم هـــو من هذا دروسا تعلم أن لا يخاف من الشياطين ، وتعلم قوة الصلاة والمزامير وعجز الشياطين أمامها . وتعلم الشجاعة أيضا ، والصلابة فى الجهاد . وأخذ خبرة فى العمل الروحي وفى حروبه ومن ذلك الحين ، بدأت الشياطين تخافه، لأنه هزمها فى أكثر من ميدان . وألقى فيما بعد عظته عن ضعف الشياطين وأخذ قوة من ذلك كله ، على إخراج الشياطين وطردهم وعاش هذا الجبار وحده فى الجبل ، يملأ البرية صلاة وتأملات وتسبيحا وترتيلا وقدسية وطهرا، وترتعب منه الشياطين ، وتحيطه الملائكة.وعرف متى يقول لهم فى أتضاع : أيها الأقوياء، ماذا تريدون منى أنا الضعيف ؟ أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم . ألا تعلمون أنى مجرد تراب ورماد؟ وتواضعه هذا كان يحرقهم ويطردهم بعيدا وعرف أيضا متى يكون حازما وشديدا معهم . ويقول لهم فى ثقة[ لو كنتم أقوياء ، لكان واحد منكم يكفى لمحاربتي ] .[ إن كان الله لم يعطكم سلطانا على ، فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذني] وأستطاع أيضا أن يميز أفكارهم وخداعهم وأحلامهم فى إحدى المرات أتاه الشيطان مرة ليوقظه ليصلى!! فلم يسمع منه . وقال له : متى أردت أن أقوم للصلاة، سأقوم وأصلى . ولكن منك أنت لا أسمع وفى إحدى المرات تعجب البعض من سر كشفه لهم ، فسألوه عن ذلك قال :[ أتى الشياطين فى حلم وأخبروني ] لقد أكتسب إفرازا وعلما من حروب الشياطين إن الأنبا أنطونيوس فى تعليمه لغيره ، إنما كان يعلم من حصيلة خبرة طويلة ، لم يكن يعلم من معرفة الكتب . لم يحدث أنه قرأ كتابا وفهمه ، وأخذ أفكاره وشرحها للناس إنما كان يحيا الحياة ، ويجرب ويختبر. ثم يعلم لقد عرف الشياطين وحروبهم ، وعرف الأفكار وحروبها ، وعرف الجسد وحروبه ، وجرب الرؤى والأحلام … ومن ناحية أخرى ذاق حلاوة العشرة مع الله ، فى الوحدة والصلاة ، والتعزيات الإلهية، والكشف الإلهي ، والتأمل ومن واقع هذه الخبرة الطويلة مدى عشرات السنوات ، كان يتكلم كلاما عمليا عن خبرة وتجربة ، وليس كلاما من الكتب . لذلك كان لكلامه تأثير إن خبرة 90 سنة فى الروحيات ليست أمرا هينا إنها رحلة طويلة مشاها مع الله فى الجبل المقدس … مشوار طويل مشاه فى البرية، فى الصحراء ، يده فى يد الله ، وحياته فى قلب الله… يختبر ويذوق ما أطيب الرب . والقديس الأنبا أنطونيوس ، كانت له عينان مفتوحتان ، تكشفان الأسرار وتستطيعان أن تمزقا الحجب ، وتريان ما لا يرى فى مرة من المرات كان واقفا مع تلاميذه ، ثم رأوه قد سها قليلا ونظر إلى فوق فترة، ثم تنهد . فسألوه… فقال :[ لقد أنتقل اليوم عمود كبير من أعمدة الرهبنة … لقد رأيت روح الأنبا آمون وهى صاعدة إلى السماء تزفها الملائكة]صدقوني يا أخوتي ، لقد وقفت مذهولا فترة أمام هذه العبارة …! ما الذي رآه الأنبا أنطونيوس ؟ وكيف رأى ؟ إن أرواح البشر لا تراها العين المحسوسة المادية ، وكذلك أرواح الملائكة ! فهل رأى الأنبا أنطونيوس هذه الرؤيا بالروح أم بالجسد! إن كان بالروح فكيف وهو فى الجسد ؟! وإن كان فى الجسد فكيف؟ هل ظهرت الملائكة فى هيئة منظورة، كما يظهرون أحيانا للبشر، وهل كذلك ظهرت روح الأنبا آمون ؟ أم كان الأنبا أنطونيوس فى ذلك الوقت :" فى الروح " كما كان يوحنا الحبيب ( رؤ 1 :10) ، " فى الجسد أم خارج الجسد ؟ لست أعلم. الله يعلم " ( 2 كو 12: 2) كان الأنبا أنطونيوس رجلا مفتوح العينين ، يكشف له الله أمورا وأسرارا وقد تعلم كثيرا من الكشف الإلهي ، وتعلم من الرؤى ومن الملائكة كما سبق له وتعلم من الموت ومن الحياة ، من الأبرار ومن الخطاة ، ومن التأمل فى كلام الله ولما امتلأ علما فاض من علمه على الآخرين وكان الفلاسفة يأتون إليه، ليتعلموا من هذا الأمي فى نظر فلسفة اليونان والرومان …! هذا هو الأنبا أنطونيوس العجيب الكنيسة مملوءة من العلماء والفلاسفة والمفكرين ، ومملوءة من الأساقفــة والمطارنة والبطـــاركة وكل رتب الكهنوت ولكن ليس فيها كثيرون من أمثال الرجل العظيم الأنبا أنطونيوس ! . من هذه الطاقة الروحية الجبارة ، التى احتقرت الدنيا وما فيها وزهدت كل شئ : المال والشهرة والأسرة، ومتع الأرض كلها ، والجسد … فأصبح الله له هو الكل فى الكل نادرا ما نجد إنسانا ناسكا زاهدا عابدا، مثل الأنبا أنطونيوس ! فكم بالأكثر إنسانا قائدا معلما مثالا فى هذا الطريق كالأنبا أنطونيوس ! نبغ فى الروحيات ، اختبرها ، وعلمها لغيره ، بالتعليم والقدوة الصالحة نطلب بركة هذا القديس العظيم ، وبركة هذه الكنيسة المقدسة ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد أمــــــــين ، مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
25 يناير 2021

القديس أنطونيوس أب لفكرة وطريق وأب لمنهج روحي جديد

القديس الأنبا أنطونيوس له فضائل وميزات عديدة، لعلكم سمعتموها من قبل لذلك أتحير فى كل سنة، عن آي شئ أخاطبكم . ولكن لعل من الأشياء التى نذكرها فى مقدمة ميزات هذا الإنسان البار ، أنه أحد الأوائل أقصد أنه واحد من الذين شقوا طريقا جديدا، طريقا صعبا وجميلا ، لم يسبقه إليه أحد من قبل رهبان كثيرون ملأوا الدنيا آلاف وملايين . لكنه كان أول راهب فى العالم ،له مكانته، لأنه أول من سار فى الطريق ، وأول من وضع نظمه وأسلوب حياته، وأول من شرحه للناس وعرفهم به تماما كما نقول مثلا أن كثيرين كتبوا عن لاهوت السيد المسيح . لكننا نذكر القديس أثناسيوس الرسولى كأول لاهوتي كبير، ألف، ورد على الأريوسية فى هذا المجال وكثيرون كرزوا باسم السيد المسيح فى أرض مصر. لكننا نذكر أسم القديس مار مرقس ،لأنه أول من كرز فيها، ولم يسبقه فى ذلك أحد من قبل إن الأوائل الذين بدأوا الطريق ،لهم مكانتهم كلنا ، إن سرنا فى طريق الرهبنة، إنما نتبع أقدام القديسين الأوائل، وكما ساروا نسير . أما القديس الأنبا أنطونيوس ، فحينما شق طريقه فى الرهبنة لم تكن هناك أقدام سبقته فى هذا المجال من قبل.إنه أب لطريق ،بل أب لأصعب طريق، طريق الموت عن العالم ، طريق التجرد الكامل عن كل شئ وقد سار فى هذا الطريق وحده ،لما بدأعظمة الأنبا أنطونيوس ، أنه لم يوجـد أحـد يقـوده ويرشـده فى الرهبنـة بل هو الذي قـــاد وأرشــد الكل.كل من يترهب حاليا ،آباء ومرشدين، يشرحون له كيف يبدأ ، وكيف يتدرج وينمو. ويحكون له أسرار الحياة الرهبانية وأعماقها وطقسها، ويظهرون له حروب وحيل الشياطين، وكيفية الانتصار عليها ويمسكون بيد هذا المبتدئ، ويقودونه خطوة خطوة ، حتى يصل أما الأنبا أنطونيوس فلم يجد له مرشدا، وسار وحيدايقول الكتاب:" اثنان خير من واحد لأنه إن وقع أحدهما ، يقيمه رفيقه. وويل لمن هو وحده إن وقع ، إذ ليس ثان ليقيمه"( جا 4: 9 ،10 ).وكان الأنبا أنطونيوس وحده، ولكن لم يقع سار وحده فى طريق الرهبنة، بلا أب، بلا مرشد ، بلا زملاء فى الطريق ، بلا تعزية من آي إنسان. بل أيضا بدون الوسائط الروحية المتاحة للجميع ، بلا كنيسة بلا شئ يسنده فى الغربة والقفر والوحدة والحروب سوى إيمانه بأن الله معه ومع ذلك لم يستصعب الطريق ، بل سار وحده ، ومعه الله لهذا نحن نكرم الأنبا أنطونيوس وكل الذين يترهبون الآن ، مهما ارتفعوا ،لا يمكن أن يصلوا إلى درجة هذا القديس فعلى الأقل الدفعة أتتهم من الخارج . هناك من تابعوهم فى حياتهم الروحية النسكية ، حتى وصلوا لكن الأنبا أنطونيوس ، أتته الدفعة الأولـى مـن داخـله ولما دخل إلى الرهبنة فى أيامه ، دخل إلى المجهول سار فى طريق لا يعرف معالمه ، ولا يعرف حروبه حاليا توجد كتب للرهبنة، يوجد بستان الرهبان ، والعديد من الكتب النسكية ، كتبها كبار الأباء عن الحياة الرهبانية، وتوجد أيضا سير الآباء المتوحدين والسواح. والذي لا يجد مرشدا ، يمكنه أن يتعلم من الكتب أما فى وقت رهبنة الأنبا أنطونيوس ترد على الذين يبررون فى سقطاتهم ، معتذرين بأنهم لم يجدوا أب اعتراف، ولا مرشدا روحيا ، ولا قدوات صالحة أمامهم. لذلك سقطوا ! هو ذا الأنبا أنطونيوس لم يجد شيئا من هذا كله ، ومع ذلك سار فى طريق الكمال بلا عثرة. وكان الرب يرشده.؟ إنه لم يكن أبا للرهبان فقط ، إنما أبا للرهبنة ذاتها هو ذا الذي وضع أسسها وروحها ، وقدم للعالم صورته.وإن أردنا أن نفهم ما هي الرهبنة فى أصولها ، إنما نرجع فى ذلك إلى الأنبا أنطونيوس لذلك كانت حياته ذات تأثير عجيب ، أينما عرفت كانت سيرته مسكا لأنها كانت شيئا جديدا على العالم كانت حياته جديدة لم يعرفها العالم من قبل لقد أعطى العالم صورة جديدة عن طقس فى الحياة لم يكن مألوفا من قبل . فكان الناس يأتون من أقاصي الأرض لكى يروا هذه الحياة الجديدة ، وهذا الإنسان العجيب ، الذي يسكن الجبال والمغاير والبرية القفرة، وتمر عليه ثلاثون سنة لا يرى فيها وجه إنسان ، ومع ذلك فهو سعيد فى وحدته وعزلته ونسكه كان أعجوبة فى عصره. مجرد النظر اليه كان يفرح القلب … كما قال أحد تلاميذه:[ يكفيني مجرد النظر إلى وجهك يا أبى ] . وكثيرون أحبوا الرهبنة لمجرد النظر إلى وجهه، واشتهوا أن يحيوا نفس حياته التى أعجبوا بها لقد كانت حياته ،فى صمت ، عظة جذبت إليه الكثيرين كانت حياة جديدة . لم تكن هروبا من العالم الأنبا أنطونيوس ،كان شابا غنيا، وكان العالم منفتحا أمامه. كان يملك ثلاثمائة فدان من أجود الأطيان فى الصعيد، وكان أبوه ذا مركز وسلطان ، ويستطيع أن يرث أباه فى المركز والكرامة. إن الدنيا لم تضق فى وجهه ليهرب منها . فلماذا إذن تركها ؟إنه لم يهرب من العالم ، بل أرتفع فوق مستوى العالم وكان هذا هو سـر عظمته ، وسـرإعجاب الناس به لقد أرتفع فوق مستوى الأطيان ، فوق مستوى الغنى ، وفوق مستوى السلطة، بل فوق مستوى العالم كله، بكل شهواته. وشعر أن العالم كله ليست له قيمة وأعطى للناس درسا عمليا فى تفاهة العالم، كما أعطاهم درسا مقابلا فى اهتمام الإنسان بأبديته ، قبل كل شئ وفيما كان الناس يتنافسون على ملاذ العالم وعظمته، وجدوا أنسانا يرتفع فوق هذا المستوى كله، وينظر إلى شهواتهم كتفاهات ، ويحمل عصاه فى يده، ويضرب بقدمه فى البرية، خارجا من العالم بإرادته، واهبا كل أمواله للفقراء ، لكى يحيا حياة الفقر الاختياري … مع الله وكان هذا شيئا جديدا عل الناس وكان جديدا عليهم أيضا أن يسكن فى مقبرةومهما ضربته الشياطين فيها ، وأخافته بكل طرق الرعب ، يظل باقيا متحديا قوة الشياطين ، قائلا لهم [.. وإن كان الله لم يعطكم سلطانا على ، فلن يستطيع أحد منكم أن يؤذيني]إنسان يظهر له الشياطين بهيئة أسود وفهود ونمور ، وبأصوات مفزعة، يحاربونه لكيما يخاف ويرجع. ولكنه يصمد. إنه فوق مستواهم ، وفوق مستوى مقدرتهم وسلطانهم…. لقد أرتفع فوق مستوى الخوف ،لا فى المقبرة، ولا فى الوحدة. لم يخف الشياطين، فخافت منه الشياطين وكان هذا شيئا جديدا على الناس ، أذهلهم واستهواهم من هذا الذي يعيش فى أعماق الجبل وحده ، حيث الوحوش والحيات ودبيب الأرض ، وحيث العزلة المخيفة ، والوحدة المملة ، وحيث حروب الشياطين ؟! ومع ذلك فهو لا يخاف ، ولا يل ، بل يحيا سعيدا، مفضلا هذه الحياة على كل ملاذ العالم…!رجل له قلب من حديد. دخل البرية ليس فقط بالنسك والزهد والصلاة ، وإنما أيضا بشجاعة عجيبة.إنه نوعية جديدة من الناس ، لم يرها البشر من قبل . أغلق على نفسه مغارة ثلاثين سنة ، لا يستقبل أحد . وكان الناس يقرعون على بابه، ويتركون له بعض الحبوب والبذور ، ويمضون لشأنهم… وأخيرا لم يحتمل الناس البعـد عنه. كان وراء هــذا المجهـول شئ يستهويهم كان وراء بابه المغلق شئ يجذبهم فظلوا يقرعون بابه . ولما لم يفتح لهم ، كسروا الباب ودخلوا ، وقالوا له: نريد أن نعيش معك ، ونحيا الحياة التى تحياها، بأية طريقة ، نبقى معك تحت ظل صلواتك استهوتهم هذه الحياة المرتفعة عن مستوى العالم واستهواهم هذا القلب ، الذي يحيا وحده ، مكتفيا بالله هذا القلب ، الذي لا يحتاج إلى عزاء الناس ،لأن عزاء الله يكفيه… والذي لا يحتاج إلى أحاديث الناس،لأن الحديث مع الله يشبعه . استهواتهم حياته كلها، فبقوا معه هذه هي عظمة الأنبا أنطونيوس . لم يكن سرها ارتفاعه فى فضائل معينة كأن يطوى بعض الأيام صوما كالقديس مقاريوس الإسكندري ، كلا بل كان لعظمته سبب أخر : سر عظمته، أنه اكتشف طريقا ، ما كان الناس يعرفونه قبلا . وأحب الناس هذا الطريق ، وأحبوا الأنبا أنطونيوس معه كانت للأنبا أنطونيوس فضائل كثيرة . فكان مشهورا بإتضاعه ، وبصلاته ، ومعرفته وإفرازه وزهده . ولكن ما أكثر من اتصفوا بهذه الصفات . أما الذي ينفرد به هذا القديس عن الجميع ، فهو قيادته لطريق الرهبنة الروحي فى فترة حديثة، كان البعض يتشاجرون ويصيحون قائلين" لا بد من أن يكون البطريرك من الرهبان…!"أما فى أيام الأنبا أنطونيوس ، فلم يكن البطاركة من الرهبان كانت الرهبنة طقسا روحيا، أعلى من عمل الرعاية، حقا لم تكن أعظم من الكهنوت ورئاسته، وإنما كانت حياة أجمل ،هي الأقرب إلى حياة الملائكة من الآباء كان يقبل أن يترك جمال الرهبنة ويصير بطريركا؟!عاش الأنبا أنطونيوس105 سنة ، وعاصر بطاركة عديدين. ولم يصير من الآباء البطاركة، بل شماس من تلاميذه ، هو الأنبا أثناسيوس صار بطريركا . وبقى الأنبا أنطونيوس فى حياته الروحية الحلوة . بكل عمقها، وكل ارتفاعها ساعة واحدة يقضيها مع الله ، يمكن أن تنفع الكنيسة أكثر مــن جهــاد سنــوات وشهــور فى عمل الرعاية لما انتشرت البدعة الأريوسية ، وصارت خطرا على الكنيسة ، وظل القديس أثناسيوس يقاومها بالآيات والتفسير ، وبالجدال اللاهوتي والحوار المنطقي، أرسل الآباء الأساقفة إلى القديس الأنبا أنطونيوس ، لكى ينزل إلى الإسكندرية. لا للجدل اللاهوتي ، فما كان رجل جدال، وإنما من أجل تأثير روح الله الذي فيه . فنزل القديس ، وكان عمره حوالي المائة عاما . وقضى فى الإسكندرية ثلاثة أيام كان لها تأثير عجيب عميق فى الناس . يكفى أن يسمعوا من فمه الطاهر أن الابن مساو للأب فى الجوهر … كلمة يقولها بلا جدال ، تسندها حياته المملوءة قدسا المحبوبة من جميع الناس ، تذكرنا بقول قائد المائة للرب :" قل كلمة فقط ، فيبرأ غلامي" وكان الناس ينتظرون من الأنبا أنطونيوس أن يقول كلمة فقط . فقال وأحدثت الكلمة تأثيرها. القديس الذي كان مرعبا للشياطين، أما كان مرعبا للهراطقة ؟! وبعد ذلك تقول سيرة القديس ، أنه عاد إلى ديره، كغريب يلتمس وطنه. حقا كان العالم غريبا عليه… غريبا على رجل الجبال والبراري والوحدة…وأبى الرهبنة الأصلية وصدقوني أن كلمة (رهبنة) ترجمة غير سليمة لحياة الوحدة إن كانت مأخوذة من عبارة: يرهب الله آي يخافه ، فالقديس الأنبا أنطونيوس نفسه قال لأولاده[ أنا لا أخاف الله . ذاك لآني أحبه، والمحبة تطرح الخوف إلى خارج] (1يو 4: 18) . فبماذا نسمى الرهبنة التى قادها الأنبا أنطونيوس ؟ الرهبنة هي حياة الملائكة الأرضيين أو البشر السمائيين الرهبان بشر يحيون حياة الملائكة ، وهم على الأرض . وقـد كان القــديس الأنبا أنطونيــوس هو أول الملائكة الأرضيين لي يا أخوتي مقر فى دير الأنبا بيشوى ، أقضي فيه نصف أو ثلث كل أسبوع . وفى أعلى هذا المقر ، لي كنيسة خاصة أسميتها :" كنيسة الملاك ميخائيل والأنبا أنطونيوس هو رئيس الملائكة الأرضيين غير أن الأنبا أنطونيوس يتميز على الملاك ميخائيل بميزتين الأولى أن الملاك ميخائيل ، خلقه الله هكذا، ملاكا أما الأنبا أنطونيوس . فقد ولدته أمه إنسانا . ولكنه تحول بسيرته الطاهرة إلى ملاك ، وأصبح فى مقدمة الملائكة الأرضيين والميزة الثانية أن الأنبا أنطونيوس ولد على الأرض ، واستطاع أن يحول الأرض إلى سماء ، والرهبان إلى كواكب ، فسموه:" كوكب البرية" وسموا " تلاميذه كواكب البرية" لقد أكتشف الأنبا أنطونيوس أن الدنيا لا تساوي شيئا . وهذا الاكتشاف عرفه قبله اثنان، وبقيا يعملان فى الدنيا أولهما سليمان الحكيم ، الذي قال أن الكل باطل وقبض الريح، ولا منفعة تحت الشمس (جا 2: 11 ) . ومع ذلك بقى سليمان حياته كلها يعيش وسط هذا الباطل والرجل الثاني هو القديس بولس الرسول ، الذي قال :" خسرت كل الأشياء وأنا أحسبها نفاية، لكى أربح المسيح" ( فى3 : 8 ) . ومع أنه عرف أنها نفاية ، بقى فى الدنيا من أجلنا ، يخدم، لأنه ائتمن على وكالة . وهكذا عاش فى الدنيا، ولم يعش فى نفايتها.سليمان بقى فى العالم كملك، وبولس بقى كرسول أما الأنبا أنطونيوس ، فلم يبق فى العالم ، ولو للخدمة أرتفع فوق مستوى الخدمة الأرضية التى كانت لسليمان ، وفوق مستوى الخدمة الرعوية التى كانت لبولس . وعاش فى الخدمة الملائكية التى كانت لطقس السارافيم وقدم لنا هذه الحياة نموذجا لطقس الملائكة الأرضيين كل راهب فى الدنيا يعتبر نفسه أبنا للقديس الأنبا أنطونيوس ، ليس الأقباط فقط ، وأنما الكاثوليك أيضا، وكل الأرثوذكس شرقيين وغربيين ، وكل محبي الوحدة فى العالم الكل يشتركون معا فى محبته، وفى إكرامه ،وفى البنوة له لقد قدم للعالم كله حياة التأمل والصلاة ، حياة الوحدة والسكون ، حياة الزهد والتفرغ الكامل لله قدم لنا حياة جديدة، لا تستمد عظمتها من الخارج لا تستمد عظمتها من الألقاب ، ولا من الجاه والسلطان، ولا من الوظائف ،ولا من الكهنوت، ولا من الرعاية، ولا من العلم والجدل والمعرفة. إنما تستمد عمقها من الداخل ، من الصلة الدائمة بالله ، فى حياة الروح هذا هو المنهج الجديد الذي قدمه الأنبا أنطونيوس . ونحن نكرمه كأب لهذا المنهج، ونقول مبارك هو الرب الذي منحنا الأنبا أنطونيوس وفتح لنا به بابا للسمائيات، وقدس أقداس وسط الجبال وقدس لنا رمل البرية ، وتلالها ، ومغائرها . وصارت مغارة الأنبا أنطونيوس مزارا يتبارك به الناس من كل أنحاء العالم ،ليروا مكانا حل الله فيه، مرافقا للأنبا أنطونيوس ومباركا ونشكر الله لأن الأنبا أنطونيوس فبل أن يقود الرهبنة. لم يصر أن يحيا وحده كالأنبا بولا ،فى عزلة كاملة عن العالم، يقضى حياته كلها لا يرى وجه إنسان مبارك هو اليوم الذي قبل فيه الأنبا أنطونيوس ، أن يرشد آخرين، ويعلمهم هذا الطريق الملائكي الذي أختبره. مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
24 يناير 2021

القديس أنطونيوس جاهد وأنتصر

لم يمتلئ بالروح القدس وهو فى بطن أمه ، كالقديس يوحنا المعمدان . ولكنه ولد كشاب عادى ، من أسرة غنية. وكان المنتظر لمثله أن يرث أباه فى غناه وسلطته، وأن يتزوج، ويعيش سعيدا فى ظل الغنى والعظمة، ويكون ناجحا فى حياته وكل الإمكانيات متوفرة. ولكن الأنبا أنطونيوس جاهد لا لكى يستفيد من هذه الإمكانيات ، وإنما لكى ينحل منها جميعا . وكيف كان هذا؟ 1 ــ نجح فى اختبار "ما أعسر أن يدخل غنى إلى ملكوت الله "( مت19: 23). قال السيد المسيح هذا ، أما الأنبا أنطونيوس ، فأجابه: لا تحسبني يارب من هؤلاء الأغنياء .أنني حسب وصيتك سأبيع كل مالي وأعطيه للفقراء وأتبعك فقيرا والشاب الغنى أنطونيوس دخل الملكوت ، وأدخل الآلاف معه حقا كان يملك المال ، ولكن المال لم يكن يملكه كان هو السيد على المال ، يصرفه كيفما شاء. ولم يسمح للمال أن يكون سيدا، يقوده فى مسالك أخرى ولأن المال لم يملك قلبه، استطاع أن يتركه ويوزعه، ويمضى إلى الملكوت بدونه. وحينما كان الشياطين ينثرون الذهب أمامه على الرمل ، ما كان يهتم به. كان كالحصى فى نظره. وفقد المال قيمته فى قلب الأنبا أنطونيوس ،لآن قلبه كان منشغلا بما هو أثمن وأهم أذن المال فى حد ذاته ليس هو الخطورة، وأنما الخطورة تكمن فى محبة المال ، والتعلق به والسعى وراءه ، والاتكال عليه، والافتخار به. 2 ـــ وكما أنتصر الأنبا أنطونيوس على محبة المال ، أنتصر أيضا على محبة الجاه والسلطة ، فلم يهتم بأن يكون له مركز أبيه. 3 ـــ بل أنتصر على محبة العالم كله. ونفذ وصية:" لا تحبوا العالم والأشياء التى فى العالم ، لأن العالم يبيد وشهوته معه "وصار الأنبا أنطونيوس قلبا نقيا خالصا، وليس فيه شئ من شهوة المادة والجسد والملاذ الدنيوية المتنوعة كان قلبا مات تماما عن العالم وكل ما فيه. 4 ــ وكما انتصر فى كل هذه الميادين، أنتصر على محبته لأخته أيضا، ونجح فى تدبير مسئوليته من جهتها كان يمكنه أن يقول : ماذا أفعل ؟ أنا أريد الرب ، ولكن ظروفي العائلية لا تساعدني ، وأنا مسئول عنها ..؟كان يحب أخته، ولكن كان يحب الرب أكثر من أخته ،لذلك أمكنه أن ينتصر . وأودع أخته فى أحد بيوت العذارى، وشق طريقة نحو الله ، منتصرا على هذه العقبة. 5 ــ وفى أول جهاده، حاربه الشياطين بشكوك عديدة، فانتصر عليها . شكوك من جهة صحة الطريق ذاته، وإمكان استخدام المال فى أعمال الخير تحت إدارته وتصرفه وهكذا يوقعونه فى التردد . ويحولونه من حياة الصلاة والتأمل إلى حياة الخدمة شكوك أخرى من جهة أخته ومدى اطمئنانه عليها شكوك ثالثة من جهة نجاحه فى هذا الطريق ، وقدرته على الاستمرار فيه…. وشكوك عديدة أخرى لا حصر لها ولكن قلبه كان راسخا ، لم يتزعزع إطلاقا أمام الشكوك . 6 ــ صادفت الأنبا أنطونيوس عقبة أخرى هي الإرشاد، فانتصر عليها: عاش وحيدا، بلا مرشد، بلا أب اعتراف ، بلا كنيسة ، بلا معونة من أحد. ولكنه انتصر على هذا كله أيضا أخذ أولا من النساك الذين إلى حافة القرية. ولما دخل إلى الجبل، بدأ يأخذ من الله مباشرة . وأعطانا درسا أنه حيثما لا توجد معونات بشرية ، فإن المعونة الإلهية لا تتخلى. ومنح الله لهذا القديس إفرازا وفهما روحيا وحكمة لم تكن للذين تمتعوا بإرشاد من البشر. 7 ــ ثم دخل الأنبا أنطونيوس فى حرب أخرى وانتصر فيها ، وهى حرب الرعب والخوف ، فى البرية القفرة المنعزلة لما وجد الشياطين أن المال والعظمة لا تهمه، وأن الأفكار والشكوك لا تزعزعه ، وأن الشهوات لا تغلبه بدأوا معه حربا عنيفة لإخافته. فكانوا يظهرون له فى هيئة وحوش كثيرة، لها أصوات مخيفة عالية ، تهجم عليه بقصد افتراسه. ولكن قلبه ما كان يخاف بل أنتصر على هذه المخاوف بوسائل ثلاث : الإتضاع، والفهم، والصلاة: بالإتضاع كان يقول لهم :[ أيها الأقوياء، ماذا تريدون منى أنا الضعيف أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم]. وكان يصلى قائلا :[ أنقذني يارب من هؤلاء الذين يظنون أنني شئ ، وأنا تراب ورماد ]. فلما كانوا يسمعون هذه الصلاة المملوءة إتضاعا ، كنوا ينقشعون كالدخان ومن جهة الفهم ، كان يقول :[ أنني أعجب لتجمهوركم على بهذه الكثرة. ولو كنتم أقوياء حقا . لكان واحد منكم يكفى ] وهكذا بالإيمان أيقن من ضعف الشياطين ، وكان هذا الإيمان يخزيهم فيمشون وقد استعملوا معه طرق الإيذاء والضرب ، وبخاصة حينما كان ساكنا فى مقبرة، ولكنه صمد وكان يصلى مزمور "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب عاضد حياتي ممن أرتعب ؟! إن يحاربني جيش فلن يخاف قلبي. وإن قام على القتال ، ففي هذا أنا مطمئن " مكان فى أيمان عميق يقول لمهاجميه:[ إن كان الله قد أعطاكم سلطانا على، فمن أنا حتى أقاوم الله ؟! وإن كان الله لم يعطكم سلطانا على ، فان يستطيع واحد منكم أن يؤذيني ] وهكذا عاش الأنبا أنطونيوس فى حياة الإيمان، لا يخاف وفى كل مرة ينتصر، كان يزداد أيمانه، وينتزع منه الخوف بالأكثر، إلى أن زال منه الخوف تماما . وقال أيضا:[أنا لا أخاف الله ،لآني أحب الله]. هذا هو رجل الجبال ، جبار البرية الذي لا يخاف ، حتى من الوحوش المفترسة، وحتى من الشياطين وبخبرته الروحية، استطاع فيما بعد أن يجمع تلاميذه، ويلقى عليهم كلمة عميقة عن ضعف الشياطين وعدم الخوف منهم. وقد سجل لنا القديس أثناسيوس الرسولى هذه الكلمة فى كتابه عن حياة الأنبا أنطونيوس وفى انتصار الأنبا أنطونيوس وعدم خوفه، ظل محتفظا بتواضعه.يشعر بضعفه، يصرخ إلى الله ، فينقذه الله بقوته الأهيه.قال الأنبا أنطونيوس:[ فى إحدى المرات أبصرت فخاخ الشيطان مبسوطة على الأرض كلها . فقلت يارب من يفلت منها ؟ فأجابني الصوت قائلا :" المتواضعون يفلتون منها"]. 8 ــ ولعل من مظاهر التواضع العملي فى حياة الأنبا أنطونيوس ،وعدم التشبث بفكره ، أنه كان يخطع لفكر الآخرين أحيانا.ولا شك أن فى انتصار من الإنسان على نفسه وسنضرب لهذا الآمر فى حياة قديسنا عدة أمثلة: أ- إنه أقتنع بحياة الوحدة ومارسها، وعاش 30 سنة مغلقا على نفسه لا يرى وجه إنسان وأخيرا أزدحم الناس على بابه ، مصرين أن يفتح لهم ، وأن يصير لهم مرشدا . وكان ممكنا لهذا القديس أن يهرب من هؤلاء، حتى لو فتح لهم، وأن يتمسك بحياة الوحدة الكاملة التى أرادها لنفسه . ولكنه خضع لهم وتحول من متوحد بالمعنى الكامل إلى متوحد ومعلم للوحدة . واضطر أيضا أن يفتح بابه لكثير من الزائرين. وغير شيئا من أسلوب حياته. لأجل الناس . وقبل الوضع الذي أراده له، وتنازل عما أراده لنفسه. ب- فى اعتقاده أن الرهبنة موت عن العالم، وبعد عن العالم ، وحياة وحدة فى البرية. ولكن لما طلب اليه الآباء الأساقفة أن ينزل ليعلن رأيه فى الأريوسية ، خضع لهم ، ونزل إلى الإسكندرية، وسط جماهير الشعب ، وقضى هناك ثلاثة أيام ، أكمل فيها الرسالة المطلوبة منه، ثم عاد ملتمسا ديره كان من النوع المطيع ( المهاود) ،على الرغم من نزوله وقتذاك كان من حوالي المائة من عمره ج- ونزل قبل ذلك أيام الاستشهاد، وكان يذهب إلى حيث محاكمة الشهداء وتعذيبهم ، ويشجعهم ويقويهم فى تواضعه، انتصر على التطرف ،وعلى التحجر والجمود عند فكر معين . أعطاه التواضع مرونة وسهولة فى التعامل 9 ــ وإنتصاره على التطرف ، جعله معتدلا فى حياته، يسير بإفراز وحكمة، سواء مع الناس ،أو مع نفسه أيضا . أ‌- قال عنه القديس الأنبا أثناسيوس، إنه لما خرج من وحدته وحبسه لمقابلة الناس ، ما كان نحيفا جدا بسبب النسك ، ولا كان بديلا مترهلا بسبب قلة الحركة فى حبسه. إنما كان معتدلا فى قامته، لأنه كان يسلك فى وحدته باعتدال وعدم تطرف . ب‌- وظل الإفراز من أولى الفضائل التى يحبها ،حتى أنهم حينما سألوه عن أهم الفضائل ،قال لهم الإفراز،آي الفهم والتميز والحكمة فى التصرف وقال أنه هناك من صاموا وصلوا وسكنوا البرية، وهلكوا ،لأنهم تصرفوا بغير إفرازأما هذا القديس فقد كان يسلك بفهم واتزان وحكمة وتمييز، بعكس الرهبان الذين يتطرفون فى آي قانون من قوانين الرهبنة، حتى يخرجهم تطرفهم ليس فقط عن مبادئ الحياة الرهبانية ،إنما أيضا عن مبادئ السلوك الروحي عموما ج- وفى انتصاره على التطرف ، انتصر على التزمت أيضا: ولذلك كان بشوشا باستمرار، وجهه يفيض بالسلام على الآخرين، فاشتهى تلاميذه مجرد النظر إلى وجهه. وكان كل من ينظر إلى وجهه يمتلئ بالسلام. وهكذا أنتصر القديس أنطونيوس على حرب الكآبة التى يقع فيها رهبان كثيرون، ولا يوجدون أمامهم فى الكتاب المقدس سوى عبارة:"بكآبة الوجه يصلح القلب " ناسين الآيات التى تقول:" أفرحوا فى الرب كل حين "،"فرحين فى الرجاء"… فحياتهم فى الرهبنة كلها عبوسة…! أما الأنبا أنطونيوس ، فلم يكن هكذا . كان بشوشا ولطيفا. ومع ذلك فيه كل فضائل الرهبنة. يحيا فى وحدة وفى صمت. وإذا ألتقي بالناس ، يلتقي بهم فى سلام وحب، يعطى فكرة عن المتدين السعيد بتدينه، الذي تنظر إلى وجهه فتتعلم الهدوء والسلام والبشاشة والطمأنينة واللطف.كان صاحب وجه مريح… مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث عن كتاب تأملات فى حياة القديس أنطونيوس
المزيد
23 يناير 2021

روحانية القديس أنطونيوس

لا يوجد مصري واحد معروف و مشهور فى تاريخ المسيحية كلها أكثر من القديس أنطونيوس. ورغم وجود كثير من البطاركة و معلمو الإسكندرية المشهورين، فإن اسم هذا الراهب البسيط الذى اختلى فى الصحراء، هو الذى جذب أكبر انتباه خلال ال1600 عامًا الماضية. إن سيرة حياته كانت ولا تزال واحدة من أكثر الكتب المقروءة انتشارًا فى كل التاريخ المسيحي .و قد ألهمت سيرته ليس الرهبان فقط من كل أنحاء العالم، بل ألهمت أيضاً مؤلفين مشهورين ورسامين مشهورين مثل ماتياس جرينوالد M. Gruenwald، هيرونيموس بوسكس Hier. Boschs، جوستاف فلاوبرت، لارز جايللينستن Lars Gyllonsten. إن صورة القديس أنطونيوس كما وصلتنا فى كتاب " حياة الأنبا أنطونيوس " بقلم القديس أثناسيوس، بطريرك الإسكندرية الشهير فى القرن الرابع، قد صارت على مدى التاريخ النموذج القياسي للدعوة الرهبانية، وهى بالنسبة لكثيرين، افضل شرح لـ : ماذا يعنى أن يكون الإنسان مسيحيًا ؟ وفى مشروع بحث تموله الحكومة النرويجية يحاول 20 عالمًا من السويد والنرويج حاليًا أن يكتشفوا وأن يصفوا ماذا كان يعنى فعلاً و حقًا بالنسبة للناس و المجتمع فى القرنين الثالث و الرابع أن المسيحية صارت هى ديانة الإمبراطورية. وما هى التأثيرات التى حدثت، وكيف تغيرت طرق التفكير. إن عنوان هذا البحث هو : " المسيحى . صياغة هوية جديدة فى التاريخ القديم المتأخر Late Antiquity " . وبدون نقاش كثير فقد صارت " حياة أنطونيوس بسرعة فى بؤرة التركيز into Focus . ما هى الشخصية المسيحية وكيف كانت تفهم، وكيف كانت تختلف عن الشخصية الوثنية. وربما تبدو هذه أكثر وضوحًا فى هذه "الحياة " (السيرة) من أى نص آخر من نصوص ذلك العصر. و لكى نمسك بروحانية القديس أنطونيوس، من الضروري أن نبدأ بالحديث عن " حياة أنطونيوس "، وهى السيرة التي كتبها القديس أثناسيوس. فروحانية هذا الكتاب " الحياة " قد كان لها أكبر الأثر و صارت مرادفة لشخص أنطونيوس نفسه. و طوال المائة سنة الأخيرة فإن باحثون كثيرون قد حللوا هذا النص من جميع زواياه. هل الذى كتبه هو القديس أثناسيوس؟ وهل اعتمد على أية مصادر؟ وهل يُعتمد عليه (يوثق به) تاريخيًا historically reliable ؟ وهل نحن نلتقى فى هذا الكتاب بأنطونيوس نفسه، أم أن ما نقرأه هو الصورة المثالية التى رسمها البطريرك أثناسيوس؟ و بالمقارنات مع النصوص الأخرى التي كتبها أثناسيوس وكذلك الإشارات إلى المراجع التاريخية، فقد اقتنع كل الباحثين تقريبًا أن نسبة هذا الكتاب للقديس أثناسيوس، هى صحيحة. والنص الآخر الذى يعتمد عليه فى هذا المجال هو " رسائل القديس أنطونيوس ". و التى سأعود للحديث عنها بعد ذلك. و الآن نحتاج أن نفحص بعمق " سيرة حياته " نفسها، و نحاول أن نفهم منها كيف ترسم لنا روحانية القديس أنطونيوس، وكيف تريد هذه السيرة لنا أن نفهم حياته الموضوعة أمامنا كنموذج " لحياة مسيحية حقيقية "، كما ورد فى مقدمة الكتاب. و لكى نكتشف أين يوجد تشديد الكاتب نفسه، يلزمنا أن نلاحظ كيف يبدأ النص وكيف ينتهى هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى إن أمكن أن نجد أية تعبيرات أو أفكار متكررة. و لكى يمكننا أن نحقق هذه الناحية الثانية الخاصة بالتعبيرات المتكررة ينبغى فى جميع الأحوال أن نفحص بعناية تامة كيفية تركيب النص، وكيف تبدأ أجزاءه الصغيرة وكيف تنتهى. و فى كل الكتابات يتم التأكيد على بعض الأفكار بوضع تعبيرات معينة فى بداية الجملة أو فى نهايتها، أو فى بداية كل فصل أو فى نهايته أو فى بداية الكتاب أو فى نهايته. فالقارئ يتأثر دائمًا اكبر تأثرًا بالبدايات والنهايات. كان أنطونيوس رجلاً زاهدًا فى الحركة و زاهدًا فى الشهرة، فهو لم يكن يريد أن يصير معروفًا على الإطلاق. و منذ البداية قيل عنه إنه اشتاق أن يمكث بالبيت بكل بساطة، واشتاق أن لا يتعلم، وقد قيل فى الفصل الأخير إن معجزة قد حدثت حتى أن ذاك الذى تحاشى كل علانية و عاش منفردًا فى جبل قد صار مشهورًا فى العالم كله. وهذا الأمر يتكرر فى مواضع عديدة . فحينما دخل أنطونيوس تدريجيًا إلى الصحراء تؤكد السيرة دائمًا أنه كان يعيش وحده، وأن كل ما حدث له إنما أثناء اعتزاله فى مكانه الخاص. وفى الفصول ال15 الأولى من الكتاب نجد أن أنطونيوس ليس عنده شئ يقوله (للآخرين)، وأنه لم يكن له تلاميذ، ولا أصدقاء. وإنه حينما استقر فى البرية الداخلية وجد سلامًا فى عزلته.وعلى مستوى أعمق سوف نجد أن هذا التأكيد على العزلة والخلوة يرتبط بفكرة هامة أخرى: وهى فكرة المحافظة على الطبيعة الأصلية. أما كون أنطونيوس لا يذهب إلى المدرسة فكما أوضحت فى كتابى فإن هذا لا علاقة له بمعرفة القراءة أو عدم معرفتها، إنما هذا يدل على أن روحانيته لم تُكتسب من الخارج، أى ليست من صنع الإنسان، بل هى موهوبة له من الله خالقه. ومرة تلو مرة يستعمل المؤلف كلمات وتعبيرات تشير إلى الحماية والحفظ فى مقابل الاضطراب والتغير. وتوصف أهمية ما هو طبيعى بصورة حية جدًا فى فصل 14 حينما يخرج أنطونيوس من صومعته التى قيل عنها إنه عاش فيها 20 سنة فى عزلة كاملة. ويُقال هنا إنه لم يتغير بالمرة، فهو لم يصر نحيلاً من الصوم ولا صار بدينًا من قلة التمرن. كان فى توافق كامل بحسب حالته الطبيعية والأصلية. وبالنسبة للمؤلف، فإن جسده هو علامة تدل على الثبات الداخلى الكامل. وفى أحد الفصول الأخيرة يتكرر نفس الحديث فيُقال هذه المرة إن أنطونيوس البالغ من العمر 105 سنة والذى كان على وشك الوفاة، قد احتفظ بصحة جسمية كاملة، فعيناه لم تكلاً ولم يفقد ولا سنّة واحدة من أسنانه ويداه ورجلاه كانت كلها فى صحة كاملة. لقد كان فى حالة أفضل من أولئك الذين يحاولون أن يحسّنوا ما قد أعطاه الله بأنواع من الأطعمة والحمامات المترفة. وكما قلت، فقد كان جسد أنطونيوس علامة تشير إلى شئ روحانى. فحفظ الجسم وصحته إنما هى العلامة الخارجية فقط لفكرة تتخلل كل سيرة الحياة: فمعرفة الله مرتبطة بمعرفة النفس معرفة حقيقية. فمعرفة الله لا تأتى من الخارج بالتعلّم، بل من الداخل، بأن يكون الإنسان أمينًا لخلقته الأصلية. وفى المجادلات مع الفلاسفة التى يحاول المؤلف فيها أن يشرح الصفات المسيحية لفلسفة أنطونيوس، أى يشرح طريقة معيشته، نجد أن أنطونيوس يخبر الفلاسفة، أن اليونانيون يتعبون باطلاً بأسفارهم فى كل مكان لأجل الحصول على المعرفة فى حين أن المعرفة الحقيقية إنما توجد فى داخل الإنسان. والقراءة المدققة لعظة أنطونيوس الموجهة للرهبان تظهر نفس التشديد ولكن من منظور آخر. نجد هنا أن أنطونيوس يحاول أن يخبر تلاميذه كيف يعرفون إن كانت الرؤى أو الأفكار آتية من الله أم من الشياطين. فالقديس أنطونيوس يقول إن الشياطين يسببون القلق على الدوام، إنهم يحاولون أن يقسّموا ويمزقوا؛ بينما الملائكة يسببون السلام والهدوء ويقودون إلى الوحدة بدلاً من التفرق. ولكن هل هذا يعنى أن روحانية القديس أنطونيوس بحسب كتاب سيرته هى روحانية ترفض وجود أية علاقات مع الآخرين، أو مع المحتاجين؟ كلا . فالسيرة تنقسم إلى قسمين متميزين تمامًا. القسم الأول يصف خلوة أنطونيوس وتكوينه الروحي فى حياة الوحدة ويسجل عظته الطويلة التي يلخص فيها تعليمه. وينتهى القسم الأول بالقول إن أنطونيوس صار مثل الشهداء بسكناه فى البرية الداخلية. أما القسم الثاني فيخبرنا عن اهتمامه بالعالم. وفى هذا القسم يلتقى أنطونيوس أولاً بمجموعة من الناس يطلبون المساعدة، ويلتقى بعد ذلك بمجموعة من الفلاسفة، وأخيرًا بمجموعة من ممثلى الدولة. ليس هناك شك أن المؤلف يريدنا أن نرى فى أنطونيوس، راهبًا يشفى المرضى، ويصنع السلام بين المتخاصمين ويتشفع لأجل الفقراء، ويدحض الهرطقات ويقاوم ذوى السلطان. والنظرة الفاحصة إلى هذه الفصول من الكتاب تكشف أنها قد كُتبت بطريقة واعية تمامًا. وفى كل هذه الفصول نجد أنها تحتفظ بمسافة معينة. فحينما يأتي المرضى إلى أنطونيوس، فهو يخبرهم أن يعودوا إلى بيوتهم لينالوا الشفاء هناك. إنه لا يلمسهم، حيث إنه ليس هو الذى يشفى بل "الرب". فهو يظل فى عزلته ويشفى من بعيد. وفى لقائه مع الهراطقة يضع نفسه خلف رؤساء الكنيسة ويتحاشى أية مقابلات عن قرب. والأمر ذو الدلالة العظيمة. فإن علاقاته مع السلطة العليا مع الإمبراطور رغم أنه إمبراطور مسيحى، ومع الحاكم المُعين منه، إنما تتم فقط بواسطة الرسائل. وفى كل معاملاته مع العالم فإن أنطونيوس لا يترك خلوته الداخلية، لا يتخلى عن سلامه وهدوئه. ولكى نلخص روحانية القديس أنطونيوس كما وصفتها سيرة حياته، فيمكننا أن نقول إن أنطونيوس كان مبتعدًا بطريقة ما عن حدود المكان والزمان فهو كما لو كان موضوع خارج القيود التى يختبرها البشر. فهو كما تؤكد السيرة فى النهاية حاضر فى كل مكان حيث إنه مختفى عن كل إنسان هو غير مرتبط بأي شئ، وغير متأثر بأي شئ ولا معتمد على أي شئ حصل عليه من العالم أى من الناس ومن حضارتهم. فهو كما يقول المؤلف متعلم من الله فقط وتنبع قوته من السلام الداخلي ومن الانسجام الداخلي المتأصل فى طبيعته الروحية الأصلية. والأمر الضروري بالنسبة لسيرة حياة أنطونيوس أن يظل الإنسان على الحالة التي خُلق عليها.إن روحانية أنطونيوس هى روحانية تجد أصولها فى الاقتناع الأكيد بأن الإنسان مخلوق على صورة الله، وأن الفضيلة لا تُكتسب، بل تحتاج فقط أن نحافظ عليها.والآن، بعد أن حصلنا على هذه النظرة لروحانية "سيرة أنطونيوس"، يمكن أن ننتقل إلى رسائل القديس أنطونيوس لنسأل إن كانت تحمل إلينا نفس الروحانية ولكى نركز الحديث على روحانية هذه الرسائل، فإنى لن أتحدث عن محتواها ولن أناقش كل المشاكل اللاهوتية التى تنتج من تحليل محتواها، و لكنى أشير فقط إلى نقطتين هامتين فى تكوين روحانية هذه الرسائل النقطة الأولى هى، وحدة المعرفة :- فالتشديد على المعرفة هو أحد الملامح البارزة للرسائل. فكاتب الرسائل يؤكد مرة تلو أخرى على أهمية المعرفة والفهم. وكل الرسائل تقريبًا تختم باقتباسين من سفر الأمثال 9: 9 ومن رسالة كورنثوس الأولى 15: 10 والاقتباسان يتحدثان عن أهمية الحكمة. فبدون أن يعرف الإنسان نفسه أو كما يعبر القديس أنطونيوس بدون أن يعرف الإنسان جوهره الروحي، فإنه لا يستطيع أن يعرف الله، لا يستطيع الإنسان أن يدرك أعمال الله الخلاصية. فالإنسان، بإدراكه لنفسه تمامًا يستطيع فقط أن يعرف زمانه و بالتالى أن يعرف كيف يعبد الله عبادة لائقة. ورغم أن الإشارات إلى المعرفة متنوعة جدًا وموضوعات المعرفة تختلف عن بعضها، إلاّ أن الرسائل تشدد دائمًا على أن كل أنواع المعرفة مرتبطة ببعضها؛ فمعرفة الله ومعرفة النفس ومعرفة الزمان، ومعرفة الخلاص، كل هذه تعتمد كل منها على الأخرى.و لكى ندرك أهمية المعرفة فى روحانية أنطونيوس ينبغى أن نعرف، ما الذى يعنيه أنطونيوس عندما يتحدث عن المعرفة، وذلك لكى نعرف مفهوماته الأساسية . إن القراءة المدققة للرسائل تكشف أن أنطونيوس يمثل نفس النظرة الأساسية عن المعرفة مثل مدرسة الإسكندرية بميراثها الأفلاطونى، فهذه النظرة ترى أنه: "أن تعرف" هو أن تصير جزءً من شئ . فالمعرفة ليست أن تملك معلومة عن شئ، بل أن تشاكله وتتوافق معه. وأكثر من ذلك فإنك تستطيع فقط أن تعرف ذلك الذى يملك ميلاً طبيعيًا نحوك أنت الذى تعرفه. الإنسان يستطيع أن يعرف الله حيث إن الإنسان له صلة بالله، ليس فقط بأن تكون عنده معلومات عن الله ؛ بل أن يكون له نصيب حقًا فى طبيعة الله، ولذلك فالمعرفة لا تحصل بجمع المعلومات والتعاليم، بل أن نأتى لنعرف، نأتى لنقترب منه ولكى نحيا معه. المعرفة تفترض وجود المحبة. لذلك من السهل أن نفهم أنه رغم أن أنطونيوس يتكلم عن أنواع مختلفة من المعرفة، إلاّ أن المعرفة واحدة. وإضافة إلى ذلك، فمن الواضح أن المعرفة التي يكتب عنها أنطونيوس هى المعرفة الروحية، وهى معرفة تأخذ أصولها من الجوهر الروحي للإنسان . والتقدم فى المعرفة هو الاقتراب أكثر إلى الله، أن يصير الإنسان أكثر فأكثر إدراكًا لذاك الذى يتجاور كلماتنا. المعرفة تختلف عن العقيدة . فكلمات الإنجيل، وتعاليم الكنيسة هى نقطة انطلاق، أما المعرفة الحقيقية فتكمن فى الالتصاق بالله التصاقًا حميمًا بالحب. وحدة كل أنواع المعرفة لا توجد فى العقائد بل فى قلب الله. النقطة الثانية فى روحانية رسائل أنطونيوس هو وحدة الكيان :- وكما سبق أن ذكرنا، فإن أنطونيوس يرى أن الشرط المسبق لكل معرفة حقيقية هو فى الجوهر الروحي للإنسان، وهو جوهر متصل بالله اتصالاً وثيقًا . وفى محاولاته أن يشرح هذا، فإن أنطونيوس يعكس تحليل أوريجينوس عالم مدرسة الإسكندرية العظيم. وبحسب الرسائل، فإن جوهر الإنسان الداخلي هو جزءه الروحاني، أى عقله . كل البشر يشتركون فى نفس الجوهر الروحي، وينتمون إلى بعضهم البعض فى أرواحهم، وفى الواقع فإن كل ما هو روحى يشترك فى نفس الكيان، بل حتى إبليس و الشياطين أيضًا يشتركون فيه . و لكن عند السقوط تحطمت هذه الوحدة الروحية . والله لكى يخلص الإنسان، فإنه خلق العالم وأعطى للإنسان جسدًا وهو ما لم يحصل عليه الشياطين، ولذلك هم يحسدون الإنسان. وبواسطة الجسد يستطيع الإنسان أن ينمو فى الفضيلة وفى المعرفة، ولكن فى الوقت نفسه فإن الجسد يجذب الإنسان إلى أسفل ويضع حدًا لحياته. الجسد يخلص عن طريق التجسد، وهكذا تُستعاد الوحدة ويستطيع الإنسان أن يرجع إلى الله وإلى جوهره الروحى الأصلى، ولكن بجسد القيامة. وبدون الاستطراد أكثر فى هذه الأفكار اللاهوتية يمكننا أن نرى بسهولة أنها هى روحانية أنطونيوس. فوحدة الوجود تجعل محبتنا بعضنا لبعض جزءً من محبة الله. وأن يعرف الإنسان نفسه هو أيضًا أن يعرف جاره. أو كما يقول أنطونيوس فى الرسالة 6: " لذلك ينبغى أن نحب أحدنا الآخر بحرارة، لأن من يحب أخاه يحب الله والذى يحب الله يحب نفسه " . و هكذا، فإننا فى روحانية أنطونيوس نجد تشديدًا قويًا على العلاقة بالآخرين، والحاجة إلى أن نعتنى كل منا بالآخر. و يصير واضحًا فى كل الرسائل كم هو هام خلاص الاخوة لأجل خلاص أنطونيوس نفسه. وهنا يصير فهم تعليم يسوع المسيح، عنصرًا هامًا . و المقطع الذى يتحدث فيه الرسول بولس فى رسالته إلى فيلبى عن إخلاء الابن لنفسه صائرًا فى هيئة عبد، عادة يُربط بكلمات يسوع فى الإنجيل التي يقول فيها، إنه لا يعود يسمى التلاميذ عبيدًا بل أحباء . فيسوع بصيرورته عبدًا استطاع أن يجعلنا أحباء له، وهكذا عن طريق صيرورتنا عبيدًا كل منا للآخر، يمكننا أن نربح بعضنا بعضًا كأصدقاء . وهكذا فالفرح والبكاء لأجل خلاص الآخرين هو جزء جوهرى من الحياة الروحية . خاتمة : وحينما ننظر إلى سيرة حياة أنطونيوس وإلى الرسائل، يمكننا أن نرى أننا نجد نفس الروحانية رغم التعبير عنها بطريقتين مختلفتين تماما . ففى سيرة حياته، تُرسم روحانية أنطونيوس بواسطة شخص آخر كأنما يرسم أيقونة . وفى عظة أنطونيوس فقط نجد تشابهًا كبيرًا مع ما ذُكر فى الرسائل . ولكن هنا فى العظة يحل الصراع مع الشياطين محل التأملات الشخصية الموجودة فى الرسائل، وفى السيرة نجد أن قصص اختلاء أنطونيوس تجعل نفس التشديد على وحدة الكيان والجوهر مفعمة بالحيوية مثل الرسائل، ولكن بعكس الرسائل فإن الجسد فى " السيرة " ليس أساسًا الذى تهاجمه الشياطين بسهولة، بل بالحرى تجعل منه " السيرة " صورة للنفس . الرسائل تقدم أنطونيوس كأحد الرهبان الذى يصرخ من أجل خاصته ولأجل خلاصهم. أما فى " السيرة " فلم يعد ظاهرة فى الصورة، بل نجده فى وضع متميز كنموذج يُقتدى به . فى "الرسائل" نراه مثل أب اعتراف يمكنك أن تتحدث إليه، أما فى "السيرة" فهو إيقونة تقف أمامها لكى تتأمل . ولكن بصفة جوهرية، فمن الواضح أن كلا الكتابين تقدم نفس الروحانية الأساسية، ونفس التشديد على الحاجة إلى الثبات الداخلي والهدوء، والحاجة إلى المعرفة الحقيقية للنفس، وإلى المحبة للغير . ويمكننا أن نعتبر "السيرة " بمثابة مقدمة رائعة عن كيف نقاوم بها الفساد، وكيف نحفظ الكمال والسلام، أما "الرسائل" فتلمس القلب، وتفتح طريقًا صاعدًا نحو سر الالتصاق الحميم مع الله.و نعود أخيرًا إلى مشروع البحث عن " الشخصية المسيحية (Christian Identity) كما صيغت فى المسيحية الأولى"، فأنى أظن أن هذا المشروع وثيق الصلة بموضوعنا . وبقدر ما أستطيع أن أرى، فإن أوربا بل العالم كله حصلت على ذلك الفهم للكائن البشرى، الذى يضع الشخص كل شخص قبل أى شئ آخر. فبدون مفهوم سلامة وقيمة كل شخص لا نستطيع أن نتكلم عن حقوق الإنسان بصورة حقيقية. بدون مفهوم السلامة الشخصية و المسئولية الشخصية التي تظهر مفعمة بالحيوية فى سيرة القديس أنطونيوس، لن يكون عندنا أية أسلحة حقيقية لمحاربة الفساد. فلأجل مستقبل التقليد المسيحي بل ولأجل مستقبل مجتمعاتنا، ينبغى أن نعطى انتباهًا أكبر و اهتمامًا أشد بروحانية القديس أنطونيوس. بقلم صموئيل روبنسون أستاذ بجامعة لوند بالسويد ترجمها عن الإنجليزية د. نصحى عبد الشهيد بطرس
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل