المقالات
10 نوفمبر 2020
تَذْكَارُ الأرْبَعَةُ الأَحْيَاءُ غَيْرُ المتَجَسِّدينُ
أربعة كائنات سماوية حية، لكل منها وجه ، تتشفع في جنس البشر وحيوانات البرية وحيونات الحقل وطيور السماء، في صورة (وجه أسد وثوَر وإنسان ونسر).كائنات قريبة من الله له المجد أكثر من سائر الروحانيين السمائيين... ويرى الآباء في هذة الوجوة إشارة إلى الأناجيل الأربعة التي تدخل بالنفس إلى الخلاص فتتمتع بالملكوت السماوي، لا كأمر خارج عنها بل من داخلها، وتصير هي مَقدِ سًا للرب، وأشبه بمركبة نارية حاملة الله القدوس فيها.هذة الكائنات السماوية الحية غير المتجسدة لها أجنحة؛ يسترون بها عيونهم من بهاء عظمة مجد الله... تتحرك في كل الاتجاهات حاملة للعرش الإلهي ولا ظهر لها بل كلها وجوه وأعين دائمة التطلع للعرش بلا انقطاع، في حضرة دائمة ولقاء لا ينقطع.إنهم الأربعة الأحياء يشفعون وينشرون تمجيدهم في أربعة أقصاء جهات المسكونة الأصلية في الخليقة لأطراف الدنيا كلها، وهم قرون المذبح الأربعة دائمو التشفع ونطق الكرامة على أجنحة الرياح، الرب هو إكليلهم وهم مركبته... يصيحون بلا سكوت قدوس قدوس قدوس الحي إلى أبد الآبدين.أصواتهم وحركتهم مرعبة كصوت مياه كثيرة وكصوت جيش يصيحون تسبحة الغلبة والخلاص ، مملوؤن أعينًا ومخز نًا للمعرفة ، متلألئين كالبرق ، قريبين من الحمل ، وتسبحةالثلاثة تقديسات هي غذاؤهم وشبعهم " الله الآب القدوس والابن الوحيد القدوس والروح القدس القدوس " .يعطون المجد والكرامة والشكر للجالس على العرش الحي إلي أبد الآبدين؛ بالتقديس المثلث لإلهنا من أجل قداسته وقدرته وأزليته وسرمديته المطلقة. بطلبات الأربعة كائنات الأمراء الذين لضابط الكل والمفسرين الذين لملكوت السموات المسبحين للثالوث حاملي الكراسي؛ الذين أعطاهم السلطان أن يطرحوا العدو... الحيوان الأول طرح العدو، والثاني نزع قوته، والثالث جرده من حُلته، أما الرابع أنزله من علو السماء. بطلباتهم يارب أنعم لنا بغفران خطايانا..
القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
09 نوفمبر 2020
القيم الروحية فى حياة وتعاليم السيد المسيح (15) الوداعة
مفهوم الوداعة وعلاماتها
+ الوداعة هي والهدوء والوقار واللطف والبعد عن العنف.. الوداعة هى دماثة فى الأخلاق والوقار والسكينة والحلم . الوداعة تعنى الاتزان فى التفكير والقول والعمل والالتزام بالهدوء فى مختلف الظروف العامة ومواجهة المشكلات بروح الحلم والبساطة والوقار والاخلاق . ان الوداعة هى اقتداء بالسيد المسيح الذى تميز بالوداعة والتواضع والوقار ودعانا ان نتعلم منه { احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لاني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم }(مت 11 : 29).الوداعة هي بعد عنالغضب او الكراهية تشبها بالمسيح الذي لا يخاصم ولا يصيح ولايسمع أحد في الشوارع صوته. +الوداعة ثمرة من ثمار الروح القدس .. الروح القدس هو روح الوداعة والحكمة والقداسة ومن ثمارة الوداعة بعكس السلوك حسب شهوات الجسد { واعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة.عبادة الاوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة. حسد قتل سكر بطر وامثال هذه التي اسبق فاقول لكم عنها كما سبقت فقلت ايضا ان الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله.واما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان.وداعة تعفف} غلا 19:5-23 . عندما نحيا فى مخافة الله ومحبته ونسعى باجتهاد وصلاة ليعمل فينا فاننا نقتنى هذه الثمرة الطيبة التى بها بها نسمو ونربح من حولنا بالمحبة واللطف والهدوء. ومن خلال الوداعة والمسامحة يستطيع كل من يتعامل مع الإنسان أن يكتشف انه مسيحي، ليس بالاسم بل بالواقع العملي، لان المسيحية ليست ديانة تكتب في هوية الأحوال المدنية بل هي حياة يعيشها المؤمن الحقيقي، متسربلا بثوب العفة والطهارة واحتمال الآخرين .الوداعة هي سلاح قوي قادر أن يدخل القلوب ويغيرها لتكون رقيقة وممتزوجة بالطيبة أن الوداعة قوة خارقة قادرة أن تجعل من المرء حليما وحكيما، مع رؤسائه ومرؤوسيه . لا يتذمر ولا يقاوح اويجادل ولا يتذمر ولا يصاب بالكأبة أويواجه حتى الاساءة بالاساءة بل بالاحسان { لا يغلبنك الشر بل اغلب الشر بالخير} (رو 12 : 21).
+ القساوة والكبرياء ونتائجهم السلبية.. اننا عندما ننظر حولنا ونرى النتائج المرة لقساوة القلب والغضب والعجرفة والكبرياء ندرك أهمية الوداعة . العنف لا يولد الا العنف ونحن لا نستطيع ان نطفئ نيران الكراهية بالكراهية بل بالحكمة والوداعة واحتمال نقائص الآخرين .ان القساوة تصنع مرضي نفسيين حاقدين على من حولهم مما يقود الى العنف وتفشى الجريمة وتبعد المحبة والسلام عن بيوتنا ومجتمعاتنا، والغضب ينتج عنه الخصام وعدم التفاهم والكراهية والكبرياء تولد الخصومات والنزاعات والحروب. اننا قد صرنا نعانى من مجتمع تسود فيه ثقافة العنف الذى يفتقد فيه الانسان الى الأمن والامان وتسودة شريعة الغاب والبقاء للاقوي باللسان او الذراع او السلاح اننا ان لم نواجه كحكماء هذه الظواهر المرضية بقوة الأخلاق والقانون والرفض الاجتماعى للعنف والكراهية والبلطجة سنجد انفسنا قد اصبحنا مجتمع بدائي متخلف ينحدر من هوة الى أخرى دون توقف اوعلاج .
+ الوداعة وترويض النفس والمكأفاة فى الارض والسماء .. لقد طوب السيد المسيح الوداعة { طوبى للودعاء لانهم يرثون الارض} (مت 5 : 5) الكلمة اليونانيّة هنا المترجمة (ودعاء) إنّما تستخدم لوصف الحيوانات المستأنسة، وكأن السيّد يطوّب طبيعتنا التي كانت قبلاً شرسة، وقد خضعت لله مروّضها، فتحوّلت إلى ألفة وحسن عشرة فى علاقتها مع الذات والغير والله بعدما كانت عنيفة صارت مروضة ، قد رُوِّضت غرائزها ودوافعها. أمّا المكافأة فهي أن ترث الأرض فبعدما كان شرسًا ومقاومًا للروح صارحتى الجسد الترابى خادمًا للروح ملتهبًا بنار الروح القدس.ولئلا تُفهم الوداعة كحياة خنوع أو ضعف قدّم السيّد نفسه مثالاً للوداعة، بقوله: {تعلّموا منّي لأني وديع ومتواضع القلب}، ليس لأنه كان محتاجًا إلى ترويض، بل بوداعته الطبيعيّة غير المكتسبة يُروِّضنا. يهبنا حياته فينا فتحمل وداعته داخلنا. العالم يظن أن الشخص الوديع يفقد الكثير بسبب خبث الأشرار ومكائدهم، لهذا أكّد السيّد أن المكافأة هي (ميراث الأرض). وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: أن الأرض هنا تُفهم بالمعنى الحرفي، بينما يظن أن الوديع يفقد ماله، يعد المسيح عكس ذلك، إنه لا يحثّنا بالبركات العتيدة فحسب بل وبالبركات الحاضرة أيضًا. لكن ما يقوله لا يعني أنه يحدّد المكافأة في الأمور الحاضرة، وإنما يربطها بالعطايا الأخرى أيضًا. ففي حديثه عن الأمور الروحيّة لا يستبعد الأمور الخاصة بالحياة الزمنيّة.
+ الوداعة لا تعنى الخمول او عدم الشجاعة .. أن البعض قد يفهم الوداعة فهما خاطئاً وكأن الوديع يبقى بلا شخصية ولا فاعلية، وكأنه جثة هامدة خاملة لا تتحرك . ان هذا فهم خاطئ للوداعة يتنافى مع تعليم الكتاب ومع سير الانبياء والاباء وكما يقول قداسة البابا شنوده الثالث( الحقيقة ان الوداعة لا تتعارض مع الشهامة والشجاعة والنخوة والحزم. الوديع يعرف ان { لكل شيء زمان و لكل امر تحت السماوات وقت} جا1:3. المهم ان يعرف الوديع كيف يتصرف ومتى ؟). يجب ان نعرف اذاً متى نكون طيبين ولطفاء فى حكمة وعندما يدعو الموقف الى الشهامة والشجاعة والحزم والشهادة للحق لابد ان نكون شجعان فى شهامة وكرم . ان امتناعنا عن التحرك للدفاع عن المظلوم والايتام والضعفاء ليس وداعة بل ضعف فى الشخصية ورخاوة فى الطبع ولا مبالاة نحو من حولنا . الاخلاق الكريمة والروحانية الحقة لا تعني التمسك بفضيلة دون الاخري بل تعنى التكامل والحكمة بين الفضائل . ففضيلة الوداعة لا يجوز لها أن تعطل الفضائل الاخرى.
ابراهيم ابو الاباء كمثال .. تميز بالوداعة وطيبة القلب ومعها الشجاعة والشهامة .. رايناه وديع، طيبا مع الجميع ومع لوط ابن اخاه وكان هو العم الاكبر الذى اتى بلوط معه من اور العراق وكان يدعوه اخاه وعندما تخاصم رعاة لوط مع رعاة ابراهيم تكلم فى وداعة مع لوط لحل المشكلة بل جعل لوط يختار الافضل من الارض لانه كان عف النفس طيب القلب {ولوط السائر مع ابرام كان له ايضا غنم وبقر وخيام. ولم تحتملهما الارض ان يسكنا معا اذ كانت املاكهما كثيرة فلم يقدرا ان يسكنا معا. فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي ابرام ورعاة مواشي لوط وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الارض.فقال ابرام للوط لا تكن مخاصمة بيني وبينك وبين رعاتي ورعاتك لاننا نحن اخوان.اليست كل الارض امامك اعتزل عني ان ذهبت شمالا فانا يمينا وان يمينا فانا شمالا } تك5:13-9. ولكن عندما قام جيش من شمال البلاد بالاغارة على سدوم وسبوا لوط ابن اخاه واسرته وذهبوا رايناه شجاعا شهما { فاتى من نجا واخبر ابرام العبراني وكان ساكنا عند بلوطات ممرا الاموري اخي اشكول واخي عانر وكانوا اصحاب عهد مع ابرام. فلما سمع ابرام ان اخاه سبي جر غلمانه المتمرنين ولدان بيته ثلاث مئة وثمانية عشر وتبعهم الى دان. وانقسم عليهم ليلا هو وعبيده فكسرهم وتبعهم الى حوبة التي عن شمال دمشق.واسترجع كل الاملاك واسترجع لوطا اخاه ايضا واملاكه والنساء ايضا والشعب} تك 13:14-17. ان الرب عاقب عالى رئيس الكهنة قديماً لانه لم يكن حازما مع اولاده عندما سمع بخطاياهم البشعة ولم يردعهم {فقال صموئيل تكلم لان عبدك سامع. فقال الرب لصموئيل هوذا انا فاعل امرا في اسرائيل كل من سمع به تطن اذناه. في ذلك اليوم اقيم على عالي كل ما تكلمت به على بيته ابتدئ واكمل. وقد اخبرته باني اقضي على بيته الى الابد من اجل الشر الذي يعلم ان بنيه قد اوجبوا به اللعنة على انفسهم ولم يردعهم. ولذلك اقسمت لبيت عالي انه لا يكفر عن شر بيت عالي بذبيحة او بتقدمة الى الابد} 1صم 10:3-14.
+ الوداعة وفن التعامل مع الآخرين.. الوداعة تجعل الإنسان ناجحا فى علاقاته مع الآخرين ومحبوباً منهم فهو لا يميل الى العنف او الانتقاد بل يحترم الاخرين ويقدرهم ولا يقيم نفسه قاضيا على الغير او يتدخل فيما لا يعنيه وان طلبوا تدخله يُصلح الامور بهدوء ورقة دون ان يجرح مشاعر الغير. يجعل الاخرين يحترمون رأيه دون ان يفرضه عليهم ولا يغضب على الاخرين حتى لو صدرت منهم الفاظ جارحه بل يعالج الامور بحكمة . الشخص الوديع تراه باشا باسما، لا يعبس فى وجه الاخرين ويعلم ان وجهه ليس ملكه فهو لايراه الا فى المرآة لذلك تراه يرحب بابتسامة صادقة بالغير . واذ يعلم ان الكلام اللين يصرف الغضب والكلام الموجع يهيج السخط ، فانه يقدم كلاما طيباً للخير من قلب محب للاخوة . الوديع يعرف ان القساوة والغضب ضعف وليس قوة فيعمل بالوداعة على ارضاء الغير {فيجب علينا نحن الاقوياء ان نحتمل اضعاف الضعفاء ولا نرضي انفسنا. فليرض كل واحد منا قريبه للخير لاجل البنيان. لان المسيح ايضا لم يرض نفسه بل كما هو مكتوب تعييرات معيريك وقعت علي. لان كل ما سبق فكتب كتب لاجل تعليمنا حتى بالصبر والتعزية بما في الكتب يكون لنا رجاء. وليعطكم اله الصبر والتعزية ان تهتموا اهتماما واحدا فيما بينكم بحسب المسيح يسوع} رو 1:15-5.
+ صفات الشخص الوديع.. الشخص الوديع يتصف بالبشاشة والمحبة والهدوء فى الملامح والمشى والتصرفات والصمت الحكيم والتواضع امام الله والناس . يثق فى ثقة ببساطة فى وعود الله وانه صانع الخيرات الرحوم والقادر يخرجه من كل ضيقة وهو مسالم وهادئ متزن فى حله للمشكلات ومواجهته للتجارب والضيقات وفى تعامله مع الآخرين يتميز باللطف ودماثة الخلق ويتحمل ضعفات الضعفاء فى حكمة ودون ضجر اوتذمر ويتميز بسهولة التعامل معه بعكس الانسان القاسي او المتكبروالملتوي الخبيث .الوديع شخص قوى شجاع يضبط نفسه وانفعالته واقواله وتصرفاته حتى وسط الجو العاصف والخصام . الوداعة اذا فضيله حلوة نحتاج اليها فى حياتنا الشخصية والاسرية وفى مواجهة التحديات التى تواجهنا لنتجاوزها فى وداعة وحكمة وبساطه القديسين .
وداعة السيد المسيح وتعاليمه المقدسة
+ تكلمت النبؤات فى العهد القديم عن المسيح الوديع.. ومجئيه الى العالم وديع وهادى لكنه لا يكل او ينكسر حتى يضع الحق فى الارض {وضعت روحي عليه فيخرج الحق للامم.لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة خامدة لا يطفئ الى الامان يخرج الحق.لا يكل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الارض وتنتظر الجزائر شريعته} اش 1:42-4. لقد راي زكريا النبى دخوله الى اورشليم فى وداعة وتواضع {ابتهجي جدا يا ابنة صهيون اهتفي يا بنت اورشليم هوذا ملكك ياتي اليك هو عادل ومنصور وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن اتانْ} (زك 9 : 9).
وبهذه الوداعة { روح السيد الرب علي لان الرب مسحني لابشر المساكين ارسلني لاعصب منكسري القلب لانادي للمسبيين بالعتق وللماسورين بالاطلاق.لانادي بسنة مقبولة للرب وبيوم انتقام لالهنا لاعزي كل النائحين.لاجعل لنائحي صهيون لاعطيهم جمالا عوضا عن الرماد ودهن فرح عوضا عن النوح ورداء تسبيح عوضا عن الروح اليائسة فيدعون اشجار البر غرس الرب للتمجيد} اش 1:61-3. لهذا راينا السيد المسيح في بدء خدمته دخل الى مجمع الناصرة وقال لهم اليوم تم هذا المكتوب على مسامعكم {وجاء الى الناصرة حيث كان قد تربى ودخل المجمع حسب عادته يوم السبت وقام ليقرا. فدفع اليه سفر اشعياء النبي ولما فتح السفر وجد الموضع الذي كان مكتوبا فيه.روح الرب علي لانه مسحني لابشر المساكين ارسلني لاشفي المنكسري القلوب لانادي للماسورين بالاطلاق وللعمي بالبصر وارسل المنسحقين في الحرية. واكرز بسنة الرب المقبولة. ثم طوى السفر وسلمه الى الخادم وجلس وجميع الذين في المجمع كانت عيونهم شاخصة اليه.فابتدا يقول لهم انه اليوم قد تم هذا المكتوب في مسامعكم. وكان الجميع يشهدون له ويتعجبون من كلمات النعمة الخارجة من فمه} لو 16:4-22.
+ بالوداعة عمل وعلم .. كان يجول فى المدن والقرى وبين الحقول وفى الطرقات وفى المجامع والهيكل ، يعلم ويشفى كل مرض وضعف فى الشعب ويمحو الذنب بالتعليم ويشبع الجموع ويشفق على الجموع وعلى كل رجل وامراة وطفل {و لما راى الجموع تحنن عليهم اذ كانوا منزعجين ومنطرحين كغنم لا راعي لها }(مت 9 : 36). وعندما بدء العظة على الجبل رايناه يطوب الودعاء والمساكين والمضطهدين {ولما راى الجموع صعد الى الجبل فلما جلس تقدم اليه تلاميذه . ففتح فاه وعلمهم قائلا. طوبى للمساكين بالروح لان لهم ملكوت السماوات. طوبى للحزانى لانهم يتعزون. طوبى للودعاء لانهم يرثون الارض. طوبى للجياع والعطاش الى البر لانهم يشبعون. طوبى للرحماء لانهم يرحمون. طوبى للانقياء القلب لانهم يعاينون الله. طوبى لصانعي السلام لانهم ابناء الله يدعون. طوبى للمطرودين من اجل البر لان لهم ملكوت السماوات. طوبى لكم اذا عيروكم و طردوكم و قالوا عليكم كل كلمة شريرة من اجلي كاذبين.افرحوا وتهللوا لان اجركم عظيم في السماوات فانهم هكذا طردوا الانبياء الذين قبلكم} مت 1:5-12. دعانا الى تعلم الوداعة والتواضع منه فنستريح {تعالوا الي يا جميع المتعبين والثقيلي الاحمال وانا اريحكم.احملوا نيري عليكم وتعلموا مني لاني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.لان نيري هين وحملي خفيف} مت 28:11-30.
+ وداعته فى التعامل مع الاطفال.. كان وديعا مع الأطفال محباً لهم يريد ان يشجعهم وينميهم ويجعلهم مثالاً لنا فى التواضع والوداعة والبساطة {فقدموا اليه الاطفال ايضا ليلمسهم فلما راهم التلاميذ انتهروهم. اما يسوع فدعاهم و قال دعوا الاولاد ياتون الي ولا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق اقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله} لو 15:18-17. وعندما سالوه عن من هو الاعظم فى الملكوت قال لهم ان يتعلموا من الاطفال التواضع والوداعة والبساطة ومن وداعته قال لنا من يقبل الاطفال فكانه قبلني { في تلك الساعة تقدم التلاميذ الى يسوع قائلين فمن هو اعظم في ملكوت السماوات.فدعا يسوع اليه ولدا و اقامه في وسطهم. وقال الحق اقول لكم ان لم ترجعوا وتصيروا مثل الاولاد فلن تدخلوا ملكوت السماوات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الاعظم في ملكوت السماوات .ومن قبل ولدا واحدا مثل هذا باسمي فقد قبلني. ومن اعثر احد هؤلاء الصغار المؤمنين بي فخير له ان يعلق في عنقه حجر الرحى ويغرق في لجة البحر} مت 1:18-6.
+ كما رفع من شأن المرأة واحترمها .. ودافع عن الخطاة منهن محرراُ اياهم من قيود الخطية والظلم الإجتماعى فعندما امسك شيوخ اليهود بامرأة فى ذات الفعل تركوا الرجل وصبوا جام غضبهم على المرأة وارادوا ان يروا ما هو حكمه عليها، رايناه يدافع عنها ويحررها من ايديهم {وقدم اليه الكتبة والفريسيون امراة امسكت في زنا ولما اقاموها في الوسط. قالوا له يا معلم هذه المراة امسكت وهي تزني في ذات الفعل. وموسى في الناموس اوصانا ان مثل هذه ترجم فماذا تقول انت . قالوا هذا ليجربوه لكي يكون لهم ما يشتكون به عليه واما يسوع فانحنى الى اسفل وكان يكتب باصبعه على الارض.ولما استمروا يسالونه انتصب وقال لهم من كان منكم بلا خطية فليرمها اولا بحجر. ثم انحنى ايضا الى اسفل وكان يكتب على الارض. واما هم فلما سمعوا وكانت ضمائرهم تبكتهم خرجوا واحدا فواحدا مبتدئين من الشيوخ الى الاخرين وبقي يسوع وحده والمراة واقفة في الوسط. فلما انتصب يسوع ولم ينظر احدا سوى المراة قال لها يا امراة اين هم اولئك المشتكون عليك اما دانك احد. فقالت لا احد يا سيد فقال لها يسوع ولا انا ادينك اذهبي ولا تخطئي ايضا} يو 3:8-11. ومع المرأة السامرية رايناه يرفع العداوة بين اليهود والسامريين وبين المراة والرجل ويخاطبها فى ود ويشجعها على التوبة ومعرفة وعبادة الله بالروح والحق.
+ وديعاً مع الخطاة والعشارين والمنبوذين .. كان فى حب يدافع عن الخطاة والعشارين ويقدم لهم المحبة والوداعة فاتحا لهم باب الرجاء والخلاص {لان ابن الانسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك. ماذا تظنون ان كان لانسان مئة خروف وضل واحد منها افلا يترك التسعة والتسعين على الجبال ويذهب يطلب الضال. وان اتفق ان يجده فالحق اقول لكم انه يفرح به اكثر من التسعة والتسعين التي لم تضل.هكذا ليست مشيئة امام ابيكم الذي في السماوات ان يهلك احد هؤلاء الصغار} مت 11:18-14.
كما رايناه يشفق علي المرضى بالبرص الذى كان يعتبر رمزا للنجاسة والنبذ من المجتمع { اذا ابرص قد جاء وسجد له قائلا يا سيد ان اردت تقدر ان تطهرني.فمد يسوع يده و لمسه قائلا اريد فاطهر وللوقت طهر برصه. فقال له يسوع انظر ان لا تقول لاحد بل اذهب ار نفسك للكاهن وقدم القربان الذي امر به موسى شهادة لهم} مت 2:8-4. ومع أعمى اريحا الذى كان يتسول على الطريق، راينا الجموع تزجر الاعمي ان يسكت لكن السيد المسيح يذهب اليه فى محبة ووداعة ويشفيه {وجاءوا الى اريحا و فيما هو خارج من اريحا مع تلاميذه وجمع غفير كان بارتيماوس الاعمى ابن تيماوس جالسا على الطريق يستعطي.فلما سمع انه يسوع الناصري ابتدا يصرخ ويقول يا يسوع ابن داود ارحمني. فانتهره كثيرون ليسكت فصرخ اكثر كثيرا يا ابن داود ارحمني. فوقف يسوع وامر ان ينادى فنادوا الاعمى قائلين له ثق قم هوذا يناديك.فطرح رداءه و قام وجاء الى يسوع. فاجاب يسوع وقال له ماذا تريد ان افعل بك فقال له الاعمى يا سيدي ان ابصر .فقال له يسوع اذهب ايمانك قد شفاك فللوقت ابصر وتبع يسوع في الطريق} مر 46:10-52.
+ وداعته مع مقاوميه واعدائه.. راينا السيد المسيح فى وداعته يعمل علي أقناع المقاومين له بحجته ومنطقه الرزين فى حكمة { ثم انصرف من هناك و جاء الى مجمعهم. واذا انسان يده يابسة فسالوه قائلين هل يحل الابراء في السبوت لكي يشتكوا عليه. فقال لهم اي انسان منكم يكون له خروف واحد فان سقط هذا في السبت في حفرة افما يمسكه ويقيمه. فالانسان كم هو افضل من الخروف اذا يحل فعل الخير في السبوت. ثم قال للانسان مد يدك فمدها فعادت صحيحة كالاخرى} مت 9:12-13.
رايناه يدافع عن تلاميذه عندما جاعوا فى السبت واخذوا يلتقطون السنابل ويفركوها بايديهم وياكلونها وكان هذا للفريسيين بمثابة كسراً لقدسية السبت {في ذلك الوقت ذهب يسوع في السبت بين الزروع فجاع تلاميذه و ابتداوا يقطفون سنابل وياكلون. فالفريسون لما نظروا قالوا له هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت. فقال لهم اما قراتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله واكل خبز التقدمة الذي لم يحل اكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط. او ما قراتم في التوراة ان الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم ابرياء.و لكن اقول لكم ان ههنا اعظم من الهيكل.فلو علمتم ما هو اني اريد رحمة لا ذبيحة لما حكمتم على الابرياء. فان ابن الانسان هو رب السبت ايضا} مت 1:12-8.
وعندما اتهموه انه برئيس الشياطين يخرج الشياطين لم يغضب عليهم بل كان حزينا على غلاظة قلوبهم وناقشهم بالمنطق والحجة {ثم دخل ايضا الى المجمع و كان هناك رجل يده يابسة. فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه.فقال للرجل الذي له اليد اليابسة قم في الوسط.ثم قال لهم هل يحل في السبت فعل الخير او فعل الشر تخليص نفس او قتل فسكتوا.فنظر حوله اليهم بغضب حزينا على غلاظة قلوبهم وقال للرجل مد يدك فمدها فعادت يده صحيحة كالاخرى. واما الكتبة الذين نزلوا من اورشليم فقالوا ان معه بعلزبول وانه برئيس الشياطين يخرج الشياطين.فدعاهم وقال لهم بامثال كيف يقدر شيطان ان يخرج شيطانا. وان انقسمت مملكة على ذاتها لا تقدر تلك المملكة ان تثبت. وان انقسم بيت على ذاته لا يقدر ذلك البيت ان يثبت. وان قام الشيطان على ذاته وانقسم لا يقدر ان يثبت بل يكون له انقضاء.لا يستطيع احد ان يدخل بيت قوي وينهب امتعته ان لم يربط القوي اولا وحينئذ ينهب بيته} مر1:3-5،22-27.
+ السيد المسيح يحذرنا من الغضب .. ان السيد المسيح يدعونا الى ان نتعلم منه التواضع والوداعة ويحذرنا من الغضب لخطورته { قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تقتل ومن قتل يكون مستوجب الحكم.واما انا فاقول لكم ان كل من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم ومن قال لاخيه رقا يكون مستوجب المجمع و من قال يا احمق يكون مستوجب نار جهنم} مت 21:5-22. ان الغضب يفقدنا حلمنا ووداعتنا ويقودنا الى فقد أعصابنا وقد يتطور ويقود الى الكراهية والحقد والجريمة { الرجل الغضوب يهيج الخصام و الرجل السخوط كثير المعاصي} (ام 29 : 22). ومع الغضب تكثر الاخطاء والخطايا لهذا قال القديس يعقوب الرسول { لان غضب الانسان لا يصنع بر الله} (يع 1 : 20). وينبهنا الكتاب قائلا{ لا تسرع بروحك الى الغضب لان الغضب يستقر في حضن الجهال} (جا 7 : 9). من اجل هذا قال القديس اسحق السريانى : ( ان الذى يصوٌم فمه عن الغذاء ولا يصٌوم قلبه عن الغضب والحقد ولسانه عن الأباطيل فصومه باطل فصلاة الحقود كبذار وقعت على الصخر، فالحقود يستثمر فى صلاته ما يستثمره الزارع فى البحر من الحصاد).
+ الوداعة والحزم والشجاعة .. لم تكن وداعة السيد المسيح ضعفا او افتقاراً للشجاعة بل شجاعة وقف أمام رؤساء الكهنة ومجمع السندريهم وامام هيرودس وبيلاطس معترفاً الاعتراف الحسن {في ذلك اليوم تقدم بعض الفريسيين قائلين له اخرج واذهب من ههنا لان هيرودس يريد ان يقتلك. فقال لهم امضوا وقولوا لهذا الثعلب ها انا اخرج شياطين واشفي اليوم وغدا وفي اليوم الثالث اكمل. بل ينبغي ان اسير اليوم وغدا وما يليه لانه لا يمكن ان يهلك نبي خارجا عن اورشليم. يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا.هوذا بيتكم يترك لكم خرابا والحق اقول لكم انكم لا ترونني حتى ياتي وقت تقولون فيه مبارك الاتي باسم الرب} لو 31:13-35. ورايناه قبل الصلب فى شجاعة وغيرة روحيه يطهر الهيكل من الباعة والصيارفة الذين حولوا بيت الصلاة الى مغارة لصوص {وجاءوا الى اورشليم ولما دخل يسوع الهيكل ابتدا يخرج الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام.ولم يدع احدا يجتاز الهيكل بمتاع.وكان يعلم قائلا لهم اليس مكتوبا بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الامم وانتم جعلتموه مغارة لصوص.وسمع الكتبة ورؤساء الكهنة فطلبوا كيف يهلكونه لانهم خافوه اذ بهت الجمع كله من تعليمه} مر15:11-18. وعلى الصليب كان كحمل يرفع خطايا البشرية لم يكن ضعيفا بل راينا وديعا يطلب من الآب السماوى المغفرة لصالبيه {فقال يسوع يا ابتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون } (لو 23 : 34).
+ الرسل القديسين وحياتهم وتعليمهم بوداعة.. سار الاباء الرسل على نهج معلمهم الصالح بوداعة ودعوا اليها فها هوذا القديس بطرس يوصينا بالوداعة واللطف والكلام الحسن حتى مع مبغضينا {والنهاية كونوا جميعا متحدي الراي بحس واحد ذوي محبة اخوية مشفقين لطفاء.غير مجازين عن شر بشر او عن شتيمة بشتيمة بل بالعكس مباركين عالمين انكم لهذا دعيتم لكي ترثوا بركة. لان من اراد ان يحب الحياة ويرى اياما صالحة فليكفف لسانه عن الشر وشفتيه ان تتكلما بالمكر. ليعرض عن الشر ويصنع الخير ليطلب السلام ويجد في اثره.لان عيني الرب على الابرار واذنيه الى طلبتهم ولكن وجه الرب ضد فاعلي الشر.فمن يؤذيكم ان كنتم متمثلين بالخير. ولكن وان تالمتم من اجل البر فطوباكم واما خوفهم فلا تخافوه و لا تضطربوا.بل قدسوا الرب الاله في قلوبكم مستعدين دائما لمجاوبة كل من يسالكم عن سبب الرجاء الذي فيكم بوداعة وخوف.ولكم ضمير صالح لكي يكون الذين يشتمون سيرتكم الصالحة في المسيح يخزون في ما يفترون عليكم كفاعلي شر.لان تالمكم ان شاءت مشيئة الله وانتم صانعون خيرا افضل منه وانتم صانعون شرا} 1بط 8:3-17.
وعلى ذات الدرب عمل وعلم القديس بولس الرسول { فاطلب اليكم انا الاسير في الرب ان تسلكوا كما يحق للدعوة التي دعيتم بها.بكل تواضع ووداعة وبطول اناة محتملين بعضكم بعضا في المحبة. مجتهدين ان تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام.جسد واحد وروح واحد كما دعيتم ايضا في رجاء دعوتكم الواحد.رب واحد ايمان واحد معمودية واحدة} اف 1:4-5. فكمختاري الله القديسين يكون لنا أحشاء رافات ووداعة. هكذا علينا ان نسير فى طريق الفضيلة والتقوى لنمسك بالحياة الابدية التى اليها دعينا {هذا واتبع البر والتقوى والايمان والمحبة والصبر والوداعة. جاهد جهاد الايمان الحسن وامسك بالحياة الابدية التي اليها دعيت ايضا واعترفت الاعتراف الحسن امام شهود كثيرين} 1تيم 11:6-12.
كيف نقتنى الوداعة ...
+ السيد المسيح قدوتنا.. نحتاج ان نجعل السيد المسيح قدوة لنا فى وداعته وتواضعه واحتماله وصبره { لانكم لهذا دعيتم فان المسيح ايضا تالم لاجلنا تاركا لنا مثالا لكي تتبعوا خطواته. الذي لم يفعل خطية ولا وجد في فمه مكر.الذي اذ شتم لم يكن يشتم عوضا و اذ تالم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل.الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبر الذي بجلدته شفيتم.لانكم كنتم كخراف ضالة لكنكم رجعتم الان الى راعي نفوسكم واسقفها} 1بط 21:2-25 . اننا يجب ان نفكر فى مختلف مواقف الحياة بماذا كان يرد او كيف كان يتصرف السيد المسيح لو كان مكاننا؟ { مع المسيح صلبت فاحيا لا انا بل المسيح يحيا في فما احياه الان في الجسد فانما احياه في الايمان ايمان ابن الله الذي احبني واسلم نفسه لاجلي} (غل 2 : 20). بهذا نغلب العالم ونقتنى الوداعة والحكمة { لانه من عرف فكر الرب فيعلمه و اما نحن فلنا فكر المسيح }(1كو 2 : 16).
+ اللطف والبعد عن القسوة ... اننا نحتاج الى الوداعة والرقة والبشاشة والشفقة والترفق بالآخرين والبعد عن الخشونة والقسوة والتعامل الإنسانى الذى يتسم باحترام الأخر وقبوله والتعاون مع الغير فى حل المشكلات {كونوا لطفاء بعضكم نحو بعض شفوقين متسامحين} (أف 2:4) . فهذه هى وصية الكتاب المقدس لنا { فالبسوا كمختاري الله القديسين المحبوبين احشاء رافات ولطفا وتواضعا ووداعة وطول اناة} (كو 3 : 12). علينا ان نسعى لاكتشاف النقاط المشتركة والبيضاء فى كلام وتصرفات وسلوك الاخرين ونبنى علينا ونعمل على كسب قلوبهم ونشجعهم على السلوك الحسن فنحن حين نريد ان نجنى العسل لا يجب علينا ابداً ان نحطم خلية النحل بل يجب علينا ان نغذى النحل ونزرع له الورود حتى وان تعرضنا للسعاته فى بعض الاحيان . فاننا لا ننكر ان الوديع قد يعانى من الظواهر السلبية حوله ولكن يحتمل الآخرين كمرضى فى حاجة الى علاج وليس كعدوى نبتعد عنها بسلبية وبغضة تذيد من تفاقم المرض.
+ التواضع ولوم النفس.. الانسان المتواضع لا يغضب من أحد ولا يغضب أحد ، تراه يلقى بالملامة على نفسه . وان أخطأ اليه أحد يسامحه ويقول فى داخل نفسه انى استحق ذلك بسبب خطاياى فيجد نعمة فى عين الله والناس { كذلك ايها الاحداث اخضعوا للشيوخ وكونوا جميعا خاضعين بعضكم لبعض وتسربلوا بالتواضع لان الله يقاوم المستكبرين واما المتواضعون فيعطيهم نعمة. فتواضعوا تحت يد الله القوية لكي يرفعكم في حينه.ملقين كل همكم عليه لانه هو يعتني بكم. اصحوا واسهروا لان ابليس خصمكم كاسد زائر يجول ملتمسا من يبتلعه هو. فقاوموه راسخين في الايمان عالمين ان نفس هذه الالام تجرى على اخوتكم الذين في العالم.واله كل نعمة الذي دعانا الى مجده الابدي في المسيح يسوع بعدما تالمتم يسيرا هو يكملكم ويثبتكم ويقويكم ويمكنكم} 1بط 5:5-10. اننا سنقف أمام الديان العادل لنعطى حسابا عن أفكارنا وأقوالنا وأعمالنا من اجل هذا نحرص ان لا نذيد أثقالنا بالكبرياء والغضب بل بالمحبة نستر كثرة من الخطايا ونستثمر ربح جزيل فى مسامحة المخطئين الينا{ فانه ان غفرتم للناس زلاتهم يغفر لكم ايضا ابوكم السماوي }(مت 6 : 14).
+ الجواب اللين فى حكمة .. يجب ان نحرص على هدوء أعصابنا وافكارنا واذا ما واجهنا انسان غاضب علينا او على من حولنا نعمل على تهدئته بالكلام اللين { الجواب اللين يصرف الغضب والكلام الموجع يهيج السخط (ام 15 : 1) . وان لم نستطيع فلنبتعد عن مصادقة الغضوبين او نبعد عنهم وقت غضبهم ان أمكن {لا تستصحب غضوبا ومع رجل ساخط لا تجئ }(ام 22 : 24). قد نحتاج الى الحكمة فى الرد فمع البعض يكون الصمت علاج ومع الاخرين يكون شرح الأمور وتفسيرها العلاج الناجع ومع البعض يكون أخذ الامور بهدوء والرد بفكاهة او ابتسامة او اعتذار هو الذى يلطف الجو ويهدئ المشاعر .
+ تذكر نتائج عدم الوداعة والغضب... يجب علينا ان نتذكر فى ساعات الغضب ، النتائج السيئة التي تترتب عليه ونضبط ذواتنا. نحن فى غضبنا نقول كلاما صعباً نندم عليه وليس من السهل علاجه واصلاحه وقد يتطور الغضب الى ما هو اسوء من خصام وأيذاء واعتداء على الغير وعلينا وتحطيم وأفساد للعلاقات . كما ان الغضب هزيمة للانسان الروحى وأنتصار لشيطان الغضب ويجلب الامراض ويفقدنا أبديتنا . لكن ليس معنى هذا ان نهرب من التعامل فى انطواء بل نهدء ونعمل على نقاوة قلوبنا وفى اوقات الهدوء نعاتب الاخرين فى محبة ووداعة وأعتذار على الاخطاء سواء منا او من الغير فنحن نهدف الى نمو المحبة وحسن المعشر وتقوية الروابط الاخوية فى حكمة ونمو فى حياة الفضيلة والبر.
الوداعة من أقوال مار افرام السرياني
مغبوط بالحقيقة مغبوط الإنسان الحاوي الوداعة لأن الرب المخلص القدوس يضمن له الارض والسماء قائلاً : مغبوطون الودعاء فإنهم يرثون ملكوت السموات، ويرثون الأرض. فماذا يكون أعظم من هذا التطويب ؟ ماذا يكون أعلى من هذا الوعد ؟ ماذا يكون أبْهى من هذا السرور ؟ أن يرث إنسان أرض الفردوس. فلذلك يا أخوتي إذ قد سمعتم فضل سمو هذا الوعد وجسامة وقدر ثروته فبادرا أن تقتنوا الوداعة ، وسارعوا إلى بَهاء الفضيلة إذ قد سمعتم شرفها فتخشعوا واحرصوا بكافة قوتكم أن ترثوا هذه الأرض لئلا نبكي بكاءً مراً متندمين حيث لا ينفع الندم ، إذ قد سمعتم تطويب الوداعة فبادروا إليها، أسمعتم ما قال عنها إشعياء النبي الصادق بالروح القدس: إلى من أنظر قال الرب إلا إلى الوديع الهادئ المرتعد من أقوالي. أترى لا يجب أن نتعجب من هذا الوعد، لأنه ماذا يكون أشرف من هذه الكرامة ؟ فاحذروا يا أخوتي أن يسقط أحدكم من هذا التطويب ومن الفرح والابتهاج الذي لا يحصى، أتضرع إليكم أن تبادروا متسارعين لتقتنوا الوداعة . فإن الوديع تزين بكل عمل صالح. الوديع إن سُبَ فرح، إن حزن شكر، يُسَكن غيظ الساخطين بالمحبة، يلبث متأدباً هادئاً في الخصومة، يبتهج في الأسهار، يفرح بالتواضع، لا يستعلي ذهنه بتقويماته، لا يتحير، يستعمل السكوت لدى الكل، يتعبد في كل طاعة، مستعد لكل عمل نجيب، في كل شئ ممدوح من الجماعة، خالٍ من الرياء.
القمص أفرايم الأورشليمى
المزيد
08 نوفمبر 2020
رفع البخور للقداس الإلهي
رفع البخور:
هي مقدمة للقداس من خلال رفع بخور عشية وباكر، ولما نقرأ في:
- (خر 30: 1 – 10): وتصنع مذبحًا لإيقاد البخور وتجعله قدام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة.. فيوقد عليه هارون بخورًا عطرًا كل صباح.. بخور دائمًا أمام الرب في أجيالكم.. هي مقدمة للقداس من خلال رفع بخور عشية وباكر، ولما نقرأ في:
- (خر 30: 1 – 10): وتصنع مذبحًا لإيقاد البخور وتجعله قدام الحجاب الذي أمام تابوت الشهادة.. فيوقد عليه هارون بخورًا عطرًا كل صباح.. بخور دائمًا أمام الرب في أجيالكم.. قدس أقداس هو للرب.
- (خر 30: 34 – 36): وقال الرب لموسى خذ لك أعطارًا ميعه وأظفارًا وقنة عطره ولبانًا تكون أجزاء متساوية فتصنعه بخورًا عطرًا صنعه العطار مملحًا نقيًا مقدسًا.
- (خر 30: 36 – 38): تستحق منه ناعمًا وتجعل منه قدام الشهادة في خيمة الاجتماع حيث اجتمع بك قدس أقداس يكون عندكم وبالبخور الذي تضعه علي مقاديره لا تضعوا لأنفسكم يكون عندك مقدسًا للرب.
هذه 3 قراءات تقسم إلى 3 أجزاء:
1- فكرة عن تركيبة البخور وأهمية تقديمه كذبيحة.
2- كيفية أن البخور شهادة لله أو عبادة أي شهادة لقدسية الله (قدوس القديسين) قابل العبادة و الصلاة.
3- البخور كقدس أقداس للصلوات المرفوعة لله لذلك تصاعد البخور لأعلي يعطي إحساس لارتفاع وصعود الصلاة المرفوعة لله والبخور للأيقونات تعبر عن شركة الصلاة بيننا وبينهم أي تختلط صلواتنا وصلواتهم وتصعد إلى فوق من أجلنا.
4- الله قد حرم استخدام البخور خارج بيت الله، إذ لا يستخدم إلا في بيت الله ولا يستخدم في البيوت والمنازل العادية. والكاهن يستخدمه في البيوت للصلاة والبركة. فهو يستخدم في بيوت المؤمنين عن طريق عمل الكهنوت. أما بخور الأصابع، أو أي شيء آخر ما هي إلا شيء ليغير رائحة المكان.
سؤال: هل البخور عمل وثني أم عمل مسيحي؟
سؤال آخر: هل البخور كان يستخدم في العهد القديم فقط أم ممكن استخدامه في العهد الجديد أيضًا؟
الإجابة: يذكر في (نش 1: 12) ما دام الملك في مجلسه أفاح ناردين رائحته، والناردين هو نوع من الطيب غالي الثمن مثل طيب ناردين الذي سكبته مريم أخت لعازر علي قدمي السيد المسيح. ما دام الملك في مجلسه تفيد الديمومة أو الاستمرار أو الجلوس الدائم وهو أسلوب عبادة لله، إذا ديمومة جلوس الله علي عرشه مرتبط بالبخور، إذا البخور من العطور (المواد العطرية) (المر – الميعة – السليخة) مستمر بل أكثر من ذلك نجد في (رؤ 8: 3 -4) وجاء ملاك آخر ووقف علي المذبح ومعه مبخره من ذهب وأعطي بخورًا كثيرًا لكي يقدمه مع صلوات القديسين جميعهم علي مذبح الذهب الذي أمام العرش فصعد دخان البخور مع صلوات القديسين من يد الملاك أمام الله.إذًا ملاك أمام المذبح وبيده المبخرة يقدم بخور كثير مع صلوات القديسين أما العرش في الأبدية.. فالبخور موجود حتى في الأبدية ونحن دائمًا نرشم البخور باسم الثالوث الأقدس فكيف إذًا يكون عمل وثني؟
وهناك إثباتات من الكتاب المقدس تبين أن البخور يستخدم في الكنيسة الأولى الرسولية قبل كل الانشقاقات: ففي العهد الجديد في الكنيسة الأولى نجد ما يفيد البخور في:
1- قصة الكشف والإعلان عن بتولية القديس ديمتريوس الكرام (البابا الثاني عشر) كان متزوجًا ويعيش مع زوجته بتولًا، فلما تذمر الناس عن زواجه وضع جمر نار من المبخرة في ملابسة وملابس زوجته ولم تحرقه، إذا كان هناك مبخرة وبخور.
2- أقوال ديونيسيوس الإريوباغي: [ليس هو الإريوباغي - قابل بولس في (أع 9)] يقول: أما الأسقف عندما ينتهي من الصلاة المقدسة علي المذبح يبدأ بالتبخير عليه (علي المذبح) ثم يدور دورة كاملة في المكان المقدس (الكنيسة) هي نفسه دورة البخور.
3- القديس هيبوليتوس الأسقف (سنة 170 م. - 236 م.) في أقواله يقول: يقدم البخور في الكنائس وكان يعتبره تسليم رسولي وكل الفلاسفة الوثنيين المتنصرين كانوا ينوهون أن البخور عمل مسيحي وليس وثني أمثال أثناغوراس، ترتليانوس.
4- القديس أمبروسيوس أسقف ميلانو: يقول عبارة جميله: ليته يقف علي جوارنا ملاك وقت حرق بخور علي المذبح.
5- القديس ما افرام السرياني (306-373) يقول احرقوا بخوركم في بيت الرب كرامة له ومديحًا من البخور فيه تكريم لله (عبارة فيها كرامة لله).
6- القديس يوحنا كاسيان قديس القرن الرابع يقول: حينما نطوف بالبخور حول المذبح ونقدم للأيقونات والشعب فإنما نحن نجمع الصلوات كصوت واحد ويحمله البخور المقدس وترفعه الملائكة المكلفة بالخدم مع صلوات السيدة العذراء وباقي القديسين وهكذا.
مما سبق يتضح أن البخور عمل مسيحي تشترك فيه الكنيسة المجاهدة مع القديسين (الكنيسة المنتصرة) في صلواتهم / بدليل المجامر التي في أيدي 24 قسيسًا.. يقدمون بخور هي صلوات القديسين.
في (رؤ 5: 8) ولما أخذ السفر خرت الأربعة حيوانات والأربعة والعشرون شيخًا أمام الخروف ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخورًا هي صلوات القديسين.
ويقول كاسيان أيضًا:
حينما نشتم رائحة البخور الذكية تجتمع حواسنا وتأخذ النفس نشوة روحية كرائحة الفضيلة والتقوى وحلاوة بيت الله فنتنهد علي خطايانا المرة.إذًا التوبة هي ثمرة لذبيحة البخور التي نقدمها لله فتأخذ النفس نشوة روحية.
أيضًا البخور يحمل دلالة حضور الله (1 مل 8)
سليمان الحكيم يدشن الهيكل الذي بناه، نري السحابة الحالة في الهيكل إشارة إلى مجد الله وبخور كثير إعلان عن حضور الله ومجد الله، لذلك في عيد العنصرة يوضع موقد ويوضع به جمر وبخور يعطي سحابة (علامة حلول الروح القدس) لذلك نعتبر البخور هو تسبحة مثل تسبحة الأجبية و تسبحة نصف الليل بالإضافة إلى:
- أحداث الخلاص و التجسد بدأت من عند مذبح البخور عندما ظهر الملاك المبشر لزكريا الكاهن (البخور علي الجمر إشارة للتجسد).
- أحداث التجسد بدأت من مذبح البخور وكل بخور يوضع في الشورية يرشم علي اسم الثالوث القدوس ودائمًا يقدم البخور صباحي في رفع بخور باكر ومسائي في رفع بخور عشية.
نيافة الحبر الجليل الانبا بنيامين مطران المنوفية وتوابعها
عن القداس الإلهي في اللاهوت الطقسي القبطي
المزيد
07 نوفمبر 2020
المقالة السادسة عشرة في كيف تبتهل النفس إذا جربها العدو
أيها السيد القدوس ؛ قد تقدمت إليك نفس حزينة متضرعة إليك بعبرات لتنقذها من العدو المفسد ؛ ساجدة لك بتواضع ؛ مستغيثة بك من المعاند الذي يحزنَها.فإذ قد دنت إليك بوقاحة أستجب لها سريعاً، وإذ قد لجأت إليك بشوق فتعاهدها باهتمام، فإنك إن أعرضت عنها هلكت حزينة، وإن أبطأت عن استجابتها فنيت بالحضرة، فإن تفقدتَها من أجل رأفاتك فقد ظفرت ؛ وإن أقبلت بناظرك إليها خلصت، إن استجبت لها تأيدت.أيقظ الغيرة من أجلها لأنَها خطيبتك، لأن الذي خطبها لك هو بولس الرسول، لا تعرض عنها لئلا يتخذها العدو.
أيها السيد أدبني برأفاتك ؛ ولا تسلمني إلى أيدى المفسد ؛ فإننى هاأنذا قد جمعت أفكاري من كل جهة، فلم أجد شيئاً صالحاً أذكره قدامك سوى هذا فقد، أنني لست أعرف آخر سواك.
إن نعمة أشفيتك هي لا يقدر عرضها ولا يحصى ؛ وتمنح الشفاء لكافة المتقدمين إليك، لأن جراحاتي برأفاتك تشفى ثم يعاودها الوجع من أجل ونيتي، في حال صحتي أنسى الطبيب فينساني في مرضي لأن خطاياي تتعبك.وأنا أعلمك إذا رحمتني أغيظك ؛ ولا أنسى أنك تتحملني من أجل تحننك، لأن الأم المتحننة إذا خالفها طفلها لا تحتمل أن تعرض عنه لأنَها تُغلب من تحننها، فإن كانت كذلك فكم أولى بتحننك.وها يا سيدي تحننات الطائر مسكوبة على فراخه ؛ وفي كل ساعة يفتقدها ويقدم لها طعاماً ؛ ويغذيها بتعب لأنه يغلب من تحنناته، فإن كانت المخلوقات العديمة النظر لها مثل هذا التحنن ؛ فكم بالحري نعمتك أن تغلب ربوات أضعاف من قبل تحنناتِها ؛ فترحم المقبلين إليها والطالبين إياها بالحقيقة.
وها أيضاً عين الماء مملوءة مياهاً تنبع بلا انقطاع ؛ وتمنح المقبلين إليها ماءها بلا حسد ؛ وهي غير محتاجة إلى المدائح البشرية لأنَها ليس لها أن تمدح على ذلك بل الذين ينالون منها يمدحونك بِها، لأنه من البين أن من أجل إحسان نعمتك تمنح تلك العين مشروبَها.
فها قد شاع ذكر عين لجة رأفاتك التي لا يمكن اختبارها ؛ أنَها بلا حسد تروي القوات السمائية والبرايا التي على الأرض ؛ مدبراً كل نسمة وأنت غير محتاج إلى مديح وتمجيد سائر المخلوقات، لأنك لم تزل ممجداً بجوهر عظمتك وعظم جلالك.إن محبتك تائقة لخلاصنا، فأمر بِها إلينا لكي ما إذا مجدناها نتعظم وننال مجداً، لأنني موقن أن محبة نعمتك تعتنق وتقبل المقبلين إليها.وبما أنك لم تزل عالماً بعلم سابق ؛ فتتقدم وتعرف قلب المقبل إليك إن كان خلع العالم بالكلية ؛ فقبل أن يصل إلى الباب تفتح له، وقبل أن يجثو ساجداً تناوله يداً، قبل أن يفيض دموعاً تقطر عليه رأفاتك، وقبل أن يعترف بجرائمه تعطيه الغفران.
ولا تقول له كيف أجزت زمانك ؟ أين أفنيت وقتك ؟ ولا تطلب كتاب خطاياه، ولا تتذكر إغاظة توانيه، ولا تعير إنكاره إحساناتك.لكنك تتقدم فتبصر التواضع والبكاء وسجية القلب ؛ وتَهتف أخرجوا الحلة الأولى وألبسوه إياها، اذبحوا العجل المسمن للفرح والسرور ؛ ليحضر الملائكة ويفرحوا معنا بوجود الابن الضال ؛ وعودة الوارث الضائع ؛ وبمنزلة تاجر عائد من سفره بغنى جزيل.هكذا نعمتك تقبل المقبل إليها من كل نفسه، لأنَها تتوق أن تبصر الدموع ؛ وتعطش إلى معاينة التوبة ؛ وتسر بحرص الحريصين أن يتوبوا.
فأوضح إذاً فيَّ تحننك الجزيل ؛ وأرثِ لي ؛ وارحمني من محاضرة المفسد فإنه بعد أن جرحني وقف يستهزئ بي.فكما تقدم التلاميذ في البحر وأيقظوك ؛ وبصوت فمك المبارك انقطعت زوبعة الريح ؛ وسكن اهتياج البحر، هكذا أستجب لعبراتي فإنَها نَهاراً وليلاً تيقظك.
إن الأطباء تعبوا أثنتا عشر سنة ؛ ولم يستطيعوا أن يشفوا نزف المرأة السقيمة ؛ بل سببوا لها وجعاً زائداً ؛ وكل ما لم يكن لأولئك منحته لها ؛ وبمقدار ما شهروها إنَها لم تبرأ صحتها ؛ منحتها شفاء بلا وجع.لأنَها رجت أن تكتم أمرها عنك ؛ فتقدمت سراً ودنت على هدب ثيابك، تقدمت لا لتلتمس جسدك الأقدس بل لتلمس لباسك وحده ؛ فمنحتها البرء وأرحتها من الخجل من أطباء كثيرين.فأرح نفسي الحزينة من تعير محزني العدو، أيها الطبيب المتحنن أظهر في أعضائي حكمتك الجزيلة ؛ وأجعل جراحاتي غير مدنسة ؛ وألمع فيها نور جمال الفضيلة، ولتكرز نعمتك إنَها هي نجتني.أيها الخروف غير الخاطئ الذي ذُبحت عن خلاص المسكونة، وصنعت الصلح بين السماء والأرض ؛ لا تطرحني فإنني بوقاحة أقبلت إليك، ولا تحاكمني بما احتملته من أجلي في ذلك اليوم المرهوب المرعب.فإنك ستقول بلا محالة لنا نحن الخطاة: أما قد عرفتم ما صبرت عليه من أجلكم ؛ كنت غير مرئي فشوهدت منكم، كنت غير مائت فحوكمت من أجلكم، كنت بلا تبعة فلطمت من أجلكم، وكمال ذلك أنني صلبت فما سخطت، وأستهزئ بي فما لعنت.فأنا السيد لم أزل أعلى من كل الخطايا والزلات احتملت كل هذه ؛ وأنتم المجرمون ماذا احتملتم من أجلي ؟.فمن أجل هذا ليس لأحد منا اعتذار، أذكر يا سيدي أن هذه كلها من أجل تحننك وصلاحك وعدلك اصطبرت عليها من أجل تقويماتنا، فكما سُلمت من أجلنا وأنت الصالح القدوس الغير خاطئ، وأنت الآن أيضاً هو لأنه لم ينتقل تحنن لاهوتك الطبيعي ولم يتغير.أما نحن فكنا منافقين وأشراراً ؛ والآن خطاة وضعفاء ؛ فالموهبة التي وهبتها لنا بتحننك لا تنتزعها منا ؛ لأنك لو كنت افتديتنا من أجل برنا لكنت الآن إذ أخطأنا تسخط وتنتزع نعمتك، فكنا نقول بواجب إنك افتديتنا من أجل برنا.
والآن إذ أخطأنا ابتعدت منا والحال إننا كنا منافقين والآن خطاة، فالموهبة التي حبوتنا بِها من أجل تعطفك على البشر ثبتها لنا إلى النهاية.أما أنا يا سيدي فبنفس مغمومة أصرخ إليك ؛ وأتضرع إليك من أجل عدوي فإنه قد آذاني، انظر يا سيدي وصر لي رجاء، وأخزِ المجربين فإنَهم في كل ساعة يذهلونني.يسرقوني ولا أعلم ؛ ينزهوني ويعيقوني لئلا أتخشع من الاستغاثة بك ؛ لأنَهم قد عرفوا أنني إن هتفت إليك بدموع لا تبعدني.ويلي أي مصارع لي في المقام، والغبطة لي أي منقذ لي ومعطي جائزة في الجهاد.أما ملك الحيات والوحوش الردىء فهو مهلك ردىء في كل حركاته بنظره وبمروره، وهذا الثعبان في الأمرين كلاهما أخبث منه كثيراً في مصارعته وفي وقاحته.فبالقوة الإلهية التي قلبت العصى إلى ثعابين أزجر هذا الثعبان ؛ فإنه بوقاحة يجىء إليَّ، فاحتمال وقاحة صراعه تذخر للصابرين كنزاً نفيساً، والحزن الذي يحتملونه من تَهويلاته يجعل لهم تطويباً محيياً ؛ لأن فرح هذا الدهر موعوب حزناً. فأما الحزن والتنهد يسببان سروراً وحياة خالدة.أيها السيد أنا كل حين أسقط وأمرض ؛ لكن نعمتك كل حين تفتقدني وتشفيني، ولئن كل ساعة أنكر صلة أشفيتها، إذ أشفية نعمتك لا ثمن لها ولا قيمة، تمنحها مجاناً.وإذ كنت بالدموع تَهبها، فهب لي بعبراتي أشفية نفسي ؛ لأن أمراً بيناً واضحاً عند الكل، إن الدهر يضاهي موقف الجهاد، والثعبان القوي يجتهد أن يغلب الكل، فيغلب من قوم ويداس، ويغلب قوماً ويطأهم.وأناس في مصارعتهم ينغلبون وقوم بالصراع يكللون، وأناس بمرارته ينالون حلاوة الحياة الدائمة، وقوم بحلاوته ورخاوتَهم يكتسبون مرارة العذاب الأبدي.قوم بتناهيهم في عدم القنية يقهرونه بسهولة، وقوم من أجل اشتمالهم بالأمور الأرضية والتفافهم بِها يقهرون.فالذين يحبون اللـه من كل نفوسهم ؛ محاربته ليست عندهم شيئاً، أما الذين يحبون العالم فمحاربته عندهم مستصعبة وغير محتملة، فمغبوطون الذين يحبون اللـه ؛ وبمحبته يحتقرون كل الأشياء.
مغبوطون الذين يبكون نَهاراً وليلاً لينجو من الرجز المستأنف، الطوبى للذين يواضعون ذاتَهم باختيارهم فإنَهم هناك يُرفعون.
الطوبى للمساكين وذوي الحمية فإن فردوس النعيم ينتظرهم، الطوبى للذين صاروا طوعاً هيكلاً للروح القدس فإنَهم عن الميامن يقفون.
الطوبى للذين صلبوا ذاتَهم ؛ فإن دراستهم قد صارت في ذكر اللـه نَهاراً وليلاً، الطوبى للذين منطقوا أحقائهم بالحق ؛ ومصابيحهم معدة ؛ ويتوقعون ختنهم متى يأتي العرس.
مغبوط المقتني أعيناً عقلية لمعاينة الخيرات العتيدة والعذاب المؤبد ؛ وحرص أن يتعب لينال الخيرات الخالدة، الطوبى لمن نصب أمام عينيه تلك الساعة المرهوبة دائماً وحرص أن يرضي اللـه ما دام توجد ساعة.
الطوبى لمن صار على الأرض بلا ألم مثل ملاك ليمكنه أن يبصر مع الملائكة المطربات التي في العلا ؛ ويتفطن الأسرار التي فوق ؛ ويتذكر الأمور التي في العلا ؛ وينطق بالأمور التي فوق.ويعمل الأعمال التي في العلا، ويتجر ويستفاد الفوائد التي فوق، ويتلو الخيرات التي في العلا.ولا يميل إلى الأمور التي أسفل حيث لذات وشهوات هذا الدهر الباطل الحامل الموت، وأمر حسن أن يبصر بناظر القلب لئلا يسقط شيء في حدقة العين، إما فكر خبيث أو شيء آخر من الأشياء التي لا ترضي الإله السيد وتظلم العقل.لكن أسمع معي أيها القارئ ما أقول: ماذا لنا نتفكر فيه دائماً ؟ لنا الملائكة، لنا رؤساء الملائكة، لنا القوات، لنا الأمجاد التي للربوات، لنا الشاروبيم، لنا السارافيم، لنا ذاتنا، لنا الإله سيد الكل الاسم الفائق الجود الأقدس.لنا الأنبياء، لنا الرسل، لنا الأناجيل المقدسة أقوال الرب، لنا الشهداء القديسون المعترفون الآباء القديسين البطاركة، الرعاة الكهنة، السماوات وكل البرايا التي فيها.
أفتكر في هذا وتفطن فيها ؛ فتصير ابن السيد الإله. بنعمة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح الذي له المجد. آمـين
مقالات مار إفرآم السريانى
المزيد
06 نوفمبر 2020
سراج الجسد
قال ربنا يسوع: «سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ، فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّرًا» (مت6: 22). فإن أردتَ راحةً ونورًا وسلامًا لجسدك احفظ عينَكَ بسيطةً كقول الرب. فالعين هي آلة التصوير في جسدِك. إن انفتحَتْ على السماويات وتطلّعت إلى كلّ ما هو جليل وكلّ ما هو طاهر فإنّها تحفظ نقاوتها وتزداد بساطتها والعكس صحيح.
افتح عينك في الإنجيل.. واجعلها تمتلئ من نور الكلمة الإلهية. افتح عينك على أيقونات القديسين وتأّمل حياتهم المنيرة فتستنيرادخل إلى الكنيسة المقدسة وقُل مع داود المرتّل الذي قال: «أدْخلُ إلَى مَذْبحِ (هيكل) الله تِجاهَ وَجْه اللهِ الَّذي يُفرحُ شَبابي» (مز42 أجبية). وقال أيضًا: «وَاحِدَةً سَأَلْتُ مِنَ الرَّبِّ وَإِيَّاهَا أَلْتَمِسُ: أَنْ أَسْكُنَ فِي بَيْتِ الرَّبِّ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي، لِكَيْ أَنْظُرَ إِلَى جَمَالِ الرَّبِّ، وَأَتَفَرَّسَ فِي هَيْكَلِهِ المقدس» (مز27: 4).هناك تفرح العين وتمتلئ من النور الإلهى.
افتح عينك لتشاهد مجد الله في خليقته. تأمّل في السموات فإنّها تُحدِّث بمجد الله، بل افتح عينك وتأمل نفسك، وما صنعه الله بك ورحمك.. إنّ مَن ينظر خطاياه ويتوب عنها أفضل من الذي يرى الرؤى.
من جهة الجهاد السلبي احفظ عينك من العثرات والمناظر والخيالات النجسة، لأنّ العدو يستغل هذا ويحاربك ليلاً ونهارًا بآلاف الصور، التي سمحْتَ لعينك أن تلتقطها بإرادتك.. فهو يهجم عليك، ويحول جسدك إلى الظلمة. فجاهد أن تجعل عينَك عفيفةً، ولا يغرّك غِشّ الجمال الباطل ومناظر الخلاعة.
درّب عينك على النظر العميق – لا تنظر إلى الشكل الخارجي – بل تأمّل جوهر الأشياء.. الخارج سريعًا ما يتغيّر ويضمحل، أمّا الداخل فهو باقٍ دائم. قال الرسول: «نَحْنُ غَيْرُ نَاظِرِينَ إِلَى الأَشْيَاءِ الَّتِي تُرَى، بَلْ إِلَى الَّتِي لاَ تُرَى. لأَنَّ الَّتِي تُرَى وَقْتِيَّةٌ، وَأَمَّا الَّتِي لاَ تُرَى فَأَبَدِيَّةٌ» (2كو4: 18)اِعلَم «أَنَّ ابْنَ اللهِ قَدْ جَاءَ وَأَعْطَانَا بَصِيرَةً» (1يو5: 20).. أي العين الداخلية في خِلقتنا الجديدة التى نرى بها أسرار الله وأعمال الله ويد الله من وراء ما هو منظور. «فطُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ، لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللهَ» (مت5: 8) العين البسيطة والقلب النقي يفتحان أمام الإنسان المجال الإلهي، فيحيا على الأرض حياة فردوسيّة مملوءة بالفرح الذي لا يُنطق به.
الرب نوري وخلاصي.. لذلك يضيء طريقي وينير سبيلي في كلّ زمان ومكان.
قُلْ للرب في الصلاة «أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلاَّ أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْتِ» (مز13: 3). وتمتّع بقول المسيح «طُوبَى لِعُيُونِكُمْ لأَنَّهَا تُبْصِرُ... لأنّ ملوكًا وأَنْبِيَاءَ كَثِيرِينَ اشْتَهَوْا أَنْ يَرَوْا مَا أَنْتُمْ تَرَوْنَ وَلَمْ يَرَوْا» (مت13: 16، 17).
أمّا مِن جهة أمور هذا العالم، والذين يشتهون هذا العالم وخيالاته.. فإنّ الحكيم قال: «الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ» (جا1: 8).. ففي السعي وراء نظر الأمور العالميّة، لا يوجد امتلاء، ولا يوجد شبع.
اجعل عينَك تشبع من الذي قيل عنه «أَنْتَ أَبْرَعُ جَمَالاً مِنْ بَنِي الْبَشَرِ» (مز45: 2).
لا تتطلّع إلى الأرضيات، بل ثبِّت نظرك إلى أعلى وقل: رفَعتُ عَيْنَيَّ إِلَى الْجِبَالِ، مِنْ حَيْثُ يَأْتِي عَوْنِي» (مز121: 1)أنت إنسان سماوي، أنت تدعو الله أبًا وتقول: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.. أنت تقول: الرب نوري.. وتقول: بنورك يا رب نعاين النور سراج جسدك هو عينك.. احذر لئلا ينطفئ السراج.. احفظه منيرًا.ارشم علامة الصليب على عينك فتتقدّس.
في قصّة شمشون الجبار أحد قضاة بني إسرائيل، لمَا كسر نذره وارتمى في حضن الخطايا وفقد قوّته. قبض عليه الفلسطينيون وقلعوا عينيه.. فلما فقد البصر وصار أعمى عاش في مذلّة ما بعدها مذلة.. إلى أن جاء الوقت الذي عادت إليه قوّته، فقال للرب اسمعني هذه المرّة فقط لأنتقم لعينيَّ. كانت المرارة كلّها في فقد بصره وبصيرته.اطلُبْ من الرب بقلب كامل، أن يحفظ نظرك، ويقدِّس بصيرتك، ويجعل سراج جسدك منيرًا بنور الله.
المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
05 نوفمبر 2020
شخصيات الكتاب المقدس آدم
"وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" تك 1: 26
مقدمة
قد لا يعرف التاريخ البشري شخصيات كثيرة اختلف حولها الكتاب والشعراء ورجال الدين والعلم والأدب والفلسفة والاجتماع والفن كما اختلفوا حول أبينا آدم، وقد لا يعرف التاريخ شخصيات كثيرة استعصت على الفكر البشري، واختلف الناس في الحكم عليها، وتنوعت وتباينت نظرياتهم ومذاهبهم وآراؤهم كما اختلفوا حول أول إنسان ظهر على هذه الأرض!! فمنهم من رفعه إلى قمة المجد، وألهه، كما فعل ايبكتيتوس الفيلسوف الرواقي القديم!! ومنهم من هوى به إلى أسفل وأحط الدركات، كما فعل منتاني، الذي رآه حيواناً قذراً من أحط وأقذر الحيوانات!! ومنهم من عاد به إلى أزمان قديمة، كصاحب نظرية النشوء والارتقاء؟! ومنهم من رده إلى عصور أقرب وأحدث، آخذاً بنظرية الكتاب، كما فعل تويبني أعظم مؤرخ في القرن العشرين، الذي كتب مؤخراً في مجلة اتلانتيك منثلي يقول: "إن عمر الجنس البشري لا يمكن لآن يزيد بحال ما على ستة آلاف سنة!!"على أنه مهما تختلف هذه النظريات وتتنوع، ومهما يكن حظها من الاقتراب إلى الحق أو البعد عنه، فمما لا شبهة فيه، أن العصور الحديثة أخذت تؤكد -أكثر من أي وقت مضى- أن قصة آدم، كما وردت في الكتاب، هي أدق وأصح القصص عن الإنسان الأول، وأنها لا تتدانى أو تباري في الإيجاز والعمق والبساطة والجمال!! وأن البشر ية، كما يقول بروفيسور مور "لم تتقدم بعد خطوة واحدة، رغم القرون الطويلة، وراء الوصف الأخاذ المدون في سفر التكوين عن الخليقة"!!كم يكون إذاً فذاً وجميلاً، ونحن ندرس شخصية أبينا آدم الأول، أن نقف قليلاً من هذه القصة، وما حف بها من قصص وتقاليد وأساطير ونظريات، لنخرج بصورة واضحة مجلوة عن آدم!! من هو!! وكيف جرب وسقط وعوقب؟!! وكيف خلص وأخذ طريقه مرة أخرى إلى الفردوس؟!!
آدم من هو؟!!
لا مندوحة، ونحن بصدد دراسة وتحليل شخصية آدم، من الاعتراف بأن شخصيته من أعقد وأعسر الشخصيات التي واجهها العقل البشري، وذلك لأنه فضلاً عن كونه أول وأقدم إنسان، وقد باعد بيننا وبينه التاريخ. ولم يترك لنا من قصته سوى بضع صفحات متناثرة هنا وهناك بين أساطير وتقاليد الشعوب، فإن المؤرخين والكتاب والشراح والمفسرين لا ينظرون إليه كشخصية مجردة منفردة تتميز وتختلف عن غيرها من الشخصيات، بل ينظرون إليه كمثال ورمز للجنس البشري بأكمله، بما في هذا الجنس من مزايا وعيوب وأمجاد وسقطات، ومن ثم عجزنا عن أن ندرك ملامحه الحقيقية، إذ اختفت شخصيته الخاصة وراء شخصيته الرمزية!! كما أن موسى عندما تحدث عنه لم يقصد أن يعطينا تاريخاً مفصلاً أو مجملاً لحياته بقدر ما آثر أن يرينا إياه كصنعة يدي الله، ونقطة البدء في التاريخ البشري، وكيف تفاضلت نعمة الله عليه، فأعدت له وللأجيال المنحدرة منه الفداء المجاني العجيب!!على أنه مهما تكن الصعوبة في فهم شخصيته، مما لا شك فيه أن الجمال والحكمة، والعظمة كانت من أظهر صفاته!!
الجمال..
ومن المؤكد أن آدم لم يكن جميلاً فحسب، بل لعله أجمل رجل خلق على هذه الأرض، وقد كان الربيون اليهود يعتقدون أن الله عندما أراد أن يصنعه، تمثل بشراً سوياً، ثم أبدعه على الصورة التي تمثل بها، وقد ساير الكثيرون في الكتاب المسيحيين هذه الفكرة، فقالوا أن آدم كان أشبه جماله بابن الله على جبل التجلي!! وسواء صح رأي هؤلاء أو أولئك أو لم يصح، فمن المؤكد أن آدم كان يتمتع بجمال مذهل أخاذ، وكيف لا يكون كذلك وهو ختام عمل الله المبدع في الخليقة؟!! وكيف لا يكون كذلك، وقد صنعه الله بكيفية متميزة متفردة عن غيره من المخلوقات؟!! فهذه كان يقول لها: لتكن فيكون؟!! أما هو فقد قال فيه: "لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" وقد اختلف الشراح في المقصود بصيغة الجمع الواردة في هذه العبارة، فذهب البعض إلى أنها دليل التعظيم والإجلال اللائقين بشخص الله، وهو دليل، فيما نعتقد ضعيف، لأن صيغة الجمع لم تظهر في لغة البشر كدليل التعظيم والإجلال عند الملوك وغيرهم من السادة والعظماء إلا في وقت متأخر نسبياً من التاريخ، ولو صح هذا المعنى لكان من اللازم أن تكون كل كلمة تقال من الله أو توجه إليه تعالى ترد في صيغة الجمع، لأنه هو وحده المتفرد في العظمة الدائمة الأبدية!! وذهب غيرهم إلى أن الله كان يتحدث في تلك اللحظة مع الملائكة وجند السماء!! وذهب آخرون إلى أنه كان يتحدث إلى الأرض ذاتها، وما بها من مخلوقات! على أن الرأي الراجح أن المقصود بصيغة الجمع هنا هو أن الله كان يتحدث إلى ذاته في الثالوث الأقدس العظيم!وأن الإنسان بهذا المعنى، لم يخلق كغيره من المخلوقات السابقة، بل جاء نتيجة المشورة والتدبر والحكمة الإلهية الخاصة، أو في لغة أخرى، جاء وليد قرار خاص متميز منفرد عن غيره من قرارات الله! وهل يمكن لآن يحدث هذا دون أن يأتي آدم قطعة فريدة رائعة في الجمال؟!! يضاف إلى هذا كله، أن آدم خلق بدون خطية، فخلق بذلك محرراً من المرض والضعف والوهن والقبح والتشويه والدمامة التي تسببها الخطية!!.. وألا يتفق هذا مع التقليد اليهودي الطريف الذي يقول: أن آدم بعد أن طرد من جنة عدن قال للملاك الواقف لحراسة طريق شجرة الحياة: ولكن متى أعود إلى الجنة مرة أخرى؟!! فأجابه الملاك: عندما ترجع بالوجه الذي أعطاه لك الله في الجنة!!
أجل فلقد غيرت الخطيئة وجهه الجميل البريء الحلو، ورسمت عليه سحابة قاتمة سوداء من الظلال، بعد أن سلبته النقاوة والدعة والهدوء والبراءة والرقة والبهجة وغيرها من المقومات الأساسية الأصلية لكل جمال ملائكي دائم!!.
الحكمة..
وقد اختلف الشراح والمفسرون في مدى الحكمة التي أوتيها آدم، فذهب بعضهم مذهب التقليد اليهودي الذي زعم أنه أوتي من الحكمة ما لم يؤته الأولون والآخرون، وأنه كان أعلى فهماً وإدراكاً من موسى وسليمان وغيرهما من الحكماء، بل ومن الملائكة أنفسهم، وأن الله قال لهؤلاء، عندما خلقه، أنه سيكون أكثر فطنة وحكمة منهم جميعاً، ولكي يبرهن على هذا جاء لهم بحيوانات البرية وطيور السماء، وطلب إليهم أن يدعوها بأسماء، فعجزوا، وعندما أحضرها إلى آدم قسمها جميعاً إلى أجناس وفصائل، ودعا كل ذات نفس باسمها الخاص كجنسها وفصيلتها.. وسار التقليد في طريقه الخيالي، فقال أن حكمة آدم ترجع في جوهرها إلى السماء التي أنزلت إليه جميع مفاتيح الحكمة والفهم البالغ عددها ألف وخمسمائة مفتاح وأن آدم فقد هذه المفاتيح بالسقوط إذ استردتها السماء مرة أخرى، وقد شارك بعض الكتاب المسيحيين الأوائل هذا الرأي، وأن يكن في غير جموح، إذ قالوا أن أرسطو الفيلسوف اليوناني العظيم كان مثل آدم في حكمته!!.. وذهب الرأي المعاكس إلى أن آدم لم يؤت من الحكمة شيئاً، وأنه كان أدنى إلى الطفولة الساذجة وعدم الفهم، ومن هنا نشأت أسطورة الإنسان الوحشي القديم!!. على أننا نعتقد أن كلا المذهبين غير صحيح، وأن كليهما مغرق في الخيال بعيد عن الواقع والحق.. لقد خلق آدم، كما يرى كل متأمل متعمق في قصة الكتاب ذا ملكات ومواهب، وخلقت له الجنة، ووضع فيها ليعملها ويحفظها، أو في لغة أخرى ليدرب هذه الملكات والمواهب، كما وضعت له شجرة معرفة الخير والشر، وحرمت عليه ثمرتها، لا لأن الله يريد أن يحرمه من معرفة الفارق بين الخير والشر بل لأنه يريد له هذه المعرفة، ولكن بطريقته هو لا بطريق الشيطان، كان الله يريد لآدم أن يعرف الخير، وبضده يمكنه معرفة الشر، وكان الشيطان يريد العكس، إذ يريد أن يعرف آدم الشر، وبضده يمكنه معرفة الخير! ومن هنا نعلم أن الجنة كانت مدرسة آدم ومركز تعليمه وتدربه! كما أن الأسلوب الرمزي الذي استعمله الله في تعليمه وتدريبه يشجع على الاعتقاد بأنه كان وسطاً في المعرفة والإدراك. وأنه كان يحتاج إلى زمن وكفاح طويلين، حتى يصل إلى ما تخيله له المغرقون في الخيال والتصوير من علم وإدراك وحكمة! يضاف إلى ذلك أن قصة الكتاب تشجعنا على الاعتقاد أن آدم كان أذكى من حواء وأقل عاطفة، أو في لغة أخرى، أنه كان يتفوق عليها في الذكاء، وكانت تتفوق عليه في العاطفة.. وإذا سرنا في طريق الاستطراد، يمكننا أن نقول ونحن نوازن بين عقله وقلبه، أن عقله كان أقوى من قلبه، وأكثر تنبهاً وأصالة وإدراكاً.. ولعل هذا هو السبب الذي جعل الشيطان يبدأ التجربة بالانفراد بالمرأة دون الانفراد به.
العظمة..
وما من شك بأن آدم كان عظيماً، وإن كنا لا نتفق مع التقاليد اليهودية التي زعمت، بأنه كان مهيب الطلعة، رائع المنظر، فارع القوام، إلى درجة أنه كان يستطيع خوض المحيطات دون أن يغطيه ماؤها إلى النصف كما كان يمكنه أن يرى الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وهو واقف على قدميه، وقد بدت عظمته هذه أمام الملائكة فأخطأوه ذات مرة وحسبوه الله فسجدوا له، لولا أنه زجرهم، ونبههم إلى شخصه، كما تقول ذات التقاليد، أن الله داس على رأسه بعد السقوط، فتقلص طوله، ومع ذلك بقى أطول رجل على ظهر الأرض!!ومع ذلك، فمما لا شبهة فيه أن آدم كان عظيماً وكيف لا يكون كذلك. وقد خلقه الله على صورته وشبهه إذ قال: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" ومن المتفق عليه أن الصورة والشبهة يفيدان معنى واحداً. وإن كانت كلمة الشبه تعتبر تأكيداً وتخصيصاً للصورة. إذ تعبر عن التماثل القوي الكائن بين الأصل والصورة. ولكن كيف يمكن لآن يكون آدم على صورة الله وشبهه، وكيف يمكن لآن يكون هناك تماثل بين الله وبينه؟!! لقد ظن البعض أن التماثل قائم في الشبه بين الله المثلث الأقانيم، والإنسان ذي الطبيعة المثلثة -في نظر هؤلاء- الروح والنفس والجسد، ولكن الكثيرين من المفسرين يستبعدون هذا التفسير، إذ يستبعدون التثليث في طبيعة الإنسان!! كما يستبعد الجميع، بداهة التماثل بين الإنسان من الوجهة البدنية، والله، إذ أن الله منزه عن اللحم والدم!!والرأي المسلم به أن التماثل قائم أولاً بين الإنسان، من الوجهة الطبيعية، والله، أو في معنى آخر، بين الإنسان، كإنسان ذي ملكات خاصة، وبين الله، أو في تعبير آخر بين الإنسان، كشخص، وبين الله، كشخص.فالإنسان هنا كشخص الله له مقومات الشخصية الثلاثة: الفكر، والشعور والإرادة، مع هذا الفارق الحاسم أن الله له هذه المقومات في كمالها اللانهائي بينما يحوزها الإنسان في المعنى الجزئي المحدود، فمثلاً هناك فرق بين فكر الله وفكر الإنسان، فالله هو الإله المدرك لذاته، والمدرك لكل شيء صنعه، وما إدراكنا نحن مهما امتد واتسع إلا كومضة ضعيفة باهتة، إزاء نور معرفته الكامل، وإدراكه اللانهائي، بل أن المسافة القائمة بين إدراك أي إنسان أو ملاك، وإدراك الله أكثر بما لا يقاس من المسافة القائمة بين إدراك الإنسان نفسه وإدراك الملاك، أو المسافة القائمة بين إدراك الطفل وإدراك الفيلسوف!!..وما يقال عن الفكر يمكن أن يقال عن الشعور أيضاً، والشعور هو ذلك الإحساس المثير العام الذي ينهض في أعماق الشخصية ويعبر عما بها من عواطف وانفعالات!! وهو بهذا المعنى أساس كل ما نعرف أو نختبر من لذة أو بدونه يفقد الفكر حوافزه، والإرادة دوافعها ومحركاتها، وإذا جاز للشعور البشري أن يضعف أو يخبو فإن مشاعر الله هي النار الآكلة والوقائد الأبدية!!وما يصح في القول عن الشعور يصح أيضاً في القول عن الإرادة، وفي الواقع، أن الإرادة -كما وصفها أحدهم- إن هي إلا النفس في العمل، أو النفس حين تضبط عن نفسها، ولا يمكن للأفكار أو المشاعر أن تنساب إلى الوقائع العملي، ما لم تكن هناك إرادة تحولها إلى ذلك!! وقد أعطى الله هذه الإرادة للإنسان واحترامها على الدوام فيه!!..ويكفي الإنسان عظمة أن يكون على صورة الله وشبهه في هذه كلها، مهما يكن الفارق بينهما كالفرق بين شعاعة النور والشمس الكاملة!!..على أن التماثل قائم أكثر من ذلك بين الإنسان، من الوجهة الروحية، وبين الله، إذ أنه لا يمكن أن يستريح أو يهدأ أو يشبع بعيداً عن الله ولو أعطيته الدنيا بأكملها، ولعل هذا ما حدا بتوماس كارليل أن يقول ذات مرة:
"إن شقاء الإنسان يرجع فيما أعتقد إلى عظمته، أو إلى اللانهائية الكامنة فيه، اللانهائية التي لم يستطع أن يغطيها أو يدفنها تحت نهائيته، ولو أن وزراء المال في أوربا الحديثة تكاتفوا مع تجار الأثاث والأطايب لما أمكنهم أن يحققوا السعادة لإنسان واحد من ماسحي الأحذية" كان ثلاثة من الشبان يزورون المتحف الأهلي بواشنطون، وقد توقفوا عند صندوق زجاجي بداخله عدة أباريق زجاجية، اثنان منها ممتلئان ماء، وبآخر مواد من جير وفسفور وحديد وكلسيوم، وبغيره أيدروجين ونيتروجين وأوكسجين، وكتب على الصندوق: جسد رجل يزن مائة وخمسين رطلاً، وقال الثاني: وهل هذا كل ما في؟! وهل لا يوجد ما هو أكثر؟!! فأجابه رجل كان واقفاً إلى جواره: نعم توجد نسمة القدير التي تجعل من كل هذه المواد إنساناً حياً!!.وهنا عظمة الإنسان ومجده!! العظمة التي تجعلنا نغني مع شكسبير:
أي قطعة من العمل هذا الإنسان!!
كم هو رائع في عقله!!
لا نهائي في ملكاته!!
وفي صورته وحركته!!
وكم هو مندفع ومثير!!
في أعماله كملاك!!
وفي إدراكه كإله!!
آدم ولماذا خُلِّق؟!!
أما وقد عرفنا من هو آدم فمن السهل أن نعرف لماذا خلق؟!! لقد خلق كما يقول قانون الإيمان ليمجد الله أو كما قال أغسطينس: "قد خلقتنا لنفسك، وقلوبنا لن تجد الراحة إلا بين يديك" وبهذا المعنى يمكن أن نقول أن آدم خلق ليمجد الله بالعبادة، والسيادة، والإثمار في الأرض!!
العبادة..
وربما ندرك هذه الحقيقة في الاسم الذي أطلقه الله على آدم، وقد اختلف الشراح في معنى هذا الاسم، فقال البعض أنه من الأديم أي من التراب الذي يذكره على الدوام بمركزه في حضرة الله، ومن الله، وقال آخرون. أنه يعني الأحمر إذ كانت بشرته حمراء، أو من التراب الأحمر!! فإذا أضفنا إلى ذلك أن كلمة "إنسان" تعني في اللغة اليونانية المرفوع النظرة، وفي اللغة الإنجليزية الكائن المفكر، وعند علماء فلسفة اللغات "الكائن النبيل الطلعة" أدركنا أن الإنسان خلق قبل كل شيء، وبعد كل شيء ليعبد الله، عبادة الإنسان الوديع المتضع، الذي يرفع عينيه على الدوام إلى الأعالي، مستغرقاً في الفكر والشعور والتعبد، لامع الوجه كأنه ملاك!!
وهنا يبلغ المرء لذته الكاملة ونشوته العميقة، بل هنا يمكنه أن ينشد مع الشاعر المتصوف:
وليت الذي بيني وبينك عامر وليتك ترضى والأنام غضاب
إذا نلت منك الود يا غاية المنى وبيني وبين العالمين خراب
فليتك تحلو والحياة مريرة فكل الذي فوق التراب تراب
السيادة..
وخلق آدم أيضاً ليسود، إذ هو وكيل الله ونائبه على هذه الأرض. ومن ثم أعطاه الله أن يملأها ويخضعها، ويتسلط على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى كل حيوان يدب على الأرض، وهذا التسلط لخير هذه المخلوقات وخيره، أو كما قال جورج آدم سميث "إن علاقة الإنسان بالحيوان نوع من العناية، فهو يرعاها بحكمته فلا تهيم، وهي تخدمه وتعينه في أعماله" وهنا لا نملك ألا أن نقول مع دكتور ديل: "إني أرفض أن أتنازل عن عظمتي وسيادتي في مواجهة الكون المادي، إذ أني أعظم من الشمس، وأعظم من البحر، وأعظم من الكواكب، وأعظم من النجوم، أعظم منها جميعاً، إذ أنها خاضعة لي، وأنا سيد، وهي مربوطة، وأنا حر".
الأثمار..
وما كان آدم ليبقى في الأرض بمفرده، أو هو وحواء فقط، بل خلق على صورة الله، وخلق ذكر وأنثى، وخلق لينال بركة الله ويثمر ويكثر ويملأ الأرض، وذلك لأنه بالطبيعة التي صنعه الله عليها يأبى الانفراد والعزلة إذ هو دائب الحنين للاتصال بالآخرين ومعاشرتهم، وسجنه القاسي البعد عن المجتمع، والحرمان من التجارب مع غيره، يضاف إلى ذلك أن هذا الإثمار فيه الزيادة المستمرة الدائمة في تمجيد الله وتعظيمه!! إذ أنه يلد على مدى الأجيال ما لا يعد أو يحصى من بني البشر الذين يرفعون أيديهم وشفاههم وقلوبهم بالحمد والسبح لله وخدمته كل يوم!! ويكفي ما قاله أحدهم: إن الله عندما يريد أن يصنع في الأرض عملاً عظيماً ومجيداً يخلق طفلاً!!
آدم وكيف جرب وسقط وعوقب؟!!
ومن واجبنا ونحن نبحث تجربة آدم وسقوطه أن نستضيء بقول الرسول: "وآدم لم يغو لكن المرأة أغويت" 1تي 2: 14 لنرى أن التجربة عند آدم تختلف عنها عند حواء، إذ أن سقوط المرأة كان وليد الخداع "الحية غرتني".. لقد جاءت الحية إلى المرأة كمن يطلب لها الخير، ويريد أن يرفعها إلى مركز الله، وأخفت عنها الجنة المهدمة والحزن والشقاء والدموع والمأساة والموت، وما إلى ذلك مما سيصيب الجنس البشري على توالي الأجيال!! أما آدم فقد سقط بعين مفتوحة، إذ يظن البعض أنه شك في كلمة الله، عندما أبصر حواء تأكل من الشجرة، دون أن تموت في الحال، كما كان يتوقع.. على أن ملتون يذهب في التفسير مذهباً آخر، إذ يقول في خياله الشعري في الفردوس المفقود: أن آدم أكل من الشجرة مدفوعاً بحبه لحواء، إذ آثر أن يموت معها، دون أن تهلك وحدها!! وسواء صح هذا الرأي أو ذاك فإن سقوط أبوينا استتبع أكثر من نتيجة وعقاب!!
العار..
لقد جاءتهما الخطية بالخجل والخزي والعار، إذ أدركا أول كل شيء أنهما عريانان، ولعل هذا أول ما يحس به المرء عند ارتكاب الخطية!! ولعل هذا هو الدافع الذي يجعله يرتكب الخطية في الظلام!! "وهذه هي الدينونة أن النور قد جاء إلى العالم وأحب الناس الظلمة أكثر من النور لأن أعمالهم كانت شريرة لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور لئلا توبخ أعماله" (يو 3: 19- 20)، وكلمة الخطية على الدوام مقارنة وملاصقة للعار والخزي، إذ أنها تهدر في الإنسان كل ما هو آدمي وإلهي إذ تقتل فيه المروءة والشرف والكرامة والنبل والإنسانية، وتسفل به إلى الحيوانية القذرة المنحطة، ألم تعر آدم، وتكشف نوحاً، وتغطي داود بالوحل، وتنحط بأمنون إلى أسفل الدركات!! على ألا تنسى على الدوام ما اصطلح رجال النفس على تسميته بعقدة أوديب، عقدة ذلك الفتى اليوناني القديم، الذي قتل أباه، وتزوج أمه، وعندما أدرك بشاعة عمله، فقأ عينيه، ووقع بنفسه أفظع عقاب يجرؤ عليه إنسان!!
الخوف..
وإذ سمع آدم وحواء صوت الرب الإله ماشياً في وسط الجنة عند هبوب ريح النهار فزعاً وخافاً، وهذا ما تصنعه الخطية دائماً بمرتكبها، إذ تظهره في مظهر الضعيف الأعزل الذي تمسك به حبال آثامه وشروره، فلا يستطيع الهروب من عدل الله، مهما حاول إلى ذلك سبيلاً، لقد ظن آدم وحواء في باديء الأمر، أن التعدي والأكل من الشجرة، سيجعلها مثل الله، وفي مستواه تعالي، ولكنهما تبينا آخر الأمر، أنهما أضافا إلى ضعفهما ضعفاً، إذ لم يجسرا على النظر إلى الله فحسب، بل خشيا حتى من مجرد الاستماع إلى صوته عند هبوب ريح النهار!! والخطية توهم المرء على الدوام أنه قوي، وجسور، حتى يرتكبها، فإذا به يكتشف أنه ضعيف، وجبان، وأنه أعجز من أن يواجه نفسه، أو المجتمع، أو صوت الله!! وقد جاء صوت الله إلى أبوينا عند هبوب ريح النهار، أو قبيل الغروب، كما يرجح بعض المفسرين عندما سكنت الطيور إلى الأعشاش، والحيوانات إلى المرابض، ولم تكن هناك نأمة أو حركة، ما خلا الريح التي هبت، وجاء معها صوت الله، قوياً مؤثراً، يبلغ الشغاف والأعماق، وهكذا يأتينا هذا الصوت عندما نرتكب الخطية، بقوة لا تغالب أو تناهض، في الحوادث والأحداث التي تمر بحياتنا وفي تأنيب الضمير المرهب، وعذاباته، وضرباته التي هي أقسى من لذع السياط، أو طعنات السيوف، فننكمش، ونتقلص، ونفزع، وتصنع منا الخطية جبناء كما يقول شكسبير!!
العداوة..
والخطية سر كل نزاع وخصام وعداوة في الأرض، إذ لا سلام قال إلهي للأشرار، وإذ سقط أبوانا الأولان، ضعفت المحبة بينهما، فلم تكن في جمالها الأول، كما نشأت بينهما وبين الحية عداوة قاسية، وأكثر من ذلك قتلت محبتهما لله!! أما أن محبتهما لم تكن كالأول، فذلك يبدو من محاولة آدم إلقاء التبعة على زوجته، دون أن يهتم بحمايتها أو تحمل ذنبها، كما كان ينتظر منه كمحب مخلص غيور، ولا ننسى أيضاً أنه عندما ذكرها أمام الله لم يقل "زوجتي" و"حواء" بل قال "المرأة التي أعطيتني" مما يدل على أن محبته لها لم تعد في قوتها الأولى!!.. أما العداوة للحية فقد أضحت عداوة دائمة مستمرة أبدية!! ومن المستطاع ملاحظتها إذا ذكرنا العداوة القائمة بين الجسد والروح في الإنسان الواحد، وبين المؤمن وغير المؤمن على طوال الأجيال!!..أما العداوة لله فتبدو في البعد عنه، وعدم الشوق إليه، ومن هنا نعلم لماذا يعيش الإنسان على الدوام في الفزع والرعب والقلق والفوضى وعدم الاستقرار؟!! بل هنا نعلم لماذا تبدو حياته مجموعة من الأشتات والمتناقضات، أو كما يصفه بسكال الفيلسوف: "مزاج فريد من المتناقضات، جمع الكرم والخسة، والسمو والصغار، والقوة والضعف، حتى أصبح لغزاً عسير الحل… وهو بطبعه يميل إلى التصديق، ويميل إلى الشك، شجاع وجبان، راغب في الاستقلال وخاضع لشهواته، محتاج دائماً إلى شيء ما، مضطرب، قلق، سريع الملل، تخدعه حواسه، ويخدعه خياله، ويخدعه حبه لنفسه، فلا يرى الأشياء كما هي وإنما يراها من وراء ستار، ولا أدل على ذلك من اختلاف نظرات الناس إلى شيء واحد باختلاف أشخاصهم وبيئاتهم وعواطفهم ونزعاتهم.. يستطيع أن يقتل إنساناً مثله، ولكن ذبابة تستطيع أن تقتله هو"!!
الموت..
وأجرة الخطية هي موت، وقد مات آدم وحواء في اللحظة التي سقطا فيها، وانفصلا عن الله، لقد ماتا في الحال الموت الروحي والأدبي، إذ لم تعد لهما الشركة الجميلة الحلوة المقدسة مع خالقهما المحب وأبيهما القدوس، بل لم يعد لهما ذلك الإحساس، الذي ألفاه ودرجا عليه، إحساس الحنين إليه والشوق إلى رؤياه!! بل لقد شعرا للمرة الأولى بأن غبشة من الظلام استولت على عيونهما، فلم يعودا يميزان للمرة الأولى بالفرق بين الحق والباطل، والنور والظلام، والجمال والقبح، والخير والشر، بل شعروا بما يشبه السم الزعاف القاتل يسري في بدنيهما فيخدر في كيانهما كل المعاني والحقائق ويقتلهما في بطء وعذاب وقسوة!! وإلى جانب هذا كله شعرا بالموت المادي يأخذ السبيل إلى جسديهما بالضعف والوهن والتعب والمرض والانحلال!!وهكذا أدركا صدق الله القائل: "لأنك يوم تأكل منهما موتاً تموت".
الحياة المعذبة..
طرد آدم وحواء من الجنة فطردا بذلك من الحياة الوادعة الآمنة المستريحة، ولعنت الأرض بسببهما، فضعفت خصوبتها، وتحول الشطر الأكبر من اليابسة إلى البراري والصحاري والقفار، وكان على آدم أن يجد لقمته بالتعب والجهد وعرق الجبين: "ملعونة الأرض بسببك بالتعب تأكل منها كل أيام حياتك وشوكاً وحسكاً تنبت لك وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزاً حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها لأنك تراب وإلى تراب تعود" وكان على حواء أن تعيش حياتها متألمة كزوجة وأم، وفقد الاثنان سيادتهما على العدد العديد من الحيوانات إذ استضرت وتوحشت وسار الركب البشري يئن مجهداً مثقلاً متعباً يقول مع يعقوب عن الحياة: "قليلة وردية" ومع موسى في مزموره الباكي: "وأفخرها تعب وبلية" ومع بولس: "فإننا نعلم أن الخليقة تئن وتتمخض معاً"
آدم كيف خلص وأخذ طريقه مرة أخرى إلى الفردوس!!؟
على أن قصة آدم لم تنته بالطرد أو الموت أو الهلاك، وهيهات لها أن تكون كذلك، وقد سبقت نعمة الله فأعدت له الخلاص المجاني الكامل العظيمولعلنا نستطيع ونحن نتابع هذا الخلاص أن نلاحظ!!
إن الله أعلن خلاص آدم قبل إعلان عقابه
وهذا واضح مما نقرأ في سفر التكوين إذ قال الله للحية، قبل أن يحكم على آدم: "وأضع عداوة بينك وبين المرأة نسلك وبين نسلها هو يسحق رأسك وأنت تسحقين عقبه" أو في لغة أخرى، إن آدم سمع حكم الخلاص قبل أن يسمع حكم الموت!! وهل هناك برهان على عمق رغبة الله في خلاص البشر كهذا البرهان؟!! وهل هناك دليل على أن الله يسر بالرحمة والرأفة ولا يسر بموت الخاطيء كهذا الدليل؟!!.. سار الشاب البائس في إحدى ليالي الشتاء القارسة البرد يتخبط في ظلمات المدينة، وقد أفقده الإدمان على المسكر كل شيء كان يمتلكه، إذ باع ملابسه وأثاثه وكل ممتلكاته، ولم يتبق له منزل أو ثوب أو حذاءفخرج في شوارع المدينة حاسر الرأس، حافي القدم، ممزق الثياب، وأخذ يضرب في الطرقات والشوارع والأزقة على غير هدى، حتى بلغ ملجأ من ملاجيء اللقطاء والبؤساءوإذ دلف بقدميه المتعبين، وبطنه الجائع، يطلب لقمة واداما، ومبيت ليلة واحدة إذا أمكن، وجد عدداً كبيراً من أمثاله التعساء والمساكين ينتظرون ما ينتظر، ويطلبون ما يطلب، فجلس في وسطهم، وإذا بواعظ يتحدث إليهم قبل تناول الطعام عن الله وجوده وحبه ورحمته وحنانه بانياً كلامه على ما ورد في سفر أيوب الأصحاح السادس والثلاثين والعدد الخامس: "هوذا الله عزيز ولكنه لا يرذل أحداً" وأكد الواعظ أن الله لا يرذل أو يحتقر المنبوذ والضائع والمتروك والمهمل من جميع الناس، وأن رحمته واسعة وبعيدة ولا نهائية، وأن محبته موجودة وإحسانه كالبحر الطامي ومن غير حدودوإذ سمع الشاب هذه الأقوال استيقظ في قلبه شعاع من نور وأمل، وبدا له كما لو أن الظلمة العميقة الضاربة حوله توشك أن تتمزق، فركع على قدميا وصرخ إلى الله وهو يقول: "إني أعلم يا إلهي أنك قوي عزيز، ولكنك لا تحتقرني، لقد دمرت نفسي بالمسكر، ولكن لا تحتقرني!! اغفر لي خطاياي وساعدني لأحيا حياة جديدة" وسمع الله له، وأنقذه من وهدته، وجلب له سلام القلب، وخير الحياة، حتى لقد ألف أن يقول في حياته الجديدة. فقد كنت في الخطية قبلا بدون حذاء، وبدون مأوى، وبدون مسيح!! أما الآن فقد نلت في المسيح كل شيء!!
أن الله أعلن خلاص آدم بالدم
لقد حاول آدم وحواء تغطية الخطية تغطية مشوهة حمقاء: "إذ خاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر" وهما أول من يعلم أنها لا يمكن أن تبقى أو تستر، أما الله فقد ستر عريهما وخزيهما بذبيحة: "وصنع الرب الإله لآدم وامرأته أقمصة من جلد وألبسهما" إذ "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة".وهنا ندرك أمرين أساسيين أصيلين في الخلاص، أنه أولاً وقبل كل شيء، من صنع الله، والله وحده: "وصنع الرب الإله.." وأنه ليس للإنسان في إعداده وترتيبه أدنى نصيب أو مجهود أو مشاركة، إذ يرجع في جملته وتفصيله إلى فضل النعمة الإلهية المجانية الكاملة.. والأمر الثاني أن الخلاص بالدم، والدم وحده! وهنا نلمح كما قال أحدهم: "شجرة الخلاص في بذرة أو نسر الإنجيل في بيضة" بل هنا نرى النبوة الأولى عن الصليب، والتفسير الحاسم لما جاء في الكتاب من تعاليم وشرائع ورموز ونبوات وطقوس وفرائض!! الأمر الذي بدونه تضحى هذه كلها ألغازاً وأحاجي ومعميات، بل هنا نجد الجواب الأوحد من الله المخلص للعالم الخاطيء الآثم الملوث الشرير، والدواء الناجع للينبوع البشري الدفاق الممتليء بالصديد، والإعلان الشامل لما ينشده البشر في كل جيل من راحة إزاء الآلام، وتعزية في الضيقات، وستر للخجل، وتهدئة للخوف، وتغطية للعار، وما إلى ذلك مما تئن به الخليقة وتتخمض!!..ألا يجمل بنا إذاً -ونحن في هذا المقام- أن نحول أنظارنا قليلاً من آدم الأول إلى آدم الثاني، ومن أبي البشرية في الخطية إلى إلهها في الخلاص، وألا يجمل بنا ونحن في هذا المقام أن نهتف مع الرسول قائلين: "فإنه إذ الموت بإنسان بإنسان أيضاً قيامة الأموات. لأنه كما في آدم يموت الجميع هكذا في المسيح سيحيا الجميع.. وهكذا مكتوب أيضاً صار آدم الإنسان الأول نفساً حية وآدم الأخير روحاً محيياً.. الإنسان الأول من الأرض ترابي والإنسان الثاني الرب من السماء" بل ألا يمكننا أن نقول هنا أيضاً مع هنري فان دايك: "أنه لو انتزع الرجاء المبارك من الكتاب المقدس أن نسل المرأة يسحق رأس الحية فلن يتبقى هناك سوى جنة مهدمة، وإنسان مشرد، وطوفان غامر، ونيران ملتهبة، وناموس رهيب، ومرامير يائسة، ونبوات صارخة: "من مفرج على الحزن قلبي في سقيم، هوذا صوت استغاثة بنت شعبي من أرض بعيدة.. ألعل الرب ليس في صهيون أو ملكها ليس فيها".. "أليس بلسان في جلعاد أم ليس هناك طبيب فلماذا لم تعصب بنت شعبي" ولكن شكراً لله لأنه لم يعطنا هذا الرجاء فحسب بل أعطانا إياه منذ فجر التاريخ، وعلى الصفحات الأولى من كتابه العظيم!!
إن الحكم على آدم كان لإتمام هذا الخلاص
فالعقاب الذي أوقعه الله على أبوينا الأولين لم يكن لمجرد العدالة الإلهية فحسب، بل كان أكثر من ذلك تحتمه وتلزم به رحمته الفائقة!! فلو أن آدم وحواء أكلا من شجرة الحياة وهما خاطئان، لكانت الحياة لهما أمر عقاب وعذاب، ولكان بقاؤهما في الجنة هو الجحيم بعينه، ولكن الطرد والتشريد والتعب والألم ولذعة الضمير لهما الباب الضيق والطريق الكرب إلى الفردوس المردود.عندما حكم على دانتي بالنفي، وطرد من فلورنسا، وحرم عليه أن يراها حتى الموت، سار الشاعر الشريد يضرب في المنفى على غير هدى، وإذ امتلأت نفسه من الأحزان والمتاعب والعذابات، صدف عن الأرض، وحن إلى السماء وكتب كتابه العظيم الخالد "الكوميديا الإلهية"!! وهل أنا وأنت والمؤمنين جميعاً إلا دانتي الشريد تنتزعه نعمة الله من التعلق بالأرض عن طريق الآلام والأوجاع والضيقات!! وهل أنا وأنت والمؤمنون جميعاً إلا ذلك الركب الذي يسير في موكب الحياة وقد قيل عنه: "تجربوا في هزء وجلد ثم في قيود أيضاً وحبس رجموا نشروا ماتوا قتلاً بالسيف طافوا في جلود غنم وجلود معزى معتازين مكروبين مذلين وهم لم يكن العالم مستحقاً لهم. تائهين في براري وجبال ومغاير وشقوق الأرض.."؟دعونا إذاً نشكر الله لا على الشمس المشرقة فحسب بل على الغيوم أيضاً!! ولا على الماء الرقراق بل على الأمواج المزبدة كذلك، ولنهتف من الأعماق مع الرسول قائلين: "ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله الذين هم مدعوون حسب قصده، لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكراً بين أخوة كثيرين والذين سبق فعينهم فهؤلاء بررهم أيضاً. والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضاً"!!..
المزيد
04 نوفمبر 2020
من حيل الشياطين
للشياطين حيل كثيرة, صارت بعضها معروفة, ومنها:
تقديم خطيئة باسم فضيلة:
الشيطان خبيث. ويرى أن بعض الناس يرفض ضميرهم الخطيئة إن كانت مكشوفة. فلا مانع عنده من أن يعرض خطايا معينة بغير أسمائها, بأسلوب يسهل قبوله, بحيث تلبس الخطايا ثياب فضائل فالتهكم على الناس والاستهزاء بهم, يقدمه على اعتبار أنه لطف وظرف, ومحبة ودالة, وخفة روح ومحاولة للترفيه والدهاء أو الخبث يسميه باسم الذكاء! أما الكذب فيمكن للشيطان أن يقدمه باسم الحكمة, كنوع من حسن التصرف أو إنقاذ للموقف. والطبيب قد يكذب على المريض مرات, ويسمى ذلك "حفظ معنويات المريض" وحمايته من الانهيار. والبعض قد يسمى أنواعًا من الكذب باسم الكذب الأبيض. وربما يعتبره في أول أبريل دعابة وفكاهة والقسوة على الأبناء يقدمها الشيطان للآباء باسم الحزم والحرص على تأديبهم وتربيتهم ومنعهم من الانحراف, وربما تقودهم هذه القسوة إلى الانحراف للهروب من قسوة الآباء. وهذا ما يريده الشيطان والتزين الذي يصل إلى التبرج, يُقدم باسم الأناقة والنظافة وقد يقدم للبعض جريمة القتل باسم آخر. فقتل الأخت الخاطئة يسميها غسل عار الأسرة. وقتل آخر يطلق عليه اسم الدفاع عن الوطن أو الدفاع عن الدين أو تطهير الأرض من المخطئين أو من الطغاة لا مانع عند الشيطان من الدخول في خداع المسميات. إذ يرى أنه ليس من (الحكمة) أن يسمى الخطية بأسمائها المنفرة, ففي ذلك كشف لأوراقه. وعدم الوصول إلى هدفه. البخل مثلًا لا يسميه بخلًا لأن هذا الاسم غير مقبول. إنما يسميه "حسن تدبير المال" أو عدم الإسراف وعدم التبذير. أو حفظ المال لحاجة المستقبل... وهكذا العلاقات الشبابية غير الطاهرة يسميها باسم الحب, بينما هي شهوة وليست حبًا وإعطاء الخطية اسم الفضيلة, يساعد الخطاة على الاستمرار فيها. كما يوقف تبكيت الضميرفلا يزعج الإنسان أو يقوده إلى ترك الخطية.فليحترس إذن كل أحد من هذه المسميات الزائفة, ولا يسمح للشيطان أن يخدعه. فالخطية هي الخطية مهما اختفت وراء اسم آخر.
ومن حيل الشيطان أيضًا التدرج الطويل:
إن وسائل الشيطان تتعدد, وقد يبدو بينها أحيانًا شيء من التناقض بين أسلوب وآخر, ولكن يجمعها هدف واحد وهو إسقاط الفريسة فالشيطان في بعض الأحيان قد يضربه ضربة سريعة فجائية, بحيث لا يكون الشخص مستعدًا لها. وأحيانًا يعمل في تدرج طويل لا يشعر به صاحبه. والتدرج يلزمه وقت قد يطول. ولكن الشيطان لا يهمه الوقت, بل يهمه السقوط. والتدرج يصلح غالبًا للأشخاص الذين لا يقبلون خطية معينة بسهولة. ولكن الشيطان يوصلهم إليها تدريجيًا في هدوء, بجرعات قليلة أو قليلة جدًا, تزداد بالوقت حتى تقضى عليهم. وقد يقسّم الخطية إلى مراحل, كل مرحلة تثبت أقدامها بالوقت إنه يحب -حينما يضرب الضربة- أن تصيب مقتلًا. وهذا يتطلب منه أحيانًا تمهيدات طويلة المدى. بحيث حينما يدخل القلب يجده مزينًا مفروشًا مهيئًا لعمله, ويجد الضحية جاهزة بلا مقاومة. وحتى إن قاومت تكون بلا قدرة على الإطلاق, فتسقط أمامه بسهولة وفى خطة التدرج, كل خطوة يقترب فيها الشخص إلى جو الخطية تجعله يعتادها, وتضعف إرادته أمامها. وبمرور الوقت يألفها ولا تصبح غريبة عليه. وبالتدريج تدخل إلى فكره ثم إلى مشاعره ومن أمثلة التدرج الطويل, تأتى العادات. وكل عادة مسيطرة على الإنسان, أتبدأ هكذا مطلقًا. ربما كان هو المسيطر عليها أولًا ويستطيع تركها. ولكنه بالتدرج الطويل فقد سيطرته, ثم سيطرت العادة عليه. وربما قال له الشيطان في أول خطوة: "جرّب أو اختبر.. الحياة كلها خبرات, والأمر بيدك تستطيع أن تمتنع وقتما تشاء". وظل به هكذا إلى أن أتى الوقت الذي فيه سلّم إرادته بالتمام, ولم يعد يقاوم, بل لا يشاء أن يقاوم ونصيحتنا لمقاومة سياسة التدرج هذه التي ينتهجها الشيطان, أن يبعد الشخص عن الخطوة الأولى بكل حزم, مهما بدت بريئة أو حاول الشيطان أن يقنعه بأنها بريئة احترس من كذب الشيطان إن قال لك إنها خطوة واحدة ولن تتكرر أو لن تتطور. فالشيطان لا يقبل على خطته أن يتركها عند حدود الخطوة الواحدة, دون أن يتقدم بها باستمرار نحو هدفه البعيد. إذن احترس حتى من الخطوة الأولى, وليس فقط من تطورها, مهما بدت هذه الخطوة في نظرك من الأمور الصغيرة...
من حيل الشيطان أيضًا, (الأمور الصغيرة)!
إنه يحارب بها, لأن الشخص قد لا يهتم بها, ولا يحترس منها... بل يقول لنفسه: "وهل مثلى يخاف من هذه الأمور الصغيرة. إنها قد تتعب المبتدئين. أما نحن فقد كبرنا عن أمثال هذه الأمور..!"حقًا إن شيطان الأمور الصغيرة يمكن أن يهلك الإنسان. فيمكن أن تغرق سفينة من ثقب صغير في قاعها. والإنسان لا يشترط أن يكون موته بواسطة وحش خطير يفترسه, إنما يكفى لموته ميكروب لا يُرى بالعين المجردة أو مجر فيروس والأمور الصغيرة قد لا تكون صغيرة فعلًا, ولكن الشيطان يسميها هكذا. والله -تبارك اسمه- قد يختبر إرادتنا بأي اختبار مهما كان بسيطًا, ولكن تنكشف به نفسيتنا من الداخل هذه الأمور الصغيرة قد تكون مثل قليل من التساهل مع الحواس أو القراءات أو السماعات, أو عدم التدقيق في الكلام, أو تمسك الإنسان برأيه, وعدم استشارية لأحد, أو عدم لوم النفس على أخطائها, أو التقصير في الصلوات وطريقة الخلاص من شيطان الأمور الصغيرة هي في حياة التدقيق.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
03 نوفمبر 2020
الملكة هيلانة المحبة للمسيح
ذهبت الي اورشليم مدينة الهنا ،لتبحث تحت كوم رابية الجلجثة ،واستمرت في سعيها باجتهاد ،الي ان وجدت الخشبة العتيدة،مع الخشبتين اللتين صلب عليهما اللصان ،مع السيد عليهما،وقد وضعت ميتا علي الصلبان الثلاثة ،فلما وضع علي احدهم ،،،قام الميت حيا للوقت ،،،،كذلك تميز صليب المخلص بالمكتوب علية ...عظيمة هي هيلانة التي اجتهدت وسعت باشتهاء مقدس لتري خشبة عود الصليب ،،ولم تمل البتة حتي وجدتة ،فيالها من غنية صالحة وملكة تقية،اخذت الوف الجند ورافقتهم الي جلجلة الاقرانيون ،وهناك اظهر الرب صليبة ،وعندئذ سجدت الملكة لملك الملوك،وقد وجدت ايضا المسامير الخلاصية..الطوبي لك ايتها العظيمة الملكة هيلانة ام الملك قسطنطين ،لانك رفعت علامة الخلاص والافتخار.
القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج الاسكندرية
المزيد
02 نوفمبر 2020
القيم الروحية فى حياة وتعاليم السيد المسيح (14) حياة الطهارة
مفهوم الطهارة وأهميتها ..
الطهارة تعني قداسة الفكر والمشاعر والسلوك.. بالبعد عن الخطية والشهوة والانحرافات الاخلاقية فيحيا الانسان نقياً وعفيفاً فى أفكاره وفى أقوال فمه ونظرات عينيه وأحاديثه وكل طرقه وحياته الداخلية والخارجية معاً . الطهارة ليست طهارةَ اليدين والرجلين والجسد، فتلك نظافة في نظر المسيحية ولا ترقى ابداً لمستوى الطهارة ، وعكس الطهارة هو النجاسة ، نجاسة القلب والفكر الذي تصدر عنه الافكار والاتجاهات والمشاعر والسلوك والقرارات الخاطئة . اننا نؤمن ان الرب قدس الطبيعة الإنسانية عندما اتحد بها وصار ملتزما بها وراعيا لها ومدبرا لخلاصها وعندما صعد الى السماء وجلس عن يمين الاب احتفظ بجسده الذي أخذه من القديسة مريم وهكذا دخلت الطبيعة الإنسانية الي أعماق السماء كما أصبح الله في أعماق الإنسان لقد أصبح الإنسان بالعماد ابناً لله وبالميرون المقدس اصبح مكرسا للرب وصار هيكلا للروح القدس ومسكنا للرب وعضوا فى الكنيسة التي هي جسده السري. وفى هذا يقول الإنجيل {ألستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وإنكم لستم لأنفسكم لأنكم قد اشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفى أرواحكم التي هي من الله } (1كو 6: 19-20).كما ينبه علينا باهمية العفاف {ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء للمسيح، أفآخُذ أعضاء اعضاء واجعلها أعضاء زانية؟ حاشا} (1كو6:15) لقد خلق الله الانسان طاهراً على صورته ومثاله.. ووهبه كل الامكانيات اللازمة للطهارة والنقاوة الداخلية . ان الانسان يقع فى النجاسة والخطية لا لانها أقوى منه ولكن من أجل تراخيه وكسله عن الجهاد او سعيه وراء الشهوات المحرمة . العفاف والطهارة هم سر قوة الانسان ونجاحه فى الحياة . ان يوسف العفيف أنتصر فى كل مجالات الحياة رغم الضيقات والتجارب الخارجية لانه كان أمينا طاهراً عفيف القلب واللسان والفكر والسلوك فى بيت أبيه ، وعندما ذهب ليسأل عن سلامة أخوته الحاسدين له، وفي بيت فوطيفار عندما راودته امرأة سيده ثم فى السجن . لقد خلصه الله من جميع ضيقاته ورفعه من اجل طهارته . ولهذا وهبه حكمة من روحه القدوس وبحسن تدبيره انقذ مصر واهلها واهله من المجاعة الى حاقت بهم ، بعكس ذلك شمشون الجبار الذى ارتمى فى أحضان دليله وأستسلم لشهواته فخانته وسلمته لاعدائه فقعلوا عينيه وجعلوه يعمل كثور يدور على الطاحون .
+ الطهارة تظهر فى تعاملك مع الجنس الاخر.. فإنك تتعامل معهم كأخوة أحباء باحترام ونقاء دون إزالة للكلفة أو خدش للحياء وإنما بود وإعزاز كأعضاء معك في جسد المسيح أو في أسرة الإنسانية. ولكن إذا شعرت أن شخصاً منهم قد سرق اهتمامك وتفكيرك وخيالاتك حينئذ بنضج ووعي يكون لديك إمكانية لضبط لعواطفك واتخاذ ما تراه مناسبا بالحرص والجهاد او الابتعاد ، فنحن نحتفظ بعواطف الحب الزيجى لشريك حياتنا فى سر الزواج المقدس والذى تكون فيه العلاقات الزوجية مقدسة وتعبيراً راقيا عن المحبة دون ابتزال او شهوة امتلاك انانى للآخر. والطهارة هي النظرة المقدسة للجسد سواء جسدك أو جسد الآخر. فالطاهر هو الذي ينظر إلي كل أعضائه بالتكريم كمكان يسكن فيه روح الله.
إن الانسان الطاهر لا يشتهي ولا يتطلع للجمال الجسدي للآخر لأنه يعرف أن الجمال باطل والحسن غش كما يقول الحكيم والجمال الحقيقي يحترم فيه الانسان ككل كهيكل لله . اننا فى تقديرنا للآخرين لا نشتهيهم ونقدرهم ولا نريد أن نمتلكهم ونستهلكهم بل إن نقييم الآخرين كشخصيات لا كمجرد أجساد. فالجسد هو الغلاف الخارجي ولكن الذي نحترمه بالأكثر هو ما يحويه هذا الغلاف من طباع ومفاهيم وقامة روحية وفكر وإرادة وشخصية. اننا كابناء وبنات الله لا نشترك مع أهل العالم فى كلامهم او افكارهم او أفعالهم الخاطئة بل بالاحرى نوبخها بقداسة سريرتنا وسيرتنا كما كان لوط يعذب نفسه البارة بافعالهم الاثمة { اذ كان البار بالنظر والسمع وهو ساكن بينهم يعذب يوما فيوما نفسه البارة بالافعال الاثيمة (2بط 2 : 8) فالمؤمن الحقيقى يأخذ الامور بجدية وروحانية . انها ليست مزاح او تسلية او قضاء وقت بل هي قضية حياة أو موت، أبدية أو هلاك، إيمان أو انحلال، قداسة أو استهزاء؛ تمايز وشهادة أو انجراف في التيار. إاننا نقدس الحياة والجسد والجنس سواء ما يختص بالحياة الزوجية أو النظرة السليمة لأعضاء الجسد. فالشاب المسيحي الذي أدرك قيمة كرامة جسده يحرص على أن يلبس الرب يسوع ولا يشاكل هذا الدهر ولا يسلك في طريق الأشرار وفى مجلس المستهزئين لا يجلس لأن ذهنه قد استنار وحياته قد تجددت وأصبح حريصا على أن يرضى الرب في طرقه ويحفظ الوصية عن حب لذاك الذى صلب وقام لاجله ...فنحن لا نشابه أهل العالم في أهدافهم وطرقهم وألفاظهم وسلوكهم. { ولا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد اذهانكم لتختبروا ما هي ارادة الله الصالحة المرضية الكاملة} (رو 12 : 2)
+ اقتناء الطهارة يأتى من عمل نعمة وعطية الروح القدس في المؤمن ولكنها تحتاج إلي جهاد وسهر ويقظة قلب. نحن لا نستطيع بمفردنا أن نجعل أنفسنا أطهاراً ولكننا نستطيع أن نصلى ونجاهد ونطلب من الله ان يهبنا طهارة الفكر والعواطف والسلوك ويقوينا لكي نحتفظ بطهارتنا فى المسيح يسوع ربنا وعمل نعمته وفعل روحه القدوس. من أجل هذا نصلى كل يوم للروح القدس طهرنا من دنس الجسد والروح وانقلنا إلي سيرة روحانية لكي نسعى بالروح ولا نكمل شهوة الجسد ونطلب من الله ان يجدد فى أحشائنا نعمة روحه القدوس ، روحاً مستقيماً ومحيياً روح النبوة والعفة، روح القداسة والعدالة والسلطة لانها قادر علي كل شئ وهو ضياء نفوسنا .
+ الطهارة وتحقيق الذات .. الذي يحيا طاهراً لا يحقق ما تتطلبه الوصية فقط وإنما يحقق ذاته وينجح أولاً. ويصبح الإنسان كما يريده الرب. يحرص على أن تظهر االطهارة والقداسة في حياته ويرفض أن يطمسها بالحياة الشهوانية والتصرفات الجسدانية. ويقول رجال علم النفس أن الشاب الطاهر تحيا غرائزه وتنمو في انسجام واتفاق وتكامل بعكس الشاب الشهواني إذ يسيطر عليه الانهماك في الملذات الجنسية، الأمر الذي يجعل بقية الدوافع في خلل وارتباك. فالطهارة مطلب نفسي وروحى. لهذا نرى الشاب الطاهر حقيقة الذي لا يعاني كبتاً أو قهراً يحيا في سلام ونضارة وفرح وسعادة تخلو نفسيته من العقد النفسية والهموم والأحزان وتأنيب الضمير وأوجاع النفس المختلفة. النجاسة تقدم لذة وقته للخاطئ ولكن هل هذه اللذة تؤدي إلي الشبع الكامل والشعور بالاستقرار النفسي الحقيقي؟. يجب ان نتأكد أن الله لا يريد سوى سعادتنا وهو لم يخلق الجنس ليعذبنا به وإنما لنستخدمه في مجراه الإنساني السوي فنتمتع بكل طاقتنا فلا نحاول أن نستخدم أجهزتنا بطريقة غير تلك المخلوقة من أجلها، حقاً إن حياة الطهارة تؤدي إلي السعادة النفسية فهي مطلب نفسي وإنساني كما هي وصية إلهية وفضيلة روحية، والطهارة تحمي الإنسان من الأمراض الجنسية وتحفظ نضارة الشباب ، ولذلك تجد وجه الشاب الطاهر يختلف تماماً عن وجه الساقط في بالوعة الشهوات الجنسية. ورغم تقدم الطب في معالجة الأمراض لكن مازالت للنجاسة ضحايا كثيرة مثل أمراض الايدز والكبد الوبائى والزهري والسيلان علاوة على الامراض النفسية ومن قلق وكابة وانفصام الشخصية واليأس وغيرها .
السيد المسيح والحياة الطاهرة المقدسة ...
+ ان الرب الهنا يتميز بالقداسة ويدعونا اليها { اني انا الرب الهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لاني انا قدوس ولا تنجسوا انفسكم } (لا 11 : 44) بالتجسد الإلهى صار الكلمة جسداً وحل بيننا وشابهنا فى كل شئ ما عدا الخطية وحدها ، لم يفعل خطية ولا وجد فى فمه غش ومرة بكت السيد المسيح اليهود قائلاً {من منكم يبكتني على خطية فان كنت اقول الحق فلماذا لستم تؤمنون بي }(يو 8 : 46) من اجل هذا دعانا القديس بطرس ان نتبع خطواته { بل نظير القدوس الذي دعاكم كونوا انتم ايضا قديسين في كل سيرة }(1بط 1 : 15). فان ارادة الله قداستنا وامتناعنا عن الشر { لان هذه هي ارادة الله قداستكم ان تمتنعوا عن الزنا} (1تس 4 : 3). لاننا مدعوين كابناء الله الى حياة الطهارة والقداسة وملكوت السموات {فاذ لنا هذه المواعيد ايها الاحباء لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد و الروح مكملين القداسة في خوف الله} (2كو 7 : 1). فاننا بدون القداسة والطهارة لن نعاين الملكوت او الله { اتبعوا السلام مع الجميع والقداسة التي بدونها لن يرى احد الرب} (عب 12 : 14). من اجل هذا دعانا لحياة التوبة المستمرة وان نصنع ثمارا تليق بحياة الطهارة والقداسة { فاصنعوا اثمارا تليق بالتوبة و لا تبتدئوا تقولون في انفسكم لنا ابراهيم ابا لاني اقول لكم ان الله قادر ان يقيم من هذه الحجارة اولادا لابراهيم} (لو 3 : 8).
+ اهتم السيد المسيح بطهارة الحواس لانها ابواب الفكر { ليس احد يوقد سراجا ويضعه في خفية ولا تحت المكيال بل على المنارة لكي ينظر الداخلون النور.سراج الجسد هو العين فمتى كانت عينك بسيطة فجسدك كله يكون نيرا ومتى كانت عينك شريرة فجسدك يكون مظلما.انظر اذا لئلا يكون النور الذي فيك ظلمة.فان كان جسدك كله نيرا ليس فيه جزء مظلم يكون نيرا كله كما حينما يضيء لك السراج بلمعانه } لو 33:11-36. كما علمنا ان نحترس من النظرات الخاطئة او اللمسات الخاطئة التى تنحرف بعاطفة الانسان وتجعله يزنى فى قلبه { قد سمعتم انه قيل للقدماء لا تزن. واما انا فاقول لكم ان كل من ينظر الى امراة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. فان كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها والقها عنك لانه خير لك ان يهلك احد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم. وان كانت يدك اليمنى تعثرك فاقطعها والقها عنك لانه خير لك ان يهلك احد اعضائك ولا يلقى جسدك كله في جهنم} مت 27:5-30.
+ طهارة القلب واللسان والسلوك . دعانا السيد المسيح الى الحرص نقاوة القلب وطهارته لانه من فضلة القلب يتكلم الفم { كيف تقدرون ان تتكلموا بالصالحات وانتم اشرار فانه من فضلة القلب يتكلم الفم. الانسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يخرج الصالحات والانسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور.ولكن اقول لكم ان كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حساب يوم الدين. لانك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان} مت34:12-37. وبين لنا اهمية الطهارة والنقاوة الداخلية التى تقود الى حياة مقدسة فى الرب { ثم دعا الجمع وقال لهم اسمعوا وافهموا. ليس ما يدخل الفم ينجس الانسان بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الانسان.حينئذ تقدم تلاميذه وقالوا له اتعلم ان الفريسيين لما سمعوا القول نفروا. فاجاب وقال كل غرس لم يغرسه ابي السماوي يقلع. اتركوهم هم عميان قادة عميان وان كان اعمى يقود اعمى يسقطان كلاهما في حفرة. فاجاب بطرس وقال له فسر لنا هذا المثل. فقال يسوع هل انتم ايضا حتى الان غير فاهمين. الا تفهمون بعد ان كل ما يدخل الفم يمضي الى الجوف ويندفع الى المخرج. واما ما يخرج من الفم فمن القلب يصدر وذاك ينجس الانسان.لان من القلب تخرج افكار شريرة قتل زنى فسق سرقة شهادة زور تجديف. هذه هي التي تنجس الانسان واما الاكل بايد غير مغسولة فلا ينجس الانسان} مت 10:15-20. هكذا وبخ السيد المسيح الفريسيين الذى اهتموا فقط بالنظافة الخارجية دون القلب ومحبة الله والحق والرحمة والإيمان {و فيما هو يتكلم ساله فريسي ان يتغدى عنده فدخل و اتكا. واما الفريسي فلما راى ذلك تعجب انه لم يغتسل اولا قبل الغداء. فقال له الرب انتم الان ايها الفريسيون تنقون خارج الكاس والقصعة واما باطنكم فمملوء اختطافا وخبثا. يا اغبياء اليس الذي صنع الخارج صنع الداخل ايضا . بل اعطوا ما عندكم صدقة فهوذا كل شيء يكون نقيا لكم.ولكن ويل لكم ايها الفريسيون لانكم تعشرون النعنع والسذاب وكل بقل وتتجاوزون عن الحق ومحبة الله كان ينبغي ان تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. ويل لكم ايها الفريسيون لانكم تحبون المجلس الاول في المجامع والتحيات في الاسواق. ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لانكم مثل القبور المختفية والذين يمشون عليها لا يعلمون} لو 37:11-44.
+ هكذا كرز التلاميذ بحياة الطهارة والتعفف.. فما عاشوه وتعلموه من معلهم الصالح ساروا به وعلموه . لان غاية الوصايا هى المحبة من قلب طاهر{ واما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وايمان بلا رياء (1تي 1 : 5). هكذا يوصى القديس بولس الرسول { اخيرا ايها الاخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن ان كانت فضيلة وان كان مدح ففي هذه افتكروا. وما تعلمتموه وتسلمتموه وسمعتموه ورايتموه في فهذا افعلوا واله السلام يكون معكم} فى 8:4-9. اننا رغم أغراءات العالم نسلك فى حياة الطهارة فى البتولية او فى الزواج المقدس كما يحق لإنجيل المسيح { فمن ثم ايها الاخوة نسالكم ونطلب اليكم في الرب يسوع انكم كما تسلمتم منا كيف يجب ان تسلكوا وترضوا الله تزدادون اكثر. لانكم تعلمون اية وصايا اعطيناكم بالرب يسوع. لان هذه هي ارادة الله قداستكم ان تمتنعوا عن الزنا. ان يعرف كل واحد منكم ان يقتني اناءه بقداسة وكرامة. لا في هوى شهوة كالامم الذين لا يعرفون الله. ان لا يتطاول احد ويطمع على اخيه في هذا الامر لان الرب منتقم لهذه كلها كما قلنا لكم قبلا وشهدنا.لان الله لم يدعنا للنجاسة بل في القداسة. اذا من يرذل لا يرذل انسانا بل الله الذي اعطانا ايضا روحه القدوس. واما المحبة الاخوية فلا حاجة لكم ان اكتب اليكم عنها لانكم انفسكم متعلمون من الله ان يحب بعضكم بعضا} 1تس 1:4-9
+ الأهتمام بطهارة الحواس واللسان والفكر والقلب والجسد .. ان ابتعادنا عن العثرات والاعثار بالحواس يجعلنا فى بعد عن الافكار الخاطئة ، بهذا يوصينا السيد المسيح ان نبتعد عن من يعثرنا ولو كان انسان مهم لنا كاليد اليمنى او العين { ويل للعالم من العثرات فلا بد ان تاتي العثرات ولكن ويل لذلك الانسان الذي به تاتي العثرة .فان اعثرتك يدك او رجلك فاقطعها والقها عنك خير لك ان تدخل الحياة اعرج او اقطع من ان تلقى في النار الابدية ولك يدان او رجلان. وان اعثرتك عينك فاقلعها والقها عنك خير لك ان تدخل الحياة اعور من ان تلقى في جهنم النار ولك عينان} مت 7:18-9. لهذا ايضا نوصى بناتنا وابنائنا ان لا يكونوا عثرة فى ملابسهم او تصرفاتهم كما اوصانا القديس بطرس الرسول { ولا تكن زينتكن الزينة الخارجية من ضفر الشعر والتحلي بالذهب ولبس الثياب. بل انسان القلب الخفي في العديمة الفساد زينة الروح الوديع الهادئ الذي هو قدام الله كثير الثمن}1بط 3:3-4. اننا نحافظ على عفة الاذان بتعودها على سماع التراتيل والعظات والعيون بتطلعاتها للسماء والقديسين والايدى بان لا تمتد الى ما لغيرها ولا نفرح بربج قبيح او رشوة او عيش مسرف بل تسرع فى خدمة المحتاجين والعطاء ونبتعد بلساننا عن الادانة والتهكم والكذب والكلام الغير بناء اما القلب اى الانسان الداخلى فيمتلئ بمحبة الله والمشاعر المقدسة والعواطف الروحية { فوق كل تحفظ احفظ قلبك لان منه مخارج الحياة} (ام 4 : 23). اننا نحرص على نقاوة قلوبنا بالتوبة والانشغال بمحبة الله والأمتلاء من ثمار ومواهب الروح القدس فلا يجد ابليس سواء بالافكار او العواطف غير المقدسة مكاناً له فى قلوبنا ونرى الله ونعاين مجده { طوبى للانقياء القلب لانهم يعاينون الله }(مت 5 : 8).
كيف نقتني حياة الطهارة ..
+ تجنب السلبيات والعثرات .. يجب علينا ان نحرص على البعد عن كل مسببات الخطية والشهوة سواء التى تاتى من داخل الانسان او من الخارج .. فيجب علينا تجنب العثرات التى تأتى من الجسد كالطعام الدسم او الذائد الذى يولد حرارة الجسد لاسيما قبل النوم ، ونمارس الصوم باعتدال ومعه تواضع القلب والصلاة لله ليهبنا حياة الطهارة والعفة ونتجنب الكسل والفراغ ونهتم بنقاوة قلوبنا ونبعد عن الكبرياء كسبب لابتعاد نعمة الله المقوية عنا { قبل الكسر الكبرياء وقبل السقوط تشامخ الروح} (ام 16 : 18).كما ان البعد عن الاسباب الخارجية من قراءات او مشاهدات خاطئة او علاقات معثرة تغلق الباب على حروب الشهوة من اجل هذا يوصينا الانجيل بالبعد بل بالهروب من العثرات { اما الشهوات الشبابية فاهرب منها واتبع البر والايمان والمحبة والسلام مع الذين يدعون الرب من قلب نقي (2تي 2 : 22).
+ التوبة الصادقة.. بدون التوبة الصادقة تظل الحياة في صراع، والقلب في انقسام، والسقوط والقيام متكرر، ويزرع فينا الشيطان روح اليأس والانهزام. أما العزم الصادق على الحياة مع المسيح والجهاد الدءوب للحفاظ على النعمة المعطاة بالروح، فهذه هي وحدها التي تحمينا من خطورة الانزلاق وهاوية السقوط. ليس معنى هذا أن الحرب ستنتهي للابد ، وليس معنى هذا أن لا نتعرض للتجارب ، ولكن الذي نعنيه هو أن القلب سيكره الخطيئة مهما عرضت، وسيرفضها مهما ثقلت وسينهض من الكبوة إذا النفس عثرت يشبه الآباء القديسون الفارق بين التائب وغير التائب بالحمل والخنزير، الحمل قد يعثر ولكن سرعان ما ينفض التراب ويقوم من كبوته ولا يطيق الوحل على فروته. تنعشه النظافة وتزيده صحة ووزناً، أما الخنزير فحتى لو عطرته بالعطور الغالية فإنه يجري وراء المزبلة ليأكل منها ويتقلب في مراغة الحمأة.نحتاج إلى توبة واعتراف والصلاة بالروح لننال الطهارة ونكون آنية مقدسة وهياكل طاهرة وأعضاء حية في الجسد المقدس لتنفيذ مقصد الآب . كما ان حضور القداسات والتقرب من الاسرار المقدسة يجعل المسيح يحل بالايمان فى قلوبنا ويقدسنا جسدا ونفسا وروحا . فنثبت فى المسيح كما تثبت الاغصان فى الكرمة ونأتى بثمر ويدوم ثمرنا .
+ الصلاة بالروح والحق.. الله روح ويريدنا ان نصلى اليه بالروح والحق وتكون صلواتنا عشرة محبة مع الله وسيرنا معه احساس صادق بوجوده الدائم معنا ، يسمع ويستجيب لنا كعريس للنفس البشرية من اجل هذا قال القديس بولس الرسول { فاني اغار عليكم غيرة الله لاني خطبتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح} (2كو 11 : 2). نحيا حياة الصلاة والتسبيح. إننا بالصلاة تسمو غرائزنا وتتسامى طاقتنا العاطفية إلى المحبة الكاملة الصادقة مع الله ، نشكره على احساناته ونبثه همومنا وضعفنا ونطلب منه فى صلة دائمة ان يقودنا فى موكب نصرته .
+ القراءة فى الإنجيل والكتب الروحية .. ان كلمة الله قوية وفعاله { لان كلمة الله حية و فعالة و امضى من كل سيف ذي حدين و خارقة الى مفرق النفس و الروح و المفاصل و المخاخ و مميزة افكار القلب ونياته} (عب 4 : 12). وهى تنقى الانسان الذى يقرائها { انتم الان انقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به} (يو 15 : 3) فيجب علينا ان نعطى لها الاهمية بالدارسة والعمل بها كما ان كتابات الاباء الغنية بالروحانية تجذبنا الى حياة النقاوة وتهبنا مادة مقدسة للصلاة وتحفظ الفكر مقدساً فى الرب . كما ان قراءة سير القديسين والتعلم من حياتهم ومصادقتهم كامثلة حية للحياة الطاهرة تقودنا الى حياة مقدسة .
+ الصوم المقدس .. الصوم المقبول وباعتدال وارشاد يغلب الشيطان ولاسيما نهم البطن ويقوى الروح ويضبط أهواء الجسد.. الصوم رياضة روحية عظيمة يعطى فرصة للروح أن تنطلق في العبادة بلا عائق الصوم الإنقطاعي مع الصلاة والحياة الروحية الحقة يجعل الجسد شفافا رقيقا ويخفف ارتباط الإنسان بالأرض ويوجه اهتماماته إلى السمائيات {ليس بالخبز وحدة يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله} الصوم تدريب على طاعة الله واختبار إماتة شهوات الذات، فيه خشوع وانسحاق وفيه زهد عن العالم وتوبة عن الخطايا. وكلما ارتبط الصوم بالصلاة والسجدات والتذلل أمام الله يصبح فعالا ويحرق افكار النجاسة الخاطئة.
+أستغلال الطاقاتك بايجابية روحية .. لدى كل إنسان منا طاقات ومنها الطاقة العاطفية والفكرية والبدنية والجنيسة فيمكننا ان نستخدمها للبناء او الهدم . علينا ان نستخدم طاقاتنا فى البناء الروحى السليم ونتسامى بغرائزنا وطاقاتنا ولا ندع انفسنا فريسة للفراغ والضياع بل نعمل وننجح ونتميز فى دراستنا وعملنا ونمارس الانشطة والخدمات الكنسية والوطنية . وننمى مواهبنا سواء القراءة او كالرسم او الموسيقي او الاشغال اليدوية او الرحلات او خدمة الكنيسة وانشطتها فى افتقاد المرضي والمحتاجين والقرى المحتاجة او بالرياضة الجسدية التى تكسب الجسم القوة والنشاط وتخفف الضغوط والتوترات { لان الرياضة الجسدية نافعة لقليل ولكن التقوى نافعة لكل شيء اذ لها موعد الحياة الحاضرة و العتيدة} (1تي 4 : 8). ان الطهارة والعفاف المسيحى يعنى قلباً ملتهباً بالحب الإلهي الذي يشبع النفس ويملأ الفراغ الداخلي ويحل مشكلة العزلة والملل والسأم، ويغمر قلب الانسان بنعمة الروح القدس الوديع الهادئ فتنطفئ كل شهوة خاطئة وتهدأ حركات الجسد واعضاءه وتمتلئ النفس فرحاً وسلاماً ونعيماً. وتنمو فينا طاقات المحبة الإيجابية ونوجهها التوجيه السليم .
شئ من التاريخ المسيحى الاول من نص الدفاع عن المسيحية موجه إلى الإمبراطور الروماني هارديان للقدِّيس يوستينوس الشهيد عاش من 100م فى نابلس بفلسطين حتى استشهد فى 165م بروما
الباب الثاتي : تعاليم الديانة المسيحيةالانتقال من الظلمة إلى النور – الطهارة في الزمن الماضي، كنا نُسرّ بالفجور، أما اليوم فإن الطهارة هي كل ملذَّاتنا كنا نستسلم للسِحر، أما الآن فإننا نكرِّس أنفسنا للَّه الصالح. كنا نحب المال والممتلكات ونبحث عنها أكثر من كل شيء، أما الآن كل أموالنا مشتركة يقاسمنا فيها الفقراء كانت الأحقاد تفصلنا عن بعضنا البعض، وكانت الفروق بين العادات والتقاليد لا تسمح لنا بقبول الغريب في بيتنا، أما اليوم بعد مجيء المسيح، فإننا نعيش معًا، ونصلِّي من أجل أعدائنا، ونحاول أن نكسب مضطهدينا الظالمين أرى أنه يحسن أن نذكِّركم ببعض تعاليم المسيح نفسه. وعليكم بفضل مقدرتكم وسلطانكم الإمبراطوري، أن تحكموا إذا كانت التعاليم التي أخذناها ونسلِّمها هي تعاليم مطابقة للحق الطهارة {كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. فإن كانت عينك اليمنى تعثرك فاقلعها} (مت 5: 28-29). {خير لك أن تدخل ملكوت اللَّه أعور من أن تكون لك عينان وتطرح في جهنم النار}(مر 9: 47). {ليس الجميع يقبلون هذا الكلام، بل الذين أُعطي لهم. لأنه يوجد خِصيان وُلدوا هكذا من بطون أمَّهاتهم. ويوجد خِصيان خَصاهم الناس. ويوجد خِصيان خَصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات. من استطاع أن يقبل فليقبل} مت 19: 11-12 وهكذا، فإن الذين بحسب القانون البشري يعقدون زواجًا مضاعفًا. اما لدينا الذين ينظرون إلي امرأة ليشتهوها متساوون في الذنب أمام ربنا. فهو لا يمنع الزنا فحسب، بل يمنع نيَّة الزنا أيضًا، لأن أفكارنا معلومة لدى اللَّه مثل أعمالنا إن رجالاً ونساء كثيرين، إذ تعلَّموا منذ الصبا في ناموس المسيح، ظلُّوا أنقياء حتى سن الستين والسبعين، وإني اَفتخر بأن أذكر لكم بعض أمثلة هؤلاء في كل الطبقات. وهل يلزم أن أذكركم أيضًا بالعدد الغفير من أولئك الذين تركوا الرذيلة لكي يخضعوا لهذه التعليم؟ والمسيح لم يدع الأبرار والأطهار للتوبة، بل الكفرة والمرذولين والأشرار. ألم يقل: "لم آت لأدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة" (مر 2: 17). لأن الآب السماوي يفضل توبة الخاطئ على معاقبته..
القمص أفرايم الأورشليمى
المزيد