المقالات

28 يوليو 2022

شخصيات الكتاب المقدس عوبديا

عوبديا " وإن كان عشك موضوعا بين النجوم فمن هناك احدرك يقول الرب "" عو 4 " مقدمة لا يكاد المرء يعلم شيئاً عن عوبديا النبى، سوى أنه « عابد الرب » أو « خادم الرب » على ما يفهم من معنى اسمه فى اللغة العبرانية، فهو الإنسان الذى يعبد الرب أو يخدمه، وسفره أصغر سفر فى العهد القديم، على أن نبوته كانت - كما هو واضح - عن أدوم، وتقع أرض أدوم شرقى البحر الميت على طول مائة ميل، وعرض عشرين ميلا من أقصى جنوب البحر حتى خليج العقبة، والأرض غير مستوية وجبلية، ممتلئة بالشعاب والمسالك الوعرة، فهى تشبه إلى حد كبير حياة من سكنوها من أبناء أدوم، وأدوم هو عيسو، وقد كان أخا يعقوب، وكما تزاحما فى بطن أمهما، هكذا تزاحم نسلاهما وتصارعا، وقد كان أبناء أدوم كأبيهم، أدنى إلى الوحشية وأقرب، وكانوا شوكة فى جنب الإسرائيليين، وقد ضايقوهم فى عصور متعددة، وانتهزوا فرص هجمات الآخرين عليهم، وتعاونوا على مضايقتهم،... ولذلك رأى عوبديا رؤياه التى كشفها الرب له ضد الأدوميين، ومن خلال رؤياه ستعرف - ما أمكن - على طبيعته، ورسالته، وما من شك بأنه، وهو يندد بشر الأدوميين وصفاتهم القبيحة، كان يكشف فى الوقت نفسه، عن خبيئة نفسه، وكراهيته للخطايا التى يندد بها ولعلنا نستطيع بذلك أن نتابعه فيما يلى:- عوبديا ومحاجئ الصخر كان أدوم يعيش بين محاجئ الصخور، وقد بنى بيوتاً منحوته فى الصخر، ولعله وهو يبنى هذه البيوت، كان يهنئ عبقريته التى تلوذ بالحصون التى لا يمكن اقتحامها،... كان أدوم شديد الاعتداد بعقله وذكائه وحكمته، شأنه فى ذلك شأن كل إنسان لا يعلم أن العقل البشرى، مهما وصل فإنه أحمق وضعيف، إذا لم يأخذ حكمته من اللّه،... وكان عوبديا كعبد أو خادم للّه، يرجع فى كل ما يعمل، إلى الحكمة السماوية النازلة من السماء!... فى أيام الثورة الفرنسية عندما أرادوا أن يلغوا الدين والعبادة، أقاموا معبوداً دعوه « العقل البشرى »... وكانوا يقولون إن العقل هو الإله الذى ينبغى أن نعبده،... والعقل البشرى يحاول اليوم وهو يغزو الفضاء، أن يصنع عشه هناك بين النجوم، إلى الدرجة التى قال فيها « جاجارين » الروسى، وهو يسبح فى الفضاء، إنه بحث عن اللّه هناك ولكنه لم يره،... وهيهات له ولأمثاله أن يروا اللّه، لا لأن اللّه غير موجود، فهو يملأ كل مكان، بل لأنه هو أعمى لا يستطيع أن يبصر أو على حد قول الرسول بولس: « إذ معرفة اللّه ظاهرة فيهم لأن اللّه أظهرها لهم لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات قدرته السرمدية ولا هوته حتى أنهم بلا عذر. لأنهم لما عرفوا اللّه لم ليمجدوه أو يشكروه كإله بل حمقوا فى أفكارهم وأظلم قلبهم الغبى » " رو 1: 19 - 21 ".. وكما قضى اللّه على جا جارين، سيقضى على كل متحصن وراء عقله ليقول له: « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك »... ومن المعلوم أن أدوم كان يتحصن وراء شئ آخر، ثروته المنيعة، والمحفوظة بكيفية يستحيل على المقتحم أو المهاجم أن يصل إليها، وهو فى محاجئ الصخر، وما أكثر الذين يفعلون اليوم فعل أدوم، من أمم وجماعات وأفراد، إذ يتحصنون وراء الثروات الخرافية التى يظنون أنها تحميهم من كدارات الحياة، أو هجمات الأيام والأزمان، وهم يجلسون على تلال من ذهب، لم تعد تكفيهم الألوف أو الملايين، بل دخلوا فيما يطلق عليه البلايين والمليارات!!.. لقد بنوا أعشاشهم فوق الريح كما يقال، ووزعوا أموالهم كاليهود فى سائر أرجاء الأرض،... ولكن كلمة عوبديا تلاحقهم فى كل زمان ومكان: « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب »... على أن محاجئ الصخر كانت عند أدوم شيئاً آخر، إذ كانت تمثل القوة،... فبلاده لا يسهل اقتحامها، على أنه من المثير والغريب فى تاريخ الجنس البشرى أن القوة المادية أو العسكرية، والتى يبنيها الإنسان لحمايته والدفاع عنه، تتحول آخر الأمر إلى وحش غير مروض، ويكون صاحبها فى كثير من الأوقات أول ضحاياها، ولعله مما يدعو إلى العجب، أن أقوى دولتين فى العالم الآن، وهما الولايات المتحدة وروسيا الإتحادية وما تملكان من قنابل ذرية وهيدروجينيه، هما أكثر الدول رعباً وخوفاً من الحرب، ومن قوتها المدمرة،... ومهما تحصن الإنسان، ووصل إلى النجوم ليجعلها مراكز غزو فى الفضاء، فإن كلمة عوبديا النبى تلحقه هناك: « وإن كان عشك موضوعاً بين النجوم فمن هناك أحدرك يقول الرب ».. عوبديا وشر أدوم كان الشر القاسى لأدوم، أنه عاش بلا إله، فهذا هو الذى وضع فاصلا بينه وبين أخيه يعقوب،... وقد ورث أبناؤه عنه هذه السمة، فتحولوا عن اللّه، واستقلوا، وعاشوا بلا إله فى العالم، وبنوا عظمتهم على أساس الاستقلال عن اللّه، وعندما يبنى الإنسان عشه بعيداً عن اللّه، فإنه يبنى الكارثة لنفسه مهما كانت عظمته بين الناس!!... ولعل دراسة التاريخ فى ذلك خير شاهد على الحقيقة،... لقد حاول الشيطان أن يبنى عظمته على أساس الاستقلال عن اللّه: « والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيود أبدية تحت الظلام » " يهوذا 6 " وسقط آدم وحواء فى نفس التجربة إذ أرادا أن يكونا مثل اللّه، فطردا من جنة عدن، ليسجل التاريخ مأساة البشر الكبرى فى كل العصور،... لقد خدعتهما الحية بالاستقلال عن اللّه،... ورفض المسيح التجربة عندما حاول الشيطان أن يجربه بالاستقلال:... إن خررت وسجدت لى أعطيك!!.. عندما خرج قايين من حضرة اللّه، إلى أرض نود أو أرض البعد، خرج إلى التيه والضياع، والعذاب، الذى لاحقه الحياة كلها!!.. كانت مأساة الابن الضال القاسية، هى بعده عن بيته، ولم يتذوق الراحة، حتى عاد إلى بيت أبيه، بل ما يحمل البيت من حياة وهدوء وسلام وأمن وراحة، وتعلم ألا يستقل عن أبيه البتة!!.. وكان أدوم آثما إلى جانب ذلك بالكبرياء التى ملأت قلبه، كان الأدومى عملاقا فى الجسد، متحصناً وراء ما سبقت الإشارة إليه سواء فى الذهن أو الثروة أو القوة، ومن ثم ذكر عوبديا « تكبر قلبك » أو خطية الكبرياء والتى لحقت بالكثيرين ممن حاولوا أن يبنوا عشهم بين النجوم. وهل ننسى وصف إشعياء فى الأصحاح الرابع عشر وهو يهجو ملك بابل: « كيف باد الظالم بادت المتغطرسة... الهادية من أسفل مهتزة لك لاستقبال قدومك منهضة لك الأخيلة جميع عظماء الأرض. أقامت كل ملوك الأمم عن كراسيم كلهم يجيبون ويقولون لك أ أنت أيضاً قد ضعفت نظيرنا وصرت مثلنا. أهبط إلى الهاوية فخرك رنة أعوادك تحتك تفرش الرمة وغطاؤك الدود كيف سقطت من السماء يازهرة بنت الصبح؟ كيف قطعت إلى الأرض ياقاهر الأمم. وأنت قلت فى قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسى فوق كواكب اللّه وأجلس على جبل الاجتماع فى أقاصى الشمال. أصعد فوق مرتفعات السحاب. أصير مثل العلى. لكنك انحدرت إلى الهاوية إلى أسافل الجب. الذين يرونك يتطلعون إليك يتأملون فيك. أهذا هو الرجل الذى زلزل الأرض وزعزع الممالك؟ » " إش 14: 4 - 16 " وما أكثر الذين جاءوا بعد ملك بابل لينالوا المصير نفسه، نابليون بونابارت، وهتلر، وموسولينى وأمثالهم كل هؤلاء الذين بنوا عشهم، بين النجوم، ومن هناك أحدرهم اللّه القادر على كل شئ!!.. وكان أدوم أيضاً مصاباً بنعرة الجنس، ولم يعد يبالى بأخيه يعقوب، بل يناصبه العداء، وقد فقد كل عواطف الأخوة،... وما يزال العالم إلى اليوم يعانى، أقسى المعاناة من التعصب الجنسى،... كان سسل رودس يقول عن الشعب البريطانى إنه أعظم شعب فى العالم، وها نحن إلى اليوم نرى المشكلة الروديسية بين البيض والسود، وكأنما يلوم البيض اللّه لأنه خلق أجناساً سوداء اللون،... كان فوليتر يقول: سيأتى الوقت الذى يقال مدحاً فى الآخرين: هذا فرنسى المذاق.. وقال أحد السياسيين الأمريكيين: إن اللّه لم يصنع شيئاً أو أحداً يساوى الأمريكيين، ولا أظن أنه سيصنع!!.. وهل هناك حماقات تؤذى البشر أكثر من هذه الحماقات!!؟. وقد تمكنت من أدوم عاطفة من أقبح العواطف وأثرها فى الإنسان، وهى عاطفة الشماتة فضلا عن أنها عاطفة بغيضة جداً فى نظر اللّه إذ هى تيار أسود ملئ بالحقد والضغينة وعدم المروءة، فهى أمر غير إنسانى وقبيح، فمن سوء الأخلاق وضعتها وانحطاط النفس، أن نقف من تعاسات الآخرين وعجزهم وضعفهم موقف المتشفى المبتهج بهذا العجز والألم والتعاسة والضيق!. ولم يقف أدوم عند حدود الشماتة، بل تعدى الأمر إلى الظلم متمشيا مع التعبير الشعبى القائل: عندما تقع البقرة تكثر السكاكين،... وعندما حدثت المأساة لشعب اللّه، فرح أدوم، واتهمهم بكل نقيصة وشر، ووسع دائرة الاتهام، وألصق بهم مالم يفعلوه، وحملهم النتائج القاسية التى وصلوا إليها.. مع أن الخصم النبيل ولا نقول الأخ،... هو الذى لا يضرب إنساناً ساقطاً أمامه!!.. ولا يجهز على بائس مسكين يترنح من الضربات التى تكال له!!.. لكن أدوم أكمل شره بالقساوة الباغية، فقد تربص للضعفاء الهاربين من الغزو على مفارق الطرق ليقضى على المنفلتين، وهم فى عمق بؤسهم وضيقتهم، بشدة ولؤم وخسة!!.. عوبديا وخداع أدوم سقط أدوم فريسة الخداع، ويبدو أن خداعه جاء من اتجاهين: خداع الأصدقاء، وخداع النفس: « طردك إلى التخم كل معاهديك. خدعك وغلب عليك مسالموك. أهل خبزك وضعوا شركاً تحتك. لا فهم فيه »... " عو 7 " والذين يخدعون الآخرين قد يكونون مدفوعين بالخوف أو التملق أو المصلحة،... كان نيرون صاحب صوت منكر، ولكنه كان يعتقد أن صوته من أرخم الأصوات، وكان يلزم الآخرين أن يسمعوا غناءه، وكانوا يبدون إعجابهم الكبير بالصوت، خوفاً على حياتهم من بطشه وانتقامه،... وقد تملق الصوريون والصيداويون وهم « يلتمسون المصالحة لأن كورتهم تقتات من كورة الملك، وفى يوم معين لبس هيرودس الحلة الملوكية وجلس على كرسى الملك، وجعل يخاطبهم. فصرخ الشعب: هذا صوت إله لا صوت إنسان. ففى الحال ضربه ملاك الرب لأنه لم يعط المجد للّه. فصار يأكله الدود ومات.. » " أع 12: 20- 23 " والإنسان متى سمح للآخرين أن يخدعوه، فسينتهى به الأمر إلى الاتجاه الآخر، إن يخدع نفسه بنفسه، « تكبر قلبك قد خدعك » " عو 3 ".. «والقلب أخدع من كل شئ وهو نجيس من يعرفه ». " إر 17: 9 " والإنسان من تاريخه الأول إلى اليوم ضحية الخداع،.. وكما ذهب الشيطان إلى أبوينا الأولين فى جنة عدن، وبدأ معهما هناك بقصة الخداع، فهو إلى اليوم يضلل ويخدع فى كل مكان وزمان!!.. ولعله يوحنا ويسلى الذى وعظ ذات يوم عظة رائعة عظيمة، وما أن نزل من المنبر، حتى استقبله أحد السامعين بالقول... « ما أروعها وأعظمها من عظة ». وإذا بالواعظ العظيم يقول: لقد قال لى غيرك ذلك!!.. وقال السامع: ومن هو!!؟ وأجاب الواعظ: إنه الشيطان!!؟.. قالها له قبل أن ينزل من فوق المنبر،... وإذا كان يفعل ذلك فى أقدس الأماكن، فكيف يكون الأمر فى أحطها وأشرها؟!!. عوبديا وسقوط أدوم ونتعرض أخيراً لسقوط أدوم البشع، ولعل أول مظهر من مظاهر سقوطه، كان فى الفرصة الضائعة، لقد أصيب أخوه يعقوب بالنكبة التى كانت تقتضى منه المسارعة إلى المعونة، لا الوقوف موقف المتفرج، أو الإجهاز على بقايا المنفلتين. وما أكثر ما يقف الناس على الطريق فى موكب الحياة، موقف أدوم القديم: « يوم وقفت مقابله يوم سبت الأعاجم قدرته ودخلت الغرباء أبوابه وألقوا قرعة على أورشليم كنت أنت أيضاً كواحد منهم. ويجب أن لا تنظر إلى يوم أخيك يوم مصيبته ولا تشمت ببنى يهوذا يوم هلاكهم ولا تغفر فمك يوم الضيق. ولا تدخل باب شعبى يوم بليهم. ولا تنظر أنت أيضاً إلى مصيبة يوم بليته ولا تمد يداً إلى قدرته يوم بليته. ولا تقف على المفرق لتقطع منفلتيه ولا تسلم بقاياه يوم الضيق »... " عو 11 - 14 " وما أكثر ما يفعل الناس هكذا وهم مشغولون بأنانيتهم وكبرياء قلوبهم.. فى أسطورة وثنية قديمة، أن واحداً من الرؤساء القدامى حفر بئراً، وأمر بألا يشرب منها أحد غيره وغير عائلته، وكانت النتيجة أن البئر لم تعط ماء، فطلب العرافين الذين قالوا له إن البئر لا يمكن أن تعطى ماء إلا إذا شارك الشعب فى الانتفاع بها، فما كان منه، مدفوعاً بأنانيته، إلا أن يصدر قراراً بأن يشرب الشعب منها فى الليل، وهو وبيته يشربون منها فى النهار،... وحدث أن البئر فاضت بالماء عند غروب الشمس، وظلت طوال الليل تعطى ماء، وفى الصباح جفت، وعندئذ علم أن المشاركة الصحيحة هى أن يشرب هو والشعب فى وقت واحد،... وفاضت البئر عندئذ ليلا ونهاراً.. إن الحياة فى حقيقتها هى الإيثار لا الاستئثار وهى الخدمة الباذلة المضحية، وليست الأنانية أو الوصولية أو النفعية التى يعيشها ملايين الناس على الأرض!!.. فى ساحة إحدى الكنائس عبارة مكتوبة: « ما أعطيه أملكه وما أحفظه أفقده »،.. لقد زمجر عاموس - فيما ذكرنا عند التعرض لشخصيته - لحياة الأنانية التى تنسى آلام الآخرين: « ويل للمستريحين فى صهيون.. أنتم الذين تبعدون يوم البلية وتقربون مقعد الظلم، المضطجعون على أسرة من العاج والمتمددون على فرشهم والآكلون خرافاً من الغنم وعجولا من وسط الصيرة، الهاذرون مع صوت الرباب، المخترعون لأنفسهم آلات الغناء كداود، الشاربون من كؤوس الخمر والذين يدهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمون على انسحاق يوسف ».. " عا 6: 1 - 6 " إن الأنانية وحدها بشعة كل البشاعة، ولكنها أكثر بشاعة عندما تكون فى مواجهة النفس والمنكوب والمتألم والمتضايق!!.. وسقط أدوم أيضاً عندما لم يدرك أن الزمن دوار، وطوبى للرحماء لأنهم يرحمون.... فى أساطير عيسوب أن الحمار الضعيف المسكين توسل إلى زميله الحصان أن يحمل عنه بعض حمله، وقال له إنه إن لم يفعل فالنتيجة ستكون أنه سيموت، وسيحمل الحصان الكل،... ولم يبال الحصان بالكلام، فسقط الحمار تحت ثقله ومات، ونقل صاحبهما كل حمل الحمار ووضعه على الحصان، بل أكثر من ذلك أنه وضع عليه جثة الحمار الميت، وقال الحصان: يا لى من أحمق! لقد رفضت أن آخذ شيئاً من حمل الحمار، وها أنا لا آخذ حمله فحسب، بل أحمل جثته أيضاً!!.. لعل من أطرف ما قيل، أن أحد المرسلين - وكان جراحاً فى مدارس بالهند رأى ذات يوم عند بابه كلباً صغيراً مكسور القدم، فما كان منه إلا أن جبر ساقه، وقال المرسل إن الشئ الغريب الذى حدث أنه أحس بخربشة فى اليوم التالى عند الباب وعندما فتح الباب وجد الكلب، وقد صحب كلباً آخر صغيراً مكسور الساق، وقد جاء به ليعالج،.. لئن صحت الرواية، فإن الإنسان مرات كثيرة يكون أحط من الحيوان، وأكثر أنانية،... ولعل هذا ما حد برئيس الأساقفة هو يتلى أن يقول: إذا سألتنى أن أخبرك عما يسبب الاضطراب الأكبر، والذى يهدد بأقسى الأخطار، فإنى أستطيع أن أقول لك إنك إذا تطلعت إلى المرآة، هناك سترى أصدق صورة لذلك!.. ومن المؤسف حقاً أن الناس فى كثير من أدوار الحياة تنسى أن الدنيا لا تبقى إنساناً على حال فهى ترفع المنخفض، وتخفض المرتفع، وهى تغنى الفقير وتفقر الغنى، وهى تقوى الضعيف، وتضعف القوى.. إنها الساقية التى تدور بسرعة أو ببطء، لكنها على أية حال تدور!!... وقديماً قال أحدهم للنعمان: إن كنت تعلم يا نعمان أن يدى قصيرة عنك، فالأيام تنقلب وقال آخر: أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ولم تخف سوء ما يأتى به الغير وسالمتك الليالى فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر والمثير فى الأمر على الدوام، أن الجزاء من جنس العمل: « كما فعلت يفعل بك، عملك يرتد على رأسك. لأنه كما شربتم على جبل قدسى يشرب جميع الأمم دائماً يشربون ويجرعون ويكونون كأنهم لم يكونوا » " عو 15 و16 ".. عندما قبض الإسرائيليون على أدونى بازق وقطعوا أباهم يديه ورجليه، قال الرجل: « سبعون ملكاً مقطوعة أباهم أيديهم وأرجلهم كانو يلتقطون تحت مائدتى. كما فعلت كذلك جازانى اللّه »... " قض 1: 7 " وقال جدعون، « لزبح وصلمناع: كيف الرجال الذين قتلتماهم فى تابور؟ فقالا مثلهم مثلك. كل واحد كصورة أولاد ملك. فقال هم اخوتى بنو أمى. حى هو الرب لو استحييتماهم لما قتلتكما ».. " قض 8: 18 و19 " ولم يدر هامان وهو يجهز الصليب المرتفع ليصلب عليه مردخاى، أنه يجهز لنفسه المصير التعس الذى سيصل إليه!!.. كان أدوم يرى نفسه، كما لاحظنا، القوة والمنعة، وهو « القائل فى قلبه من يحدرنى إلى الأرض » (عو 3) لقد وضع عشه بين النجوم أو أعلى من أن تصل إليه يد بشرية، ولكن المثل الشائع يلحقه: ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع لقد فكر أدوم فى قدرة البشر وهو يلقى على نفسه السؤال: « من يحدرنى إلى الأرض »،... ونسى أنه توجد يد أعلى من كل يد بشرية، خالقة الكواكب والنجوم ذاتها،... « ومن هناك أحدرك يقول الرب!!... " عو 4 " وحسب المقاييس البشرية ماذا ينقص أدوم وقد ارتفع بعشه فوق الزوابع والعواصف والمحن التى تتلف الكرة الأرضية، ولكنها تغلف جوها دون أن تبلغ النجوم، أما الذى يبلغ من المناعة ما يعلو به على الريح، فهو آمن من ثورة الطبيعة والإنسان، ومن غدر الزمان، كما يحلو للمخدوع أن يتصور ولكن هذا الإنسان، فرداً كان أو أمة، ينسى أن المصير دائماً تحكمه اليد الإلهية العليا،... وأن هذه اليد تسمح أن يرتفع الجبار إلى أعلى ما يتصور الخيال البشرى، حتى يسقط سقوطاً ملحوظاً من كل البشر، بل ومن كل التاريخ أيضاً!!.. ويكون سقوطه عظيماً!!.. كان سقوط أدوم رهيباً، لأنه كان سقوطاً من النجوم العالية إلى الأرض أو الحضيض كما يقولون،... وها نحن لا نعرف عن أدوم الآن شيئاً، لقد ضاع وانتهى إلى الأبد، وتحولت جباله وصخوره إلى مقابر رهيبة لمجده وجلاله ومتعته وتاريخه بأكمله،ونحن لا نستطيع أن ننهى القصة دون أن نتعمق إلى ما هو أعظم وأكمل وأبهى، إذ أن الدورة عادت لتصحح الوضع المقلوب، لقد أضحى القوى ضعيفاً، وعاد الضعيف قوياً، وجاءت نهاية أدوم بيد يعقوب جزاءاً وفاقاً لإثمه وشره وخطيته وحقده وانتقامه، ولذلك نقرأ: « ويكون بيت يعقوب ناراً وبيت يوسف لهيباً وبيت عيسو قشا فيشعلونهم ويأكلونهم ولا يكون باق من بيت عيسو لأن الرب تكلم »... " عو 18 " ونحن نسأل عن السر، وهل هو نوع من الانتقام رد به يعقوب على عيسو فى يوم من الأيام!!.. لا نظن إذ أن الأمر أعلى وأسمى، وليس هو مجرد صراع بين جماعات تدور بها الأيام وتلف، بين غالب ومغلوب، لقد أعطانا عوبديا الصورة الصحيحة الحقيقية، إذ ختم نبوته بما يمكن أن نطلق عليه « مسك الختام » فى القول: « ويكون الملك للرب »... " عو 21 " وهذا يحولنا بدورنا من الأرض أو النجوم، إلى من هو فوق الاثنين، إلى الحاكم المطلق الأبدى الذى يضع ولا أحد يرفع، ويرفع ولا أحد يضع!!.. ويقود التاريخ فى كل أدواره صوب النهاية المؤكدة، التى تجعلنا نغنى مع عوبديا بكل بهجة ويقين: « ويكون الملك للرب »..!!..
المزيد
27 يوليو 2022

الإنسان الخيِّر

الخير هو أن ترتفع فوق مستوى ذاتك ولذاتك وأن تطلب الحق أينما وجد، وتثبت فيه وتحتمل من أجله.الخير هو النقاوة، هو الطهر والقداسة هو الكمال الخير لا يتجزأ فلا يكون إنسان خيرًا وغير خير في وقت واحد أي لا يكون صالحًا وشريرًا في نفس الوقت. الإنسان الخير: ليس هو الذي تزيد حسناته على سيئاته! فربما سيئة واحدة تتلف نقاوته وصفاء قلبه! أن نقطة حبر واحدة كافية لأن تعكر كوبًا من الماء بأكمله، وميكروبًا واحدًا كاف لأن يلقى إنسانًا على فراش المرض. ليس هو محتاجًا إلى مجموعات متعددة من الجراثيم لكي يحسب مريضًا!! تكفى جرثومة واحدة.. كذلك خطية واحدة يمكنها أن تضيع قداسة الإنسان إن الشخص الشرير ليس هو الذي يرتكب كل أنواع الشرور. إنما بواسطة شر واحد يفقد نقاوته مهما كانت له فضائل متعددة.فالسارق إنسان شرير. لا نحسبه من الأخيار. وربما يكون في نفس الوقت لطيفًا أو بشوشًا، أو متواضعًا، أو متسامحًا، أو كريمًا، أو نشيطًا والظالم إنسان شرير، وكذلك القاسي، وكذلك الشتّام، وقد يكون أي واحد من هؤلاء غيورًا أو شجاعًا، أو مواظبًا على الصلاة والصوم..! إن أردت أن تكون خيرًا، سر في طريق الخير كله.. ولا تترك شائبة واحدة تعكر نقاء قلبك ولا تظن أنك تستطيع أن تغطى رذيلة بفضيلة.أو أن تعوض سقوطك في خطيئة معينه، بنجاحك في زاوية أخرى من زوايا الخير.. بل في المكان الذي هزمك الشيطان فيه، يجب أن تنتصر.. على نفس الخطية، وعلى نفس نقطة الضعف.كن إنسان خيرًا، قس نفسك بكل مقاييس الكمال. واعرف نواحي النقص فيك، وجاهد لكي تنتصر عليها.. فهكذا علمنا الإنجيل المقدس: "كونوا كاملين، كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل.. كونوا قديسين، كما أن أباكم الذي في السموات هو قدوس.." (مت48:5).نحن مطالبون إذن بأن نسير في طريق الكمال، لأن النقص ليس خيرًا.. والخير ليس هو فقط أن تعمل الخير.. بل بالأحرى أن تحب الخير الذي تعمله فقد يوجد إنسان يفعل الخير مرغمًا دون أن يريده، أو أن يعمل الخير بدافع الخوف، أو بدافع الرياء لكي ينظره الناس أو لكي يكتسب مديحًا.. أو لكي يهرب من انتقاد الآخرين. وقد يوجد من يفعل الخير وهو متذمر ومتضايق: كمن يقول الصدق ونفسيته متعبة، وبوده لو يكذب وينجو. وكمن يتصدق على فقير وهو ساخط، وبوده ألا يدفع فهل نسمى كل ذلك خيرًا..؟! قد يوجد من يفعل الخير لمجرد إطاعة وصية الله، دون أن يصل قلبه إلى محبة تلك الوصية! كمن لا يرتكب الزنا والفحشاء، لمجرد وصية الله التي تقول: "لا تزن"، دون أن تكون في قلبه محبة العفة والطهارة..! وفي ذلك قال القديس جيروم: (يوجد أشخاص عفيفون وطاهرون بأجسادهم، بينما نفوسهم زانية!!) ومثال ذلك أيضًا، الذي يتصدق على الفقراء لمجرد إطاعة الله، ويكون كمن يدفع ضريبة أو جزية!! دون أن تدخل محبة الفقراء إلى قلبه..! كل هؤلاء اهتموا بالخير في شكلياته، وليس في روحه..! والخير ليس شكليات، وليس لونًا من المظاهر الزائفة. إنما هو روح وقلب.. ولذلك اهتم الله بحالة القلب، أكثر من ظاهر العمل. وهكذا قال: "يا أبني أعطني قلبك" من أجل هذا، لكي نحكم على العمل بأنه خير، يجب أولًا أن نفحص دوافعه وأسبابه وأهدافه. والدوافع هي التي تظهر لنا خيرية العمل من عدمها.. فقد يوبخك اثنان: أحدهما بدافع الحب، والآخر بدافع الإهانة. وقد يشتركان في نفس كلمات التوبيخ ولكن عمل أحدهما يكون خيرًا وعمل الآخر يكون شرًا.. وقد يشترك اثنان في تنظيم سياسي وطني، أحدهما من أجل حب الوطن والتفاني في خدمته، والآخر من أجل حب الظهور أو حب المناصب.. الهم إذن في الدافع والنية والخير ليس عملًا مفردًا أو طارئًا، إنما هو حياة فالشخص الرحيم ليس هو الذي أحيانًا يرحم، أو الذي ظهرت رحمته في حادث معين.. إنما الرحيم هو الذي تتصف حياته كلها بالرحمة. تظهر الرحمة في كل أعماله وفي كل معاملاته، وفي أقواله، وفى مشاعره، حتى في الوقت الذي لا يباشر فيه عمل الرحمة الخير هو اقتناع داخلي بحياة القداسة، مع إرادة مثابرة مجاهدة في عمل الخير وتنفيذه.. هو حب صادق للفضيلة، مع حياة فاضلة. الخير هو شهوة في القلب لعمل الصلاح تعبر عن ذاتها وعن وجودها بأعمال صالحة وليس هو مجرد روتين إلى للعمل الصالح..! هو - حسب رأى القديسين - استبدال شهوة بشهوة.. ترك شهوة المادة، من أجل التعلق بشهوة الروح.. والتخلص من محبة الذات، من فرط التعلق بمحبة الآخرين ما لم تصل إلى محبة الخير، والتعلق به، والحماس لأجله، والجهاد لتحقيقه، فآنت ما تزال في درجة المبتدئين، لم تصل بعد لغاية، مهما عملت أعمالًا صالحة..! والذي يحب الخير، يحب أن جميع الناس يعملون الخير.. لا تنافس في الخير.. فالتنافس قد توجد فيه ناحية من الذاتية أما محب الخير، فإنه يفرح حتى ولو رأى جميع الناس يفوقونه في عمل الخير، ويكون بذلك سعيدًا.. المهم عنده أن يرى الخير، وليس المهم بواسطة مَنْ! به أو بغيره.. لذلك فعمل الخير بعيد عن الحسد وعن الغيرة.. والإنسان الخير يقيم في حياته تناسقًا بين فضائله، فلا تكون واحدة على حساب الأخرى خدمته مثلًا للمجتمع، لا تطغى على اهتمامه بأسرته. ونشاطه لا يطغى على أمانته لعمله. بل أن صلاته وعبادته، لا يصح أن تفقده الأمانة تجاه باقي مسئولياته.إن الفضيلة التي تفقدك فضيلة أخرى، ليست هي فضيلة كاملة أو خيرة.. إنما الفضائل تتعاون معًا.. بل تتداخل في بعضها البعض.فهكذا نتعلم من الله نفسه تبارك اسمه: فعدل الله مثلًا لا يمكن أن يتعارض مع رحمته، بل لا ينفصل عنها. عدل رحيم، ورحمة عادلة. عدل الله مملوء رحمة الله، فليس من جهة الفصل نتكلم، إنما من جهة التفاصيل، لكي تفهم عقولنا القاصرة عن إدراك اللاهوتيات.. والخير ليس هو سلبية، بل إيجابية: ليس هو سلبية تهدف إلى البعد عن الشر، إنما هو إيجابية في عمل الصلاح ومحبته. فالإنسان الخير ليس هو فقط الذي لا يؤذى غيره، بل بالحري الإنسان الذي يبذل ذاته عن غيره.. ليس فقط الإنسان الذي لا يرتكب خطية، إنما بالحري الذي يعمل برًا..والإنسان الخير هو الذي يصنع الخير مع الجميع، حتى مع الذين يختلفون معه جنسًا أو لونًا أو لغةً أو مذهبًا أو عقيدةإنه كالينبوع الحلو الصافي، يشرب منه الكل.. وكالشجرة الوارفة يستظل تحتها الكل. إن الينبوع والشجرة لا يسألان أحدًا: ما هو جنسك؟ أو ما هو لونك؟ أو ما هو مذهبك؟! الخير يعطى دون أن يتفرس في وجه من يعطيه ويحب دون أن يحلل دم من يحبه.. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث من كتاب مقالات روحية نشرت في جريدة الجمهورية
المزيد
26 يوليو 2022

الشباب... والعاطفة

هناك خلط واضح فى مفهوم العاطفة والحب وفى اللغة اليونانية تترجم كلمة "الحب" بثلاث كلمات 1- "ايروس" (Eros)... أى الحب الجسدانى الشهوانى 2- "فيلى" (Phily).أى الحب الإنسانى العادى 3- "أجابى" (Agapi)... أى الحب الروحانى المقدس والعاطفة هى طاقة الحب، التى تتشكل بنوع من هذه الأنواع، حينما يقودها الإنسان إلى الوجهة التى يريدها... فهو يمكن أن يتدنى بها إلى مستوى الحسيات والخطيئة، أو يكتفى بمحبة إنسانية نشاهدها كل يوم فى الحياة العملية، أو يتسامى بها - بنعمة المسيح وعمل روح الله القدوس - لتصير محبة روحانية مقدسة، من خلالها يتعامل مع كل الناس فى الأسرة والكنيسة والمجمع والصداقة والزواج. 1- ما هى العاطفة ؟ العاطفة - حسب علماء النفس - هى انفعال متكرر نحو شخص أو شئ أو قيمة... ومن كثرة تكراره يتثبت ويصير عاطفة. فمثلاً يتعرف الإنسان بشخص ما لأول مرة... فيشعر نحوه بالقبول والارتياح... ويتكرر هذا الانفعال عدة مرات كلما ألتقى مع هذا الشخص... فيصير هذا الانفعال عاطفة حب لهذا الشخص. ويمكن أن يحدث العكس... حينما يشعر الإنسان بانقباض أو عدم ارتياح نحو شخص آخر... ويتكرر هذا الانفعال فيتحول إلى عاطفة سلبية هى الكراهية (نتحدث هنا نفسياً لا روحياً بالطبع). كذلك حينما ينفعل الإنسان بارتياح نحو شئ ما (كالصلاة أو الألحان أو التسبحة أو الخدمة)... فيحبها وتتحول عنده إلى عاطفة مستقرة.. وبالعكس إذا انفعل بعدم ارتياح نحو شئ آخر (كالمال أو الأفلام الرديئة) فلا يحبها، بل بالحرى يرفضها. ونفس الأمر فى مجال القيم... فيحب الإنسان الطهارة والشجاعة والوداعة.. ويكره النجاسة والتهور والعنف... الخ.وهكذا تصير العاطفة (سلباً وإيجاباً) نتيجة لانفعال متكرر، نحو شخص، أو شئ، أو قيمة... يثبت فيتحول إلى عاطفة. 2- موقع العاطفة فى الكيان الإنسانى العاطفة جزء من الجهاز النفسى للإنسان، فإذا ما قلنا أن الإنسان يتكون من: 1- روح... تتصل بالله وبالإيمانيات والسماويات 2- وعقل... يفكر ويدرس ويحلل ويستنتج 3- ونفس... تحس وتشعر وتحب وتكره 4-وجسد... يسعى ويتحرك على تقع العاطفة فى نطاق النفس.. فالجهاز النفسى فى الإنسان فيه خمسة مكونات أساسية هى: 1-الغرائز (أو الدوافع)... كالجوع والعطش والجنس وحب الاستطلاع والأبوة والأمومة وحب الاقتناء وحب الحياة... الخ 2-الحاجات النفسية... كالحاجة إلى الأمن، والحب، التقدير، والانتماء، والتفرد، والمرجعية 3-العواطف... أى المشاعر التى نكتسبها نحو أشخاص أو أشياء أو قيم 4-العادات... التى تتكون لدينا بفعل التكرار، سواء العادات السلبية أو الإيجابية 5-الاتجاهات... أى الخطوط الرئيسية التى يتبناها الإنسان فى حياته، وتكون سائدة على تصرفاته... فواحد يحب الله والكنيسة والخدمة، وآخر - للأسف - يحب المال والمقتنيات... الخ. العاطفة إذن هى جزء من الجهاز النفسى للإنسان، وهى لا تصلح - وحدها - لقيادة الإنسان، بل الإنسان الحكيم، وبخاصة الإنسان الروحى، هو من "روحه تقود جسده، والروح القدس يقود روحه" كما علمنا مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث. إذن... كيف أقود عواطفى؟ 3- كيف أقود عواطفى؟ الإنسان الروحى عنده ضوابط ثلاثة غاية فى الأهمية، من خلالها يقود عواطفه، لتسير فى الخط السليم الروحى البناء، فكثيراً ما قادت العاطفة الإنسان فى طريق هادم ومدمر، حينما سلم قيادته للمشاعر، وربما للأمور الحسية، كما يحدث فى علاقات الشباب مثلاً التى تقودهم أحياناً إلى الخطية، وربما إلى ترك المسيح... أو فى محبة المال والعالم.. حتى أن ديماس ترك المسيح وبولس، لأنه أحب العالم الحاضر.. والضوابط الثلاثة للعاطفة هى: 1-العقل: أعطاه الله للإنسان لكى يدرس الأمور، ويوازن فيما بينها، ليختار الأصلح. وكمثال: هل يوافق العقل أن يرتبط الإنسان بعاطفة مع آخر خارج الحظيرة، أو إنسان غير روحى يمكن أن يدمر روحياته؟! ومثال آخر: هل من السليم حدوث ارتباط عاطفى بين شاب وشابة فى سن مبكر، وهما بعد فى "المرحلة الجنسية الشاملة" قبل أن يدخلا إلى "المرحلة الجنسية الأحادية" والتى فيها يمكن للإنسان أن يكون فى استقرار نفسى جيد، يسمح له باختيار شريك الحياة؟ ومثال ثالث: عند اختيار شريك الحياة، هل هنالك توافق روحى واجتماعى وثقافى وتربوى، أم أن هناك مجرد عاطفة؟ وهكذا 2-الروح: بمعنى أن من يشعر بعاطفة معينة نحو شخص، أو شئ، أو قيمة، عليه – مع الدراسة العقلية – أن يصلى ويسترشد برأى أبيه الروحى، هل هو يسير فى الطريق السليم أم لا؟ إن الزوجة الصالحة هى من عند الرب، لذلك فالشاب المسيحى الروحانى عليه أن يصلى كثيراً، ومن أعماق قلبه، لكى يعطيه الرب الإرشاد المناسب والاستنارة الجيدة، ليعرف مشيئة الله فى كل أمر، مستعيناً فى ذلك بأمرين: الصلاة الحارة وإرشاد أب الاعتراف. 3-الروح القدس: وقد ذكرنا ذلك أخيراً لأنه الضمان النهائى، بل الضمان اللانهائى، فى حياة الإنسان وقراراته. إن عقل الإنسان محدود، ومن الممكن أن يخطئ، وهو لا يستطيع أن يعرف الأعماق، ولا المستقبل... لذلك يمكن أن تكون قراراته خاطئة. وروح الإنسان محدودة، ويمكن أن تتلوث أو تتوه أو تخطئ... لذلك فالضمان الأكيد والفريد هو عمل روح الله، وقيادته المضمونة... والإنسان الذى يريد أن يقود عواطفه حسناً عليه أن يرجع إلى الله، فى الكتاب المقدس، وفى الصلاة، وفى الارشاد الروحى، وفى المثابرة على الاستنارة المسيحية من خلال الاجتماعات والقراءات... وبعد كل ذلك يجب أن يسلم قيادة نفسه وعواطفه وأفكاره للسيد المسيح، طالباً منه أن يكون القائد الوحيد لسفينة حياته. وهكذا يسلِّم الإنسان إرادته بإرادته لله، تتحد إرادة الإنسان بإرادة الله، ويضمن الإنسان سلامة مسيرته.. "سلمنا فصرنا نحمل" (أع 15:27). نيافة الحبر الجليل الأنبا موسى أسقف الشباب
المزيد
25 يوليو 2022

التعبير

شفتاك يا عروس تقطران شهداً... " أعطيتنى موهبة النطق........ "(القديس غريغوريوس – القداس) موهبة النطق موهبة حظى بها الإنسان وحده من بين جميع خلائق الله ومخلوقاته، حيث لا تستطيع الأحياء الأخرى التعبير والتفاهم بالكلمات، بل بالحركات والإيماءات الغريزية المحدودة .. وأقصى ما بلغته هو التقليد أو ترديد بعض كلمات أو عبارات - مثل الببغاء - وبالطبع دون أن يدرك هذا الطائر معنى ما يردده وأما الإنسان يقال عنه " حيوان ناطق " وهو وصف قاسٍ، ولكن القصد منه أنه رغم اشتراكه مع الكائنات الأخرى فى الكثير من الصفات، إلا أنه يتميز عليها بالقدرة على التفكير والتعبير والتقرير.. وهناك مئات اللغات ومنها تتفرع آلاف اللهجات. ومن الناس من هو شاعر ومنهم من هو أديب ومنهم المتكلم.. أما الأخير فهو الذى يحسن الكلام وتنميقه حتى يصبح ذلك مهنته، وأما الشاعر فهو الذى يجعل الكلمات ترقص وتغنى وتطرب.. مثله في ذلك مثل الموسيقي الذى يجعل نغماته تشنف الآذان. وأما الأديب فهو الذى يحّول المشاهد والمشاعر إلى كلمات تقرأها، فتشاهد وتشعر وتتفاعل وأنت جالس فى مكان القراءة !!.. وكلا الاثنين (الأديب والشاعر) يرسمان بالكلمات لوحات يتراوح جمالها فى قيمته بحسب إبداع كل منهما، وأتذكر أن أحد الشعراء كتب قصيدة وقدمها إلى مطرب ليغنيها ولكن الأخير اعترض على كلمة فيها وطلب استبدالها، أمّا الشاعر فرفض بشدة واحتج فى ذلك بقوله أن القصيدة مثل اللوحة كيف يطلب مني المتفرج أو المشترى أن اُغير أنفها أو عينيها مثلاً !!.. وعندنا أيضاً شخصاً يدعى الدبلوماسى ويوصف بأنه يتكلم كثيراً ولا يقول شيئاً !!، ويقصد بذلك حسن الكلام وتنميقه، دون أن يصرح بشىء أو يعد بشيء، ويقابل النوع الدبلوماسى.. النوع الناقد، وهو على نوعين ناقد للبنيان وهذا يتوخى الموضوعية والتأدّب فى التعبير، ونوع يفتقر إلى اللياقة والكياسة، مثل الشاعر الذى اعتاد أن يهجو الوالى أو الأمير ونظراً لخطورة الكلمة المكتوبة وأهميتها وتأثيرها، فإنه يجب توخى الحذر والدقة فى الإختيار، ومثلها الكلمة المنطوقة أيضاً وهو ما يسمى اصطلاحاً بالمقال والُمقال .. فكلاهما لا يمكن استعادته، وجدير بالذكر هنا أن ما يفكر به الشخص قابل للتغير إذ يمكن تغيير الفكر، فإذا قاله يمكن مراجعته بالنقاش، فإذا كتبه يمكن الرد عليه، فإذا نوقش وأصر على رأيه فهذا هو إيمانه وهذه مبادئه وعقيدته.. وهذا كان يحدد الشخص الهرطوقى من ذاك الذى إنزلق ببساطة فى رأى خاطىء والكلمة قد تجرح وقد تزعج.. وقد تشفى.. وقد تحوّل مسار حياة.. وأتذكر أن أنطيوخس أبيفانيوس هاجم مصر فى القرن الثانى قبل الميلاد وكانت روما حليفاً لمصر آنئذ فأرسلت إليه مندوبها "مميوس"، والذى طلب إليه أن يغادر مصر أو يدخل فى حرب مع روما، ولما طلب مهلة ليقرر، قام المندوب برسم دائرة بعصاته حول أنطيوخس وهو واقف وأمره بأن يعلن قراره قبل الخروج من الدائرة.. كان القرار نعم أو لا وكلاهما كلمة يتوقف عليها مصير شعب وحياة عشرات الآلاف وربما مئات الآلاف من الناس إلى جوار نتائج أخرى كثيرة مترتبة على القرار.. كما خلد الكثيرين بسبب كلمة أو عبارة نطق بها أحدهم إبان حياته.. وقد لا نذكر لهم سوى تلك الكلمة، مثلما ’ينسب شخص إلى قصيدة.. فيقال " شاعر قصيدة كذا .. "هناك أشخاص تحب أن تسمعهم وهم يتكلمون، سواء أكانوا يرتجلون أو يقرأون.. أو يتحدثون، وكما قيل عن البعض أن خطهم مثل سلاسل الذهب يمكن أن يقال عن بعض المتكلمين أن حديثهم مثل عناقيد الياقوت والأحجار الكريمة.. تود ألا ينتهى حديثه، حقاً يقول السيد المسيح عن الكنيسة ممتدحاًَ تعاليمها " شفتاك ياعروس تقطران شهداً". أتذكر أيضاً فى هذا السياق أن شيخ الأزهر السابق كان فى زيارة لإنجلترا، وهناك استمع إلى خطاب لمارجريت تاتشر رئيسة الوزراء السابقة، يقول أنه ’أعجب كثيراً بطريقتها فى الكلام ولغتها الواضحة ونطقها الذى جعل الكلام مترجماً، وأصر من ثمّ على الحصول على تسجيل لهذه الكلمة وأرسل من خلال زوجته ليحصل عليها وجاءته نسخة فى خلال ساعات عندنا مشكلة فى القراءات الكنسية، فالقارىء أحياناً يقرأ إلى الداخل ! وأخر تتزحلق كلماته من على أذنيك دون أن تستقر فيهما، وثالث لا يفصل بين عبارة وأخرى وربما بين كلمة وأخرى وكأنّ الحروف متصلة لمسافة سطر أو سطرين كاملين، وآخر يخلط بين " الكاف والقاف " و " التاء والطاء " و " الدال والضاد " و " السين والصاد والثاء " فلا تعرف إن كان يقصد (الإحتكار أم الإحتقار) أو (الضَرر أم الُدرر) أو (القلب أم الكلب) .. الخ. ويستحسن المستمع والحال هكذا أن يكتب له المتكلم ما يريد لكى يدرك قصده. وفى هذا الإطار هناك فى الوسط الكنسى مئات التعليقات الطريفة وغير الطريفة على قراءات البعض فى القطماروس، إذ تتحول بعض الكلمات إلى إهانات وشتائم والأرقام إلى كلمات والعكس، أو إلى ما لا معنى له.. وهكذا.. والبعض تضيع منه علامات الترقيم، وآخر لا يعرف أين ينهى الجملة.. ومتى يلتقط أنفاسه، ناهيك عن قواعد النحو والصرف الذى يفتقر إليه الأكثرين الذين أولهم أنا قرأت عن أحد الولاة الذين أصدروا حكماً بالإعدام بحق شخص ما، وقبل تنفيذ الحكم توسط البعض عنه لدى الوالى والذى قبل وساطتهم واستكتب كاتبه أمراً بالإعفاء عن المتهم، فأملاه قائلاً: (إعدام لا. براءة) وما أن وصل المكتوب إلى الجلاد حتى نفذ حكم الموت فى المتهم فى الحال، والسبب ببساطة أن الكاتب كتب (إعدام. لا براءة) ولم يتوخى الدقة فحرك النقطة عن موضعها قليلاً، فجاء الأمر بتأكيد الحكم وعدم البراءة بدلاً من إلغاء الحكم ومنح البراءة.. وهكذا تسببت نقطة صغيرة فى غير موضعها فى أن يفقد شخص ما حياته !!.كذلك أرسل أحد الولاة إلى حاكم مدينة يطلب منه أن يحصى الرجال لديه (من سن 16 إلى 40 ) فإذا بالحاكم يقوم بإخصاء المطلوبين لأن المكتوب الذى وصله أُستبدل فيه حرف الحاء بحرف الخاء ، لقد كان غرض الوالى هو عمل تعبئة عامة استعداداً للحرب، بينما أساء الحاكم الفهم مثلما افتقر كاتب الوالى إلى الدقة فى الكتابة بعد أن قرأت هاتين القصتين أدركت لماذا تكتب الأم أحياناً ورقة لصغيرها وتطويها وتضعها فى قبضته الصغيرة ليوصلها إلى جهة ما وذلك لضمان النتائج"كل عطية صالحة وكل موهبة تامة هي من فوق نازلة من عند ابي الانوار"(يعقوب 1 : 17) نيافه الحبر الجليل الانبا مكاريوس أسقف المنيا وتوابعها
المزيد
24 يوليو 2022

التقليد هو تسليم الكنيسه من المسيح

إنجيل اليوم هو عن عمل ربنا يسوع المسيح وكيف بارك الخمس خبزات والسمكتين، والتي بهم أشبع كل الجموع.وتختار الكنيسة هذا الفصل اليوم، لتعلمنا بتفصيل مهم في هذة المعجزة، وهو إن ربنا يسوع المسيح لم يعطي بنفسه هذة البركة، ولكنه هو الذي اعطي للتلاميذ والرسل أن يُعطوا للآخرين، وهذا ما تؤكده القراءات، فيقول في البولس "إن كان أحد يُعلم تعليماً آخر ولا يقبل كلمات يسوع المسيح، والتعليم الذي للتقوي، فقد تصلف" التعليم التي يعلمها بولس الرسول هي تعاليم السيد المسيح نفسه، ولس لأحد الحق تحت أي مسمي وبأي صورة وتحت أي رتبة أن يٌعلم تعليماً خاصاً، هذا ليس لأن الكنيسة لا تمنح حرية التفكير، ولكن لأن الإيمان مسلم هي كنيسة واحدة، لها تعليم محدد، وإيمان محدد، وتقليد واحد. تصلف: بمعني أنه صار يتكلم بما لا يُدرك. ويقول في الكاثوليكون: "لاتكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي".وفي الإبركسيس: يتكلم عن عمل الكنيسة وسط اليهود، وأنهم قدموا المسيح للعالم كله، وكرز بولس الرسول في العالم المتحضر، وقدم التعليم الذي استلمه من المسيح..هذا ما ندافع عنه "التقليد المسلم" يقول بولس الرسول: "ما تسلمته مني بشهود كثيرين، أودعه أنت أناس أمناء، ليكونوا أكفاء أن يسلموا أخرين". هذة هي الكنيسة: ما سمعته مني: عصر الرسل. بشهود كثيرين: الأباء المعاصرين لعصر الرسل. أودعه أنت: تلاميذ الرسل (الآباء الرسوليين). أناس أمناء يكونوا أكفاء: الجيل الذي بعد الآباء الرسوليين، وأغلبهم كانوا أباء مدافعين أو شهداء. أن يسلموا أخرين: جيل المجامع هذة الآية تلخص فكرة التقليد وكيف وصل إلينا، التعليم من المسيح نفسه الذي قال " اذهبوا تلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بإسم الآب والإبن والروح القدس، وعلموها أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به" قد حمل الآباء الرسل تعليماً واحداً قدموه لكل الكنائس، وأوصوا أن يحفظ الجميع هذا التعليم يقول المؤرخ روفينوس "يروي لنا أجدادنا أن الروح القدس بعد صعود السيد المسيح، ولما استقر علي كل واحد منهم بهيئة ألسنة نار، تلقوا أمراً من السيد المسيح بأن يتفرقوا ويذهبوا إلي جميع الأمم، ليبشروا بكلمة الله، وقبل أن يغادروا وضعوا معاً قاعدة للبشارة، التي ينبغي أن يعلنوها حتي إذ ما تفرقوا لا يكون عليهم خطر، أن يعلموا تعليماً مختلفاً للذين يجذبونهم إلي الإيمان المسيحي" كل ما هو مسلم له توثيق في الكتاب المقدس، أما ما تعلمناه ليس فقط ما هو مكتوب، لأن التقليد الكنسي يشمل أيضاً ما صار معاشاً وغير مكتوب، لذلك أسمه "التقليد"، مثل تقليد عيلة، ليس له وثيقة مكتوبة، ولكنه مُعاش. فالقداسات في كل كنائس العالم من أيام بولس الرسول، ولمارمرقس ليتورجيا، ولماريعقوب ليتورجيا، لأن القداس تقليد شفوي. وكان العالم كله يعتمد بثلاثة تغطيسات، ونرفض من يُعمد بالرش، فقد استلمناه تقليد. في القرن الأول خرج الأباء الرسل يحملوا تقليد إيماني، وتقليد كنسي حياتي، استلمنا قداس، واستلمنا الكتب المقدسة أع3:1 "كان يظهر لهم أربعين يوماُ يتكلم عن الأمور المختصه بملكوت الله".1كو 23:11 "لأني تسلمت من الرب ما سلمتكم أيضاً أن الرب في الليلة التي اسلم فيها، أخذ خبزاً وكسر وشكر وقال لهم: خذوا كلوا هذا هو جسدي، كذلك الكأس الذي للعهد الجديد بدمي" في قصة بولس الرسول ظهر له السيد المسيح وقال له: صعب عليك أن ترفس مناخس، فقال له: ماذا أفعل يارب؟، فقال له: أذهب إلي دمشق إلي حنانيا وهناك يقال لك ما ينبغي أن تفعله". لأبد أن يستلم تعليم ..وهذة هي الكنيسة تسلمت من الرب: أننا نؤمن أن الكنيسة تحمل كل ما هو إيماني وحياة استلمناه من المسيح نفسه.يقول جيروم "إن قانون إيماننا وحياتنا نقله لنا الرسل" وقد نقله الأباء الرسل بالأربع أناجيل والرسائل وسفر الرؤيا، ونقلوه أيضاً بالكرازة بكنيسة أسسوها، وسلموا ما تسلموه حياتياً شفهي أو مكتوب يقول بولس الرسول لتلميذه تيطس "من أجل هذا تركتك في كيريت لكي تقيم قسوساً" يقول مارأغناطيوس "المسيحيون حاملي الإله، حاملي المسيح، حاملي الهيكل، لا يُري المسيحي فردياً بل في إتحاد مع جمهور، وفي ممارسة أسرار الكنيسة" لا يمكن أبداً لأي مسيحي أن يكون له علاقة شخصية بالمسيح دون أسرار كنسية يو 12:16 يقول: "لي أمور كثيرة لأقول لكم، ولكن لا يستطيعوا أن تحتملوا الآن، أما متي جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلي جميع الحق"يعطي الآباء الرسل إرشاد للحياة المسيحية "لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتيه" لا يوجد عمل لأي أقنوم دون الأقانيم الأخري، ما يتكلم به الروح القدس هو ما صنعه المسيح خلاصياً، وهو ما دبره الآب لخلاصنا أيضاً.اعطي السيد المسيح كل النعم للكنيسة، التي يحملها الآباء الرسل، لذلك في معجزة الخمس خبزات والسمكتين، اخذ التلاميذ من يده، واعطوا الجموع.كانت الكنيسة تحفظ تعاليم المسيح بصورة محددة وقوية جداً.يو 25:21 "أشياء كثيرة صنعها يسوع، لو كتبت واحدة واحدة، لا أظن أن العالم نفسه يسع الكتب، أما ما كتبت لتؤمنوا أن يسوع هو إبن الله".بقية المسيحية هي كنيسة، هي العمل الذي استلمناه.أع 27:15 "أرسلنا يهوذا وسيلا يخبرانكم بنفس الأمور شفاهاً"1يو 3:1 "الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به". 1كو 34:11 "أما الأمور الباقية عندما أجي أرتبها"عاشت الكنيسة وستعيش بهذا الإيمان المسلم مرة للقديسين.1تس5:2 "اثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعليم الذي تعلمتوه سواء بكلام أو برسلاتنا" حينما نتكلم عن التقليد الكنسي، فإننا نتكلم عن تقليد محدد.2تيمو 6:3 "أوصيكم أن تتجنبوا كل أخ يسلك بلا ترتيب وليس حسب التعليم المسلم منا".يقول القديس أكليمندس: "لقد حافظ هؤلاء الأشخاص علي التقليد المسلم مباشرة من الرسل القديسين بطرس ويعقوب ويوحنا، كما كان الإبن يتسلم من أبيه".يقول القديس أغسطينوس:" كل التقليد الذي في الكنائس مستلم من الرسل".ويقول ذهبي الفم "الرسل لم يكتبوا كل شئ في رسائلهم، ولكن علموا أمور أخري غير مكتوبة"إن ضاع الكتاب المقدس المكتوب، يمكننا أن نجمعه من أقوال الآباء في القرن الثاني. يقول القديس باسيلوس الكبير "إذا حاولنا أن نحذف التقليد غير المكتوب، نجعل الإنجيل بدون مُسمي".يقول القديس إيرينؤس:"الكنيسة مبعثرة في كل أرجاء المسكونة، ولكن لها إيمان واحد، سُلم من الرسل، ثم إلي تلاميذ الرسل، وعل الرغم من أختلاف البشر واللغات والأماكن، إلا أن جوهر التقليد واحد في كل مكان".إيرينؤس وهيبوليتوس هم من سجلوا التقليد الكنسي، فقد استلمت الكنيسة أناجيل ورسائل، وأسرار وطقوس، وصورة مسيحية، هذا هو التقليد المسلم.لإلهنا كل مجد وكرامة إلي الأبد أمين. القمص أنجيلوس جرجس كاهن كنيسة أبي سرجة مصر القديمة
المزيد
23 يوليو 2022

عمل الخير

علينا أن نعمل الخير في محبة وتواضع وأنكار للذات ولا نكل أو نمل أو نتضجر بل نقتدى بمخلصنا الصالح الذى كان يجول يصنع خير وكما يوصينا الكتاب { لا نفشل في عمل الخير لاننا سنحصد في وقته ان كنا لا نكل} (غل 6 : 9). وثقوا أن عمل الخير لا يضيع أجره ابدا لا على الأرض ولا في السماء. بل حتى كأس الماء الذى نقدمه لنروي عطشان له أجر صالح {ومن سقى احد هؤلاء الصغار كاس ماء بارد فقط باسم تلميذ فالحق اقول لكم انه لا يضيع اجره}(مت 10 : 42).روى دوستويفسكى قصة إمرأة ماتت وذهبت إلى الجحيم . وفى تسأول طلبت من الله إن يعطيها سببا لماذا هى هناك ؟ وإذ سمع بطرس صرخات تظلمها تكلم إليها قائلا لها : إعطنى سببا واحدا لماذا ينبغى أن تكونى فى السماء . توقفت, راجعت, فكرت مليا, ثم قالت : يوما ما أعطيت جزرة لمتسول .تحقق بطرس من السجل ورأى أنها فعلت ذلك حقا, كانت جزرة قديمة, لكن مع ذلك فهى جادت بها. فأخبرها بطرس أن تنتظر ريثما يساعدها لتصعد, ثم أخذ سلكا طويل وربط إلى طرفه جزرة ودالها لها إلى الجحيم لتتمسك بها, فتعلقت بها وبدأ هو يسحبها .ورآها اخرون تختفى تدريجيا من وسطهم, فتمسكوا بكاحليها عساهم ينتقلون أيضا, وإذ استمر المزيد منهم بالتعلق, بدأ السلك بالهبوط فصرخت: " اتركونى, هذه جزرتى وليست جزرتكم" وحالما قالت ذلك انكسرت الجزرة . يا احبائى كلنا نحتاج لعمل الخير فى محبة لله والغير وبدون انانية مادام فى أمكاننا أن نعمله ونجذب الأخرين معنا لنجد داله امام الله ونجد نصيب مع القديسين. {فاذا حسبما لنا فرصة فلنعمل الخير للجميع ولا سيما لاهل الايمان} (غل 6 : 10). القمص أفرايم الأنبا بيشوى
المزيد
22 يوليو 2022

بلد الحـب

" أرني ( يا الله ) بلد الحب لأتكلم عنه كما يستطيع ضعفي . أفرخ فـي يـارب نعمتـك برحمتـك لأتكلم عنها . ألهب قلوب محبيك فيخرجون في طلبها " . ( الشيخ الروحاني ) إذا إن كـان أحـد في المسيح فهـو خليقـة جـديـدة : الأشياء العتيقـة قـد مضـت ، هـوذا الكـل قـد صـار جـديـداً . ولـكـن الكـل مـن اللـه الـذي صـالحنا لنفسه بيسوع المسيح ، وأعطانا خـدمـة المصالحة ، أي إن اللـه كـان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه ، غير حاسـب لهـم خطاياهم ، وواضعاً فينـا كلمـة المصالحة . إذا نسعى كسفراء عن المسيح ، كأن الله يعظ بنا . نطلب عن المسيح : تصالحوا مع الله لأنه جعـل الـذي لـم يـعـرف خطيـة ، خطيـة لأجلنـا ، لنصير نحـن بـر اللـه فيه " ( ٢ كوه : ١٧ - ٢١ ) . في بداية رحلتك معي عزيزي القارئ خلال هذا الكتاب ، أود أن نتعـرف سوياً على مجموعـة مـن المبادئ الروحية الهامـة ... ولتعتبرهـا يـا صـديقي إرشادات الطريق في مسيرتك الروحية هيا سوياً لنخطو خطوتنا الأولى . أولا : ما هي الحياة الروحية بلد الحب : الحياة الروحية هي الإطار الـذي يجمع ثلاثـة محـاور هامـة : النعمـة وعملها ، الإنسان بتوازنه ، وأخيراً الكنيسة وأسـرارهـا . 1- النعمة وعملها:- عمل النعمة ، هو عمل دائم ومستمر ولا ينقطع ، ويظهـر عمـل النعمـة كلما كانت حياة الإنسان مملوءة ثمـراً ... وهناك قاعـدة روحيـة هامـة أود أن أوضحها لك ، وهي أن الله لا يريد من الإنسان سوى إرادته لتعمل نعمته فيه . وعمل النعمة بدوره يقود الإنسان لاختبار هام في الحياة الروحية وهـو معية المسيح . معي تأمل يا عزيزي ترتيلـة داود النبي : " إذا سرت في وادي ظل المـوت لا أخاف شرا ، لأنك أنت معي " ( مز ٢٣ : ٤ ) ، فعبارة " أنـت معـي " تعكـس شـعوراً داخلياً وإحساساً حقيقياً بوجود الله وعمل نعمته ... بل أن هذا الشعور هو قمة عمل النعمة . 2- الإنسان بتوازنه :- خلق الله للإنسان عقلاً وروحاً وجعله : عاقلاً ... عاملاً ... عابـداً ... ولكـن تـذكر يا صديقي أن التوازن هو الركيزة الأساسية لنجـاح هـذه المنظومة . أتسألني كيف يكون هذا التوازن ؟ ... أجيبك أن التوازن في حياة الإنسان مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالشبع الروحي ، فالعقل يتغذى بأعمال القراءة والمعرفة ، والروح تسمو بالعمل الروحي والشبع الشخصي بالمسيح . ولكي يتحقق هذا الشبع الروحي لا بد أن تكون للحياة الروحيـة قـوانين تنظمها ، فالحياة الروحية شيء محدد ، ولها شكل ونمو ومراحل وتدرج . بقي لنا المحور الثالث والأخير ، ألا وهو : 3- الكنيسة بأسرارها :- وهذه الأسرار توضع في ثلاث مجموعات رئيسية : أسرار لا تمارس إلا مرة واحدة : سـر المعمودية والميرون . أسـرار دائمة التكرار : سر الاعتراف والتناول ومسحة المرضى . أسـرار قد تمارس وقد لا تمارس : سر الزيجة والكهنوت . لك أن تعتبر أن الأسـرار الكنسية هي بمثابة حلقـة الربط بين عمـل النعمة والتوازن الإنساني ... والتي بدورها تقود إلى العمق في الحياة الروحية . أتسألني الآن : كيف أنمو في حياتي الروحية ؟ أود أن تعـي جيـداً أن النمـو الروحـي لـه عـدة قـوانين تنظمه وتضـمن تدرجه . إن إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه الإنسان المسيحي ، هـي عـدم الاستمرار قد تبدأ نظاماً روحيـاً بحماس شديد ، ولكـن بعـد فتـرة قصيـرة يتسلل الفتور إلى قلبك !! لكن القانون الروحي الذي يضمن الاستمرار هو : " قليل دائـم خير من كثير متقطع " . فالقليـل الـدائـم هـو الـذي يجعـل حياتنا مستمرة ، فالمسيح لا يطلب منا الكم Quantity بل يطلب الكيف Quality نعم ... إن المسيح يريد منك الاستمرارية حتى ولو كانت آيـة واحـدة أو مزمور ، فالاستمرار هو الذي يعطي انطباعاً أنـك شخص ذو قلـب مستعد لسكنى المسيح فيه . أتذكر المرأة التي أعطت الفلسين ؟ قال عنها السيد المسيح ، انظروا كيف أعطت ؟ . بمعنى أنه نظر إلى الكيف وليس الكم فعلى الأقل في كـل يـوم ، اهـتم أن يكون هناك فقرة أو آية في الإنجيـل تقوم بقراءتها مع وقفة صلاة ، وليكن هذا أقل شيء ... لكـن كـن دائـم التطلع أيضاً نحو النمو والتدرج في حياتك الروحية . هذا عن الاستمرارية والتدرج ، أما عن الاعتدال يقول الآباء الذين اختبــروا الحياة الروحية : " الطريق الوسطى خلصت كثيرين " ، وإذا أردنا أن نعرف كلمـة " الاعتدال " يمكننا القـول : أنـه عـدم التطرف يميناً أو شـمالاً ، أو عـدم المبالغة ، أو هو التوازن . أيتبادر إلى ذهنك كيف أحقق الاعتدال في حياتي الروحية ؟ أُجيبك : يا عزيزي أن للحياة الروحية ثلاثة أعمدة رئيسية وهي : " أب روحي ... قانون روحي ... وسط روحي . فمن الخطأ أن يظن الإنسان أنه يستطيع أن يقـود نفسه بنفسه ، مهـما كانـت مكانتـه أو قامتـه الروحيـة كبيرة ، فالكنيسـة قائمـة عـلى الخضـوع . الأب البطريرك يخضع لمجمع الأساقفة ، والمجمع بدوره يخضع للأب البطريرك ، وهناك آباء كهنة وشمامسة والجميع تحت خضوع ، فليحـذر كـل مـن يظـن في نفسه ، أنه أصبح مدركاً لكل شيء ، ويدرك كل الأمور . الخضوع يا صديقي هو صمام الأمان في الحياة الروحية .. إنـه الضـمان الوحيد ، أن يحيا الإنسان تلميذاً في مدرسة التواضع . بقي لنا أن نتأمل سوياً في الحياة الروحية والتطبيق العملي . هناك ثلاثة تطبيقات ، تضعنا في دائرة الحياة الروحية عملياً . قداسة البابا تواضروس الثانى البابا ال١١٨ عن كتاب خطوات
المزيد
21 يوليو 2022

شخصيات الكتاب المقدس عزرا

عزرا " عزرا هذا صعد من بابل وهو كاتب ماهر فى شريعة موسى "" عز 7: 6 " مقدمة ربما كان عزرا، صاحب المنبر الخشبى، هو أول واعظ فى كل التاريخ، بالمعنى المألوف المعروف الذى نراه الآن فى التفسير والتعليم والوعظ بين الناس!!... وقد سبقه - ولا شك - الكثرون من القادة والأنبياء والملوك الذين تحدثوا بكلمة اللّه إلى الناس بكل حماس وقوة وحمية، فى الحض والزجر والوعظ،... غير أن عزرا يكان يكون الأول من نوعه، الذى صنع منبراً خشبياً، وجمع الناس حوله ليعظهم ويشرح لهم كلمة اللّه، على النحو المألوف الآن عند جميع الوعاظ فى كل مكان،... وحق للبعض أن يدعوه لذلك أبا الوعاظ وأمراء المنابر فى كل التاريخ!!... ومن المهم أن تعلم أن عزرا الكاهن كان أول « كاتب » فى شريعة موسى، بالمعنى الذى عرف به نظام « الكتبة » المشهور فيما بعد!!... أى أن الرجل الذي لا ينسخ الشريعة فحسب، بل يعلمها ويشرحها للناس،... كانت كلمة « الكاتب » قبل عزرا، تقصر على الناسخ الذى ينسخ الكلمة، كباروخ الذى كتب لإرميا،... لكن عزرا الكاتب أعطى الكلمة مفهوماً أعمق وأقوى... فهو الناسخ والشارح الذى يتعمق فى فهمها والوعظ بها للناس، وقصته جديرة بأن تروى للمؤمنين عامة، وللواعظ على وجه الخصوص. ولعلناً نلاحظه بعد ذلك فيما يلى: عزرا من هو!!؟ عندما سقطت بابل العظيمة أمام جحافل الفرس عام 538 ق.م. واعتلى كورش الفارسى عرش الإمبراطورية العظيمة، كان من أول أعماله أن سمح للمسبيين من اليهود الذين سباهم نبوخذ ناصر أن يرجعوا إلى بلادهم كما سبقت الإشارة فى دراسة شخصية زربابل، وقد تمكنوا بعد متاعب كثيرة من بناء الهيكل وتدشينه، وإقامة العبادة فيه حوالى عام 516 ق.م.، وأعقب ذلك فترة تبدلت فيها الأحوال، واختلط الراجعون من السبى بالوثنيين وتزاوجوا معهم، وضعفت عزيمتهم وروحهم المعنوية والدينية، وباتوا فى أمس حاجة إلى مصلح وهاد وواعظ، وقد تحقق لهم ذلك فى شخص عزرا الكاهن الكاتب، الذى أعطاه ارتحشستا الملك عام 458 ق.م. الأمر بالذهاب إلى أورشليم، هو ومن يريد أن يذهب معه من الباقين من السبى فى بابل، وأعطاهم الملك أموالا وقرابين وذبائح تقدم لبيت اللّه. وقد وصل عزرا ومعه حوالى 1700 رجل إلى أورشليم بعد خمسة شهور، وهناك قام بإصلاحه العظيم، وانقضى على ذهابه ثلاثة عشر عاماً، لاندرى هل عاد بعدها إلى بابل أم بقى فى أورشليم؟، وكل الذى نعلم أنه ظهر بعد هذه الفترة إلى جانب نحميا الوالى، وظهر ليكون معلم الأمة وواعظها، والأمير الأول من أمراء المنابر فى التاريخ.ولعله من المناسب أن نذكر أن هذا الرجل كان من سبط لاوى، وقد دون فى سفره نسبه حتى هرون الرأس. وكان حلقياً الكاهن، جده القريب، هو الذى اكتشف سفر الشريعة: فى بيت الرب، ولعل أحداً قص على عزرا الذى ولد فى السبى، ماذا فعل يوشيا يوم قرىء السفر أمامه، وكيف مزق ثيابه، واتضع أمام الرب، وقام باصلاحه العظيم،... وعلى أية حال، فإن عزرا اكتشف هو بنفسه هذا السفر عندما قيل عنه: « هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها » " عز 7: 10 "... ومن المحقق أن عزرا عاش فى بابل وأرشليم، متعظاً بكلمة اللّه، عميق التأمل فيها، يحفظها ويعمل بها قبل أن يطلب من الآخرين العمل بها!!.. وإذا كان من الواضح أن الرجل فوق منبره الخشبى، هو أول الوعاظ وأبوهم بالمعنى المفهوم حديثاِ، فقد حمل دون شك فى أعماقه خصائص الواعظ الناجح، وهذا الواعظ - كما يتعلم الطلاب فى كليات اللاهوت فى علم الوعظ - لا يمكن فصله عن العظة... لأن العظة عند فيلبس بروكس: « أن يقوم إنسان بتوصيل الحق إلى إنسان آخر »... والوعظ بهذا المعنى يشتمل على أمرين: الحق والشخصية، والفرق بين عظة وعظة، أو واعظ وواعظ - هو الفرق فى توافر هذين العنصرين أو غيابهما، أو نقص أحدهما أو اهتزازه أمام السامعين،... ويقول الدكتور جارفى مؤيداً هذا الاتجاه: « إن الوعظ ليس مجرد توصيل معلومات أو معارف، ذلك لأن الوعظ يستغرق شخصية الواعظ كلها، ومن ثم فهو يخاطب شخصية المستمع كلها باعتباره موضوعاً أدبياً أو دينياً، وطالما أن الحق الذى ينادى به ويدعو إليه الوعظ هو أمر يتعلق باللّه والحرية والخلود، كذلك فإن غايته وغرضه هو حفز الإيمان والدعوة إلى النهوض بالواجب وإبقاء جذوة الأمل والرجاء متقدة لا تخبو »... ومن المستحيل الوصول إلى ذلك دون التطلع إلى وجه الواعظ، ومحاولة النظر والتأكد، من أنه يعنى ما يقول، أن أقواله تنبع من وجدانه العميق... ويتفق المختصون بعلم الوعظ على أن من أهم سمات الواعظ أموراً أربعة توفرت بالتمام فى عزرا الواعظ، والكاتب الماهر فى شريعة السماء!!.. ولعل أولها: التقوى!!.. كان عزرا عميق الشركة مع اللّه، وتستطيع أن تبين ذلك، من أنه عاش فى بابل ينهل من الكلمة الإلهية، ويحرص على دراستها وتطبيقها فى حياته. والواعظ الناجح هو المستفيد الأول من العظة،... وقد كانت تقواه بارزة فى أكثر من إتجاه، فهو من أعمق الناس إحساساً بالخطية، ويكفى أن تراه وقد اكتشف فى أورشليم اختلاط الشعب وتزاوجهم مع غيرهم من الشعوب، وقد هاله هذا وأفزعه إلى أبعد الحدود: « فلما سمعت بهذا الأمر مزقت ثيابى وردائى ونتفت شعر رأسى وذقنى وجلست متحيراً، فاجتمع إلى كل من ارتعد من كلام إله إسرائيل من أجل خيانة المسبيين، وأنا جلست متحيراً إلى تقدمة المساء. وعند تقدمة المساء قمت من تذللى وفى ثيابى وردائى الممزقة جثوت على ركبتى وبسطت يدى إلى الرب إلهى. وقلت: اللهم إنى أخجل وأخزى من أن أرفع يا إلهى وجهى نحوك، لأن ذنوبنا قد كثرت فوق رؤوسنا، وآثامنا تعاظمت إلى السماء. منذ أيام آبائنا نحن فى إثم عظيم إلى هذا اليوم، ولأجل ذنوبنا قد دفعنا نحن وملوكنا وكهنتنا ليد ملوك الأرض للسيف والسبى والنهب وخزى الوجوه كهذا اليوم. والآن كلحيظة كانت رأفة من لدن الرب ليبقى لنا نجاه ويعطينا وتدا فى مكان قدسه لينير إلهنا أعيننا ويعطينا حياة قليلة فى عبوديتنا » " عز 9: 3 - 8 " وإذا كان اليهود اللذين حوله لا يرون هذه الرؤية أو يحسون هذا الإحساس، فإن مرجع الأمر هو أنه أعمق حساً وأكثر إدراكاً للذنب والخطية،... ومع أنه هو شخصياً كان بعيداً عن هذا الإثم، إلا أنه كان عميق التقوى، يحس أن خطايا شعبه هى خطاياه، وآثامهم هى آثامه،... وبعدهم عن اللّه، كأنما يشارك فيه على النحو المفزع القاسى البعيد!!... وكان الرجل، إلى جانب هذا، تقياً فى يقينه بإلهه واعتماده عليه،... كانت كلمته المفضلة أو التى هى شعار حياته، يد اللّه الصالحة علينا، " عز 7: 9، 8: 18 " وقد تكررت مرات فى اختباراته الشخصية وعندما سمح له الملك بالذهاب إلى أورشليم على رأس القافلة التى أشرنا إليها، وزوده بالتبرعات السخية، رأى فى ذلك يد اللّه معه، وقد حمل معه تقدمات تقدر بعملتنا الحالية بحوالى مليون ونصف مليون جنيه، ومثل هذه الثروة تغرى اللصوص، وقطاع الطرق، فى رحلة تستغرق خمسة أشهر، وقد أبى عزرا أن يستعين بقوة حارسة أو يطلب من الملك جيشاً وفرساناً لنجدتهم، لأنه كان قد سبق فأخبر الملك: « إن يد إلهنا على كل طالبيه للخير. وصولته وغضبه على كل من يتركه » " عز 8: 22 " فصاموا وصلوا وساروا فى طريقهم مشمولين بالحراسة والرعاية الإلهية حتى وصلوا إلى أورشليم!!... إن التقوى فى الواعظ هى إحدىِ خصائص النفس الروحية، وهى الحماس الأخلاقى البعيد الجذور الذي ينعكس على الاختبار الدائم فى علاقة الواعظ باللّه، وهى علاقة شركة وصداقة ورفقة طيبه يصبح الإنسان بمقتضاها خليلاً للّه، وهى - فى لغة أخرى - تكريس مهيب للّه،.. وهى ليست جامدة ساكنه، بل هى نشطة متحركة تمضى قدماً، متألقة مزدهية بالحق ومجد وفضائل النعمة المسيحية وبركاتها... وهى ليست شيئاً ينتمى إلى عالم آخر، بمعنى العزوف المتكبر والأنطواء المترفع عن حاجيات الناس ومصالحهم، بل هى تختلط بهم وتعاشرهم وتعاملهم، تندمج فى الحياة مزودة بل مسلحة بالفضائل المسيحية، وهى ليست ضعيفة خائرة، بل هى بطلة قوية، وبطولتها متركزة فى إنتصار الروح الرائع على الجسد، وهى الحقيقة الروحية التى لا تتقبل أى تهادن أو تهاون مع الزيف أو الكذب أو الخداع أو التظاهر أو النفاق، وهى فى الواقعية الروحية تعترف بوجود أعداء الحياة فى جوانبها الخلقية والروحية، ومن ثم تتحداهم، وليس من المبالغة فى شئ أن نذكر أن هذه السمة من سمات الروح هى المطلب الأول فى حياة الواعظ، والضمان لتأثيره وأثره إذ أنها تلهب الواعظ نفسه بالغيرة المتقدة بالحماس النارى، وهى التى تبقى الشعلة حية متوهجة وسط كل اللامبالاة الجليدية، التى ما أكثر ما يجد الواعظ نفسها وهو بجابهها.. إن هذه التقوى هى التى تظفر للواعظ بتقدير موعوظيه وعطفهم ونواياهم الطيبة، بل إن أكثر الناس شراً بينهم، سوف لا يتمالكون أنفسهم من أن يشعروا أن ذلك الحماس الصادق من جانبه، أمر خليق باحترامهم، وجدير بكل أنحناء وتقدير.. ولقد وعد اللّه مثل هذا الواعظ الصادق والأمين بأن يبارك جهوده وأتعابه!!.. ولا حاجة إلى القول إن التقوى بهذا المعنى كانت عميقة الجذور فى حياة عزرا، ولذا كان تأثيره عميقاً وبعيداً كما سنرى فى حياة الشعب والناس!!.. وإلى جانب التقوى كانت المواهب الطبيعية التى زوده بها - للّه، وهى الصفة الثانية فى حياة الواعظ،... والمواهب اللازمة لكل واعظ تبدأ أولا بقدرته على التفكير السليم الواضح، ثم تمتد بعد ذلك إلى العاطفة المتدفقة والفيض الزاحر من المشاعر والأحاسيس التى تتملكه، وهو إلى جانب هذا يحتاج إلى الخيال القوى المجنح الذى يرتفع ويعلو إلى العرش الإلهى، ويتجاوز الحدود المادية والمنظورة بين الناس، وبالإضافة إلى هذا كله لابد أن يتزود بالقدرة على التعبير، وامتلاك ناصية المنطق الفعال،... وأنت لا يمكن أن تقرأ عن عزرا دون أن تحس أنه يمتلكها جميعاً.. الصفة الثالثة فى الواعظ هى المعرفة، والمقصود بالمعرفة هو القدرة على الإحاطة بالكثير من المعلومات والحقائق،... وواضح أن عزرا كان على حظ كبير من الحنكة والدراية والإلمام، فقد كان كما يقول « ألكسندر هوايت » من ذلك النوع الذى تملك (جون كلفن) عندما حكم جنيف، « وجون نوكس » عندما سيطر على أدنبره،... وكان من المستحيل أن يجعله أرتحشستا على رأس العائدين ويزوده بالسلطان الكامل، ما لم يكن واثقاً فى مقدرة الرجل ودرايته وحنكته!!... والأمر الأخير الذى يؤكد أستاذة علم الوعظ ضرورة وجوده فى الواعظ هو المهارة،... وكان عزرا الكاتب الماهر، واحداً من أقدر الناس وأقواهم على المنبر، له تلك الأصالة التى ترتفع به فوق التقليد والمحاكاة وما أشبه، التى تعجز عن إطلاق الحق الإلهى دون تردد أو إبهام أو زيف!! فإذا كانت هذه هى المقاييس الوعظية الفنية، فإن عزرا الكاهن الماهر فى شريعة اللّه، كان من أقدر الوعاظ وأظهرهم، ويحق القول إنه أبوهم التاريخى القديم فى المنبر الذى أقامه، وبحسب مالدينا من معلومات لم يسبقه كاتب آخر أو واعظ مفسر لكلمة اللّه من فوق المنبر الذى درج هويتفيليد أن يدعوه عرشه العظيم!!... عزرا وكتاب الشريعة ولعل عزرا يعطينا هنا الدرس العظيم فى مفهوم العظة، وبعدها، وعمقها فإذا أخذنا بالتقسيم الفنِى للفظ، من حيث ارتباطها بالآية، لوجدنا ما يطلق عليه فى علم الوعظ، العظة الموضوعية، والعظة الآيية، والعظة التفسيرية،.. أما العظة الموضوعية فهى العظة التى تستخلص موضوعاً معيناً من الآية، تركز الحديث عليه، وتأخذ الأقسام فى استقلال عن الآية نفسها، وقد يعطى هذا الاستقلال اتساعاً ليس من السهل أن نجده فى الوعظ الآيى أو التفسيرى إذ يمكن للواعظ أن يعظ عن موضوع معين دون أن يكون محصوراً فى الآية وحدها، بل يمكن أن تمتد جولته فى الكتاب لينتقى من أرجائه الزهور ليجمعها فى باقة جميلة خلابة، دون أن يتقيد بركن معين أو مجموعة معينة من الزهور!!.. ولا نعتقد أن هذا النوع من الوعظ كان الأسلوب الذي لجأ عزرا إليه فى تفسير وشرح كلمة اللّه!!... أغلب الظن أن عزرا كان يتقن الوعظ الآيى أو التفسيرى. والعظة الآيية هى التى تكون الآية لحمتها وسداها، وتأخذ الموضوع الذى تطرقه من تحليلها للآية وشرحها لها، كما أن أقسامها ترجع دائماً إلى كلمات الآية أو أجزائها المختلفة، فهى فى الواقع نوع من التوسع، لما يمكن أن يستنبط من الآية أو ينطبق عليها، ولا شبهة فى أن هذا النوع من الوعظ يغوص فى البحث الكتابى أكثر من الوعظ الموضوعى، وإذا كان هذا الأخير عريضاً إلا أنه أقل عمقاً » والواعظ الماهر فى الوعظ الآىى أشبه بالغواص الذى ينزل إلى الأعماق البعيدة فى البحر بحثاً عن الدرر والجواهر حتى يعثر عليها ويخرجها لتبهر بجمالها الأنظار، والجماهير التى ألفته، والكنائس التى تعودت عليه تكون أقوى وأعمق فى البنيان المسيحى، والعظة التفسيرية هى بنفسها العظة الآيية، مع هذا الفارق، أنها لا تتقيد بآية واحدة، بل قد تكون قطعة كتابية كاملة، يغوص الواعظ فى أعماقها باحثاً عن دور الحق الإلهى فيها!!... وتاريخ الوعظ اليهودى - ابتداء من هذا الرجل العظيم وحتى العصور الحديثة - يميل إلى الوعظ الآيى أو التفسيرى دون الوعظ الموضوعى فهو يعتمد على قوة الكلمة الإلهية، وسلطانها، وفاعليتها فى النفس البشرية!!... وعظ عزرا الشعب من فوق منبر خشبى مرتفع، ومما لا شك فيه أن المنبر كان مرتفعاً ليستطيع الشعب أن يرى الواعظ ويستمع إليه، ولكن الارتفاع له معنى أعمق من ذلك، فالمنبر ينبغى دائماً أن يكون مرفعاً عن المقعد، لأنه يحمل صوت اللّه وسلطانه، ويفهم الجميع بأن الواجب الأول للمستمع أن يكون خاضعاً مطيعاً لكلمة اللّه وأمره، أما الواعظ نفسه فقد كان - كما أشرنا - أميراً من أمراء المنبر وواعظاً نموذجياً مجيداً. إذ وعظ بحياته وسيرته قبل أن يعظ بلسانه وكلامه، إذ كان رجلا غيوراً تقياً مصلياً، وعندما بدأ وعظه، بدأ بداءة الشخص المتمكن من تأملاته ودراسته وإرشاد الروح القدس له، وما أجمل مادة موضوعه! إذ لم تكن هذه المادة فلسفة وعلماً، منطقاً وخطابة وبلاغة، لقد كانت قبل كل شئ وبعد كل شئ، كلمة اللّه التى قرأها ببيان وفسر معناها للسامعين، وهل فعل أمراء المنبر فى كل التاريخ غير ما فعل عزرا قديماً، ففم الذهب، وأوغسطينوس وكلفن ومتى هنرى وتوماس جدوين - كما يقول الكسندر هوايت - لم يفعلوا أكثر مما فعل هذا الأمير الأول، والواعظ المتمكن، والمفسر للكلمة الإلهية الحية الفعالة!!.. ولا يستطيع الإنسان منا وهو يستعرض هذا التاريخ، إلا أن يتذكر كلمات ف. ب. ما ير عندما قال: « إن دراسة عزرا للكتاب تذكرنى بما حدث فى إنجلترا فى حكم الملكة أليصابات، حيث وضعت نسخة من الكتاب المقدس فى كاتدرائية القديس بولس، بعد أن أجيز للجمهور قراءته، ووقف جون بورتر بصوته الرائع يقرأ الكتاب للنفوس التى كانت متعطشة لسماع الكلمة الإلهية »... وهل يمكن نسيان الحب العميق الذي تمكن من مارى جونز الفتاة الفقيرة والتى كافحت، فى الأوقات التى كانت فيها نسخ الكتاب قليلة وباهظة الثمن حتى حصلت على نسخة منه، وعاشت حياتها وهى تدرسه دراسة عميقة حتى حفظت الكثير منه عن ظهر قلب، وعندما ماتت وضعوا هذه النسخة إلى جانب رأسها،... وصنعوا لها تمثالا عظيماً. بعد أن كانت السبب فى إنشاء دار الكتاب المقدس التى تنشره فى العالم، فى إنجلترا وغير إنجلترا!!.. عزرا والإصلاح العظيم الذى قام به كان أثر الكتاب بالغا وعميقاً فى حياة الشعب، وعندما التفوا حول منبر عزرا يفسر لهم كلمة اللّه، يقول نحميا فى الأصحاح الثامن من سفره: « اجتمع كل الشعب كرجل واحد إلى الساحة التى أمام الباب وقالوا لعزرا ».. " نخ 8: 1 " كانت رغبتهم قوية إلى الدرجة أنهم استمروا من الصباح إلى نصف النهار يستمعون « دون ضجر أو ملل، وقد بدا احترامهم للكلمة فى وقوفهم عندما فتح عزرا السفر، وفى سجودهم للرب عند صلاته. وقد تأثروا إلى درجة الدموع إذ بكوا حين سمعوا كلام الشريعة، ثم ذهبوا يعملوا بما سمعوا وفى الحقيقة إن القياس الصحيح لتأثير الكلمة الإلهية، ليس فى مجرد ما يسكب الإنسان من دموع، قد تكون وقتية، مهما كانت غزارتها، وكثرتها،... بل فيما تترك من أثر فى حياة الإنسان وسلوكه،... عندما وعظ بولس فى أفسس « كان كثيرون من الذين يستعملون السحر يجمعون الكتب ويحرقونها أمام الجميع. وحسبوا أثمانها فوجدوها خمسين ألفاً من الفضة ».. " أع 19: 18، 19 " أو ما يقرب من عشرة آلاف جنيه بعملتنا الحالية،... لقد كانت الكلمة الإلهية أقوى وأفعل من كل سحر شيطانى،... وعندما وعظ سافونا رولا فى فلورسنا أثر وعظه فى الكثيرين من الرجال والنساء والفنانين والموسيقيين، فأحضروا من الصور والزينات والتحف كل ما وجدوه غير لائق بالحياة المسيحية الصحيحة، وجعلوها أكواماً فى ميدان القديس مرقس وأحرقوها،... وقد سبقت الإشارة فى بعض الدراسات إلى الأثر البعيد العميق الذى أحدثه يوحنا ويسلى فى القرن الثامن عشر فى إنجلترا، عندما هوت الحياة الأدبية والروحية إلى الحضيص، ونادى الرجل بإنجيل المسيح وهو ينتقل من مكان إلى مكان ما بين الشوارع والأزقة، والمدن والقرى، والمصانع والمناجم، يعظ يومياً ما بين عظتين وخمس عظات، وكان اللّه معه، ففعل مالا تفعله قوات العالم مجتمعة معاً،... وقد كانت كلمة اللّه حية وفعالة عندما نادى بها عزرا، وليس أدل على هذا من انفصال الكثيرين من القادة والشعب عن الزوجات الوثنيات اللواتى تزوجوا منهن،... والحرص على تقديس يوم السبت والامتناع عن التعامل والبيع والشراء مما كان سارياً فى ذلك الوقت، والأخذ بالحياة المقدسة، والحرص على التدقيق فى مراعاة الفرائض، والطاعة للشريعة الإلهية!!... وقد فعلوا هذا كله بالدخول فى العهد المقدس مع اللّه!!. لقد أدرك الجميع ما قاله دكتور تشارلس رينولدز براون: « إن النجاة أو الدفاع عن مدينة أورشليم لا يتحقق بمجرد بناء سورها فالقرميد والملاط والقلاع والشرفات، قد تحقق دفاعاً جزئياً..، غير أن أعدى أعداء أية مدينة ليس خارجها، بل داخلها، إذ أن أقوى دفاع فى حياة المدينة، ليس ما هو مادى، بل ما هو أدبى وروحى، فإن لم يحرس الرب المدينة بالمبادئ العظيمة والمثل النبيلة المستقرة فى عقول وقلوب مواطنيها، فباطلا يتعب الحارس الذي يحرس أسوارها »... « ومن ثم فإن الانتباه الأعظم ينبغى أن يتحول من أسوار المدينة إلى قلوب الناس الذين يسكنون فيها، إذ يلزم أن تتحول الأفكار إلى السبل الروحية التى يستطيع بها خادم اللّه إنهاض الحياة الروحية وتقويتها فى نفوس الناس، وهو يفتح الكتاب أما مهم معلماً إياهم شريعة اللّه السماوية بفهم وبيان » ومن المهم أن تختم هنا بما ذكره نحميا فى الأصحاح الثامن من جواب الشعب على الكلمة الإلهية إذ ردد بعمق وسجود: آمين آمين!!... والكلمة « آمين » من أكثر الكلمات شيوعاً وترديداً على لسان المؤمنين دون أن يدركوا على الأغلب عمقها وكنهها والكلمة فى أصلها العبرانى تعنى « ليكن هكذا »!!... فعندما نرددها فى صلاة أو ترنيمة أو بركة، نحن نقصد أن نقول فى الختام.. ليكن هكذا يارب، فإذا ردد المؤمنون معاً « آمين »، فإنها تبدو، كما كان المسيحيون القدامى يعتقدون، كالرعد الهارى أو موج البحر الذي يصفق على الصخور!!... وقد كان هناك تقليد عند الربيين اليهود أطلقوا عليه: « آمين اليتيم »... ويقولون إن هذه الآمين، هى التى يقولها الناس بدون وعى أو فهم أو تأمل،... وأن من يقولها يموت ويصبح أولاده يتامى!!... وعلى العكس من ذلك، إذا نطقها إنسان بكل هيبة ووقار وحرص وإيمان، فإن أبواب الفردوس ستفتح أمامه!!... ولا شبهة فى أن المجتمعين حول عزرا، هدر صوتهم كالرعد القاصف وهم يقطعون العهد مع اللّه فى صيحة قوية « آمين آمين ».. وعبر بهم الرجل برزخ الضياع والتقهقر والتعاسة والردة، إلى الحياة المباركة االتى خرجت من سبى أقسى من السبى البابلى، سبى الخطية والإثم والشر!!.. ليتك أيها الخاطئ، فرداً كنت أو بيتاً أو شباً أو كنيسة، تفعل هذا لتفلت من السبى القاسى الرهيب آمين آمين!!..
المزيد
20 يوليو 2022

ما هو الخير؟

كلنا نؤمن بالخير، ونريد أن نعمل الخير.ولكننا نختلف فيما بيننا في معنى الخير وفي طريقته. وما يظنه أحدنا خيرًا، قد يراه غيره شرًا!! فما هو الخير إذًا؟ وما هي مقاييسه؟ لكي نحكم على أي عمل بأنه خير، ينبغي أن يكون هذا العمل خيرًا في ذاته، وخيرًا في وسيلته.. وخيرًا في هدفه، وبقدر الإمكان يكون أيضًا خيرًا في نتيجته.وسنحاول أن نتناول هذه النقاط واحدة فواحدة، ونحللها. وسؤالنا الأول هو: ما معنى أن يكون العمل خيرًا في ذاته! وفى الواقع أن كثيرين -بنيه طيبة- قد يعملون أعمالًا يظنونها خيرًا. وهى على عكس ذلك ربما تكون شرًا خالصًا.. مثال ذلك الأب الذي يدلل ابنه تدليلًا زائدًا يتلفه، وهو يظن ذلك خيرًا!! ومثال ذلك أيضًا الأب الذي يقسو على ابنه قسوة تجعله يطلب الحنان من مصدر آخر ربما يقوده إلى الانحراف. وقد يظن ذلك الأب أن قسوته نوع من الحزم والتربية الصالحة. ومن أمثلة الذين يظنون عملهم خيرًا وهو شر في ذاته، أولئك الذين عناهم السيد المسيح بقوله لتلاميذه: "تأتى ساعة يظن فيها كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله".إن الناس يختلفون فيما بينهم في معنى الخير. ويختلفون في حكمهم على الأعمال. ويتناقشون حول ذلك ويتصارعون. وقد يعمل أحدهم عملًا، فيعجب به الناس ويمتدحونه، ويسرفون في مدحه، بينما يتضايق البعض من نفس هذا العمل الذي يمدحه زملاؤهم. ويتناظر الفريقان، وكل منهما يؤيد وجهة نظره بأدلة وبراهين، ويتولى الفريق الآخر الرد عليها بأدلة عكسية. ويبقى الحق حائرًا بين هؤلاء وهؤلاء.من أجل هذا كان على الإنسان أن يتمهل ويتروى، ولا يتعجل في حكمه على الأمور.بل على العكس أيضًا أن يعمل عملًا، ويحاول أن يتأكد أولًا من خيرية تصرفه. ومن أجل هذا أيضا أوجد الله المشيرين وذوى الخبرة والفهم كإدلاء في طريق الحياة. وهكذا قال الكتاب المقدس "الذين بلا مرشد يسقطون مثل أوراق الشجر". وأوجد الله المربين والحكماء. وجعل هذا أيضًا في مسؤولية الوالدين والمعلمين والقادة وآباء الاعتراف، وكل من يؤتمنون على أعمال التوعية والإرشاد.ولكن يشترط في المرشد الذي يدل الناس على طريق الخير، أن يكون هو نفسه حكيمًا، وصافيًا في روحه..وينبغي أن يكون هذا المرشد عميقًا في فهمه، لئلا يضل غيره من حيث لا يدرى ولا يقصد. ولهذا السبب لا يصح أن يسرع أحد بإقامة نفسه على هداية غيره، فقد قال يعقوب الرسول: "لا تكونوا معلمين كثيرين يا أخوتي، لأننا في أشياء كثيرة نعثر جميعنا".. حقًا ما أصعب السقطة التي تأتى نتيجة أن يتبوأ أي إنسان مسئولية الإرشاد فيضيع غيره.. ولهذا قال السيد المسيح: "أعمى يقود أعمى، كلاهما يسقطان في حفرة".لذلك كان كثير من الآباء المتواضعين بقلوبهم يهربون من مراكز القيادة الروحية، شاعرين أنهم ليسوا أهلًا لها، وخائفين من نتائجها. وعارفين أن الشخص الذي يقود غيره في طريق ما، أو ينصح غيره نصيحة معينه، إنما يتحمل أمام الله مسئولية نتائج توجيهاته ونصائحه، ويعطى حسابًا عن نفس هذا الشخص الذي سمع نصيحته. وقد قيل في ذلك إن نفسًا تؤخذ عوضًا عن نفس.فعلى الإنسان حينما يسترشد أن يدقق في اختيار مرشديه، ولا يسمع لكل قول، ولا يجرى وراء كل نصيحة مهما كان قائلها. وأن يتبع الحق وليس الناس. وكما قال بطرس الرسول: "ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس". إذن الخير مرتبط بالحق، ومرتبط بكلام الله إن أحسن الناس فهمه، وإن أحسنوا تفسيره، وإن ساروا وراء روحه لا حرفه.إن كلام الله هو الحق الخالص، والخير الخالص، ولكن تفسير الناس لكلام الله قد يكون شيئًا آخر.إن كلام الله يحتاج إلى ضمير حي يفهمه، وإلى قلب نقى يدركه. وما أخطر أن نحد كلام الله بفهمنا الخاص!! وما أخطر أن نغتر بفهمنا الخاص، ونظن أنه الحق ولا حق غيره، وأنه الفهم السليم ولا فهم غيره..! إن الذي يريد أن يعرف الخير، عليه أن يتواضع..يتواضع فيسأل غيره، ويقرأ ويبحث ويتأمل، محاولًا أن يصل وأن يفهم.. وحينما يسأل، عليه أن يسأل الروحيين المتواضعين الذين يكشف لهم الله أسراره. وعليه أن يسأل الحكماء الفاهمين ذوى المعرفة الحقيقية والإدراك العميق. وكما قال الشاعر: فخذوا العلم على أربابه واطلبوا الحكمة عند الحكماء لو كنا جميعًا نعرف الخير، ما كنا نتخاصم وما كنا نختلف.. علينا إذن -في تواضع القلب- أن نصلى كما صلى داود النبي من قبل: "علمني يا رب طرقك، فهمني سبلك".إن الصلاة بلا شك هي وسيلة أساسية لمعرفة الحق والخير، فيها وبها يكشف الله للناس الطريق السليم الصحيح. وهنا نسأل سؤالًا هامًا: هل الضمير هو الحكم في معرفة الخير؟ وهل نتبعه بلا نقاش؟ أجيب وأقول: يجب على الإنسان أن يطيع ضميره، ولكن يجب أيضا أن يكون ضميره صالحًا. فهناك ضمائر تحتاج إلى هداية. إن الأخ الذي قتل أخته دفاعًا عن الشرف، أو الأخ الذي قتل أخته لأنها أرادت الزواج بعد زوجها الأول.. ألم يكن كل منهما مستريح الضمير في قتله لأخته ؟! ألم يسر كل منهما على هدى من ضميره، وكان ضميره مريضًا؟! إن الضمير يستنير بالمعرفة: بالوعظ والتعليم، بالاسترشاد، بالنصح، بالقراءة.. فلنداوم على كل هذا، لكي يكون لنا ضمير صالح أمام الله لأننا كثيرًا ما نعمل عملًا بضمير مستريح، واثقين أنه خير..!! ثم يتضح لنا بعد حين أنه كان عملًا خاطئًا! فنندم على هذا العمل، الذي كان يريحنا ويفرحنا من قبل.وأمثال هذا العمل قد يسمى في الروحيات أحيانًا" خطيئة جهل" إن الإنسان الصالح ينمو يومًا بعد يوم في معرفته الروحية. وبهذا النمو يستنير ضميره أكثر، فيعرف ما لم يكن يعرفه، ويدرك أعماقًا من الخير لم يكن يدركها قبلًا. وربما بعض فضائله السابقة تتضح له كأنها لا شيء، بل قد يستصغر نفسه حينما كان يتيه بها في يوم ما..! من هنا كان القديسون متواضعين.. لأنهم كل يوم يكشفون ضآلة الفضائل التي جاهدوا من أجلها زمنًا طويلًا..! وذلك بسبب نمو ضميرهم وشدة استنارته في معرفة الخير والخير يرتبط بنسيانه إذ ننسى الخير الذي نفعله، من فرط انشغالنا بالسعي وراء خير آخر أعظم منه، نرى أننا لا نعمله نحن، وإنما يعمله الله بواسطتنا. وكان يمكن أن يعمله بواسطة غيرنا، ولولا أنه من تواضعه ومحبته شاء أن يتم هذا الخير على أيدينا، على غير استحقاق منا لذلك ولكن ما هو الخير؟ وكيف يكون خيرًا في ذاته؟ وفي وسيلته؟ وفي هدفه؟ وفي نتيجته؟ أري أنني قد طفت معك حول إطار هذه الصورة.. التي ليتنا نستطيع أن نتأملها في مقال آخر إن أحبت نعمة الله وعشنا.. قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث من كتاب مقالات روحية نشرت في جريدة الجمهورية
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل