المقالات
19 يوليو 2019
التعب فى الخدمة
كل واحد سيأخذ أجرته بحسب ـعبه ( 1كو8:3) و لسنا نقصد هنا تعب العالم الباطل ، بل التعب لأجل الملكوت. أما تعب العالم الباطل ، فهو يشبه تعب سليمان في أمور الرفاهية و الغني ، حيث قال بعد ذلك " ثم التفت أنا إلي كل أعمالي التي عملتها يداي ، و إلي التعب الذي تعبته في عمله ، فإذا الكل باطل و قبض الريح ، و لا منفعة تحت الشمس " ( جا 2 : 11 ) . أما التعب الذي تتعبه لأجل الله ، فهو تعبك من أجل خلاص نفسك ، و من أجل بناء الملكوت .و سوف نركز الآن علي هذا التعب في الخدمة إن كل تعب تتعبه من أجل الله ، هو محفوظ لك في ملكوته بقدر ما تتعب هنا ، ترتاح في الأبدية . و بقدر ما تحتمل هنا سوف تتنعم هناك . و كما قال أيوب الصديق " هناك يستريح المتعبون " (أي 3 : 17 ) . و بحسب تعبك لأجل الله : علي الأرض يحسن مستواك الروحي ، و في الأبدية يحسن مصيرك . و هؤلاء الذين تعبوا في بناء ملكوته " يستريحون من أتعابهم ، و اعمالهم تتبعهم " ( رؤ 14 : 13 ) . و ما أجمل قول القديس بولس الرسول عن التعب في الخدمة :" إذن يا أخوتي الأحباء ، كونوا راسخين غير متزعزعين ، مكثرين في عمل الرب كل حين ، عالمين أن تعبكم ليس باطلاً في الرب " ( 1 كو 15 : 58 ) .ذلك " لأن الله ليس بظالم حتي ينسي عملكم و تعب المحبة الذي أظهرتموها نحو إسمه ، إذ قد خدمتم القديسين و تخدمونهم " ( عب 6 : 10 ) . نعم ، هؤلاء سوف يستقبلهم الرب بعبارته المعزية " تعالوا إلي يا جميع المتعبين و الثقيلي الأحمال ، و أنا أريحكم " ( مت 11 : 28 ) . أريحكم ليس علي الأرض فقط ، بل في السماء أيضاً . علي الأرض ترتاح ضمائركم و قلوبكم . و في السماء ترتاح ارواحكم ... قال بولس الرسول عن عمله في الخدمة " أنا غرست ، و أبولس سقي و الغارس و الساقي هما واحد .و لكن كل واحد سيأخذ أجرته بحسب تعبه " ( 1 كو 3 : 6 ، 8 ) إن الأنصبة في الملكوت ليست واحدة فكما يقول الرسول " لأن نجما يمتاز عن نجم فى المجد "( 1كو 15 : 41 ) ومادام الله سوف يجازى كل واحد بحسب عمله " ( مت 16 : 27 ) إذن عليك أن تبذل كل جهدك فى خدمة الله ،أنت هنا على الأرض ، عالما أن الله يرقب عملك ويحسب لك كل تعبك 0 كما قال لملاك كنيسة أفسس " أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك 00 وقد إحتملت ولك صبر ، وتعبت من أجل إسمى ولم تكل " ( رؤ 2 : 2 ، 3 ) إن تعبك يدل على مقدار محبتك لك وملكوته فالذى يحب الله ، لا يسمح أن يعطى لنفسه راحة ، بل يجاهد حتى يوصل كل إنسان إلى قلب الله 0 كما قيل عن داود النبى ونذره لإله يعقوب " إنى لا ادخل إلى مسكن بيتى ، ولا أصعد على سرير فراشى ، ولا أعطى لعينى نوما ، ولا لأجفانى نعاسا 00 إلى أن أجد موضعا للرب ، ومسكنا للإله يعقوب " ( مز 132 : 2 – 5 ) فاسأل نفسك : ماهو مقدارتعبك من أجل الرب ؟ هوذا بولس الرسول الذى تعب أكثر من جميع الرسل ( 1كو 15 : 10 ) يشرح لنا بعضا من أتعابه فىالخدمة ، فيقول : فى الأتعاب أكثر ، فى الضربات أوفر ، في السجون أكثر ، في الميتات مراراً كثيرة . من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة . ثلاث مرات ضربت بالعصي مرة رجمت بأسفار مراراً كثيرة ، بأخطار سيول ، بأخطار لصوص ، باخطار من جنسي بأخطار من الأمم ، بأخطار في المدينة ، بأخطار في البحر ، بأخطار من أخوة كذبة . في تعب و كد ، في اسهار مراراً كثيرة . في جوع و عطش في برد و عري . عدا ما هو دون ذلك : التراكم علي كل يوم ، الإهتمام بجميع الكنائس " ( 2 كو 11 : 23 – 28 ) و أنت يا أخي ، ما هو تعبك في الخدمة ، إذا قورن بكل هذا ؟ أعرف أن كل ما تتعبه في خدمة ، مسجل لك في سفر الحياة حينما تفتح السفار في يوم الدينونة ، و حينما تكشف كل الأعمال ، ستجد كل ما عملته مسجلاً لك حتي كأس الماء البارد الذي تقدمه لأجل الله ، هذا أيضاً لا يضيع أجره ( مت 10 : 42 ) كل خطوة تخطوها إلي الكنيسة ، أو في إفتقاد إنسان ، هذه أيضاً محسوبة لك ، تنال أجرها في الملكوت كل حبة عرق تسكبها ، كل كلمة تعزية تقولها .. كل ذلك مسجل لك في سفر الحياة لا تقل أنا تعبان في الخدمة ، و لا يشعر بي أحد !كلا ، فإن الله يقول لك تلك العبارة التي كررها لكل ملاك من ملائكة الكنائس السبع : " أنا عارف أعمالك " ( رؤ 2 ، 3 ) . حتي إن لم تجد تقديراً علي الأرض ، ستجد كل التقدير في السماء . و الأعمال المخفاة سوف تظهر ، و تنال عليها أجراً أكبر بل صدقني ، حتي أتعابك التي قد نسيتها أنت ، هي نسيتها أنت ، هي محفوظة عند الله . إنه يذكرها لك ،لن ينساها . و سوف يقول لك في ذلك اليوم ، ، مع كل أخوتك الذين تعبوا مثلك و خدموا : " تعالوا يا مباركي الرب . رثوا الملك المعد لكم منذ تأسيس العالم " ( مت 25 : 34 ) إن الله لا يمكن أن ينسي تعبك و خدمتك . بل أقول إنه حتي الرسل لم ينسوا أبداً الذين تعبوا معه في الخدمة . هوذا بولس الرسول يقول في رسالته لأهل رومه " سلموا علي مريم التي تعبت لأجلنا كثيراً سلموا علي تريفينا و تريفوسا التاعبتين في الرب . سلموا علي برسيس المحبوبة التي تعبت كثيراً في الرب " ( رو 16 : 6 ، 12 ) . و عندما أرسل إلي تلميذه تيموثاوس ، أوصاه أن يقيم اعتباراً حسناً ، فليحسبوا أهلاً لكرامة مضاعفة ، و لاسيما الذين يتعبون في الكلمة و التعليم " ( 1 تي 5 : 17 ) فإن كان الرسول يذكر الذين تعبوا ، فكم بالأكثر يذكرهم الله لذلك لا تفكر أبداً أن تعطي نفسك راحة في خدمتك . بل اتعب في تحضير الدروس و في الإطلاع ،و اتعب في الإفتقاد و في حل مشاكل الناس . و اصبر في إحتمال المقاومات التي تصادفك في الخدمة ن و لا تترك خدمتك بسببها . اتعب في إعادة الشاردين من الله الرافضين التوبة ، و كما قال الرسول " خلصوا البعض بالخوف ، مختطفين من النار " ( يه 23 ) . و اذكر قول الكتاب :" من رد خاطئاً عن ضلال طريقه ، يخلص نفساً من الموت ، و يستر كثرة من الخطايا " ( يع 5 : 20 ) حقاً إن النفس الثمينة التي مات المسيح لأجلها ، تستحق منك أن تبذل كل تعب في سبيل خلاصها . لذلك جاهد و لا تيأس ، حتي إن تأخر ثمر تعبك في الظهور . استمر . لا تترك غيرك يتعب ، و أن تدخل علي تعبه ( يوم 4 : 38 ) . بل اشترك في التعب ، اياً كان الجهد الذي تبذله و لا تقف لتتفرج علي الذين يتعبون . فملكوت الله ليس للمتفرجين إنما الملكوت للذين يتعبون في بنائه . تأمل كيف تعب القديس اثناسيوس الرسولي في حفظ الإيمان و في مقاومة الأربوسيين ، حتي أنه نفي عن كرسيه أربع مرات . و تأمل كيف تعب بولس الرسول ، و استطاع أن يقول أخيراً : "جاهدت الجهاد الحسن ، أكملت السعي ، حفظت الإيمان . و أخيراً قد وضع لي إكليل البر" ( 2 تي 4 : 7 ) تأمل أيضاً كيف تعب نحميا كثيراً يبني سور أورشليم . و كيف لاقي مقاومات ، و صبر عليها حتي أكمله عمله و اعلم أنك في خدمتك ، سيشترك الله معك . و لن يتركك تتعب وحدك و نحن نصلي في الكنيسة و نقول للرب " اشترك في العمل مع عبيدك " . و القديس بولس الرسول يقول عن نفسه و عن أبولس " نحن عاملان مع الله " ( 1 كو 3 : 9 ) إن الله باستمرار يعين خدامه في خدمتهم : يعمل معهم ، و يعمل فيهم ، و يعمل بهم . لذلك في خدمتك ، حاول أن تكون مجرد اَلة في يد الله يعمل بها . وصل في قلبك هذا المزمور :"إن لم يبن الرب البيت ،فباطلاً تعب البناءون "(مز127 : 1) لذلك فالخدمة تحتاج أيضاً إلي تعب في الصلاة لأجلها ،لكي يتولاها الله بعنايته ، و لكي تشعر بيد الله فيها . لأنك ربما تفكر أن التعب في الخدمة ، هو مجرد تعب ذراعك البشري . كلا . فقد قال الرب " بدوني لا تقدرون أن تعملوا شيئاً " ( يو 15 : 5 ) . لذلك جاهد في أن تشرك الله معك في الخدمة ن بصلوات ، باصوام ، بمطانيات ، بصراع مع الله و حذار من أن تبحث عن الخدمات السهلة ، أو تدخل إلي الخدمة من الباب الواسع ! ذلك لأن كثيرين من الذين لا يحبون التعب في الخدمة ، يهربون من الخدمات التي تحتاج غلي جهد كبير ن أو التي تصادفها بعض المشاكل ! و لا يقبلون إلا الخدمة السهلة . و قد يبررون المر ببعض كلمات تواضع ! كأن ييقول الشخص " أنا أصغر من هذا الأمر . أنا لم أصل إلي مستوي هذه الخدمة . أنا ليست لي مواهب " و الرب يرفض كل هذه الإعتذرارت . و قال لأرميا " لا تقل إني ولد . لأنك إلي كل من أرسلك إليه تذهب ، و تتكلم بكل ما اَمرك به " ( أر 1 ك 7 ) الخدمة الصعبة تظهر فيها يد الله ، كما يظهر فيها بذل الإنسان و تعبه كما تظهر فيها محبته للملكوت ، و محبته لخلاص الناس ، و عدم إهتمامه بنفسه و براحته ، و استعداده لحمل الصليب في الخدمة ، و عدم تذمره علي الضيقات في الخدمة و مثل هذه الخدمة لها أجر كبير . و هي التي دعا إليها الرب تلاميذه ، حينما قال لهم " ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ذئاب " ( مت 10 : 16 ) و لم يهرب تلاميذ الرب من خدمه كهذه :نعم ، خير لنا أن نتعب لكي يستريح الناس لا أن نستريح نحن ، و نتركهم يتعبون .
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
18 يوليو 2019
الفضائل
1 ـ تختلف الفضائل حسب اختلاف المنبع،
ولقد فرق فم الذهب بين الحياة الفاضلة على المستوى الأخلاقي الاجتماعي البحت، وبين حياة الفضيلة خلال الشركة مع الله لنكون على شبهه وندخل إلى الحياة الملائكية السمائية، التي ينبغي أن نحياها.
2- الفضائل عقد واحد :
ويقول ذهبي الفم ليست الحياة الفاضلة مجموعة من الفضائل المتراصة، لكنها وحدة واحدة متكاملة، كل فضيلة تمثل جانبا منها. " وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به ".
3 ـ توجد فضائل تحفظ الفضائل (بدونها لا تبقى الفضيلة) :
أ ـ التمييز :
يقول يوحنا الدرجي " التمييز عند المبتدئين هو معرفة ذواتهم معرفة حقيقية. أما عند المتوسطين فهو حس داخلي لا يخطئ، يميز السجية الصالحة حقا عن السجية الطبيعية وعن السجية الرديئة. وأما عند الكاملين فهو معرفة ناتجة عن استنارة إلهية تستطيع أن تضيء بمصباحها ما هو مظلم عند الآخرين "
وقال : ( كما أننا نستقي من البئر ضفدعا مع الماء أحيانا، على غير انتباه منا، كذلك كثيرا ما نصنع الرذائل مضفورة مع الفضائل بصورة غير منظورة. فإن الشراهة مثلا تختلط مع ضيافة الغرباء، والزنى مع المحبة، والدهاء مع التمييز، والخبث مع الفطنة، ثم يندس مع الوداعة كل من الغش والمماطلة والبلادة والمحاججة واتباع المشيئة الذاتية وعدم الطاعة، ومع الصمت ادعاء العلم، ومع الفرح الغرور، ومع الرجاء التواني، ومع المحبة الإدانة، ومع الهدوء الضجر والكسل، ومع الطهارة الحدة، ومع التواضع الدالة، ويرافق العجب هذه الفضائل كلها بمنزلة مرهم بل سم مشترك يطليها )
ب ـ المحبة :
وقال الدرجى : أبصرت فلاحين يلقون في الأرض نوعا واحدا من البذار إلا أن كلا منهم قصد من زرعه غرضا خاصا به. فالواحد كان غرضه أن يوفى ديونه، والآخر أن يجمع ثروة، وغيره أن يكرم سيده بالهدايا، وآخر أن يتصيد بحسن عمله مديحا من المجتازين في طريق العمر، وغيره أن يحزن عدوه الذي يحسده، وغير هؤلاء أن لا يلومه الناس على بطالته. وهذه أسماء البذار الذي ألقاه الفلاحون في الأرض : صوم وسهر وصدقة وخدمة وما إلى ذلك. فليفحص كل أخ قصده بعناية في ضوء مشيئة الرب.
جـ ـ الاتضاع :
كلمات بولس الرسول " و لكن لنا هذا الكنز في أوان خزفية ليكون فضل القوة لله لا منا " (2كو4 : 7)
قصة الراهب الذي كان يصلى الصلاة الربانية مهلا مهلا.
د ـ الحق :
فالتشجيع لا بد أن يكون بالحق. والامتداح كذلك. فالذي يسند المحبة لئلا تنحرف هو الحق. وهكذا كل الفضائل.
فضيلة التسليم :
كانت هذه الفضيلة عجيبة ومؤثرة "ليكن لى كقولك"، تسبب لكِ متاعبِ.. يشك فيك يوسف.. لتكن مشيئتك يا رب، ربنا تدخل وأفهم يوسف.
ولكن أين كانت الولادة؟ لا بيت ولا فندق ولا حتى غرفة حقيرة.. إنه مزود حيوانات.. لتكن مشيئتك يارب، وها هم المجوس فى زيارة المولود، يقدم المجوس ذهباً ولباناً ومراً.. إذن لماذا الألم يارب؟ إنها رحلة صليب.. لتكن مشيئتك يارب، ويأتى سمعان ويقول: "أنه وضع لقيام وسقوط كثيرين فى إسرائيل ولعلامة تقاوم" لتكن مشيئتك يارب إنه كنز العذراء، وحتى عند تعذيب اليهود له، وعند صعوده على الصليب..
كان التسليم عجيباً "أما العالم فيفرح لقبوله الخلاص وأما أحشائى فتلتهب عند نظرى إلى صلبوتك، الذى أنت صابر عليه من أجل الكل يا أبنى وإلهى".
هل سألته لمن تتركنى؟ من ينساها... إنه تسليم فى كل مراحل الحياة.. لتكن مشيئتك.
هل نحن نفعل ذلك أن نقول: "ليكن لى كقولى" تأملوا فى هذه العبارة "لست تفهم الآن ماذا اصنع ولكن ستفهم فيما بعد".
قيل في الفضائل :
الصلاة أم الفضائل، والتواضع الخيط في المسبحة، والطهارة زينة الفضائل، والمحبة عصير الحياة الذي يجرى في كل الفضائل.
يقول الدرجي :
المحبة والتواضع زوج طاهر جليل. لأن الأولى ترفع أما الثاني فيحفظ الذين ارتفعوا ولا يدعهم يوما يسقطون.
ويقول : الخاصة الأولى لثالوثية التواضع هي اقتبال الإهانة بسرور كعلاج شاف لأسقام النفس ومحرق لخطاياها.
والثانية تلاشى كل غضب مع عدم التباهي بالعزوف عن الغضب.
والثالثة حذر صادق من الحسنات الذاتية، ورغبة دائمة في التعلم.
ويقول : المتواضع لا يتحرى عن الخطايا، أما المتكبر فيفحص عن أحكام الله.
ويقول : يتخذ البعض مدعاة للتواضع :
ـ السيئات السابقة حتى بعد غفرانها.
ـ آلام المسيح فيحسبون ذواتهم مدينون له أبدا.
ـ النقائص الحاصلة منهم كل يوم.
ـ التجارب والهفوات العارضة لهم.
ـ الافتقار إلى المواهب.
ـ ازدياد مواهب الله فيهم مع عدم استحقاقهم.
ويقول : لقد وجد الكثيرون الخلاص خلوا من نبوءات واستنارات وآيات وعجائب. ولكن لن يدخل أحد خدر العرس بدون الاتضاع. لأن هذا حفظ أولئك وبدونه صارت تلك سببا لهلاك العادمين الفطنة.
ويقول مار اسحق السرياني :
التواضع وشاح الألوهة، لأن الكلمة المتجسد تسربله وكلمنا عنه من خلال أجسادنا. فكل من يتسربله يتشبه حقا بذلك الذي انحدر من علوه وغطى فضيلة عظمته بالتواضع وستر مجده به كي لا تلتهب الخليقة بمنظره.
ومن كلمات القديس أوغسطينوس :
السيد المسيح باب وضيع، إن أردت أن تدخل منه فعليك أن تتواضع لتتمكن من الدخول دون أن يصاب رأسك بأذى.
التواضع في السيئات لا يغيظ الله كالكبرياء في الصالحات.
عليك أن تفكر بما ينقصك أكثر مما تفكر بما لديك.
كن دوما غير راض عما أنت فيه، إن شئت أن تصل إلى ما لم تبلغه حتى الآن.
الأعرج السائر على الطريق أفضل من العداء خارجا عنها.
ويقول أنبا أشعياء :
+ التواضع نوعين : أمام الناس أن يجعل الإنسان نفسه أصغر وأحقر من الكل.
وأمام الله أن يحسب نفسه أنه خاطئ وما صنع ولا صلاحا واحدا قدام الله.
+ وهذه أعمدة التواضع التي يقوم عليها :
1 ـ لا يقايس الإنسان نفسه مع كل أحد بل يحسب نفسه أصغر وأحقر من كل أحد.
2 ـ لا يقاوم الآخرين ليقيم هواه ويغلب.
3 ـ يطيع كل أحد.
4 ـ نظره متعفف ومطأطئ إلى أسفل.
5 ـ يضع موته قدام عينيه دائما.
6 ـ يحفظ نفسه من الكذب.
7 ـ لا يتكلم بالأباطيل والضحك المنحل الذي يبطل بحفظ العقل والفم.
8 ـ لا يجاوب من هو أكبر منه ( مثل قايين الذي أجاب الله بعظمة ).
9 ـ يحتمل الإهانة والاحتقار.
10 ـ يبغض النياحات والشهوات والمفاوضات والطياشة والحكايات.
11 ـ يعود نفسه بالأعمال الجسدية، ويعود نفسه بعمل العقل.
12 ـ يغصب نفسه ويقطع هواه ويعمل إرادة أخيه.
13 ـ لا يغضب.
ويقول مار أوغريس :
الاتضاع هو عطية من الثالوث القدوس ـ وهو طريق الملائكة ـ ونار على الشياطين ـ وإمارة للحكمة ـ ويطرد الجهل ـ ونور للنفس ـ ونقاوة للعقل ـ وتذكار للموت ـ ومحب للتعب مع آخرين ـ وميناء للمحبة ـ وكنزا مخفيا وغنى لا يسرق ـ وفعل الخلاص معطى الحياة الأبدية ـ وغلبة للأعداء ـ ورباط للصلح ـ وأساس للطاعة ـ ودوس على العالم ـ وباب للسماء.
المزيد
17 يوليو 2019
المسيح رجاء الأمم
ما أجمل كلمة رجاء جاء المسيح وتجسد لكى يحقق النبوات تنبأ أشعياء النبى قبل مجئ المسيح بحوالى 800 سنة "على أسمه يكون رجاء الأمم" يا رجاء من ليس له رجاء معين من ليس له معين عزاء صغير القلوب كما نصلى فى اوشية المرضى يحارب عدو الخير الانسان لكى ما يفقده رجاءه أقرب كلمة لكلمة رجاء هى كلمة أمل الانسان بلا أمل صار بلا حياة كانت البشرية فى العهد القديم بلا رجاء يقدم الذبيحة اليوم ويحتاج ان يقدمها بكرة فلا يوجد من يمسح الخطية , فكانت الخطية تستشرى فى الجسد الانسانى ومن هنا نشأت الصراعات والحروب والعنف وكاد يفقد الإنسان رجاءه متى يجئ المسيح.
بعض المشاهد الكتابية :-
1- فى زمن أبونا إبراهيم , طلب منه الله ان يخرج من ارضه ويترك عشيرته للارض التى يريها له لو كان ابراهيم بلا رجاء لكان يطلب أولا ان يرى هذه الارض ويقارن بينها وبين الارض التى يعيش فيها للانسان عينان عين الايمان وعين الرجاء الايمان لا يكون ايماناً الا بالرجاء والرجاء لا يكون رجاءاً الا بالايمان.
2- داود النبى فى سفر المزامير يقول "رجائى فيك" هذه العبارة تتكرر كثيرا.
3- العهد الجديد فى اخر سفر الرؤيا يتحدث عن الرجاء " أمين تعال ايها الرب يسوع"
4- فى عيد الصعود صارت تحية ماران أثا باليونانية بمعنى الرب أتى أو الرب قريب.
مأجمل ان يكون للانسان هذه الرؤيا فى مجتمعه سواء البيت أو الخدمة أو الكنيسة أو الوطن أن يكون له رجاء رغم كل الظروف والاحباطات لذلك دعى أسمه عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا معنا كلنا مع كل البشر.
5- بعين الرجاء قال بولس الرسول "لى اشتهاء ان انطلق واكون مع المسيح ذاك افضل جداً"
ما فائدة الرجاء فى حياتنا؟
1- يمد الانسان بالطاقة فتصير حياته بلا يأس يحاربنا عدو الخير بشئ من أثنين اليأس أو الشك عندما يمتلك الانسان الرجاء يمتلك طاقة لحياته شئ مهم ان يكون للانسان فى حياته اليومية هذه النظرة المملؤة بالرجاء.
2- تضعف جذب العالم للانسان.
العالم بكل شهواته واكاذيبه يجذب الانسان ولكن رجاء الانسان فى الحياة الجديدة يجعله غير مرتبط بالارض وهذا ما فعله الاباء القديسيين الناسكيين والشهداء الرجاء يرفع الانسان من مستوى الارض الى مستوى السماء.
3- الرجاء يجعلنا شهود حقيقيين للمسيح.
(كان فشلنا فى الاول هو دافعنا للنجاح وعندما فشلنا فى المرة الثانية حاولنا فى المرة الثالثة ولكننا فشلنا) هذه مقولة احد الاطباء فى مذكراته اثناء محاولاته مع مجموعة لاختراع دواء للسل الرجاء يجعلك تشهد للمسيح يجعلك ترى يد المسيح تعمل فى الحياة , فى عمرك , فى ايامك الرجاء يعطى للانسان بعد جديد فى حياته ان وجدت ضيقات ومتاعب تذكر يا معين من ليس له معين وتذكر ان السيدالمسيح جاء لكى يكون على اسمه رجاء الامم صار للبشرية بعد الرجاء بمجئ المسيح .
قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
16 يوليو 2019
أتحبنى أكثر من هؤلاء
نحن نعلم أن بطرس أحب المسيح من كل قلبه، وأجاب بعمق على السؤال القائل: {أتحبني أكثر من هؤلاء} {وكان الجواب: أنت تعلم يارب كل شيء، أنت تعرف أني أحبك}(يو 21: 15 و17)، ومع أن بطرس ارتكب الأخطاء وكان فيه بعض الضعفات والعيوب كواحد منا ، لكن حبه لم يخنه وهو يخرج إلى خارج ليبكي كأعظم ما يكون المحبون في الأرض. كانت أزمته يوم الصليب، نوعًا من الغيبوبة وفقدان الوعي الذي قلبه رأسًا على عقب، فأنكر محبه وحبيبه، ولكنه ما إن استعاد وعيه حتى غسل بدموعه الغزيرة فعلته الشنعاء. على أن حب السيد كان أوفى وأعلى إذ في قلب الأزمة نظر إليه، ومن المؤكد أن النظرة وإن كانت تعبر عن قلب المسيح المجروح، إلا أنها كانت ممتلئة بالحنان والعطف والرقة والرحمة. وفي الحقيقة إن بطرس الرسول في حياته وموته قد بادل سيده حبًا بحب من أعظم وأشرف وأجل ما يمكن أن يتبادله المحبين، محبا لسيد فى كل ظروف حياته، عندما راه فوق جبل التجلي، وقد تغيرت هيئته، وبدا منظره على الصورة التي تتجاوز الخيال البشري، ومعه موسى وإيليا، وإذا ببطرس ينسى الأرض وما عليها ومن عليها، فلا يعود يذكر بيته وزوجته والعالم بأكمله ويصبح صارخًا: {يارب جيد أن نكون ههنا} انه لا يرضى بالمسيح بديلا، ويقول: {إلى من نذهب كلام الحياة الأبدية عندك} إنه الرجل الذي تبع سيده، سواء في أعلى الجبل أو في البحر أو في الطريق،أو عندما راه في ضعفه وأنكره وبكي بكاء مر لذلك الضعف. وصبح المسيح كنزه الوحيد: {ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك} (مت 19: 27) إنه مثل القديس بولس الرسول الذي عندما أراد أن يعبر عن الحياة والموت قال: {لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح}(في 1: 21).
+ان المسيحية منذ تاريخها الأول تذخر بالشجعان الأبطال الذين لا يخيفهم سجن أو اضطهاد أو تعذيب بل يقولون مع بطرس ويوحنا {لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا} (أع 4: 20).. {فأجاب بطرس والرسل وقالوا ينبغي أن يطاع الله أكثر من الناس، إله آبائنا أقام يسوع الذي أنتم قتلتموه معلقين إياه على خشبة هذا رفعه الله بيمينه رئيسًا ومخلصًا ليعطي إسرائيل التوبة وغفران الخطايا. ونحن شهود له بهذه الأمور والروح القدس أيضًا الذي أعطاه الله للذين يطيعونه} (أع 5: 29-32).. ومع أننا لا نعلم بالضبط الأماكن التي تنقل فيها بطرس كارزًا وشاهدًا ليسوع المسيح، ولكن من الواضح أنه وعظ في أورشليم وأنطاكية، ومن المعتقد أيضًا أنه ذهب إلى روما، والكنيسة الكاثوليكية تعتقد أنه أول أسقف لروما، ولكن الفكر الارثوزكسي لا يشاطرها هذا الرأي إذ أن بولس كان تواقًا إلى الذهاب إلى روما، وكان من عادة بولس الأكيدة أنه لا يعمل على أساس آخر، ومن غير المتصور أن يذهب بولس إلى كنيسة يؤسسها بطرس وبولس هو رسول الأمم .
+لكن من المؤكد إن بطرس صلب في روما ، وكان ذلك إبان اضطهاد نيرون القاسي الشديد، قيل أيضًا إن المسيحيين شجعوه على الابتعاد عن روما، وإنه أخذ سبيله ذات مساء إلى طريق ابيان الشهير، وظل سائرًا الليل كله، ولكنه في الصباح الباكر، عند شروق الشمس، أبصر شخصًا مهيبًا أمام عينيه، وإذ عرف أنه المسيح صاح: "إلى أين يا سيد" وجاءه الجواب: "إن لي تلميذًا كان هناك ثم هرب، وأنا ذاهب لأخذ مكانه، وأصلب مرة ثانية نيابة عنه" وصرخ بطرس: "لا ياسيد أنا عائد". وعاد ليموت مصلوبًا، وعندما أرادوا أن يصلبوه قال إنه شرف لا أستحقه أن أموت مصلوبًا مثل سيدي، ولكني أرجو أن أصلب وقدماي إلى أعلى ورأسي إلى أسفل، لأني أقل من أن أكون كسيدي. ويقال انه نظر إلى روما وهو يقول "عما قريب تتحولين أيتها الهياكل الوثنية المتعالية إلى معابد للمسيح" وقال للجماهير المحتشدين "إن أولادكم سيكونون خدامًا للمسيح.. ها نحن نموت يا روما من أجل أن تخلصي، ويسيطر عليك روح المسيح. ولسوف يجيء قياصرة ويذهبون ولكن مملكة المسيح ستظل ثابتة صامدة على مدى الأجيال" .
القمص أفرايم الأنبا بيشوي
المزيد
15 يوليو 2019
إلى من نذهب؟
كيف نعيش بدون الكتاب المقدس؟!!!
"كل الكتاب هو موحي به من الله، ونافع للتعليم والتوبيخ، للتقويم والتأديب الذي للبر" (2تي3: 16)العالم اليوم في أشد الحاجة إلى العودة للكتاب المقدس إن تغييب كلمة الله عن حياة الناس هي الخطر الأعظم وهي أيضاً الهم الشاغل للشيطان، لأنه يعرف أن كلمة الله هي خلاص العالم، لذلك ليس عجيباً إن كان الشيطان وهو يريد إهلاك العالم يعمي الناس عن الإنجيل، ويشغلهم عن معرفته، ويشككهم في صحته.
فماذا يعني الإنجيل لنا؟
1- نور لسبيلي:-
"لأن الوصية مصباح، والشريعة نور" (أم23:6)، "فتح كلامك ينير، يعقل الجهال" (مز130:119). لذلك قيل "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" (مز105:119)فمن يعيش بعيداً عن كلمة الله يعيش في الظلام "لأنهم عصوا كلام الله، وأهانوا مشورة العلي" (مز11:107) "من ازدرى بالكلمة يخرب نفسه، ومن خشى الوصية يكافأ" (أم13:13)ومن يقتني كلمة الله في قلبه يستنير، ويبعد عن الشر والخطية "فبكلام شفتيك أنا تحفظت من طرق المعتنف" (مز4:17) طوبى لمن يكتنز في داخله كلام الله "بم يزكى الشاب طريقه؟ بحفظه إياه حسب كلامك" (مز9:119) "خبأت كلامك في قلبي لكيلا أخطئ إليك"(مز11:119)، "أبتهج أنا بكلامك كمن وجد غنيمة وافرة" (مز162:119) لذلك دعونا نهتف معاً: "يا بيت يعقوب، هلم فنسلك في نور الرب" (إش5:2). فلنقتني فينا كلمة الله الحية لتنير لنا الطريق، ونفهم ما هي مشيئة الرب. "وعندنا الكلمة النبوية، وهي أثبت، التي تفعلون حسناً إن انتبهتم إليها، كما إلى سراج منير في موضع مظلم، إلى أن ينفجر النهار، ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (2بط19:1)
2- سيف الروح:-
إنه السيف الذي نحارب به إبليس "وخذوا خوذة الخلاص، وسيف الروح الذي هو كلمة الله" (أف17:6)، "لأن كلمة الله حية وفعالة وأمضى من كل سيف ذي حدين، وخارقة إلى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ، ومميزة أفكار القلب ونياته" (عب12:4)وهو السيف الخارج من فم المسيح كما رآه يوحنا في سفر الرؤيا "وسيف ماض ذو حدين يخرج من فمه" (رؤ16:1)إنها كلمة الله الحادة التي تقطع الشر، وتحارب الشرير "فتب وإلا فأني آتيك سريعاً وأحاربهم بسيف فمي" (رؤ16:2)، "ومن فمه يخرج سيف ماض لكي يضرب به الأمم" (رؤ15:19)، "والباقون قتلوا بسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه" (رؤ21:19)ولعل هذا السيف هو الذي طلب الرب من تلاميذه أن يقتنوه عند التجربة "من له كيس فليأخذه ومزود كذلك ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفاً" (لو36:22)إنه السيف الذي انتصر به السيد المسيح على الشيطان في التجربة على الجبل حيث غلبه بالـ"مكتوب"وهو السيف الذي ألقاه السيد المسيح على الأرض "لا تظنوا أني جئت لألقي سلاماً على الأرض. ما جئت لألقي سلاماً بل سيفاً" (مت34:10)إنه السيف الذي استخدمه يوحنا المعمدان في وجه هيرودس "لا يحل أن تكون لك امرأة أخيك" (مر18:6)وهو السيف الذي يستخدمه رجال الله ضد الانحرافات "وجعل فمي كسيف حاد. في ظل يده خبأني وجعلني سهماً مبرياً. في كنانته أخفاني" (إش2:49)
3- نار آكلة:-
إن النار تطهر من الشوائب والقاذورات.. وهكذا كلمة الله تطهرنا من كل خطية.. "أنتم أنقياء لسبب الكلام الذي كلمتكم به" (يو3:15)إنها النار التي تكلم عنها إرميا النبي "لذلك هكذا قال الرب إله الجنود: من أجل أنكم تتكلمون بهذه الكلمة، هأنذا جاعل كلامي في فمك ناراً، وهذا الشعب حطباً فتأكلهم" (إر14:5)إنها نار ضد الشر لتطهر "هوذا اسم الرب يأتي من بعيد. غضبه مشتعل والحريق عظيم. شفتاه ممتلئتان سخطاً، ولسانه كنار آكلة" (إش27:30) "أليست هكذا كلمتي كنار، يقول الرب، وكمطرقة تحطم الصخر؟" (إر29:23)لذلك فكلمة الله تقدس إلى التمام "لأنه يقدس بكلمة الله والصلاة" (اتي5:4). أما الخدام الذين يشتعلون بهذه النار المقدسة فلا يستطيعون أن يكتموها في داخلهم "لأننا نحن لا يمكننا أن لا نتكلم بما رأينا وسمعنا" (أع20:4)، وإذا أراد الخادم أن يصمت يجد قلبه مشتعلاُ بهذه النار "فقلت: لا أذكره ولا أنطق بعد باسمه. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي، فمللت من الإمساك ولم استطع" (إر9:20)، أما الذين يرفضون كلمة الله فيحترقون بها "لذلك كما يأكل لهيب النار القش، ويهبط الحشيش الملتهب، يكون أصلهم كالعفونة، ويصعد زهرهم كالغبار، لأنهم رذلوا شريعة رب الجنود، واستهانوا بكلام قدوس إسرائيل" (إش24:5)
4- مصدر قوة وثبات وحياة:-
إن من يحتمي بكلمة الله يصير قوياً في مواجهة الشيطان والعالم "كتبت إليكم أيها الأحداث، لأنكم أقوياء وكلمة الله ثابتة فيكم، وقد غلبتم الشرير" (1يو14:2)، فمن يقتني الكلمة في داخله يصير أقوى من العالم وكل البشر "الله افتخر بكلامه. على الله توكلت فلا أخاف، ماذا يصنعه بي البشر" (مز4:56)، لذلك ينبهنا الله بمحبته أن نحتمي في كلامه "يا ابني أصغ إلى كلامي، أمل أذنك إلى أقوالي" (أم20:4) "وكان يريني ويقول لي: ليضبط قلبك كلامي أحفظ وصاياي فتحيا" (أم4:4). "كل كلمة من الله نقية، ترس هو للمحتمين به" (أم5:30)"إنكم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي" (يو31:8)، "الحق الحق أقول لكم: إن كان أحد يحفظ كلامي فلن يرى الموت إلى الأبد" (يو51:8)، "إن ثبتم فيّ وثبت كلامي فيكم تطلبون ما تريدون فيكون لكم" (يو7:15) لذلك فنحن نحب كلمة الله ونتمسك بها لننال الحياة "متمسكين بكلمة الحياة"(في16:2)طوبى لمن يقرأ ويسمع ويعلم بكلمة الله حقاً يصير أقوى من كل العالم.
نيافة الحبر الجليل الأنبا رافائيل أسقف عام وسط القاهرة
المزيد
14 يوليو 2019
كيف أتعامل مع المجتمع بتوازن
التَوَازُن يعنِي أنْ يَكُون الإِنسان مُتَزِن فِي أموره أي لاَ يَكُون مُتَحَيِّز إِلَى اليمِين وَلاَ يَكُون مُتَحَيِّز إِلَى اليسار وَلاَ يَكُون فَاقِد إِتِزانه وَيَكُون مُتَزِن وَثَابِت فَهذَا هُوَ الإِتِزان كَيْفَ يسلُك أولاد الله بِإِتِزان ؟
هُناك أربعة نِقاط :-
1- مفهُوم الإِتِزان :-
أنْ يَكُون الشخص قَادِر عَلَى إِختِيار أُسلُوب حياته المُناسِب أنْ يعرِف أنْ يختار مَتى يَتَكَلَّم وَمَتى يصمُت عَنْ الكَلام وَأنْ يختار الأشخاص الَّذِينَ يُعَاشِرهُمْ وَأنْ يعرِف كَيْفَ أنْ يفرِز الأُمور عَنْ بعضها فَهُناك فَضِيلة تُسَمَّى فَضِيلة الإِفراز وَهيَ تعنِي الإِختيار وَالتقييم فَمِنْ المفرُوض أنْ يَكُون فِي حياتنا إِفراز وَاتِزان بِمعنى أنْ يَكُون لدينَا إِفراز وَاتِزان فَمَثَلاً الفُول الَّذِي بِهِ حصى فَإِذا طُلِبَ مِنْكَ أنْ تُنَظِف هذَا الفُول فَإِنَّكَ تقُوم بِفرز الفُول عَنْ الحصى الَّذِي بِهِ وَلاَ تعُود وَتضع الحصى مَعَ الفُول بعد عَمَلِيِة الفرز وَهَكَذَا الفرز هُوَ أنْ تختار الجَيِّد وَتَكُون معهُ وَتَبعِد عَنْ الرَدِئ وَكَيْفَ أنْ تَتبع الأمر الجَيِّد وَتُنَمِيه وَتستمِر مَعْهُ وَتطرح الأمر الرَدِئ يِبعِد عنْكَ تماماً فَهذَا هُوَ الإِفراز فَهيَ مُشتَقَّة مِنْ كَلِمة " فرز " ذَات مرَّة قَالَ الأنبا أنطونيُوس لِتَلاَمِيذه : مَا هِيَ أعظم فَضِيلة ؟فَقالُوا تَلاَمِيذه : المَحَبَّة ، التواضُع ، الطاعة ، العطاء ، الإِيمان ، التَعَاوُن ، حُب الآخرِين ، الأمانة ،الصِدق ، طول الأناة ، الإِحتِمال ، التَّعَفُّف ، الوَدَاعة ، الصمت ، الطهارة ، العطف وَهَكَذَا فَقَالَ الأنبا أنطونيُوس : لاَ هُناكَ أعظم فَقَالُوا تَلاَمِيذه : وَمَا هِيَ ؟فَقَالَ الأنبا أنطونيُوس : هِيَ الإِفراز فَقَالُوا تَلاَمِيذه : مَا هُوَ الإِفراز ؟فَقَالَ الأنبا أنطونيُوس : الإِفراز هُوَ العطاء ، وَالمَحَبَّة ، وَالطهارة وَكُلَّ هذِهِ الصِفات الَّتِي ذُكِرت فَكُلَّ هذِهِ الفضائِل سببهَا الإِفراز فَمَثَلاً إِذا لَمْ يعرِف شخص فَضِيلة الإِفراز وَلاَ يعرِف كَيْفَ يفرِز أصدِقائه وَكَانَ إِختِياره مَعَ أصدِقاء غِير أتقِياء فَلاَ يعرِف أنْ يَكُون تَقِي وَإِذا كَانَ إِختِياره مَعَ أشخاص لاَ يعرِفُوا الصمت فَلاَ يَتَعَلَّم فَضِيلة الصمت وَهَكَذَا وَلَكِنْ إِذا قَامَ هذَا الشخص بِإِختِيار صَدِيق نقِي وَطَاهِر فَإِنَّهُ يَكُون نقِي وَطَاهِرفَإِنَّ أعظم الفضائِل هِيَّ الإِفراز فَمَثَلاً كَانَ الأنبا أنطونيُوس يسكُنْ فِي مغارة فوقَ جبل مِنْ جِبال البحر الأحمر لِمُدِّة عشرُونَ سنة بِدُون أنْ يدخُل إِليهِ أي شخص وَلَمْ يرى وجه إِنسان فِي هذِهِ المُدَّة وَبعد عشرُونَ سنة عَلَمَ تَلاَمِيذه أنَّهُ سيخرُج مِنَ المغارة الَّتِي مَكَثَ فِيهَا كُلَّ هذِهِ المُدَّة وَظلَّ تَلاَمِيذه حَائِرِين كَيْفَ يَكُون شكله بعد هذِهِ المُدَّة ؟ وَكَيْفَ تَكُون شخصِيِته أيضاً ؟ فَعِندما خرجَ الأنبا أنطونيُوس مِنَ المغارة فَكَانَ قوامه مُعتدِل فَلاَ يوجد سَمِيناً مُتَرَهِلاً أي سِمِين جِدّاً وَلاَ نَحِيفاً مِنْ شِدَّة النُسك بَلْ كَانَ مُعتَدِلاً فَهُوَ كَانَ يسلُك بِتَوَازُن فَلاَ يوجد وَاجِماً مُتَبَرِماً بِمعنى عَابِس وَلَمْ يوجد ضحوكاً مُتَسَيِباً أي كانت شخصِيِته مُتَزِنة وَعِندما عرضُوا عَلَى الأنبا أنطونيُوس أنَّهُ سَيَكُون رَئِيساً عَلَى جماعة رُهبان كَثِيرة جِدّاً فَكَانُوا تَلاَمِيذه يَتَسَألُون : هل سَيَكُون شَدِيداً معنا ؟ وَآخر يقُول : هل سَيَكُون طَيِّباً معنا جِدّاً ؟ فَنَحْنُ نَكُون عَلَى حُرِّية جِدّاً لأِنَّهُ طَيِّب وَلَكِنْ الأنبا أنطونيُوس كَانَ شَدِيد وَلَكِنْ لَيْسَ لِدَرَجِة أنَّ تَلاَمِيذه يِنفِرُوا مِنْهُ وَلاَ كَانَ مُتَسَيِباً لِلدَرَجة الَّتِي تؤدِي إِلَى أنَّ تَلاَمِيذه يَكُونُوا مُتَسَيِبِين فَإِنَّهُ كَانَ مُتَزِن وَكَانَ يضبُطَهُمْ بِحُب وَبِحزم السلُوك بِإِتِزان وَاعتِدال فَلاَ تَكُون مُتَطَرِفاً إِلَى إِتِجاه شِئ مُعَيَّن فَلاَ تَكُون شَدِيد لِدَرَجِة أنَّكَ تَكُون حرفِي وَلاَ مُتَسَيِب لِدَرَجِة أنَّكَ لاَ تَكُون لَكَ قاعِدة وَلاَ قانُون فَيَجِب أنْ تَكُون مُتَزِن فَمَثَلاً فِي مجمع نِيقية كَانَ يحضره 318 أُسقُفاً بِنِيقية فِي سنة 325 م وَكَانُوا مِنْ مُختلف البِلاد مِنْ كُلَّ أنحاء العالم وَكَانُوا لَيْسَ كُلُّهُمْ أرثُوذُوكس فَكَانُوا مِنْ أسَاقِفة مِنْ كُلَّ كنائِس العالم وَكَانَ موضُوع المُناقشة عَنْ بِدعة آريُوس الَّذِي أنكر لاَهُوت السيِّد المَسِيح وَفِيهِ تَمَّ وضع قانُون الإِيمان بطل هذَا المجمع هُوَ البابا أثناسيُوس وَمِنْ ضِمن موَاضِيع المُناقشة الَّتِي تمَّ مُناقشتها فِي هذَا المجمع فَقَالُوا مفرُوض أنْ يَكُون الكاهِن مُتَبَتِل ( أي بتول ) وَلَيْسَ مُتَزَوِج لأِنَّ الكهنُوت هُوَ كهنُوت المَسِيح وَالمفرُوض أنَّ الَّذِي يدخُل المذبح يَكُون رَاهِب وَغِير مُتَزَوِج .. وَآخرُون قَالُوا أنَّ مِنْ المفرُوض لاَ يَكُون هُناك شِئ إِسمه مُتَبَتِل فَيَجِب أنْ يَكُون كُلَّ الكهنة وَالرُهبان مُتَزَوِجِين فَكَانَ الرأي بينَ أنَّ كُلَّ الكَنِيسة تَكُون مُتَبَتِلة وَآخرُون رأيُهُمْ أنْ تَكُون كُلَّ الكَنِيسة مُتَزَوِجة وَآباء كَنِيسة مصر قَالُوا أنَّ رُعاة الشَّعْب يَكُونُوا مُتَبَتِلِين ( البطرك وَالآباء الأساقِفة ) أمَّا رُعاة الكَنَائِس الَّذِينَ هُمْ تحت الأساقِفة هُمْ يَكُونُوا مُتَزَوِجِين وَبِهذِهِ الطرِيقة تمَّ الجمع بينَ البتولِيين وَبينَ المُتزوِجِين فَهُمْ لاَ ينحازُوا إِلَى جِهه مُعْيَّنة فَكَنِيستنا بِهَا الآباء الأساقِفة وَالآباء الرُهبان وَِالآباء الكهنة فَهَذَا هُوَ الإِتِزان بِمعنى أنْ لاَ يَتِمْ التمييز بِجانِب شِئ أوْ لاَ يحدُث العكس فَيَجِب أنْ تسِير الأُمور بِإِتِزان
2- رَبَّنَا يَسُوع المَسِيح كَنموذج لِلإِتِزان :-
لاَ يوجد أقدس أوْ أطهر أوْ أبرأ أوْ أبرع مِنْ يَسُوع المَسِيح فَكَانَ يَسُوع فِي الجِبال يُصَلِّي وَكَانَ فِي المجمع يُعَلِّم وَكَانَ يتواجد فِي الهِيكل مَعَ التَلاَمِيذ يُعَلِّمَهُمْ وَكَانَ يَسُوع فِي حياته مُتَزِن وَكَانَ هُناك أمور كَثِيرة تدُل عَلَى إِتِزانه عِندما دخل يَسُوع إِلَى الهِيكل وَوَجَدَ الباعة بِالهِيكل فَلَمْ يقبل هذَا المنظر وَثَارَ عَلَى الباعة وَالصيارِفة وَكَانَ أيضاً هُناكَ مَوَاقِف تدُل عَلَى أنَّهُ رَحِيم جِدّاً .. فَمَثَلاً المرأة الَّتِي أُمسِكت فِي ذات الفِعل وَقَالَ لَهَا إِذهبِي وَلاَ أنَا أدِينِك ( يو 8 : 4 - 11) فَنَحْنُ رأيناه وَهُوَ مُمسِك السِياط لِلباعة فِي الهِيكل وَفِي نَفْس الوقت يِسَامِح المرأة المُمسِكة فِي ذات الفِعل فَهُوَ يسِير بِإِتِزان وَذَهَبَ يَسُوع فرح عُرس قانا الجلِيل ( يو 2 : 1 )وَذَهَبَ لِلعَشاء عِندَ الفرِّيسِي وَكَانَ يَتَمَشَّى مَعَ التَلاَمِيذ فِي الحقُول ( مت 12 : 1 ) وَركب مركِب مَعَ تَلاَمِيذه فَإِنَّهُ كَانَ مُتَزِن فِي تصرُّفاته فَلاَ هُوَ صَلاَة وَعِبادة فقط فَكَانَ لَهُ حياة إِجتماعِيَّة وَحياة مُجاملة وَحياة خاصة وَلَهُ مُحِبِين فَكَانَ يَسُوع مُتَزِن فَكَانَ يعرِف يَتَعَامل مَعَ تَلاَمِيذه وَأُسرِته وَالكتبة وَالفرِّيسِيين وَالخُطاة وَالمُحِبِين وَكَانَ يعرِف أنْ يَتَعَامل مَعَ المُتأمِرِين وَالأشخاص الَّذِينَ كَانُوا يُرِيدوا أنْ يصطادوه بِكَلِمة( مت 22 : 15) فَيَسُوع كَانَ مُتَزِن
3- كَيْفَ تَكُون شخصِيَّة مُتَزِنة ؟
يَجِب أنْ تسأل نَفْسك : هل أنتَ مُتَزِن ؟ هل أنتَ مُتَزِن فِي تَصَرُّفاتك ؟ هل أنتَ مُتَزِن مَعَ أصدِقائك ؟ هل أنتَ مُتَزِن فِي إِختِياراتك لأمور حياتك ؟ هل أنتَ مُتَزِن فِي بَاقِي سِلُوكِياتك ؟ هل أنتَ مُتَزِن فِي المنزِل ؟ هل أنتَ مُتَزِن فِي المدرسة ؟ أم أنَّكَ تمشِي وَتَتَجِه فِي أي تيار ؟أصعب شِئ أنْ يَكُون الإِنسان بِعِدَّة شخصِيات وَيَكُون غِير مُتَزِن أي عِندما يَكُون فِي الكَنِيسة يُصَلِّي وَيُرَنِّم وَيحفظ ألحان وَيُصَلِّي فِي الأجبِية وَعِندما ينزِل إِلَى حوش الكَنِيسة يَكُون شخص ثانِي وَعِندما يخرُج مِنْ الكَنِيسة يَكُون شخص ثالِث وَعِندما يَكُون فِي المدرسة يقُول لِنَفْسه أنَا الآن فِي المدرسة مَعَ زُمَلاَئِي فَأنَا الآن شخصِيَّة مُختلِفة وَعِندما نسأله لِماذا تَكُون شخصِيَّة أُخرى ؟يقُول يَجِب أنْ أكُون هَكَذَا ( حَتَّى يُوَاكِب الجو ) فَهَذَا يَكُون شخص غِير مُتَزِن
فَيَجِب أنْ تَكُون شخص مُتَزِن يعنِي لَكَ مُعَامَلاَت مَعَ كُلَّ الأشخاص الَّذِينَ حولك بِشخصِيَّة واحدة شخصِيَّة مُتَزِنة شخصِيَّة وَاثِقة مِنْ نَفْسهَا أصعب شِئ أنَّكَ تَكُون بِعِدَّة شخصِيات وَأصعب شِئ أنَّكَ تَكُون إِنسان مُتَرَدِّد فَهُناك مواد كِيميائِيَّة إِسمها مواد مُتردِّدة أي أنَّهَا لاَ هِيَّ حَامِضِيّة وَلاَ قَاعِدِيَّة فَلاَ يَجِب أنْ تَكُون مُتَرَدِّد لاَ تَكُون مَسِيحِي وَلاَ تَكُون غِير مَسِيحِي لاَ تَكُون مُتَدَين وَلاَ تَكُون غِير مُتَدَيِن لاَ يَكُون لَكَ مبدأ وَتسِير فِي أمور بِمبدأ " ساعة لِقلبك وَساعة لِرَبك " هُناكَ أشخاص يحفظُون الألحان وَفِي نَفْس الوقت يحفظُون أغانِي وَيعرِفُون أسماء القِديسِين وَالأباء الكهنة وَفِي نَفْس الوقت يعرِفُوا أسماء المُطرِبِين وَالمغَنِيين وَيسمعُون شرائِط الترَانِيم وَشرائط الأغانِي فَهَذِهِ تَكُون شخصِيَّة غِير مُتَزِنة فَيَجِب أنْ تَكُون غِير ذلِك فَأنتَ إِبن رَبِّنَا لاَ تسلُك بِحسب غِير هذَا [ كُلُّ الأشياء تَحِلُّ لِي لكِنْ لَيْسَ كُلُّ الأشياء تُوَافِقُ ]( 1كو 6 : 12) فَلاَ يَكُون أي شِئ يِمشِي فِيهِ وَلاَ يَكُون أي شِئ يَتِم السلُوك بِهِ وَلاَ نِمشِي مَعَ أي شخص فَيَجِب أنْ تَكُون لِشخصِيِتك مَلاَمِح بِمعنى أنَّ رَبِّنَا خلق كُلَّ شخص لَهُ مَلاَمِح مُعَيَّنة فَإِنَّ بصمة اليد قَادِرة أنْ تُمَيِّز شخصِيِتك مِنْ وسط العالم كُلَّه وَلُون عِينِيك وَشكلك فَإِنَّ كُلَّ شخص لَهُ مَلاَمِح مُمَيَزة فَيَجِب أنْ تَكُون لَكَ شخصِيَّة وَاضِحة وَلاَ يَجِب أنْ تَكُون فِي عِدَّة إِتِجاهات هذِهِ تَكُون خطورة فَيَجِب أنْ تَكٌُون شخصِيِتك شخصِيَّة إِبن رَبِّنَا إِنتَ متعَمِّد وَبِوَاسِطة المعمودِيَّة أنتَ لَبِستَ المَسِيح بِالمعمودِيَّة فَأنتَ فِي وسط مدرستك وَفِي وسط زُملائك مَسِيحِي وَفِي منزِلك مَسِيحِي وَفِي الكَنِيسة مَسِيحِي فَلاَ يَجِب أنْ تَكُون فِي كُلَّ مكان بِشخصِيَّة مُختلِفة فَيَجِب أنْ تَكُون إِنسان مُتَزِن فَمَثَلاً هُناكَ شمامِسة طُلِبَ مِنْهُمْ أنَّهُمْ يخدِمُوا فِي إِكلِيل وَوَافقوا فَالمعرُوف عنهُمْ أنَّهُمْ شمامِسة وَأولاد الله وَعِندما جاءوا الشمامِسة سألوا النَّاس : إِنتُمْ بعد الكِنِيسة هل ستذهبُوا فِي مكانٍ مَا ؟ فَقَالُوا لَهُمْ : نعم سوفَ نذهب فِي مكانٍ مَا نِفرفِش فِيه فَالشمامِسة قَالُوا : إِحنا مُمكِنْ نأتِي معكُمْ وَنِفرفِش معكُمْ ؟!!! فَهؤلاء الشمامِسة كَانُوا فِي الإِكلِيل يخدِموا وَيرتِلوا الألحان فِي الكَنِيسة وَمُمسِكِين بِالدف وَيلبِسُونَ التونية وَبعد الفرح يخلعُوا التونية وَيِمسِكُوا بِأشياء أُخرى غِير الدف فهل هذا يلِيق ؟ فهل هذِهِ الشخصِيَّة تَكُون مُتَِزِنة ؟ بِالكَنِيسة يُرَتِلُونَ الألحان وَفِي الأماكِن الأُخرى يِرَدِدُوا الأغانِي فَهَذِهِ ليست شطارة هذَا غِير صَحِيح وَهُناكَ أشخاص يِبَرَرُوا هذَا التَصَرُّف بِأنَّهُمْ يِوَاكبوا العصر وَبِأنْ يَكُونوا مُدرِكِين كُلَّ الأمور الفنيَّة وَالدِينِيَّة وَمعرِفة أسماء المُطربِين وَالمُغَنِيين فَهَذَا غِير صَحِيح فَإِنَّ هذِهِ الشخصِيات غِير مُتَزِنة وَلَمْ يُحَدِّدُوا أهدافهُمْ فَهؤلاء الأشخاص لَمْ تُحَدِّد معالِم شخصِيتهُمْ فَمَثَلاً إِذا وضعنا شعر مِينا عَلَى مناخِير كِيرلُس عَلَى عِين بِيتر عَلَى حواجِب فِيكتُور فَهَذَا لاَ يَصِح فَإِنَّهُ يُنتِج وجه غِير وَاضِح المعالِم .. فَأنتَ كَشخصِيَّة يَجِب أنْ يَكُون لَكَ صِفات مُعَيَّنة وَتَكُون مُتَزِن وَيَجِب أنْ تَكُون مُقتنِع بِحياتك مَعَ رَبِّنَا وَأرفُض الخطأ وَأتبع الصح وَأرفُض الخطأ بِقُوَّة وَبِشَجَاعة
4/ كَيْفَ تَكُون مُتَزِن مَعَ الأُمور الحدِيثة ؟
( الأُمور الحَدِيثة مِثْل التِلِيفِزيُون ، الدِش ، الفِيديو ، الإِنترنِت ، المُوبايِل )
كُلَّ شِئ رَبِّنَا سمح بِهِ يَكُون كُويِس وَمِنْ المُمكِنْ نَحْنُ نُحَوِّلهَا إِلَى شِئ غِير كُويِس فَمَثَلاً رَبِّنَا سمح أنْ يَكُون هُناكَ شِئ إِسمه رَاديو وَتِلِيفِزيُون وَفِيديو وَكمبيوتر وَمُوبايِل فَمِنْ المُمكِنْ أنْ يَتِمْ إِستخدام هذِهِ الحاجات بِطَرِيقة كُويِسة وَمُمكِنْ أيضاً أنْ تُستخدم بِطَرِيقة غِير كُويِسة فَمِنْ المُمكِنْ أنْ يقُوم شخص بِتجهِيز طعام وَيستخدِم فِيهِ السِكِينة وَبِوَاسِطة هذِهِ السِكِينة يِجرح شخص آخرفَأينَ الخطأ هُنَا فِي السِكِينة أم فِي الشخص الَّذِي يستخدِمهَا ؟هَكَذَا نَحْنُ أيضاً فَإِذا تمَّ إِستخدام الأشياء الحدِيثة بِصورة جَيِّدة وَإِذا تمَّ إِستخدامها بِصورة خطأ فَبِهَذِهِ الطرِيقة نَكُون نأذِي أنفُسنَا وَنأذِي غِيرنَا فَأنتَ يَجِب أنْ تعلم أنَّ الأشياء الحدِيثة يَجِب أنْ تستخدِمها بِطَرِيقة صَحِيحة ذَاتَ مرَّة هُناكَ بِنت تُرِيد أنْ تذهب إِلَى الدِير لِلرهبنة فسألها أب إِعترافها : مَا الَّذِي جعلَكِ تُحِبِين الرهبنة ؟ وَكانت إِجابِتها : أنَّ الَّذِي جعلنِي أُحِب وَأُفَكِر فِي الرهبنة فِيلم ( الرَاهِبة أنَاسِيمُون ) فَإِنَّ هذَا الفِيلم عجبها جِدّاً وَأحَبِت الرهبنة وَأحَبِت الرَاهِبة أنَاسِيمُون وَأقدمت عَلَى الرهبنة فَمُمكِنْ الفيديو يُقَدِّس حياة إِنسان وَمِنْ المُمكِن أنْ يُستخدم بِطَرِيقة غِير مُقَدَّسة فَكَيْفَ تستخدِم الأُمور الحَدِيثة ؟ فهل تُستخدم لِتقدِيس النَّفْس وَتمجِيد رَبِّنَا بِهَا أم تُستخدم لِتدنِيس النَّفْس وَتلوِيث الفِكر وَتلوِيث الجسد ؟ فَأي إِستخدام أنتَ تستخدِمهَا ؟ كُنْ حَذِر رَبِّنَا يُعطِينا سلُوك مُتَزِن فِي حياتنا نُمَجِّد بِهِ رَبِّنَا لأِنَّنَا شهُود لِرَبِّنَا لإِلهنَا المجد دَائِماً أبَدِيّاً آمِين
القس أنطونيوس فهمى
كاهن كنيسة القديسين مارجرجس والانبا أنطونيوس – محرم بك
المزيد
13 يوليو 2019
بطرس الرسول كخادم
القديس بطرس الرسول لم يكن خادما ًمثاليا، ولم يختلف عن باقي الرسول ولم يكن له صفات معينه تفرق بينه وبين الرسل، فهو إنسان طبيعي، ولن قدوة ولكن قدوة الله التي علمت فيه بصورة كبيرة وأخرجت لنا بطرس الرسول كخادم وهناك نقط في حياة القديس بطرس سوف نتكلم ومن هذه النفط والصفات :- أولا: دعوة بطرس
+حدثت دعوة بطرس عندما مر عليه السيد المسيح ودعاه للخدمة وقال أتبعني، وعلي الفور ترك بطرس الشباك وتبع السيد المسيح، لقد كان بطرس الرسول صيادا للسمك، ولم يحمل أي مؤهلات، وهذا يعني أن الله يختار تلاميذه لا ينظر إلي الإمكانيات العملية أو العقلية فإختار السيد المسيح لم يكن قائم بناء علي المؤهلات أو المواهب ولا الإمكانيات والطاقات، فبطرس ليس لديه خبرة بشئ إلا بالبحر فهو لا يغرف إلا السمك أنواعه، أسعاره
+ولم يكن القديس بطرس صاحب جاه أو مركز أو مال بل كان فقيرا وهذا يدل علي أن الله لا يختار أشخاص معينين أو أشخاص مختلفين أو لهم مميزات عن غيرهم فدعوة الله ليست قاصرة علي أصحاب المواهب طبل اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء (1كو27:10)ولكن ما هو المعيار أو المقياس الذي تم بناء عليه اختيار القديس بطرس؟! المعيار هو القلب فالله ينظر إلي القلب وليس إلي العينين فقد كان القديس بطرس يتمتع ببساطة قلب فالله ينظر إلي القلب وليس الإمكانيات والمواهب. والله نظر إلي القديس بطرس فوجد في قلبه :- حب للخدمة قلبه كان ملئ بالمحبة، رغم أن المعالم الخارجية لشخصه بطرس لم توحي بذلك.
ثانيا: غيرة بطرس
كان بطرس شخصية غيورة ولكن بلا فهم غير مصحوبة بالتسرع والاندفاع والتهور هناك كثيرون لهم غيرة وليس لهم حكمة وهذا نوع خطير في الخدمة فالغيرة وحدها لا تكفي !!فلا يصح أن يكون الشخص له غيرة جاهلة !أو غيرة بلا فهم فالغيرة السليمة هي الغيرة التي بلا تهور أوإندفاع فلا يصلح أن يكون الخادم ضراب أو مهين أو مجرح لشعور الأخرين فالإصلاح لا يكون فقط بالغيرة التي يصاحبها الحماقة والتهور دون حكمة او فهم.
+فالمهم هو الحكمة والاقتناع والعمق فالغيرة التي يصاحبها عنف هي غيرة مرفوضة في الخدمة... والغيرة التي تجرح شعور الأخرين غير مطلوبة.
+السيد المسيح عندما قلب موائد الصيارفة لم يؤذي أحد من الناس، فكان غرضه منصب علي هذه الموائد.
+وعندما جاء اليهود ليقبضوا علي السيد المسيح اندفع بطرس. وقطع إذن عبد رئيس الكهنة، ولكن السيد المسيح اعترض علي هذا العمل وقال له : " رد سيفك إلي مكانه لأن كل الذين يأخذون بالسيف بالسيف يهلكون " (مت 52:26)وقام السيد المسيح بإعادة الأذن للعبد مرة أخري بمعجزة
+فالغيرة المصحوبة بالعنف تأتي بنتائج عكسية فهي تدفع إلي الناس وتبعدهم عن الكنيسة ولا تجعلهم يقتربون منها.. فلذلك الغيرة الجاهلة هي منتهي الخطورة علي الخدمة .
ثالثا ً: إيمان بطرس
كان بطرس مؤمنا إيمان عظيم بالسيد المسيح، ولكن هذا الإيمان كان لإيمان عاطفي وليس إيمان عقلي والمفروض أن يكون الإيمان مبنيا علي العاطفة والعقل معا ً
+وكان نتيجة هذا الإيمان العاطفي أن بطرس هو أول شخص من التلاميذ اعترف بلا هوت السيد المسيح عندما سـأل السيد المسيح التلاميذ من يقول الناس إني أنا فرد بطرس وقال " أنت هو المسيح ابن الله الحي " ( مت 16:16 ) فامتدح السيد المسيح إيمان بطرس وقال له "طوبي لك يا سمعان بن يونا لأن لحما نودما لم يعلن لك لكن لأبي الذي في السموات " (مت 17:16)
وعندما أعلن السيد المسيح أنه سيتألم ويصلب إندفع بطرس
+وعندما أعلن السيد المسيح أنه سيتألم ويصلب إندفع بطرس وقال "حاشا يارب " فإنتهره السيد المسيح وقال (اذهب عني يا شيطان ) وذلك لأن ايمان بطرس هو ايمان عاطفي وليس ايمان عقلي.. ولذلك فالخادم العاطفي في الخدمة أحيانا يكون قوي وأحيانا ضعيف فالحكمة في الخدمة شئ مطلوب.
رابعا :كان بطرس خادماً مليئا بالرجاء
+كان بطرس ملئ بالرجاء، فقد فعل بطرس ما فعله يهوذا الأسخريوطي ويمكن أبشع منه
!فقد ذهب يهوذا وباع السيد المسيح وأخذ ثلاثين من الفضة لمجرد أن يعرف اليهود طريق المسيح فقط، فقال لهم من أقبله هوهو أمسكوه ن وبعدما وحكموا علي السيد المسيح شعر يهوذا أنه أسلم دما بريئا، وحاول إرجاع الفضة التي أخذها ولكنهم رفضوا فذهب وشنق نفسه لأنه لم يكن عنده رجاء أن السيد المسيح بعد صلبه وقيامة وسوف يغفر له خطيته، أما بطرس الرسول فقد أنكر السيد المسيح بل لم يكتفي بذلك فقد لعن وسب وجدف علي السيد المسيح أمام جارية !!ولكن بطرس بكي بكاءا مرا علي عملته هذه وكان عنده رجاء أن السيد المسيح سوف يغفر له خطيته، وأصر القديس بطرس علي تبعية السيد المسيح وهذا دليل علي أنه عنده رجاء أن الله ان يرفضه.. فذهب إلي العلية وأصر علي ترك التلاميذ..
+ وبعد القيامة قال الملاك للنسوة " أذهبن وقلن للتلاميذ ولبطرس أنه يسبقكم إلي الجليل وظهر السيد المسيح لبطرس علي بحر طبرية وعاتبه عتاب المحبة وقال له " يا سمعان ابن يونا أتحبني "(ثلاث مرات ") فد بطرس عليه "أنت تعلم يارب أني أحبك " فقال له السيد المسيح "أرع خرافي " وبكي بطرس ومع ذلك لم يفقد القديس بطرس رجاءه في القيامة في محبة المسيح وغفرانه وهذا يدل علي أنه كان ملئ بالرجاء فالمفروض أن الخادم يكون لديه لرجاء في المسيح فمهما فعل الخادم فالمسيح لن يتركه
خامساً : الله يستطيع أن يحول الصفات الغريبة في الخادم إلي صفات جميلة
كان في بطرس صفة الاندفاع والتهور وقد حول السيد المسيح هذه الصفات الغريبة لتكون وسيلة للمنفعة فكان بطرس مشهور بصفة التسرع وهذه الصفة نفعت في يوم الخمسين (يوم حلول الروح القدس ) فعندما قال اليهود عن التلاميذ يوم الخمسين أنهم سكري قام بطرس بشجاعة وأقحمهم (وكانت أورشليم مكتظة باليهود من جميع بلدان العالم ومن جميع الجنسيات ) فقام بطرس واندفع ودافع عن المسيحة والتلاميذ. فباندفاعه هذا قام وتكلم ووعظ الناس وفي هذا اليوم أمن 3 ألاف نفس وكانت أكبر عملية تبشير بعد حلول الروح القدس علي التلاميذ فالله استخدم اندفاع بطرس وشجاعته لصالح الخدمة.
+وعندما طلب اليهود من التلاميذ ألا يتكلموا عن السيد المسيح ويبشروا به، فبشجاعة قال بطرس والتلاميذ "لا نستطيع أن نتكلم بما سمعنا ورأينا " (أع 20:4) ان الله استخدم التهور عند بطرس للكرازة والخدمة.
الله يستخدم كل ضعفات وطاقات الخادم في الخدمة لكي تثمر، فالمسيح لم يغير طبيعة بطرس ولكن عرف كيف يستخدمها في الخدمة ولخير الناس.
+وقد يكون الخادم متشددا ًمع الأولاد في الخدمة فحزمه وتشديده علي الأولاد لحضور القداس ومدارس الأحد قد يؤدي انتظام والتزام الأولاد علي المواظبة.
+أو تشديد أمين الخدمة أو أمين الأسرة مع الخدام من جهة التحضير والافتقاد والقراءات الروحية والجدول الروحي مهم ويقيد الخدام والخدمة.
+أن الله لا يغير طبيعة أي شخص من الرسل ولكنه استخدمه كما هو بشخصيته المميزة فالله لا يغير طبيعة الإنسان ولكن فقط قد يعدل من شخصيته للأفضل
المزيد
12 يوليو 2019
إستشهاد القديسين الرسولين بطرس و بولس وفطر صوم الرسل
في مثل هذا اليوم إستشهد القديسان العظيمان الرسولاً ن بطرس و بولس . أما بطرس فكان من بيت صيدا وكان صيادا فإنتخبه الرب ثاني يوم عماده بعد انتخابه لأخيه إندراوس . وكان ذا إيمان حار وغيرة قوية ولما سأل الرب التلاميذ . ماذا يقول الناس عنه . أجابوا : " إيليا أو إرميا أو أحد الأنبياء " فقال بطرس " أنت هو المسيح ابن الله " وبعد ان نال نعمة الروح المعزي جال في العالم يبشر بيسوع المصلوب ورد كثيرين إلى الإيمان وقد أجرى الله على يديه آيات كثيرة وكتب رسالتين إلى جميع المؤمنين . ولما دخل رومية وجد هناك القديس بولس الرسول ، وبكرازتهما آمن أكثر أهل رومية فقبض عليه نيرون الملك وأمر بصلبه . فطلب ان يصلبوه منكسا وأسلم روحه بيد الرب .
أما بولس الرسول فقد ولد بطرسوس قبل ميلاد المخلص بسنتين ، وهو من جنس يهودي من سبط بنيامين ، فريسي ابن فريسى وكان عالما خبيرا بشريعة التوراة شديد الغيرة عليها مضطهدا المسيحيين .
ولما رجموا إسطفانوس كان يحرس ثياب الراجمين . وأخذ رسائل من قيافا إلى اليهود المتوطنين في دمشق للقبض على المسيحيين . وبينما هو في طريقه إلى دمشق أشرق عليه نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتا قائلا له : " شأول شأول لماذا تضطهدني (أع 9 : 4 ) " فقال : " من أنت يا سيد " . فقال الرب " أنا يسوع الذي أنت تضطهده . صعب عليك ان ترفس منأخس " ثم أمره ان يذهب إلى حنانيا بدمشق وهذا عمده وللحال فتحت عيناه وامتلأ من نعمة المعزي ، وجاهر بالإيمان وجال في العالم وبشر بالمصلوب وناله كثير من الضرب " الحبس والقيود وذكر بعضها في كتاب أعمال الرسل وفي رسائله ثم دخل رومية ونادي بالإيمان فأمن على يديه جمهور كثير . وكتب لهم الرسالة إلى أهل رومية وهي أولي الرسائل الأربع عشرة التي له . وأخيرا قبض عليه نيرون وعذبه كثيرا وأمر بقطع رأسه . وبينما هو ذاهب مع السياف التقت به شابه من أقرباء نيرون الملك كانت قد آمنت على يديه فسارت معه وهي باكية إلى حيث ينفذ الحكم . فعزاها ثم طلب منها القناع ولف به وجهه وأمرها بالرجوع وقطع السياف رقبته وتركه وكان ذلك في سنة 67 م فقابلت الشابة السياف أثناء عودته إلى الملك وسألته عن بولس فأجابها : " أنه ملقي حيث تركته . ورأسه ملفوف بقناعك " فقالت له : " كذبت لقد عبر هو و بطرس وعليهما ثياب ملكية وعلي رأسيهما تاجان وناولني القناع . وها هو " وأرته إياه ولمن كان معه فتعجبوا من ذلك وأمنوا بالسيد المسيح .وقد اجري الله على يدي بطرس و بولس آيات عظيمة حتى ان ظل بطرس كان يشفي المرضى (أع 5 : 15 ) ومناديل ومآزر بولس تبريْ الكثيرين فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (أع 19 : 12) . صلاتهما تكون معنا ، ولربنا المجد دائمًا . آمين
هذا هو اليوم الذي تعيد فبه الكنيسة بفطر الرسل ويعمل اللقان بعد رفع بخور باكر فى الخورس الثالث وبملابس الخدمة .
المزيد
11 يوليو 2019
التأمل.. ما هو؟ وما هي مجالاته؟
التأمل في أي أمر معناه الدخول إلى العمق، سواء في عمل الفكر، أو عمل الروح. هو أيضًا الوصول إلى لون من المعرفة فوق المعرفة العادية الخفية، معرفة فوق الحس، معرفة جديدة عليك، ومبهجة لروحك، تجد فيها غذاءً ومُتعة روحية. أو التأمُّل هو تفتح العقل والقلب والروح، لاستقبال معرفة يرسلها اللَّه من فوق، أو من داخل روح الإنسان. والتأمُّل يناسبه السكون والهدوء، والبُعد عن الضوضاء التي تشغل الحواس، وبالتالي تشغل العقل وتبعده عن عمل الروح فيه. ويزداد التأمُّل عمقًا كُلَّما تتحرَّر الحواس من الشغب الحالي، ويتحرَّر الإنسان من سيطرة فكره الخاص، لكي يستقبل ما تعطيه الروح.
وللتأمُّل مجالات كثيرة، نود أن نتناولها بالتفصيل... هناك تأمُّل في كلام اللَّه، أو في الصلاة والتدبير والألحان. أو التَّأمُّل في الخليقة والطبيعة، أو في السماء والملائكة، أو التَّأمُّل في الموت والدينونة وما بعدها. وهناك تأمُّل في الأحداث وفي سِيَر القديسين، وفي الفضيلة عمومًا، وفي وصايا اللَّه. وهناك نوع آخر هو أسمى من التَّأمُّل في صفات اللَّه الجميلة. ومنها التأمُّل في المُطلق، في الحق، في الخير. على أن موضوعات هذا التَّأمُّل قد تكون أكثر من أن نحصيها، بحيث يتأمَّل الإنسان الروحي في كل شيء، حتى في الماديات، يحاول أن يستخرج منها روحيات تفيده.
من جهة التَّأمُّل في كلام اللَّه: فكلام اللَّه هو روح وحياة. والكلمات هي مُجرَّد غُلاف، يُغلِّف معاني داخلها. كالصدفة التي تحوي داخلها اللؤلؤ. وفي التَّأمُّل ينبغي أن تكشف الصدفة، وتأخذ اللآلئ التي في داخلها. وهنا تُصلِّي مع داود النبي وتقول: "اكشف يا رب عن عينيَّ، لأرى عجائب من شريعتك". أي تكتشف العمق الموجود في الوحي الإلهي. فإلهنا الحنون ينير عقولنا وأفهامنا لندرك عُمق وصاياه. حقًا يا رب بنورك نُعاين النور. وهنا يكون التَّأمُّل عبارة عن تقديم عقولنا إلى اللَّه، لكي بنعمته يملأها بالفهم الذي من عنده. أو هو تلمذة على نعمة اللَّه، وتدريب كيف نأخذ منها الفهم الذي تريد أن تعطيه. فلا تقف يا أخي عند حدود العقل. بل اتخذ العقل وسيلة للوصول إلى الروح. والروح توصلك إلى اللَّه الذي عنده كل كنوز المعرفة فيعطيك.
القارئ السطحي في كلام اللَّه، قد يقرأ كثيرًا ولا يتأمَّل. أمَّا القارئ الروحي، فالقليل من قراءته يكون له نبع تأملاَّت لا ينضب. إن كلمة واحدة أو عبارة تستوقفه، فيغوص في أعماقها، ويظل سابحًا في تلك الأعمال. وهو يقول مع داود النبي: "لكل كمال رأيت منتهى، أمَّا وصاياك فواسعة جدًا". لأنه في التأمل قد يفتح اللَّه قلبه، فيرى في الآية الواحدة كنزًا عظيمًا، مهما اغترف منه لا ينتهي...
إذن كتدريب روحي، خُذ لك كل يوم آية للتَّأمُّل تكون قد تركت في نفسك تأثيرًا عميقًا أثناء القراءة... ورُبَّما تكون معاملات اللَّه مع الناس مجالًا واسعًا للتَّأمُّل... سواء معاملة الله تبارك اسمه مع قديسيه الذين أحبوه وأطاعوه. أو معاملته للخطاة الذين انتفعوا من طول أناة الله عليهم التي قادتهم إلى التوبة... إن شخصيات الكتاب أيضًا تصلح مجالًا للتَّأمُّل.
إن التأمُّل في وصايا اللَّه سوف يشغل نفسك أثناء النهار بفكر روحي. ويظل هذا الفكر يتعمَّق فيك. والفكر يلد فكرًا من نوعه، ويلد أيضًا الكثير من المشاعر والعواطف والتَّأمُّلات. ويصبح قلبك نقيًا تعمل فيه كلمة اللَّه. ولا يقف الأمر عند حدود اللذة بالمعرفة، إنَّما يتطوَّر ليكون له تأثيره في حياتك العملية. لذلك إن استطعت أن تُطبِّق تأملاتك على حياتك، وتستخرج منها منهجًا تسير عليه، يدخل في علاقاتك مع اللَّه ومع الناس.
وإن لم تكن لك موهبة للتَّأمُّل في الكتاب، فاقرأ تأملات الأبرار الذين اتصفوا بعُمق تأملاتهم في الكتاب.
أمَّا من جهة التأمُّل في الطبيعة فهو ليس مُجرَّد تأمُّل في جمال الطبيعة، إنما بالأكثر ما تُقدِّمه لنا من روحيات، كما قال داود النبي في مزاميره: "السموات تُحدِّث بمجد اللَّه، والفلك يخبر بعمل يديه". وهنا نتدرج من التأمُّل في الطبيعة إلى التَّأمُّل في عظمة اللَّه خالقها. وهنا أتذكر قول الشاعر:
ها ذي الطبيعة قِف بنا يا ساري حتى أريك بديع صنع الباري
وقديمًا كانوا يدرسون الفَلَك في الكليات اللاهوتية. لأنَّ النظام العجيب الدقيق الذي فيه، يُثبت وجود خالق كُلِّي القدرة استطاع أن يوجد كل ذلك. إن كانت السماء المادية مكانًا عظيمًا للتَّأمُّل، فكم تكون السماء التي هي عرش اللَّه!! ويرتبط التأمُّل في السماء بتأمُّل آخر في الملائكة... بل على الأرض يمكن أن يكون هناك تأمُّل في جمال الورود والأزهار. وما أكبر الفارق بين الزهور الطبيعية وغيرها من الزهور الصناعية، التي مهما أفتن الإنسان في صنعها، فهي بلا حياة، بلا رائحة، بلا نمو... وكذلك التأمُّل في طيور السماء، في تعدُّد أنواعها وأشكالها ونغمات أصواتها، وطباعها، ورحلاتها.
بل التأمل في النملة النشيطة حيث لم أرَ في حياتي كلها نملة واقفة، بل هي دائمة الحركة. . وفي ذلك قال سليمان الحكيم: "اذهب إلى النملة أيها الكسلان. تأمُّل طُرقها وكُن حكيمًا". بل أكثر من هذا إذا تأمَّلنا في النحل حيث نأخذ منه أيضًا تأمُّلًا في النظام الداخلي الذي تعيشه مملكة النحل، وكيف خلقها اللَّه بإمكانيات وقدرات عجيبة... تستطيع أن تجمع الرحيق وتصنعه شهدًا، وكيف تصنع غذاء الملكات! وكيف تبني خلاياها بهندسة متقنة عجيبة، وكيف تطير رحلات بحثًا عن الزهور والرحيق. وما أعجب ما قاله عنها أمير الشعراء أحمد شوقي:
مملكة مُدبّرة بامرأة مؤمَّرة
تحمل في العمال والصناع عبئ السيطرة
أعجب لعمال يولُّون عليهم قيصرة
إن الإنسان الروحي يستطيع أن يتخذ كل شيء مجالًا للتَّأمُّل. ويستطيع أن يستخرج من الماديات ما تحمله من دروس روحية.
كذلك جسم الإنسان هو مجال واسع للتَّأمُّل يدل على عظمة الخالق، فما أعجب القدرات التي وضعها اللَّه في المُخ، وفي القلب، وفي كل أجهزة الجسم البشري، وكيف تعمل متناسقة في اتزان عجيب. وبعض هذه الأجهزة إذا تلف، لا يقدر كل التَّقدُّم العلمي على إرجاعه إلى وضعه الطبيعي.
هناك تأمل آخر في الأحداث، ويد اللَّه في بعض الأحداث، وفي تدبير كل شيء إلى الخير.
ولا ننسى التأمُّل في الموت، وفي القيامة، وفي الدينونة، وفي صفات الله الذاتية مثل الأزلية والقدرة على كل شيء والوجود في كل مكان. وأيضًا تأمل صفات اللَّه في معاملته مع البشر
المزيد