المقالات
15 يناير 2026
الأعياد السيدية فى شهر طوبة
عيد الختان المجيد (6 طوبة):
«ولَمّا تمَّتْ ثَمانيَةُ أيّامٍ ليَختِنوا الصَّبيَّ سُمّيَ يَسوعَ ، كما تسَمَّى مِنَ الملاكِ قَبلَ أنْ حُبِلَ بهِ في البَطنِ» (لو2: 21) الختان علامة في الجسد لا تنحل أعطاه الله لإبراهيم ونسله، علامة عهد مقدس للتكريس لله (تك17: 10) وتجدّد العهد مع موسى وصار من أهم الطقوس اليهودية (لا12: 3). فكان الختان يشير إلى المعمودية لذلك اختتن المسيح لكي يشق الطريق إلى المعمودية فيفصل بين عهد ختان الجسد بالناموس وعهد ختان القلب بمعمودية الروح (رو2: 29) يختن الرب إلهك قلبك (تث30: 6) وكما كان الختان علامة البنوة لإبراهيم (يو8: 29) هكذا المعمودية علامة البنوة لله وأيضًا يشير إليها أنها تتم مرة واحدة وعلامة لا تنحل، وفيها تقديس وتكريس النفس لذلك سُمّي فى الختان "يسوع" ومعناه المخلص وقد نلنا اسم الخلاص اسم المسيح في المعمودية وليتجنّب الإثم كل من يُسمّى باسم المسيح (2تيمو2: 19).
عيد الغطاس المجيد (11 طوبة):
يُسمّى عيد الأنوار وعيد الظهور الإلهي (الإبيفانيا) ففيه ظهر الثالوث القدوس الابن نزل إلى الماء والآب يشهد للابن: «هذا هو ابني الحَبيبُ الّذي بهِ سُرِرتُ» (مت3: 17) والسموات انشقّت والروح مثل حمامة نازلاً عليه (مر1: 10) واحتفالاً بهذا العيد يُقام قداس الماء تذكارًا لعماد المسيح في الأردن من يوحنا وفيه تُقرَأ الإشارات لمعمودية الخلاص بالماء عبور البحر الأحمر والمياه الحلوة في مارة (خر15) والصخرة الروحية التي هي المسيح (1كو10: 4) وعبور الأردن (يش3) وصعيدة إيليا وشفاء نعمان السرياني وباحتفالنا بعماد المسيح نحتفل بتأسيس سر المعمودية الذى فيه خلاصنا فقد نزل المسيح إلى الماء ليلتقي مع كل من يعتمد: «هو سيُعَمِّدُكُمْ بالرّوحِ القُدُسِ ونار» (مت3: 11) فيصير بالمعمودية خليقة جديدة مولودًا من الله (رو8: 16) وينال بالمعمودية عربون القيامة «مَدفونينَ معهُ في المَعموديَّةِ الّتي فيها أُقِمتُمْ أيضًا معهُ» (كو2: 12).
عيد عرس قانا الجليل (13 طوبة):
نحتفل به تذكارًا لبداية الآيات التي صنعها يسوع (يو2: 1-11) وفيه أظهر لاهوته وقد بدأ خدمته في احتفال عرس فهو العريس الذى خطب لنفسه الكنيسة عروسًا: «هذا السِّرُّ عظيمٌ، ولكنني أنا أقولُ مِنْ نَحوِ المَسيحِ والكَنيسَةِ» (أف5: 32) فمن أين يبدأ العريس خدمته إلاّ بوليمة عرس إعلانًا عن بشارة الخلاص والفرح والابتهاج؟ وهو ما يشير إليه مزمور باكر فى هذا اليوم: «الخمر يفرِّح الإنسان عظمت أعمالك يا رب، كلَّ شيء بحكمة صنعتَ» (مز3: 1، 32) وتظهر كرامة العذراء ففي ثقة من استجابة المسيح طلبها تطلب المعجزة لأصحاب العرس وفي حديثها للخدام دعوة تحثّ فيها قلوبنا لطاعة ابنها صانع المعجزات وتدعونا «مَهما قالَ لكُمْ فافعَلوهُ» (يو2: 5) أما دعوة المسيح لنا فهى دعوة للشركة والفرح «استَقوا الآن» (يو2: 8) يسوع هو عريس البشرية (مت25: 6) جاء ليخطب جنسنا عروسًا له والتي حينما رآها مطروحة عارية من البرّ (حز16: 5) أرسل إليها صديقه يوحنا يغسلها بماء التوبة ثم جاء هو في الجسد مولودًا تحت الناموس (غلا4:4) واختتن (ختن= عريس) ونزل إليها في الاردن وسط الخطاة ليغرق خطايانا معه وفي قانا الجليل كشف أنه العريس فقدم خمر محبته لفرح العروس.
طقس عيد الغطاس المجيد
عيد الغطاس وهو عيد سيدي كبير ويُحتَفَل به ليلاً، مثل عيد الميلاد والذي هو فجر عهد جديد وعيد القيامة والتي تمّت فجرًا وفي هذا العيد كان الناس يسهرون طوال الليل بجوار النهر قبل أن يتّجهوا للكنيسة عند الفجر للإفخارستيا وهذا هو سبب أن اللقان هنا يتم قبل رفع بخور باكر لأنه بديل واختصار لما كان يتم طوال الليل وقد أوصى الآباء الرسل "فليكن عندكم جليلاً عيد الظهور الذي هو عيد الغطاس لأن الرب بدأ يُظهِر فيه لاهوته في المعمودية في الأردن من يوحنا واعملوه في الحادي عشر من الشهر الخامس (طوبه) للمصريين (دسق 18)، وجاء كذلك: (ولا تشتغلوا في عيد الحميم...) وإليه أشار كل من القديس يوحنا فم الذهب والقديس غريغوريوس الكبير والقديس إبيفانيوس بعد رفع بخور عشية يُقدَّم تمجيد للقديس يوحنا أمام أيقونته ثم تسبحة نصف الليل وبعدها يرتدي الآباء والشمامسة ملابس الخدمة ويتجهون إلى الخورس الثالث حيث اللقان (لأن اللقان كما قلنا كان طقس معمودية ويليق أن تتم بالملابس الكهنوتية) وفي الكنائس القديمة وُجِد لقان منحوت في الأرض ولا يجوز عمل اللقان في الخورس الأول لأن عمله في آخر الكنيسة هو وسيلة إيضاح وإشارة إلى ضرورة التطهّر قبل التقدّم للأسرار (المعمودية قبل الإفخارستيا) وإن لم يكن هناك لقان في الأرض يوضع الماء العذب في فسقية فوق منضدة وحولها شمعدانان وكانت العادة قديمًا أن يُضاف بعضٌ من ماء نهر الأردن في مياه اللقان وبعد انتهائه يقوم الاب الكاهن برشم الشعب على جباههم (في حين يُرشَمون في اللقانيْن الآخريْن في أقدامهم لأن الخدمة مؤسّسة على غسل الأرجل) وبعد ذلك يُرفَع بخور باكر وفيه تُرتَّل ذكصولوجية باكر بألحان "السبع طرائق" لتعبِّر الكنيسة عن تهلّلها بالحدث العظيم بكل الألحان والنغمات ويُزفّ "الحمل" كما في عيد الميلاد وهنا أوقع لأنه يعيد إلى الأذهان إشارة يوحنا المعمدان إلى المسيح «هوذا حَمَلُ اللهِ الّذي يَرفَعُ خَطيَّةَ العالَمِ!» (يو1: 29) وكأن الكنيسة تلفت انتباه الشعب إلى الحمل الذي سيُقدَّم الآن على المذبح ولا تُتلى المزامير لأن أكثرها نبوات وهنا تتحقّق النبوات وبالتالي يُقدّم الحمل مع لحن "إبؤرو" وليس كيرياليسون، وهناك واحدة من الهيتنيات ليوحنا المعمدان (بشفاعة نسيب عمانوئيل..) كما أن مرد الإبركسيس يذكر أن الذي عمّده يوحنا هو ابن الله (هذا هو ابني الحبيب..)، وعقب السنكسار يُقال لحن "أوران إنشوشو" (اسم فخر هو اسمك يا نسيب عمانوئيل..) ويشير إلى العظة الشهيرة للبابا ثيئودوسيوس عن يوحنا المعمدان، وفي لحن "آجيوس" – و يُقال فرايحي – يُضاف في كل مرة: "يا من اعتمد في الأردن ارحمنا". ويُكمَّل القداس كالعادة.
المتنيح القمص مكسيموس وصفى كاهن كنيسة السيدة العذراء بمحرم بك
المزيد
14 يناير 2026
نزوله من السماء يثبت لاهوته
قال السید المسیح في حدیثه مع الیھود: "أَنَا ھُوَ الْخُبْزُ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ" (یو٦: 41) وقال إنه بھذا معطي الحیاة "لأَنَّ خُبْزَ للهِ ھُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الْوَاھِبُ حَیَاةً لِلْعَالَمِ" (یو33:6) وكرر عبارة "نَزَلْتُ مِنَ السَّمَاءِ" (یو 6: 38) وفسر نزوله من السماء بقوله: "خَرَجْتُ مِنْ عِنْدِ الآبِ، وَقَدْ أَتَیْتُ إِلَى الْعَالَمِ، وَأَیْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْھَبُ إِلَى الآبِ" (یو ۱٦: 28) وركز على عبارة خروجه من عند الآب بقوله لتلامیذه "الآبَ نَفْسَه یُحِبُّكُمْ، لأَنَّكُمْ قَدْ أَحْبَبْتُمُونِي،وَآمَنْتُمْ أَنِّي مِنْ عِنْدِ للهِ خَرَجْتُ" (یو ۱٦: 27) وكرر ھذا المعنى أیضًا في حدیثه مع الیھود (یو ۸: 42) إذن ھو لیس من الأرض بل من السماء وقد خرج من عند الآب ھذا ھو موطنه الأصلي أما وجوده بین الناس على الأرض بالجسد، فذلك لأنه "أَخْلَى نَفْسَه، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ" (في ۲: 7) ولكنه لابُد أن یصعد إلى السماء التي نزل منھا أما عن ھذه الأرض فھو كائن قبلھا بل ھو الذي أوجدھا لأن "كُلُّ شَيْءٍ به كَانَ وَبغِیْرِهِ لمَ یَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ" (یو ۱: 3) أما ھو فقد كان في الآب منذ الأزل وھذا ھو مكانه الطبیعي بل ھذه مكانته.
ونزوله من السماء وصعوده إلیھا أمر شرحه لنیقودیموس فقال "لَیْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ إِلاَّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" (یو ۳: 13) والمقصود بالسماء ھنا سماء السماوات التي لم یصعد
إلیھا أحد ولم ینزل منھا أحد إلا المسیح باعتباره أقنوم الابن "الَّذِي ھُوَ فِي حِضْنِ الآبِ" (یو ۱: 18) في سماء السماوات حیث عرش الله كما قال في العظة على الجبل إن السماء ھي كرسي الله (متى ٥: 34) أي عرشه. وقوله "ابْنُ الإِنْسَانِ الَّذِي ھُوَ فِي السَّمَاءِ" معناھا أنه كائن في السماء بینما ھو على الأرض یتكلم ومعجزة صعوده إلى السماء (أع ۱: 9) ھي تأكید لقوله لتلامیذه "وَأَیْضًا أَتْرُكُ الْعَالَمَ وَأَذْھَبُ إِلَى الآبِ" (یو ۱٦: 28)
وھو لیس في السماء كمجرد مقیم إنما له فیھا سلطان: فقد قبل إلیه روح القدیس إسطفانوس الذي قال في ساعة رجمه "أَیُّھَا الرَّبُّ یَسُوعُ اقْبَلْ رُوحِي" (أع ۷: 59) وھو الذي أدخل اللص إلى الفردوس (لو43:23) وھو الذي أعطى الرسل مفاتیح السماء (مت ۱٦: 19) وقال "كُلُّ مَا تَرْبِطُونَه عَلَى الأَرْضِ یَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَه عَلَى الأَرْضِ یَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ" (مت ۱۸: 18)
والمسیح تسجد له كل القوات السمائیة: "لكِيْ تَجْثوُ باِسْمِ یَسُوعَ كُل رُكْبَة مِمَّنْ فِي السَّمَاءِ وَمَنْ عَلَى الأَرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الأَرْضِ وَیَعْتَرِفَ كُلُّ لِسَانٍ أَنَّ یَسُوعَ الْمَسِیحَ ھُوَ رَبٌّ لِمَجْدِ اللهِ الآبِ" (في ۲: 9) وقد قال عنه الرسول أیضًا "إِذْ ھُوَ حَيٌّ فيِ كُلِّ حیِنٍ لیِشْفعَ فیِھِمْ، لأنَّه كَانَ یَلیِقُ بنِا رَئیِسُ كَھَنَة مِثْل ھذَا قدُّوسٌ بلِا شَرّ وَلاَ دَنَسٍ قَدِ انْفَصَلَ عَنِ الْخُطَاةِ وَصَارَ أَعْلَى مِنَ السَّمَاوَاتِ" (عب ۷: 25 , 26)
إذن من علاقة المسیح بالسماء، یمكن إثبات لاھوته بدلائل كثیرة.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
13 يناير 2026
"الله الآب"
أبوة الله من عطایا التجسد الإلھي: أعلن لنا الكلمة المتجسد نور الآب وأنعم علینا بمعرفة الروح القدس الحقیقیة فعندما سأل التلامیذ السید المسیح قائلین "یارب علمّنا كیف نصلي" (لو ۱۱: 1) أجابھم قائلاً "متى صلّیتم فقولوا أبانا الذي في السموات الخ" لأنه لما جاء ملء الزمان مع تجسد ربّنا یسوع المسیح نلنا التبني: "إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِیَّةِ أَیْضًا لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِه نَصْرُخُ یَا أَبَا الآبُ" (رو ۸: 15)
الله واحد لأن جوھر الألوھة واحد:
"لنَا إِلَه وَاحِدٌ: الآب الَّذِي مِنْه جَمِیعُ الأَشْیَاءِ وَنَحْنُ لَه" ( ۱كو ۸: 6) یقول القدیس إیرینیؤس: [واحد فقط ھو الله الآب غیر مولود غیر منظور خالق الجمیع فوقه لا یوجد إله آخَر] (الكرازة الرسولیة ٥).
أبوة الآب للابن: أبوة من حیث الطبیعة الإلھیة وعندما نتكلم عنھا لابد أن نضع نصب أعیننا:
أولاً: ضعف اللغة في أن تعبر عن الله الذي لا یُعبر عنه یقول القدیس غریغوریوس الناطق بالإلھیات (لا یوجد الإنسان الذي اكتشف أو یستطیع أن یكتشف من ھو الله في الطبیعة أو الكنه) (2nd Theological Oration)
ثانیًا: إن طبیعة الله روحانیة فلا تتصور أن الولادة نظیر ما یحدث في البشر الذین لھم طبیعة مادیة والولادة بالنسبة لھم تناسلیة وزمنیة فولادة الابن من آب أزلي تكون في الأزلیة وولادة روحانیة كولادة الفكر من
العقل لیست ولادة خارجیة یقول القدیس غریغوریوس الناطق بالإلھیات [لكننا نوقر الأصل الواحد
Μοναρχία لكن تلك المونارشیة المحصورة في أقنوم واحد إنما ھي لطبیعة متساویة وواحدة في العقل وتماثل في الحركة وفي میل عناصرھا للوحدة، حتى في التمایز العددي لیس ھناك فصل في الجوھر - وھو الشيء المستحیل بالنسبة للطبیعة المخلوقة" 3 rd Theological Oration) فكیف تُولد كلمتك من عقلك بلا مفارقة منھا لعقلك فتصل إلى كل من یسمعھا من غیر أن تفارق والدھا وكیف یُولد الشعاع من الشمس بلا فرقة بینھما فیملأ الشعاع الأرض كلھا وما فیھا من غیر أن یفارق عین الشمس التي وُلِد منھا وكیف یُولد الضوء من النار بلا افتراق منھا فیضئ لمن استضاء به من غیر أن یفارق النار التي ولدته عندما نقول الله الآب نعترف بوجود أقنوم الابن والروح القدس یقول القدیس كیرلس السكندري [لقبوه بالآب ضابط الكل لكي بذكرھم الآب یظھرون الابن معه الذي ھو آب والابن قائم معه وكائن معه دائمًا لأن الآب لم یصر أبًا في زمن بل كان دائمًا ما كانه أبًا وھو كائن دائمًا فوق كل ما ھو مخلوق وھو في أعلى الأعالي ولأنه یضبط ویسود ربًا على
الكل فھذا یجعل له مجدًا لامعًا لا یُقارن] (رسالة ٥٥: 12)
أبوة الآب للبشر: المخلوق یختلف في طبیعته عن الخالق لذلك فأبوة الله لنا ھي بالنعمة بالتبني یقول القدیس یوحنا الإنجیلي: "كُلُّ الَّذِینَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاھُمْ سُلْطَاناً أَنْ یَصِیرُوا أَوْلاَدَ اللهِّ أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِه" (یو ۱: 12)
یقول القدیس إیرینیؤس: [في الحقیقة إن كل المخلوقات تستمد بالضرورة بدایة وجودھا من علة أولى عظیمة، وعلة كل الأشیاء ھو الله الكل یأتي منه أما ھو فلم یُوجِدْهُ أحد لذا فإنه من الاستقامة والحق أن نؤمن بأنه یُوجَد
إله واحد الآب الذي خَلْق الكل وصنع كل ما لم یكن موجودًا من قبل وھو یحوي "الكل" ھذا الذي ھو نفسه غیر المحوى من أيِّ شيء كما أن العالم یدخل في نطاق ذلك "الكل" الذي یحویه الله ومن بین ھذا "العالم" الإنسان
أیضًا وبالتالي فإن لله خَلْق ھذا العالم كله] (الكرازة الرسولیة4)
القمص بنيامين المحرقى
المزيد
12 يناير 2026
لماذا أمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم وتخومها
كان من السهل تحديد البيت الذي وُلِد فيه ملك اليهود في قرية صغيرة، وهو البيت الذي دخله المجوس فلماذا أمر هيرودس بقتل جميع أطفال بيت لحم وتخومها (مت 2: 16)؟ وهل يمكن ارتكاب هذه المذبحة والمؤرخون المعاصرون لها مثل يوسيفوس يصمتون عنها، بالرغم من استعراضهم لذمائم هيرودس؟
يقول "يوسف هريمة" عن مذبحة أطفال بيت لحم " لازال الخيال التوراتي يُلقي بظلاله على كتَّاب الأناجيل بمختلف مشاربهم الفكريَّة والعقائديَّة. وهذه المرة مع إستلهام آخر من هذا الخيال يوظفه متى كعادته، من خلال قصة استوحاها ليؤكد عَبْرها مشروعه في المسيح يسوع... هذه حكاية أخرى من نسيج خيال متى رواها وحده، دون الالتفات إلى غيره من المصادر القانونية أو غير القانونية. فهذه الحادثة لم يذكرها أي شخص آخر غيره في ذلك الزمان. حتى فلافيوس يوسيفوس الذي كتب تاريخ الشعب اليهودي بعد حوالي 100 عام من هذه الحادثة، لم يذكر حكاية قتل جميع أطفال بيت لحم وجوارها، وذلك بالرغم من أن يوسيفوس قد شتم هيرودس ونعته بأسوأ النعوت، إلاَّ أنه لم يذكر حكاية قتل الأطفال. والمتتبع لقصة المسيح زمان هيرودس كما تحدَّث بها متى، يجد الحضور التوراتي منكشفًا، حيث تستلهم القصة مثيلتها في سفر الخروج زمان موسى وفرعون، مع شيء من التحوير في الأحداث والشخصيات. كما كانت القصة تهدف بشكل من الأشكال إلى إثبات النبوة التوراتية بشأن المسيح المنتظر، من خلال مولد يسوع بيت لحم" (339) ويقول "علاء أبو بكر": "س58... وهل ترك هيرودس من استهزؤا به وقتل أطفال قرية بيت لحم كلها، وهيَ قرية صغيرة تقع في دائرة حكمه ويسهل السيطرة عليها، ويسهل عليه معرفة من الذي وُلِد فيها، وإلى أي بيت جاء المجوس... ولماذا تكلف قتل الأطفال في باقي التخوم؟ ولو فعل هيرودس هذا لأصبح من أعداء اليهود على كامل فرقهم، ولكتبها المؤرخون من اليهود وغيرهم، الذين كانوا يكتبون ذمائم هيرودس ويتصفَّحون عيوبه وجرائمه، وهل تقبَّل اليهود إبادة أطفالهم دون أدنى اعتراض أو مظاهرة أو محاولة للانتقام منه؟ ثم فكر معي مرة أخرى!. كان هيرودس هذا نصفه يهوديه ونصفه أرامي، وقد أسدى لليهود خدمات عظيمة جدًا استحق عليها لقلب ملك... ويستحيل معها أن يقتل أبناء شعبه هو نفسه: فقد كان الحاكم الوحيد في فلسطين الذي استطاع أن يحفظ الأمن والسلام في تلك البلاد المضطربة، وكان صاحب مشروعات عمرانية كبيرة، فقد بنى الهيكل في أورشليم، كما خفف الضرائب عن الشعب في أوقات الأزمات، وفي وقت المجاعة عام 25 ق.م حوَّل طبقة الذهبي إلى سبيكة باعها ليشتري قمحًا، لينقذ الشعب من الموت جوعًا" (340).
ج: 1ــ عُرِف الملك هيرودس الكبير بالقسوة الشديدة والدموية، فعندما عارضه مجمع السنهدريم في تطبيق القوانين والأوامر الرومانية أعدم منهم 46 عضوًا من 71 عضوًا، وأعدم زوجته المحبوبة "مريمن" وأمها "السكندرا" بعد أن أغرق "أرسطوبولس الثالث" شقيق مريمن، ثم قتل ابنيه من مريمن "اسكندر" و"أرسطوبولس"، وأيضًا قتل ابنه "أنتيباتر" بعد أن اختاره ليخلفه في العرش، وقبض على أراخنة كثيرين من اليهود وأمر بإعدامهم عند موته لتعم الأحزان مملكته إلاَّ أن أمره هذا لم يُنفَذ، وشخص مثل هذا ليس بمستبعد عنه أن يأمر بذبح أطفال بيت لحم ليضمن قتل المولود ملك اليهود، ظنًا منه أنه جاء لينافسه المُلك ويسترد عرش داود المغتصب.
2ــ سبق أو أوضحنا أن هيرودس الكبير مَلَكَ نحو (37 - 4 ق.م) مرَّ خلالها بثلاث مراحل أساسية، الأولى (37 - 27 ق.م) وقد اهتم فيها بتثبيت مُلكه على اليهودية والجليل، والثانية (27 - 13 ق.م) مرحلة الازدهار والتعمير، مع أن قصره الذي ضم عشر زوجات له لم يخلو من الدسائس والمؤامرات، وبسبب الضغوط التي تعرَّض لها وجد متنفسه في التعمير والبناء، فجدد الهيكل وضاعف مساحته، وأنشأ ميناء قيصرية وأقام معابد لآلهة الأمم... إلخ. أما المرحلة الثالث (13 - 4 ق.م) فهيَ مرحلة الأزمات داخل القصر وخارجه، وكنوع من السياسة كان يقف بجوار الشعب وقت الشدة والأزمة، فعندما حلَّت بالبلاد مجاعة شديدة، استورد كميات ضخمة من القمح من مصر لينقذ حياة الكثيرين، وفي أواخر مُلكه وُلِد يسوع المسيح (راجع مدارس النقد - عهد جديد - مقدمة (1) س12).
3ــ كان من الممكن تحديد شخصية المولود في بيت لحم، لأنها قرية صغيرة،ودخول المجوس إليها كان أمرًا مُلفتًا، فهم غرباء، ملابسهم الفارسية تُظهرهم، يبدو عليهم الثراء، ولكن لأن هيرودس يملأه الشك، وصار يتمسك بتلابيت عرشه أكثر من محبته لأولاده، لذلك أصدر قراره البشع بقتل جميع أطفال بيت لحم الأبرياء، بل امتد قراره إلى تخوم بيت لحم لئلا يكون الطفل وُلِد في إحدى هذه التخوم أو انتقل إليها مع أسرته، وأحاط قراره بالسرية التامة، ولم يأخذ الأهالي حذرهم، إنما فوجئوا بجنود هيرودس على رؤوسهم يسألون ليس عن مجرمين عتاة ولا عن ثوَّار ضد الملك، إنما عن أطفال صغار من سن سنتين فما دون.
4ــ لو صمت المؤرخون (أو هكذا تصوّرنا) عن ذِكْر حادثة معينة معروفة لا يعني هذا عدم وقوعها، فكون القديس متى يذكر هذه الحادثة في إنجيله، وانتشار هذا الإنجيل بين الشعب اليهودي وصمت الجميع وعدم تكذيب أحد منهم لهذا الخبر، فمعنى هذا أنه تأكيد على حدوثه، وصاحب هذا الاعتراض هو فولتير الفيلسوف الفرنسي، وكعادة النُقَّاد هذا يأخذ من ذاك، هكذا تتناقل الاعتراضات من جيل إلى جيل، وقد سبق أن ردَّ "كتاب الهداية" على هذه الاعتراضات سنة 1900م في أربعة أجزاء كبيرة قبل أن يُولَد يوسف هريمة وعلاء أبو بكر، فأورد صاحب كتاب الهداية الأدلة الكافية الشافية على صحة هذه الحادثة: " أولًا: أن "سلسوس" (كلسوس) الفيلسوف وهو من ألد أعداء الديانة المسيحية وكان في أواخر الجيل (القرن) الثاني ذكر هذه الحادثة، فلو لم تكن حقيقية لردَّ عليها ونقضها، بل (ولاسيما) كان يقرع ويشنع في متى البشير.
ثانيًا: أن "ماكروبيوس" وهو من المؤلفين الوثنيين ذكر هذه الحادثة ونص عبارته ما يأتي: وهو لما بلغ "أغسطس" (الإمبراطور أغسطس قيصر) بأن هيرودس ملك اليهود أمر بذبح الأطفال الذين عمرهم سنتان في سورية وأنه ذبح أيضًا أحد أولاده قال: إن خنزير هيرودس هو أحسن (حالًا) من ابنه. إنتهى كلامه. ومعنى هذا الكلام هو أنه لما كان هيرودس متمسكًا بالديانة اليهودية كانت ديانته تنهيه عن ذبح الخنازير لأنها تحرم أكل لحمه، وعلى هذا يكون خنزيره في أمنٍ، بخلاف ابنه فأنه قتله. فهذه الأقوال تدل على اشتهار هذه الحادثة الشنيعة التي نُسبت إليه.
ثالثًا: لا يتوقع أن يوسيفوس يذكر كل حادثة كلية وجزئية بل لابد أن يترك شيئًا ويذكر أشياء، ولا يُتوقَع أن المؤرخين المعاصرين لبعضهم يذكرون عين الحوادث التي يوردونها، فالمؤرخ "سواتونيس" ذكر أشياء كثيرة لم يذكرها المؤرخ "تاسيتس"، فأتى "ديون كاسيوس" واستدرك ما فاتهما وذكره.
رابعًا: إن هذه الفعلة المُنكَرة لم تكن بشيء بالنسبة إلى باقي فظائع هيرودس، فبيت لحم هيَ قرية صغيرة حقيرة ولم يكن لها اسم يُذكَر، وكانت المنكرات التي اقترفها أفظع وأشنع من هذه الفعلة الوخيمة فلذا ضرب يوسيفوس عنها صفحًا.
خامسًا: ربما كان الأمر الذي أصدره هيرودس سريًَّا ولم يكن معروفًا عند يوسيفوس، على أنه لماذا لا نصدق ما رواه "متى" ونصدق غيره. أليس البشير متى جدير بالاعتماد كغيره.
سادسًا: اشتهر هيرودس بالقسوة وسفك الدماء بحيث أن قتل الأطفال لم يكن شيئًا بالنسبة إلى منكراته" (341). (راجع أيضًا نيافة المتنيح الأسقف إيسيذورس - مشكاة الطلاب في حل مشكلات الكتاب ص447 - 449)
أ. حلمي القمص يعقوب
المزيد
11 يناير 2026
الأحد الاول من شهر طوبة مت 2 : 13 - 23
و بعدما انصرفوا اذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلا قم و خذ الصبي و امه و اهرب الى مصر و كن هناك حتى اقول لك لان هيرودس مزمع ان يطلب الصبي ليهلكه فقام و اخذ الصبي و امه ليلا و انصرف الى مصر و كان هناك الى وفاة هيرودس لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل من مصر دعوت ابني حينئذ لما راى هيرودس ان المجوس سخروا به غضب جدا فارسل و قتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم و في كل تخومها من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس حينئذ تم ما قيل بارميا النبي القائل صوت سمع في الرامة نوح و بكاء و عويل كثير راحيل تبكي على اولادها و لا تريد ان تتعزى لانهم ليسوا بموجودين فلما مات هيرودس اذا ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلا قم و خذ الصبي و امه و اذهب الى ارض اسرائيل لانه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي فقام و اخذ الصبي و امه و جاء الى ارض اسرائيل و لكن لما سمع ان ارخيلاوس يملك على اليهودية عوضا عن هيرودس ابيه خاف ان يذهب الى هناك و اذ اوحي اليه في حلم انصرف الى نواحي الجليل و اتى و سكن في مدينة يقال لها ناصرة لكي يتم ما قيل بالانبياء انه سيدعى ناصريا
الهروب الى مصر
إذا ملاك ظهر ليوسف في حلم قائلا " قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر " مت ١٣:٢ ان رحلة الرب إلى أرض مصر مملوءة أسراراً ، وهناك أسئلة كثيرة تتبادر إلى الذهن ، فمثلا :
لماذا هرب إلى مصر بالذات ؟
ان مصر ليست أقرب البلاد إلى اليهودية ، بل هناك : سوريا والأردن والعراق وصحراء العرب ولبنان . ومصر أيضاً ليست أسهل الطرق ، ولكن على العكس فهى بالنسبة لإسرائيل طريق مملوه بالمخاطر وكثير المتاهات وفوق ذلك فالرحلة إلى مصر مرهقة كل الأرهاق للعائلة المقدسة ، فيوسف رجل شيخ والعذراء القديسة حاملة طفلها الإلهى . فما أصعب الرحلة وما أقسى ظروفها . و لكن أمام كل هذا كانت رؤيا الملاك ليوسف وتدبير النزول إلى مصر كان أمراً إلهيا سبق فأعده الرب منذ الأزل ، وسبق وأخبر به الأنبياء فهوشع النبي يقول : ( من مصر دعوت ابني " وأشعياء النبي يصرخ قائلا "هوذا الذي قادم إلى مصر راكباً سحابة سريعة ،"أش ١٩ .إذن لقد قصد الرب أن يجئ إلى مصر ، ليس بالصدفة ولا تحت إضطرار الظروف ، ولكن له في مصر مذبح لابد أن يبني ، وله في مصر عمود شهادة لابد أن يقام ، وله في مصر كنيسة شاهدة وعابدة ومتكلمة بلسان كنعان الروحي ، وله في مصر بركة بها يبارك رب الجنود ، قائلا : "مبارك شعبي مصر ".
في داخل مصر
ان ربنا جاز فى أرض مصر شمالها وجنوبها ، وتنقل في بلاد كثيرة فلو كانت رحلته مجرد هروب ، لسكن في أول مدينة صادفته ، وما أنتقل إلى مكان آخر ولكن الرب قصد أن يضع قدميه في أماكن كثيرة صارت فيما بعد منابع للروح أرتوى منها العالم كله مثل جبل قسقام ، ووادى النطرون ان سر وجود الكنيسة القبطية وبقائها إلى هذا اليوم رغم ما صادفته من إضطهادات ، كائن في هذه الزيارة العجيبة ونحن نؤمن أن الرب اختار مصر ليضع عليها مسئولية خلاص العالم كله . فكما صارت مصر بسبب يوسف منقذة للعالم القديم من الجوع في أيام الآباء هكذا ستصير مصر بسبب المسيح فيها منقذة للعالم الحاضر من مجاعة الروح وموت الإيمان فيا من أستبقيت يوسف لابقاء حياة الاسباط في القديم وأشبعتهم من حنطة مصر هنا حنطة مصر صارت جسدك على المذبح وخزينها صار تراثاً في كنيسة مصر فأنعم يا رب بالشبع من جسدك ، ومن حبة الحنطة على كل العالم ليشبع العالم روحيا بمصر ،وبإيمان كنيستها آمين .
ترك لنا مثالا
فهو فى هروبه من وجه هيرودس كرس لنا طريق بداية الانتصار من يهرب من وجه الشر ينتصر عليه هكذا ظهر هيرودس الملك ضعيفاً ومغلوباً أمام الطفل يسوع . فهيرودس يضطرب ويخاف ويفقد صوابه ويقتل الأطفال ، كل هذا لانه مغلوب وخائب الهروب من وجه الشر هو طريق المتضعين الذي صار فيه ربنا وفتح لنا باب غلبة الخطية بسهولة جداً أهربوا من الزنى ان أسهل طريق للنصرة على شيطان الشهوات هو الهروب الهروب من أماكن الشر ومن أفكار الشر ومن أصدقاء الشر ومن خطط الشيطان ، مثل يوسف العفيف الذي يهرب من محبة المال يغلب العالم . القديس أوغسطينوس شهد قائلا "وضعت قدمى على قمة هذا العالم عندما أصبحت لا أشتهي منه شيئاً" ان الهروب من الشر ليس خوفاً لأن المسيح لم يهرب من وجه هيرودس خوفاً من الموت ، لأن هدف التجسد هو الصليب والرب يسوع قال " لاجل هذا أتيت " و لكن المسيح بهروبه وضع لنا مبدأ عدم مقاومة الشر فروح هيرودس روح سفك الدم ، وقتل الناس وهذا لا يغلب إلا بروح المسيح ، روح الحياة ، وروح السلام ، وروح الإتضاع الشهداء القديسون واجهوا روح هيرودس في المضطهدين والمفديين بروح المسيح الوديع الهادي ، وغلبوه بدم الخروف ، وبكلمة شهادتهم لم يغلبوا الشتيمة بالشتيمة ، ولا غلبوا السيف بالسيف ، ولكن غلبوا بالإتضاع وبروح المسيح الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضاً هكذا كان داود النبي في القديم يهرب من وجه الشر أينما وجد وهرب من وجه شاول الملك هرب من وجه وجد أبشالوم الشيطان يحاول دائماً أن يعطل طرق الله ويقف في وجه تكميل أعمال الخلاص هكذا تبدو محاولات الشيطان من الايام الأولى لتجسد رب المجد يسوع ولكن المسيح المبارك لم يترك فرصة للشيطان ليكمل أعماله الشريرة فالهروب من وجه الشر يفسد خطط الشيطان التي يدبرها ضد أولاد الله مثل هروب دارد من أمام أبشالوم فأفسد مشورة أخيتوفل فملأ الشيطان قلب أخيتوفل غيظاً وشنق نفسه.
دخل ليملك على مصر
لقد استعلن المسيح ملكاً من أول لحظة دخل فيها إلى العالم فالمجوس جاءوا يسألون أين هو المولود ملك اليهود ؟
و هيرودس يطلب أن يقتله عالماً أنه ملك ولكن ملكوت المسيح ليس من هذا العالم ، بل هو ملكوت سماوى أى أن يصير المسيح ملكا ، وأن يصير الإنسان مملوكاً للمسيح هكذا جاء المسيح إلى مصر ملكا وديعاً راكباً على أتان حسب عادته وحسب إتضاعه ودخل لكى يأخذ له مملكة ويقتنى له شعباً ومنذ ذلك الزمان وملكوت المسيح في مصر يقاوم بعنف وقوة ولكن في كل جيل يعود الشيطان خائباً منكسراً أمام مملكة المسيح في مصر ، الكنيسة التى أسسها الرب على صخر الدهور ووعدها قائلا " أبواب الجحيم لن تقوى عليها ".
المتنيح القمص لوقا سيدراوس
عن كتاب تأملات روحية فى قراءات أناجيل آحاد السنة القبطية
المزيد
10 يناير 2026
كَيْفَ عَالج التَّجَسُّد آثار الخَطِيَّة ؟
يَقُول بُولِس الرَّسُول { فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأوْلاَدُ فِي الَّلْحمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أيضاً كَذلِكَ فِيهِمَا لِكَيْ يُبِيدَ بِالمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ المَوْتِ أيْ إِبْلِيسَ }( عب 2 : 14) مَا هِيَ آثار الخَطِيَّة ؟ وَكَيْفَ عَالج التَّجَسُّد نَتَائِجهَا ؟
أوَّلاً :- مَا هِيَ آثار الخَطِيَّة فِي الإِنْسَان ؟
1- تُشَوِّه صُورة الله فِي الإِنْسَان وَالتَجَسُّد جَاءَ لِيَرُد لَهُ صُورَتَهُ .
2- سَبب موت وَإِنْفِصَال عَنْ الله وَالتَجَسُّد جَاءَ لِيَرُد لَهُ الحَيَاة .
3- فَقْد القَدَاسة وَالتَجَسُّد جَاءَ لِيُعْطِيهِ قَدَاسة .
1- الإِنْسَان فَقَدَ صُورته بِالخَطِيَّة :-
الله خَلَقَ الإِنْسَان خَالِد أي لاَ يفنَى رغم أنَّ ذلِك لَيْسَ مِنْ سِمات الخَلِيقة عَادَةً لكِنْ عِنْدَمَا جعل الله الإِنْسَان تَاج لِلخَلِيقة وَصُورة مِنْهُ ذلِك جَعَلَهُ مُميَّز بِأنَّهُ لاَ يفنَى { يَا الله العَظِيم الأبَدِي الَّذِي جَبَلَ الإِنْسَان عَلَى غير فَساد }( صَلاَة الصُلح فِي القُدَّاس البَاسِيلِي ) هذِهِ هِيَ مِيزة الإِنْسَان عَنْ سَائِر الخَلِيقة لكِنْ الموت الَّذِي دَخل لِلعالم بِحَسد إِبلِيس أفقد الإِنْسَان مِيزته الإِنْسَان خَالِد لأِنَّهُ مُتَحِد مَعَ الله الله أعْطَى الإِنْسَان عَنْ بَاقِي المخلُوقات النَّفْس الخَالِده لكِنْ الحيوان يفنَى بِفَنَاء نَفْسه خَالِد أي غِير فَاسِد لأِنَّهُ عَلَى صورته أي صورة الله عِنْدَمَا دَخَلْت الخَطِيَّة أحدَثِت فَاصِل بينَ الإِنْسَان وَالله فَإِنْفَصَلَ الإِنْسَان عَنْ الخُلُود وَالحياة وَلَمْ يَمُت الإِنْسَان فقط بِإِنْفِصَاله عَنْ الخُلُود بَلْ أصبح أيضاً فَاسِد وَبَائِد الله خَلَقَ الإِنْسَان عَلَى صورته وَمِثَاله حَتَّى أنَّ الله الغَير مرئِي أرَادَ أنْ يُعْلِنْ ذَاته لِخَلِيقته كُلَّهَا كَيْفَ ؟ قَالَ بِالطَبِيعة أخلِق ذَاتِي فِي الخَلِيقة كُلَّهَا بِالإِنْسَان وَكَمَا يَقُول أحد الآباء { أتَجَاسر وَأقُول أنَّهُ رُبَمَا يَقُول آدم قبل السُقُوط أنَّ مَنْ رَآنِي فَقَدْ رَأى الآب } الله أرَادَ أنْ يِعَرَّفنَا ذَاته مِنْ خِلاَل آدم لِنَفرِض أنَّ آدم فَسد بِالخَطِيَّة فَبالتَالِي الصُورة فَسَدِت وَتَشَوَهَت صورة الله فِيهِ وَأصبحت خَطِيَّة آدم جُزء مِنْهَا يخُص آدم وَجُزء مِنْهَا يخُص الله لأِنَّ آدم صورة الله وَعِنْدَمَا تَشَوَهَت صورة آدم حَدَثَ بِهَا إِخبار خَاطِئ عَنْ الله لأِنَّ المُخبَر عَنْ الله مُشَوَّه وَلأِنَّ الصورة فَقَدِت جَمَال معنَاهَا وَهيَ تُخبِر عَنْ صَانِعهَا فَبالتالِي أصبح الزرع كُلَّه مُشَوَّه أي نسل آدم كُلَّه صَارَ مُشَوَّه حَتَّى بعد العهد الجديد .
2- الإِنْسَان فَقَدَ الحياة وَالخُلُود بِالخَطِيَّة :-
الإِنْسَان فَقَدَ الحياة الدَائِمة وَالخُلُود وَأصبح الموت أقوى مِنْهُ لأِنَّهُ بِالخَطِيَّة إِنْفَصل عَنْ الله وَأصبح بِذَاته وَالله مصدر الحياة أصبح الإِنْسَان كَيَان مُستَقِل مُنْذُ أنْ سَمع غِوَايِة الحَيَّة وَأرَادَ أنْ يرتَفِع عَنْ الله وَأصبح الإِنْسَان إِثنان وَوَقَعَ تحت سُلطان الموت .
3- الإِنْسَان فَقَدَ القَدَاسة بِالخَطِيَّة :-
شِئ طَبِيعِي أنْ يفقِد القَدَاسة مَادَامَ فَقد الصورة فَأصبح لاَ يُعَبِّر عَنْ الله وَلأِنَّهُ فَقد الخُلُود فَإِنَّهُ أصبح فَاسِد وَصَارَ الشَّر شِئ طَبِيعِي فِيهِ وَهذَا مَا يحدُث مَعَنَا عِنْدَمَا نبتَعِد عَنْ الله فَإِنَّ الشَّر يُصبِح مِنْ طبعِنَا .. الشَّر أصبح مِنْ طبع أبُونَا آدم وَانفصل عَنْ الله وَفَقَدَ القَدَاسة وَأصبح عِدوانِي وَشهوانِي وَلديهِ حُب التَمَلُّك وَحُب الذَّات وَحُب الأرْض وَهذَا وَاضِح فِي آدم وَنَسْله عَامةً حَتَّى الآن نَرَى فِي أنفُسَنَا القَدَاسة لكِنْ أحياناً إِرَادة غَالِبة وَمُتَسَلِّطة وَسهلة هذَا حَدَثَ لَنَا مُنْذُ لحظِة غِوَايِة الحَيَّة لآِدم لأِنَّنَا فَقدنَا القَدَاسة فَبَدَأَ الإِنْسَان يِفَكَّر فِكر غِير فِكر الله وَيُؤَّمِنْ حَيَاته بِذَاته وَيِفَكَّر كَيْفَ يأكُل وَكَيْفَ يِشرب وَكَيْفَ فَأصبح فِي صِراع لِذلِك قَالَ لاَبُد مِنْ التَمَلُّك الله يَرَى كُلَّ ذلِك وَيَئِنْ وَالعدو يُحَقِّق إِنْتِصار وَيَتَبَاهَى عَلَى الله وَيَقُول لَهُ هَا أنْتَ تَرَى خَراب الإِنْسَان فَمهمَا تُرسِل لَهُمْ رُسُل وَأنْبِياء وَتُنَظِم لَهُمْ عِبَادات وَمَوَاسِم وَأصوام وَخِيمة وَذَبَائِح كُلَّ هذَا وَتيار الخَطِيَّة يزداد فِي الإِنْسَان شَرَاسة فَكَانَ البشر يرفُضُون النَّبِي وَقَدْ يقتُلُوه وَيَذِلّوه وَلِنَرَى دَانِيال النَّبِي وَأرمِيَا وَحَزقِيال وَأشعِياء وَ حَتَّى أنَّ أرمِيَا النَّبِي قَالَ لله أنَا لَنْ أتَكَلَّمْ عنْكَ مَعَ هؤلاء { فَقُلْتُ لاَ أذْكُرُهُ وَلاَ أنْطِقُ بَعْدُ بِاسْمِهِ } ( أر 20 : 9 ) لَنْ أذْكُرك لِلإِنْسَان مرَّة أُخرَى وَحَزقِيال النَّبِي قَالَ لله لَنْ أتَكَلَّم بِإِسْمك معهُمْ فَقَالَ لَهُ الله { وَتَتَكَلَّمُ مَعْهُمْ بِكَلاَمِي إِنْ سَمِعُوا وَإِنْ امْتَنَعُوا } ( حز 2 : 7 ) أيضاً أرمِيَا النَّبِي قَالَ { يَا لَيْتَ رَأسِي مَاءٌ وَعَيْنَيَّ يَنْبُوعُ دُمُوعٍ فَأبْكِي نَهَاراً وَلَيْلاً قَتْلَى بِنْتِ شَعْبِي } ( أر 9 : 1 ) الله إِفتَقد الإِنْسَان بِأسَالِيب مُتَنَوِّعة فَدَخَلَ فِي تَحَدِّي مُبَاشِر مَعَ العدو لأِنَّهُ يعلم أنَّ كُلَّ مَا يحدُث فِي الإِنْسَان مِنْ عَمل عدو الخِير فَقَالَ سَأُعلِنْ صَلاَحِي فِي الإِنْسَان مِنْ خِلاَله أي بِالتَّجَسُّد سَأغلِب العدو بِالإِنْسَان وَسَأخلِق مِنْ الإِنْسَان خَلِيقة جَدِيدة كَيْفَ ؟ بِالتَّجَسُّد فَكَانَ مِنْ غَايات التَّجَسُّد عِلاَج مَا سبق مِنْ آثار الخَطِيَّة .
ثَانِياً : غَايَات التَّجَسُّد :-
1- يَرُدّ الصورة لِلإِنْسَان :-
جَاءَ بِصورة جَدِيدة مَا هِيَ ؟ المَسِيح هُوَ صورة الآب حَتَّى أنَّ بُولِس الرَّسُول يَقُول عَنْهُ{ بَهَاءُ مَجْدِهِ وَرَسْمُ جَوْهَرِهِ } ( عب 1 : 3 ) بِهَاء مجد الآب وَرَسْم دَقِيق لِجوهر الله هذَا مَا رَأيناه عَنْ طَرِيق الإِبن العدو نجح أنْ يُشَوِّه صورة آدم لكِنْ هَلْ ينجح فِي أنْ يُشَوِّه صورة المَسِيح ؟ بِالطبع لاَ هُوَ قَالَ { الَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأى الآبَ } ( يو 14 : 9 ) يَقُول لِعدو الخِير آدم كَانَ صورة عَلَى شكلِي أي صورة لَيْست أصلِيَّة لكِنْ المَسِيح صورة أصلِيَّة لِلآب المَسِيح إِنْسَان يَحمِل صورة حَقِيقِيَّة لله يُمَثِّل حضُور الله { وَالكَلِمةُ صَارَ جَسَداً } ( يو 1 : 14 ) حَتَّى أنَّ الترجمة الإِنْجِلِيزِيَّة عَنْ كَلِمة " رَسْم جَوْهَرِهِ " هِيَ " حُضُوره " إِذاً الَّذِي يَرَى المَسِيح يَرِى حُضُور الآب صورة حَقِيقِيَّة { اللهُ لَمْ يَرَهُ أحَدٌ قَطُّ الاِبنُ الوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ } ( يو 1 : 18 ) كَيْفَ تنتَقِل الصورة لَنَا نَحْنُ ؟ هُوَ فِي شخصه ردَّ صورة الآب لكِنَّنَا مولُودِين بِحَسَب آدم لِذلِك تنتَقِل لَنَا صورة الآب بِالمعمودِيَّة بِالمعمودِيَّة نُولد مِنْهُ وَلَهُ مِيلاَد فُوقَانِي مَلاَمِحه تُرسم عَلَيَّ إِنْتِمَائِي لأِبِي وَأُمِّي بِالجَسَد يَزُول وَأُصبِح مَسِيحِي إِسمِي مَسِيحِي وَيَظِل هذَا الإِسم معِي حَتَّى نِهايِة أيَّامِي فِي شِهادِة مِيلاَدِي فِي البِطاقة الشخصِيَّة أُقَدِّم نَفْسِي لِلآخَرِين بِأنِّي مَسِيحِي لأنِّي بِالمعمودِيَّة نِلت التَّبَنِّي إِذاً نَحْنُ صورة الله الحَقِيقِيَّة بِالوِرَاثة الشكل أوْ المظهر يُورث وَنَحْنُ بِحَسَب الزرع بِالمعمودِيَّة نِلنَا التَّبَنِّي وَأصبحنَا بِالفِعل صورة الله الحَقِيقِيَّة آدم كَانَ صورة تقلِيد لله أمَّا نَحْنُ فَأصبحنَا صورة أصلِيَّة لله لأِنَّنَا مِنْ الأصل أخذنَا لأِنَّ المعمودِيَّة تَلِدنَا بِحَسَب صورة الله فَنُصبِح صورة جَدِيدة لِلمَسِيح دُونَ تقلِيد معمودِيَّة وَاحِدة فِي كُلَّ الكَنَائِس تَلِد أبناء مَلَكُوت السَّموات.
2- رَدَّ الخُلُود لِلإِنْسَان :-
الإِنْسَان بِإِنْفِصَاله عَنْ الله أصبح فَاسِد بَائِد وَفَانِي لكِنْ المَسِيح جَاءَ وَدَخل الزمن وَجَاءَ التَّجَسُّد بِصورِة جَسَد هُوَ الحَياة دَخَلَ عَلَى الموت فِي العالم فَغَلَبَهُ أي إِنْسَان كَانَ مَائِت عَنْ الله إِنْ دَخَلَ لِموت العالم لاَ يِغلِبه لأِنَّهُ مَائِت دَخَلَ لِلموت وَإِنْ كَانَ فِي ذلِك الإِنْسَان شِئ مِنْ الله فَكَإِنَّهَا وَمضة مِنْ الله أي شمعة وَسط الظَّلاَم أمَّا المَسِيح فَهُوَ الحَياة دَخَلَ لِلموت فَغَلَبَهُ كَالشَّمس الَّتِي تجعل الظُلمة تَتَلاَشَى مَعَ الشَّمس الظَّلاَم موجُود لكِنَّهُ ضَعِيف لاَ يظهر وَلاَ يُؤثِر هَكَذَا الموت موجُود فِي العالم لكِنْ المَسِيح رَئِيس الحَياة أنَارَ العالم بِحَيَاته السَيِّد المَسِيح وُلِدَ لَيلاً كي يفتَقِد ظَلاَم العالم وَهُوَ رَئِيس الحَياة دَخَلَ لِلموت موت العالم فَنَقَلَ حَيَاته لِلعالم هُوَ الحَياة كَيْفَ تنتَقِل لِنَا حَيَاته ؟ { إِنْ لَمْ تَأكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ فَلَيْسَ لَكُمْ حيوة فِيكُمْ } ( يو 6 : 53 ) لَيْسَ لَنَا حَيَاة بِدُون تَنَاوُل نَحْنُ موتَى نأخُذ جُزء مِنْ جَسَد المَسِيح وَالمَسِيح جَسَد مُحيى { أؤمِنْ وَأعْتَرِف أنَّ هذَا هُوَ الجَسَد المُحيى }( مَا يَقُوله الكَاهِنْ فِي الإِعتِرَاف الأخَيِر ) يدخُل جَسَده المُحِيى فِي موتِي وَيُحَوِّلَهُ لِحَيَاة مِنْ فَسَاد إِلَى عَدم فَسَاد مِنْ موت إِلَى خُلُود وَلاَ شِئ يُحيِنِي إِلاَّ الحَياة القَادِر أنْ يُحيِنِي هُوَ رَئِيس الحَياة فقط لِذلِك كَانَ لاَبُد لِلَّذِي يَتَجَسَّد أنْ يَكُون إِله لأِنَّهُ أمر صعب أنَّ آخر غِيره يُعطِينَا حَيَاة وَالإِنْسَان كَانَ فِي إِحتِياج لِلحَياة مَرِيض يحتاج نقل دم إِذَا أتينَا بِالدَّم وَوَضعناه بِجَانِبه فَإِنَّهُ لَنْ يُشفَى مِنْ مَرَضه إِذاً لاَبُد أنْ يدخُل الدَّم إِلَى شَرَايِينه وَلاَبُد أنْ يَكُون الدَّم مُتَفِق مَعَ دَمه كي يُعْطِيهِ حَيَاةهَكَذَا لَيْسَ أي إِنْسَان أوْ أي شِئ يُحيِنِي لاَبُد أنَّ رَئِيس الحَياة هُوَ الَّذِي يُعطِينِي حَيَاة نَحْنُ دَخَلَ لَنَا الفَسَاد وَلَيْسَ أي حَيَاة تَقدِر أنْ تُعْطِينَا حَيَاة بَلْ لاَبُد أنْ يَكُون مصدر الحَياة هُوَ الَّذِي يُحيِنَاهَكَذَا المَسِيح يُعِيد خِلقِتنَا وَيغلِب فِكر الحَيَّة وَيَقُول هذِهِ الصورة الَّتِي أردتهَا فِي الخَلِيقة.
3- رَدَّ القَدَاسة لِلإِنْسَان :-
الإِنْسَان الَّذِي فَقَدَ القَدَاسة بِالتَّجَسُّد رَدَّ لَهُ المَسِيح القَدَاسة بِشيئان هُمَا :-
1- النَمُوذج :-
وَجدناه فِي كُلَّ مَوَاقِف الحَياة كَيْفَ يسلُك كَإِنْسَان مَعَ خَاصَّتَهُ وَمَعَ المُرَائِيِين وَمَعَ الخَاطِي وَمَعَ الكَتَبة وَالفِرِّيسِيِين وَمَعَ تَلاَمِيذه وَكَيْفَ يَكرِز وَكَيْفَ يُصَلِّي كُلَّ موقِف يَظُن الإِنْسَان أنَّهُ ثَقِيل نَجِد أنَّ المَسِيح إِجتَازه وَلِنَرَى كَيْفَ سَلَكَ وَنسلُك مِثْله عَلِّمنَا القَدَاسة عَمَلِيّاً كُلَّ مَا قَالهُ المَسِيح لِنَرَى كَيْفَ سَلَكَهُ أحبَّ الأعداء وَعَاشَ القَدَاسة وَ كَمَا كَانَ يَقُول وَمِنْ هُنَا أعطَانَا نَمُوذج لِلقَدَاسة وَكَيْفَ نسلُك وَسط العالم المَسِيح عَاشَ وَسط عَالم وَاقِعِي إِذاً هُوَ قَدِّس الوَاقِع وَعَلِّمنَا كَيْفَ نسلُك بِقَدَاسة فِي كُلَّ حَياتنَا العَمَلِيَّة .
2- رَصِيد البِرَّ وَالقَدَاسة فِي الكِنِيسة :-
كَيْفَ نَقَلَ لَنَا القَدَاسة ؟ إِستودعهَا لَنَا كَرَصِيد فِي الكِنِيسة حَتَّى عِنْدَمَا يشتاق كُلٍّ مِنَّا لِلقَدَاسة يَجِدهَا فِي هذَا الرَصِيد لأِنَّهُ يعلم أنَّنَا ضُعَفَاء وَيَتَامَى فَتَرَكَ لَنَا رُوحه القُدُّوس كي يَكُون رَصِيد بِرَّ وَقَدَاسة لِكُلَّ مَنْ يطلُب وَأصبح كُلَّ بِرَّ وَتَقوَى وَطَهَارة وَكُلَّ رُوح تعلِيم وَكُلَّ كَهَنُوت مصدره المَسِيح مِثْل رَجُل غَنِي لَهُ إِبنْ وَيُرِيد لَهُ حَيَاة جَيِّدة فَيضع لَهُ رَصِيد فِي البنك كي يَتَعَلَّم أفضل تعلِيم وَيرتَدِي أفضل مَلاَبِس وَيحيَا أفضل حَيَاة هَكَذَا المَسِيح تَرَكَ لَنَا فِي الكِنِيسة رَصِيد بِرَّ وَقَدَاسة وَمَنْ مِنَّا أحبَّ الله إِلاَّ مِنْ الكِنِيسة وَمَنْ مِنَّا عَرف الله بِحقٌّ إِلاَّ مِنْ الكِنِيسة ؟ الكَهَنُوت وَالأسرار وَ كُلَّه نَجِده فِي الكِنِيسة لِذلِك فِي كُلَّ طِلبة تُقال فِي الكِنِيسة نَقُول فِيهَا { بِالمَسِيح يَسُوع رَبِّنَا } كَلِمة تُقال فِي الصَلَوَات الطقسِيَّة لَيْسَ مُجاملة بَلْ بِالحَقِيقة سَنَنَال كُلَّ بِرَّ بِالمَسِيح يَسُوع رَبِّنَا هذَا هُوَ رَصِيد البِرَّ وَالقَدَاسة فِي الكِنِيسة وَكُلَّ بِرَّ خَارِج عَنْهُ بِرَّ مُزَيَّف كُلَّ دولة لَهَا عُملة تطبعهَا لِيَتَدَاولهَا شعبهَا فَلِمَاذَا تَطبع كُلَّ فترة عُملة جَدِيدة ؟ بِحِسبه مُعَيَنة تِعرف كَمْ تحتاج بِدِقَّة وَذلِك بِحَسب غِطاء العُملة وَعَلَى قدر غِطاء العُملة تطبع عُملة جَدِيدة وَإِلاَّ إِنْ طَبَعِت أكثر تَقِل قِيمة عُملتهَا هَكَذَا المَسِيح تَرَكَ فِي الكِنِيسة غِطاء عُملة وَدَائِماً مَا تَكُون غِطاء العُملة مِنْ الذَّهب حَتَّى كُلَّ عُملة تخرُج مِنْ الكِنِيسة يَكُون لَهَا رَصِيد وَغِطاء لكِنْ الَّتِي مِنْ خَارِج الكِنِيسة تَكُون عُملة مُزَيَّفة لاَ تُسَاوِي شِئ إِذاً أي بِرَّ خَارِج عَنْ المَسِيح هُوَ بِرَّ مُزَيَّف التَّجَسُّد جَدَّد فِينَا مَلاَمِحنَا وَأعطَانَا كُلَّ مَا بددنَاه بِالخَطِيَّة لِذلِك كُلَّ مُقَوِمَات التَّجَسُّد لاَبُد أنْ يفعلهَا الله فقط فَمَنْ يُجَدِّد لَنَا الصورة وَمَنْ يُعْطِينَا خُلُود وَقَدَاسَة سِوَى الله وَكَيْفَ ذلِك وَهُوَ غِير مرئِي ؟ إِذاً كَانَ لاَبُد أنْ يَكُون مرئِي وَيَكُون مِثْلِنَا إِذاً كَانَ لاَبُد لله أنْ يأخُذ صورة الجَسَد أي يَتَجَسَّد وَيَأتِي لِلأرْض .
الإِعتِرَاضَات عَلَى التَّجَسُّد
هُناكَ ثَلاَث إِعْتِرَاضَات إِنْ عَرفنَا الردَّ عَليهَا سَنَعرِف مَنْ هُوَ المَسِيح
أ- إِعْتِرَاض آريُوس يَقُول آريُوس أنَّ المَسِيح لَيْسَ الله بَلْ هُوَ قِدِيس أوْ نَبِي أوْ تَقِي وَيعمل مُعجِزات لكِنَّهُ لَيْسَ إِله وَثَبَتَ ذلِك بِبعض الآيات مِنْهَا{ أبِي أعْظَمُ مِنِّي } ( يو 14 : 28 ) إنَّهُ لاَ يعرِف السَّاعة كَمَا قَال ( مت 24 : 36 ) إِنْ وَافقنَا آريُوس سَنَفقِد مَسِيحِيِتنَا لأِنَّ غِير المَسِيحِيين يعتَرِفُونَ بِقَدَاسِة المَسِيح وَيُنكِرُونَ أُلوهِيَته .
ب- إِعْتِرَاض نسطُور يَقُول نسطُور أنَّ المَسِيح هُوَ الله لكِنْ لَهُ طَبِيعْتَان أحياناً يَكُون إِنْسَان وَأحياناً يَكُون إِله عِنْدَمَا يبكِي عَلَى قبر لِعْازر يَكُون إِنْسَان وَعِنْدَمَا يُقِيمه مِنْ الموت يَكُون إِله عِنْدَمَا يَنَام فِي السَفِينة يَكُون إِنْسَان وَعِنْدَمَا ينتَهِر الرِيَاح يَكُون إِله وَهَكَذَا هذَا أمر إِستَمَالَ مُعْظم كَنَائِس العالم إِلَى الآن .
ج- إِعْتِرَاض أُوطَاخِي يَقُول أُوطَاخِي أنَّ المَسِيح هُوَ الله وَلَهُ طَبِيعة وَاحِدة لكِنْ اللاهوت بلع النَاسُوت كَنُقطة فِي بحر لأِنَّهُ لاَ يتَفِق أنَّ النَاسوت يَكُون مَعَ اللاهوت وَيحتَفِظ بِكَيَانه لأِنَّهُ طَبِيعة بَشَرِيَّة.
كي نَفْهم المَسِيح لاَبُد أنْ أفهمْ الثَّلاَث نِقَاط جَيِّداً إِنَّ المَسِيح مُسَاوِي لِلآب فِي الجَوهر لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِي لِلآب فِي الجَوهر مَا كَانَ يَقْدِر أنْ يُخَلِّصَنِي الآباء كَانُوا يَرُدُّون عَلَى هذِهِ الإِعْتِرَاضَات بِلاَهُوت رُوحَانِي وَلَيْسَ عقلاَنِي لاَبُد أنْ يَكُون المَسِيح بِطَبِيعة وَاحِدة وَيَكُون كُلُّ مَنْ فِيهَا لَهُ صِفَات كَامِلة لاَهُوت كَامِل وَنَاسُوت كَامِل بِغير إِختِلاَط وَلاَ امتِزَاج وَلاَ تغيير مِثْل العُلِّيقة المُشتَعِلة بِالنَّار وَلَمْ تِتأذَى لَوْ كَانِت إِختَلَطِت بِالنَّار لَصَارت فحم لكِنَّهَا ظلَّت شجرة خضراء وَالنَّار ظَلَّت نَار كَمَا هِيَ لأِنَّ الَّذِي صُلِبَ عَلَى الصَلِيب كَانَ لاَبُد أنْ يَكُون جَسَد كي يستَطِيع أنْ يفدِينَا رَبِّنَا يِسنِد كُلَّ ضعف فِينَا بِنِعْمِته لَهُ المجد دَائِماً أبَدِيّاً آمِين.
القمص أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس محرم بك الأسكندرية
المزيد
09 يناير 2026
الرسالة البابوية لعيد الميلاد المجيد
باسم الآب والابن والروح القدس، إله الواحد، آمين.
سنة سعيدة وعيد ميلاد مجيد. أهنئكم أيها الأحباء في كل مكان في كنائسنا القبطية. أهنئكم بالعام الجديد وأيضًا بعيد الميلاد المجيد، أول الأعياد المباركة في السنة الميلادية. أهنئ كل الآباء المطارنة والآباء الأساقفة، والآباء الكهنة، القمامصة والقسوس، والشمامسة. وأهنئ مجالس الكنائس وأهنئ كل الأسر القبطية، وكل الشباب والأطفال في كل بقاع الأرض بعيد الميلاد المجيد الذي نستقبل فيه السيد المسيح طفلاً صغيراً. فالله عندما أراد أن يدخل إلى العالم اختار الطفولة. ومن خلال هذا الطفل الصغير تمت أعمال عظيمة.
والحقيقة عندما ندرس أحداث الميلاد، نكتشف حقيقة مهمة جدا. أن كل الأمور الصغيرة عندما نضعها في يد الله تصير عظيمة. سأعطيك امثلة لذلك. في قصة الميلاد نتقابل مع القرية الصغيرة بيت لحم. قرية صغيرة ومغمورة وغير معروفة. توجد آلاف القرى في أماكن كثيرة في العالم. ولكن عندما استقبلت هذه القرية السيدة القديسة مريم العذراء والقديس يوسف النجار، كانت النتيجة مع ميلاد السيد المسيح إن هذه القرية صارت أشهر قرية في العالم كله، قرية بيت لحم. الحاجة الصغيرة في يد ربنا تصير كبيرة جداً. ليست القرية فقط، لكن الفتاة الصغيرة، أمنا السيدة العذراء مريم. هي صبية صغيرة، بسنوات محدودة، ولكن الله ملأها بالنعمة، وقال لها الملاك: “الروح القدس يحل عليك وقوة العلي تظللك فَلِذَلِكَ أَيْضاً الْقُدُّوسُ الْمَوْلُودُ مِنْكِ يُدْعَى ابْنَ اللهِ” (لوقا 1: 35). هذه الفتاة الصغيرة، المتواضعة، التي عاشت في الهيكل، صارت فيما بعد أشهر قديسة في الحياة المسيحية. وصرنا نطلق على هذه القديسة أنها فخر جنسنا، جنس البشر كله، الرجال والنساء في كل مكان. وكما ذكرتُ: فتاة صغيرة عندما تتعامل مع الله وتمتلئ بالنعمة تصير بهذه العظمة.
مثال ثالث: النجم الصغير الذي ظهر في السماء، وكان يتحرك حركة ربما غير معتادة بحسب علوم الفلك. وكان مرشدًا لجماعة المجوس القادمين من الشرق. هؤلاء المجوس وهم في الطريق كان مرشدهم ودليلهم الوحيد في الطريق هو هذا النجم. وهذا النجم كان يتحرك مع حركتهم، وكان يقف عندما يقفوا. إنه صار معجزة. السماء تمتلئ بنجوم كثيرة ولكن هذا النجم، نجم الميلاد، صار معجزة وصار معروفا ومشهورًا. وعندما نرسم أيقونات الميلاد، لابد أن نرسمه في الأيقونات على اختلاف أنواعها. أمثلة كثيرة، الصغير في يد المسيح يصير عظيماً والقليل في يد المسيح يصير كثيراً.
ليست هذه الأمثلة فقط لكن يوجد مثال آخر وهو مثال التسبحة التي أنشدها الملائكة في وقت الميلاد. تسبحة قصيرة جدًا ولكنها صارت عنوانًا لمسيحيتنا: “الْمَجْدُ لِلَّهِ فِي الأَعَالِي وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ” (لوقا 2: 14). تسبحة قليلة الكلمات ولكنها عظيمة الأثر. وصارت هي العنوان المعبر عن مسيحيتنا. لماذا؟ لأن هذه التسبحة تشمل السماء والأرض والناس. ولذلك صارت تسبحة شاملة. السماء: المجد لله في الأعالي. الأرض: وعلى الأرض السلام. الناس: وبالناس المسرة. فأصبحت تسبحة ثلاثية ومتكاملة وشاملة. وصارت هي عنوانًا لعمل المسيح ولعمل المسيحية. كأنها خطة وبرنامج لحياة الإنسان. النماذج كثيرة جدًا، ولكن المهم إنك عندما تضع القليل في يد الله يصير عظيماً. ونحن نطلق عليه في لغتنا “تحل فيه البركة” مع إنه قليل.
بعيداً عن قصة الميلاد، ممكن ان نذكر أمثلة أخرى. مثلا الطفل الصغير الذي كان يحمل خمسة خبزات وسمكتين في وسط جموع بالآلاف. وعندما يطلب السيد المسيح من تلاميذه أن يشبعوا الجموع، قالوا، ليس عندنا شيء غير طفل صغير معه خمسة خبزات وسمكتين. ربما كانوا طعامًا لهذا الطفل. ولكن التلاميذ أخذوا هذا الطعام القليل جدا ووضعوه في يد المسيح ليبارك عليه. فصار كثيراً جدا يشبع خمسة آلاف رجل ماعدا النساء والأولاد. وأيضًا يتبقى منه اثنتي عشر قفة مليئة بالكسر. ما هو هذا الفيض؟ وما هي هذه البركة العظيمة؟
مثال آخر، عندما كان بطرس الرسول يعمل صيادًا قبل رسوليته، خرج للبحر . ومن يعمل صيادًا، كما نقول “رزقه على ربنا”. اليوم ربما يوجد رزق، وغدًا ربما لايوجد رزق. وكانت ليلة صيد فاشلة. انتظروا طول الليل ليصطادوا سمكًا ولكنهم فشلوا. فظهر المسيح مع بداية الفجر وقال لهم: القوا الشباك. فبطرس الرسول قال عبارته المشهورة: “قد تعبنا الليل كله ولم نصطاد شيئا ولكن على كلمتك نلقي الشبكة (لوقا 5: 5). يقول الكتاب: “أَمْسَكُوا سَمَكاً كَثِيراً جِدّاً فَصَارَتْ شَبَكَتُهُمْ تَتَخَرَّقُ” (لوقا 5: 6). كانت الشباك تتخرق لأنها امتلأت وفاضت بكلمة المسيح. ” عَلَى كَلِمَتِكَ أُلْقِي الشَّبَكَةَ” (لوقا 5: 5).
مثال آخر من الأمثلة الجميلة، الأرملة الفقيرة التي ألقت الفلسين. هذان الفلسان قيمتهما ضعيفة جدا حسب زمان السيد المسيح. ولكنها قدمتهما من أعوازها ومن احتياجها. وكانت النتيجة أن الله يمدحها ويشير إليها. وصارت المرأة صاحبة الفلسين مشهورة في أسفار العهد الجديد. في حين أنه كان يوجد آخرون يضعون مبالغ كثيرة. والعملة في ذلك الوقت كانت من المعدن. والصندوق الذي كان يوضع فيه المال كان مصنوعًا من المعدن أيضًا. وعندما توضع العملة في الصندوق كانت تصدر صوتاً. وان كانت العملة ذو قيمة كبيرة، كانت تصدر صوتاً كبيرًا. وان كانت العملة ذو قيمة قليلة، كانت تصدر صوتاً أقل. وتقريبا هذان الفلسان لم يكن لهما أي صوت. ولكن المسيح يمدحها ويطوبها ويشير إليها. وصارت عنواناً لنا.
حتى في قصص اختيار خدام المسيح. كما في قصة اختيار داود النبي. فقد كان فتى صغيرًا. أصغر إخوته. وكان ضعيف البنية. ربما نرى نفس القصة مع القديس الأنبا بيشوي، بنفس الطريقة، كان صغيرًا. وعندما يطلبه الله لكي ما يصير خادماً له ورسولاً له يعترض الكبار ويقولون “خذوا واحد أكبر.” ولكن الله يختار الصغير ويصنع منه إنساناً قديساً عظيماً، ويصنع منه داود النبي بكل حياته وبكل مزاميره، بمزمور التوبة المعروف. هذه الصورة الجميلة تجعلنا، ونحن نستقبل ميلاد السيد المسيح، نعلم تماماً إننا عندما نقدم القليل من أجل الله يصير كثيراً جداً. ليس القليل في المال فقط ولكن أيضاً القليل في الوقت. عندما تقدم وقتاً محدوداً جداً في يومك من أجل الله، في الصلاة، في الإنجيل، في الخلوة، في التأمل، ستجد هذه الأوقات القليلة التي تقدمها من أجل الله، تبارك كل اليوم وكل الأسبوع وكل الشهر. عندما تقدم جهداً، أو خدمة، أو فكراً، أو ابتكاراً، أو إبداعا، مهما كان القليل الذي ستقدمه، هذا سيصير عظيماً. رسالة الميلاد التي أقدمها لكم اليوم أيها الأحباء، أنك لا تستصغر شيئاً مهما كان شكل حجمه. أطفالنا الصغار سيصيرون عظماءً فيما بعد. الجهد الذي تقدمه، ووقتك، ومالك، وفكرك وتعبك ودموعك، كل هذا سيصير في يد الله عظيماً، ما دمت تقدمه من أجل الله. أنا أهنئكم جميعاً. أهنئ كل الإيبارشيات القبطية في كل بقاع الأرض، في أفريقيا، في آسيا، في أوروبا، في أمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية، وفي أستراليا. وأيضًا في الكرسي الأورشليمي، في مدينة إلهنا العظيم أورشليم. أهنئكم جميعًا من القاهرة من مصر. أهنئكم وأنقل لكم تحيات كل الكنيسة القبطية في مصر وأرجو لكم عاماً جديداً سعيداً. وأرجو لكم عيد الميلاد المجيد وفرحة الميلاد في حياتكم. والمجد لله في الأعالي وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة (لوقا 2: 14).
قداسة البابا تواضروس الثاني
المزيد
08 يناير 2026
عید للتغییر
نود أن نتكلم عن عید المیلاد كعید للتغییر:
۱- تغییر في الزمن
بمیلاد المسیح صار الزمن منقسمًا إلى قسمین: ما قبل المیلاد وما بعد المیلاد فأصبح المیلاد المجید فاصلاً بین زمنین وبدأت الأیام من سنة واحد مرة أخرى ولكن حسب میلاد السید المسیح فالعالم بمیلاد المسیح قد
بدأ عصرًا جدیدًا.
۲- تغییر في علاقتنا كبشر باﻟﻠﮫ
كان میلاده سببًا في تغییر علاقتنا كبشر باﻟﻠﮫ ففي العھد القدیم كانت علاقة البشر باﻟﻠﮫ من خلال رجل الله النبي أو القاضي أو المُرسل وكانت الناس ترتعب من ظھور الله بل مر زمن كانت ھناك قطیعة بین السماء والأرض ولكن بمیلاد السید المسیح رأینا السماء قد اقتربت من الأرض وجاء جمھور من الملائكة یوم میلاده وسبحوا قائلین "الْمَجْدُ ﻟﻠﮫِ فِي الأَعَالِي، وَعَلَى الأَرْضِ السَّلاَمُ وَبِالنَّاسِ الْمَسَرَّةُ" (لو ۲: 14) فبمیلاد المسیح لم یعد الله ھو المرعب المخیف ولكنه صار ھو أبانا وعلَّمنا المسیح حینما نصلي أن نقول "أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ" (لو ۱۱: 2) وصرنا نستطیع أن نكلمه في أي مكان وفي أي وقت وأصبحت العلاقة شخصیة مباشرة بیننا وبین ربنا.
۳- تغییر في طقوس العبادة ونظامھا
بمیلاد السید المسیح أیضًا صار ھناك تغییر في طقوس العھد القدیم التي كانت "ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِیدَةِ" (كو ۲: 17) ومجرد رموز فلما أتى المرموز إلیه بطل الرمز فبمیلاد السید المسیح لم یعد ھناك احتیاج لذبائح
حیوانیة ولا لغسلات العھد القدیم ولا للختان...
٤- تغییر في المفاھیم الروحیة عامة
كان میلاد السید المسیح أیضًا تغییرًا في المفاھیم الروحیة قال لنا السید المسیح "قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّه قِیلَ لِلْقُدَمَاءِ لاَ تَزْنِ وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ إِنَّ كُلَّ مَنْ یَنْظُرُ إلِىَ امْرَأةَ لیِشْتَھِیَھَا فقَدَ زَنَى بھِا فيِ قلَبْه فإَنِ كَانَتْ عَیْنكُ الیْمُنَى تعُثرِكَ
فَاقْلَعْھَا وَألَقِھَا عَنْكَ لأنَّه خَیْرٌ لَكَ أنَ یَھْلكِ أحَدُ أعَضَائِكَ وَلا یُلْقَى جَسَدُكَ كُله فيِ جَھَنَّمَ وَإنِ كَانَتْ یَدُكَ الْیمُنَى تعُثرِكَ فَاقْطَعْھَا وَألَقھِا عَنْكَ لأنَّه خَیْرٌ لكَ أنَ یَھْلكِ أحَدُ أعَضَائكِ وَلا یلُقْىَ جَسَدُكَ كُله فيِ جَھَنَّمَ" (مت ٥: 27- 30) فالسید المسیح ارتفع بالمفاھیم والفضیلة إلى كمالھا أو إلى عمقھا.
٥- تغییر الطبیعة البشریة
في التسبحة نقول "ھو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له نسبحه ونمجده ونزیده علوًا" ونقول في القداس الغریغوري "باركت طبیعتي فیك"فالطبیعة البشریة التي خلقت على صورة الله ومثاله فسدت بسبب الخطیة
وتشوھت ولكن بمیلاد المسیح بارك ھذه الطبیعة لتعود كما كانت صورة الله ومثاله وفي ھذه الطبیعة عالج كل الضعفات التي وقع فیھا الإنسان أخذ الطبیعة المھزومة وأعطاھا روح القوة فقال القدیس بولس الرسول "أَسْتَطِیعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِیحِ الَّذِي یُقَوِّینِي" (في ٤: 13) وبسر المیرون أصبح الروح القدس یحل فینا ویثمر ویقدسنا ویسندنا ویعزینا ویقوینا وأعطى ھذه الطبیعة بركة عظیمة أن تثبت فیه "مَنْ یَأْكُلْ جَسَدِي وَیَشْرَبْ دَمِي یَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِیه" (یو ٦: 56) وأخذ ھذه الطبیعة وعلمھا الصلاة والسھر والصوم والنسك تلك التي فشل فیھا آدم الأول وعلمھا إمكانیة الخدمة وعمل الخیر فكان یطوف في كل مكان یكرز ویبشر ویعمل خیرًا یشفي مرضى ویقیم موتى ویشفي كل مرض وضعف في الشعب.
وأعطى ھذه الطبیعة المھزومة من الشیطان كیفیة الانتصار علیه وھزیمته حینما سمح للشیطان أن یجربه لكیما ینتصر علیه ویعطینا نحن ھذه الإمكانیة.
ھذه بعض صور التغییر.. وكل عام وأنتم بخیر
نيافة الحبر الجليل الأنبا تكلا مطران دشنا وتوابعها
المزيد
07 يناير 2026
ملء الزمان
يقول الكتاب في قصة الميلاد ولكن لما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس (غل ٤ : ٤ ) ولا شك أن انتظار ( ملء الزمان ) هو درس روحى عميق نستفيده في حياتنا عندما نتأمل
قصة التجسد وكيف حدد الله ميعادها
عندما أخطأ آدم وحواء وعدهما الله بالخلاص قائلا لهما إن نسل المرأة سيسحق رأس الحية وأنجبت المرأة قايين وهابيل وشيث ولم يحدث أن أحداً منهم سحق رأس الحية بل ظلت الحية رافعة رأسها في خطر حتى كادت تهلك العالم كله في أيام نوح فإلى متى يا رب ننتظر ؟ ومتى تحقق وعدك بالخلاص ؟
متى نفذ الرب وعده بالخلاص ؟ نفذه بعد آلاف السنين والحكمة فى ذلك سنوضحها فيما بعد ولكننا نقول الآن و إن يوما عند الله كألف سنة وألف سنة عنده كيوم واحد (۲بط ۳ : ۸) كل تلك الآلاف عند الله كأنها لحظة أو طرفة عين أما البشرية فانها شغوفة بان تنهى كل شيء بسرعة حمى الإسراع هى حمى تنتاب البشر جميعاً تريد التعجل في كل شيء ولا تستطيع صبرا على شيء والناس يجرون وراء حاجاتهم جريا بدون تفكير فى غالبية الأوقات .
محبة العجلة والإسراع :-
وعد الرب أبانا إبراهيم بأن يكون له نسل مثل نجوم السماء ورمل البحر وانتظر ابراهيم طويلا ولم يعط نسلا كنجوم السماء ولا حتى ابناً واحداً ماذا يارب هل نسيت مواعيدك ؟ كلا انني لم انس ولكنك انت الذى تريد ان تتعجل الأمور قبل مواعيدها" تقو وليتشدد قلبك وانتظر الرب"وعاد إبراهيم فانتظر مدة أطول ولكن النسل لم يعط له فبدأ اليأس يتطرق إلى قلبه ودفعه اليأس إلى أن يدخل على جاريته هاجر وينجب منها إبناً ولكن مشيئة الله ظلت كما هي و بسارة يدعى لك نسل ( تك ۱۷ : ۹ ) وعاد إبراهيم فانتظر سنوات أخرى وحتى بعد ولادة اسحق مرت عليه عشرات السنوات وما زال الوعد الخاص بنجوم السماء ورمل البحر ينتظر التحقيق وعاد إبراهيم فاتخذ قطورة زوجة له فولدت له زمران ويقشان ومدان ومديان ويشباق وشوحا (تك١:٢٥-٢) لم تكن مشيئة الرب فى كل هؤلاء فأعطاهم إبراهيم عطايا وصرفهم عن اسحق ابنه وانتظر حتى يحقق الرب وعده في ملء الزمان بطريقته الهادئة التي لا تعجل فيها ان اليأس من وعود الله ومواعيده يدعو الى التعجل والعجلة تدعو الى استخدام الطرق البشرية والطرق البشرية تتنافى مع طرق الله الصالحة وسنأخذ مثلا لذلك رفقة زوجة اسحق : قال الرب لرفقة وهى بعد حبلى « فى بطنك أمتان ومن أحشائك يفترق شعبان : شعب يقوى على شعب وكبير يستعبد لصغير ( تك ۲٥ : ۲۳ ) . والكبير هو عيســـــو يستعبد للصغير الذي هو يعقوب .
كيف هذا يارب ؟ كيف يستعبد الكبير للصغير ؟ طالما هو البكر فهو السيد ؟ فهل سيفقد البكورية ؟ وكيف يكون ذلك ؟ يجيب الرب : اتركوا هذه الأمور لى سأعالجها بطريقتي الخاصة الهادئة الصالحة ومرت الأيام والسنون أين يارب وعدك ؟ يجيب : انتظروا سيتم كل شيء في حينه في ملء الزمان ثم أتى اليوم الذي طلب فيه اسحق صيدا من ابنه عيسو لكي يباركه وهنا لم تستطع رفقة أن تحتمل فقدمت حيلة بشرية لابنها يعقوب ليأخذ بها البركة عن طريق خداعه لأبيه لماذا اسرعت رفقة ؟ ولماذا لم تنتظر الرب ؟ ولماذا لجأت الى الطرق البشرية الخاطئة التى لا تتفق مع مشيئة الله الصالحة ؟ انها حمى الاسراع وعدم انتظار ملء الزمان وماذا كانت النتيجة ؟ كانت سنوات طويلة من المتاعب والآلام قضاها يعقوب شريداً هارباً وخائفاً من أخيه ومتعباً من معاملة لابان السيئة وخداعه له وقد سجل يعقوب ملخص حياته هذه بقوله " أيام سنى غربتى قليلة وردية " ( تك ٤٧ : ٩ ) حنة ايضا كانت تطلب ابنا من الرب وكانت ضرتها تغيظها غيظا وبدا كما لو أن الرب كان يسمع ويظل ساكتا !ومرت الأيام وحنه ما تزال عاقراً وهكذا صار سنة بعد سنة كلما صعدت إلى بيت الرب أن ( ضرتها فننة) كانت تغيظها فبكت ولم تأكل( اصم ٧:١) والرب يسمع ويرى ومع ذلك يبدو ساكتا لا يعمل شيئاً إلى متى يارب لا تستجيب ؟ إلى متى تحتمل بكاء حنه من أغاظة ضرتها ؟
يجيب الرب : انتظروا ملء الزمان لا يتعبكم طول أناتي بل الذي يتعبكم هو حمى الإسراع انتظروا فللانتظار فائدته وكان من فائدة الانتظار ان حنه نذرت نذرا أن تعطى ابنها للرب كل ايام حياته وقد كان وولد لها صموئيل ولد صموئيل فى ملء الزمان متأخراً جداً ولكنه كان أفضل من جميع أولاد فننة ضرة أمه التي كانت تغيظها من هم أولاد فننة؟ أننا لا نعرف شيئاً عنهم ولا حتى عن أسمائهم أما صموئيل فيعرفه الجميع ليتنا اذن في معاملاتنا للرب نصبر وننتظر ملء الزمان إن الضيقات تحتاج إلى طول أناة حتى يرفعها الرب عنا في الحين الحسن في ملء الزمان بعد أن نكون قد أخذنا بركتها ولكننا لا تفعل هكذا بل نضيق بسرعة ونصرخ و لماذا يارب تركتنا ؟ لماذا لم تسمع الصلاة ؟ قد يكون لك مريض تطلب شفاءه وتلح في ذلك وقد يبطى الرب في الاستجابة حتى يأتى ملء الزمان الذي يحدده للمريض حسب حكمته في اختيار الأوقات أما أنت فتضجر وتصيح في ضجرك و لماذا يا رب لا تسمع ؟ إذن ما فائدة الصلاة ؟ وما فائدة سر مسحة المرضى !! وتتشاجر مع الله ليس لأن الله قد أخطأ في حقك وإنما بسبب محبتك للاسراع وعدم انتظارك ملء الزمان .
ملء الزمان هو الوقت المناسب :
بنفس حكمة ملء الزمان انتظر الرب حتى بعد كل شيء لتجسده ثم بعد ذلك نزل الينا في الوقت المناسب لم يكن هناك وقت مناسب أكثر من موعد مجيئه بالذات كان كل شيء عهداً وكل شيء معداً لذلك كان عمل مجيئه قوياً وكان تقبل الناس له سريعاً كانت النبوءات قد اكتملت وكذلك الرموز وأعد الرب فهم الناس لها خلال مدى طويل حتى يستطيعوا أن يستوعبوها عندما يتم المكتوب ويتحقق الرمز خذوا لذلك مثالا هو فكرة الذبيحة وفكرة الفداء كيف تدرج الله بهم من الذبيحة التي غطى آدم وحواء عريهما بجلدها إلى ذبيحة هابيل التى من أبكار غنمه ومن سمانها إلى فكرة ذبيحة الابن الوحيد التي تمثلت في اسحق إلى شروط الذبيحة التي بلا عيب التي تحمل خطية غيرها وتموت عنه وتركهم آلافاً من السنين حتى احتضنوا الفكرة واستوعبوها وصارت من بديهياتهم إن الله طريقته هادئة وطويلة المدى ولكنها منتجة ونافعة صدقوني لو أن الله صبر كل تلك الآلاف من السنين حتى يجد العذراء الطاهرة التى تستحق ان يولد منها الرب والتي تحتمل الله يولد منها الرب لكان هذا وحده سببا كافيا وكان ينبغي أن ينتظر حتى يوجد الرجل البار الذي تعيش تلك العذراء في كنفه ويحفظها فى عفتها ويحتمل أن تحبل من الروح القدس ويقبل الفكرة ويحمى الفتاة ويعيش كأنه أب لابنها في نظر المجتمع وكان ينبغي الانتظار حتى يولد الملاك الذى يعد الطريق قدام ملك الملوك أعنى يوحنا المعمدان ذا الشخصية الجبارة والتأثير العميق الذي يستطيع ان يقول « فى وسطكم قائم الذي لستم تعرفونه هو الذي يأتى بعدى الذي صار قدامى الذي لست بمستحق أن أحل سيور حذائه ( يو ۱ : ۲۷) و ينبغى أن ذاك يزيد وإنى أنا أنقص الذي يأتى من فوق هو فوق الجميع الذي يأتى من السماء هو فوق الجميع ( يو ۳ : ۳۱،۲۰ ) لعل أحدا يسأل : ولماذا لم يوجد الله كل هؤلاء منذ زمن ؟ نجيب بأن الله لا يرغم البشر على البر والقداسة أنه ينتظر حتى توجد الآنية المستعدة بكامل ارادتها هناك أسباب عديدة جداً توضح شيئاً من حكمة الرب في الانتظار حتى يأتى ملء الزمان أوضحها هو إعداد العالم كله وتهيئته لقبول فكرة التجسد وفكرة الفداء وأخيراً عندما كمل كل شيء ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة تحت الناموس ليفتدى الذين تحت الناموس لتنال التبني ( غل ٤ :٤-٥) .
مثلث الرحمات قداسة البابا شنودة الثالث
مجلة الكرازة العدد الثانى عام 1977
المزيد