المقالات

08 أكتوبر 2018

عصر سبي بابل - الجزء الثاني

(3) سبي مملكة يهوذا ما يعنينا بالأكثر هو مملكة يهوذا.. لنتتبع معًا رحلة التسبيح، وكيف اِنهار هذا الصرح العظيم بسبب السبي. ولقد تنبأ إشعياء النبي عن سبي مملكة يهوذا قبل حدوثه بأكثر من مائة عام بسبب خطية الشعب وقال: "ويَندَفِقُ إلَى يَهوذا. يَفيضُ ويَعبُرُ. يَبلُغُ العُنُقَ. ويكونُ بَسطُ جَناحَيهِ مِلءَ عَرضِ بلادِكَ يا عِمّانوئيلُ" (إش8:8). "هوذا تأتي أيّامٌ يُحمَلُ فيها كُلُّ ما في بَيتِكَ (يقصد بيت حزقيا الملك)، وما ذَخَرَهُ آباؤُكَ إلَى هذا اليومِ إلَى بابِلَ. لا يُترَكُ شَيءٌ، يقولُ الرَّبُّ. ويؤخَذُ مِنْ بَنيكَ الذينَ يَخرُجونَ مِنكَ، الذينَ تلِدُهُمْ، فيكونونَ خِصيانًا في قَصرِ مَلِكِ بابِلَ" (2مل17:20-18) هناك أيضًا نبوات كثيرة جدًّا تنبأ بها الأنبياء بخصوص السبي إلى بابل، وكان الهدف منها أن يرجع الشعب عن خطيته بالتوبة، ولكن لم يحدث فصار حكم الله نافذًا وسُبيت المملكة إلى بابل. وكان سبي مملكة يهوذا على عدة مراحل: سبي نبوخذناصر ملك بابل بعض سكان أورشليم، وكان من بينهم دانيال والثلاثة الفتية القديسون سنة 605 ق.م. (دانيال1:1-7). سبي رجال نبوخذناصر الملك مجموعات أخرى من الشعب إلى بابل في عهد الملك يهوياقيم (2مل1:24-4).. الذي قيل عنه إنه: "عَمِلَ الشَّرَّ في عَينَيِ الرَّب إلهِهِ" (2أخ5:36).. لذلك كانت عقوبته أنه: "علَيهِ صَعِدَ نَبوخَذناصَّرُ مَلِكُ بابِلَ وقَيَّدَهُ بسَلاسِلِ نُحاسٍ ليَذهَبَ بهِ إلَى بابِلَ، وأتَى نَبوخَذناصَّرُ ببَعضِ آنيَةِ بَيتِ الرَّب إلَى بابِلَ وجَعَلها في هيكلِهِ في بابِلَ" (2أخ6:36-7). جاء نبوخذناصر للمرة الثالثة، وحاصر أورشليم في عهد يهوياكين ملك يهوذا ونهب المدينة وسلب محتويات الهيكل (2مل12:24-16)، وسبى عشرة آلاف من أهلها إلى بابل. حقًا قيل من جهة هذا الدمار: "آثامُكُمْ عَكَسَتْ هذِهِ، وخطاياكُمْ مَنَعَتِ الخَيرَ عنكُمْ" (إر5: 25). في سنة 588 ق.م. ثار صدقيا الملك ضد نبوخذناصر الملك، لقد قيل عن صدقيا الملك: "وعَمِلَ الشَّرَّ في عَينَيِ الرَّب إلهِهِ، ولم يتواضَعْ أمامَ إرميا النَّبي مِنْ فمِ الرَّب. وتمَرَّدَ أيضًا علَى المَلِكِ نَبوخَذناصَّرَ الذي حَلَّفَهُ باللهِ، وصَلَّبَ عُنُقَهُ وقَوَّى قَلبَهُ عن الرُّجوعِ إلَى الرَّب إلهِ إسرائيلَ، حتَّى إنَّ جميعَ رؤَساءِ الكهنةِ والشَّعبِ أكثَروا الخيانَةَ حَسَبَ كُل رَجاساتِ الأُمَمِ، ونَجَّسوا بَيتَ الرَّب الذي قَدَّسَهُ في أورُشَليمَ. فأرسَلَ الرَّبُّ إلهُ آبائهِمْ إليهِمْ عن يَدِ رُسُلِهِ مُبَكرًا ومُرسِلاً لأنَّهُ شَفِقَ علَى شَعبِهِ وعلَى مَسكَنِهِ، فكانوا يَهزأونَ برُسُلِ اللهِ، ورَذَلوا كلامَهُ وتهاوَنوا بأنبيائهِ حتَّى ثارَ غَضَبُ الرَّب علَى شَعبِهِ حتَّى لم يَكُنْ شِفاءٌ" (2أخ12:36-16). لذلك أسلمه الله مع شعبه لهذا السبي. فجاء "نَبوخَذناصَّرُ مَلِكُ بابِلَ هو وكُلُّ جَيشِهِ علَى أورُشَليمَ ونَزَلَ علَيها، وبَنَوْا علَيها أبراجًا حولها. ودَخَلَتِ المدينةُ تحتَ الحِصارِ إلَى السَّنَةِ الحاديَةَ عشَرَةَ للمَلِكِ صِدقيّا. في تاسِعِ الشَّهرِ اشتَدَّ الجوعُ في المدينةِ، ولم يَكُنْ خُبزٌ لشَعبِ الأرضِ. فثُغِرَتِ المدينةُ، وهَرَبَ جميعُ رِجالِ القِتالِ ليلاً مِنْ طريقِ البابِ بَينَ السّورَينِ اللذَينِ نَحوَ جَنَّةِ المَلِكِ. وكانَ الكِلدانيّونَ حولَ المدينةِ مُستَديرينَ. فذَهَبوا في طريقِ البَريَّةِ. فتَبِعَتْ جُيوشُ الكِلدانيينَ المَلِكَ فأدرَكوهُ في بَريَّةِ أريحا، وتفَرَّقَتْ جميعُ جُيوشِهِ عنهُ. فأخَذوا المَلِكَ وأصعَدوهُ إلَى مَلِكِ بابِلَ، إلَى رَبلَةَ، وكلَّموهُ بالقَضاءِ علَيهِ. وقَتَلوا بَني صِدقيّا أمامَ عَينَيهِ، وقَلَعوا عَينَيْ صِدقيّا وقَيَّدوهُ بسِلسِلَتَينِ مِنْ نُحاسٍ، وجاءوا بهِ إلَى بابِلَ (2مل1:25-7) لقد هُدمت أسوار أورشليم والهيكل وأُحرقت المدينة بالنار، ولم يبقَ في أورشليم سوى المساكين والفلاحين (2مل8:25-12). وتم المكتوب: "فتتشَتَّتَ الغَنَمُ، وأرُدُّ يَدي علَى الصغارِ" (زك7:13) إنها النتيجة المروعة للخطية: "فأصعَدَ علَيهِمْ مَلِكَ الكِلدانيينَ فقَتَلَ مُختاريهِمْ بالسَّيفِ في بَيتِ مَقدِسِهِمْ. ولم يَشفِقْ علَى فتًى أو عَذراءَ، ولا علَى شَيخٍ أو أشيَبَ، بل دَفَعَ الجميعَ ليَدِهِ. وجميعُ آنيَةِ بَيتِ اللهِ الكَبيرَةِ والصَّغيرَةِ، وخَزائنِ بَيتِ الرَّب وخَزائنِ المَلِكِ ورؤَسائهِ أتَى بها جميعًا إلَى بابِلَ. وأحرَقوا بَيتَ اللهِ، وهَدَموا سورَ أورُشَليمَ وأحرَقوا جميعَ قُصورِها بالنّارِ، وأهلكوا جميعَ آنيَتِها الثَّمينَةِ. وسَبَى الذينَ بَقوا مِنَ السَّيفِ إلَى بابِلَ، فكانوا لهُ ولبَنيهِ عَبيدًا إلَى أنْ مَلكَتْ مَملكَةُ فارِسَ"(2أخ17:36-20). وهكذا أيضًا انتهت دولة يهوذا وأصابها العار والضياع. (4) أحوال التسبيح أثناء السبي كيف نتكلَّم عن التسبيح ومجد الهيكل وقد أصاب الدمار كل شيء؟!! لم يعد هناك سوى الذكريات والأنين.. "علَى أنهارِ بابِلَ هناكَ جَلَسنا، بَكَينا أيضًا (بدل الفرح والتسبيح) عِندَما تذَكَّرنا صِهيَوْنَ. علَى الصَّفصافِ في وسطِها عَلَّقنا أعوادَنا (لأننا لا نستطيع أن نعزف ونرتل بسبب الحزن والسبي). لأنَّهُ هناكَ سألَنا الذينَ سبَوْنا كلامَ ترنيمَةٍ (على سبيل التهكم أو التسلية، أو قد يكون لأنهم معجبون ومشتاقون لسماع تسابيح صهيون)، ومُعَذبونا سألونا فرَحًا (بشماتة) قائلينَ: "رَنموا لنا مِنْ ترنيماتِ صِهيَوْنَ". كيفَ نُرَنمُ ترنيمَةَ الرَّب في أرضٍ غَريبَةٍ؟ إنْ نَسيتُكِ يا أورُشَليمُ، تنسَى يَميني! ليَلتَصِقْ لساني بحَنَكي" (مز1:137-6) كانت تسابيح أورشليم قد طبقت شهرتها الآفاق، حتى أن الأعداء البابليين كانوا قد سمعوا عن مجد وبهاء هذا التسبيح، فطلبوا من الشعب المسبي – بحب استطلاع أو بتهكم – أن يرتلوا لهم هذه التسابيح. لكن لم تعد هناك حتى الرغبة في التسبيح. كيف تُسبِّح النفس المسبية بعيدًا عن الله والهيكل والمقدسات؟!! كيف تغني النفس المُعاقَبة بسبب الخطية؟!! لم تكن تسابيح الرب مجرد أغاني يتمتع بها الغرباء في حفلات صاخبة - كما كانوا يفعلون - لكنها كانت ذبيحة حب وفرح يُغنى بها في حضور إله إسرائيل لقد أتت نبوة أيوب: "صارَ عودي للنَّوْحِ، ومِزماري لصوتِ الباكينَ" (أي31:30) وكذلك نبوة إشعياء: "فتَئنُّ وتنوحُ أبوابُها، وهي فارِغَةً تجلِسُ علَى الأرضِ" (إش26:3)، "بَطَلَ فرَحُ الدُّفوفِ، انقَطَعَ ضَجيجُ المُبتَهِجينَ، بَطَلَ فرَحُ العودِ" (إش8:24) وصار إرميا يئن في مراثيه: "مَضَى فرَحُ قَلبِنا. صارَ رَقصُنا نَوْحًا" (مرا 15:5) وناح يوئيل بحزن شديد: "تنَطَّقوا ونوحوا أيُّها الكهنةُ. ولوِلوا يا خُدّامَ المَذبَحِ. ادخُلوا بيتوا بالمُسوحِ يا خُدّامَ إلهي، لأنَّهُ قد امتَنَعَ عن بَيتِ إلهِكُمُ التَّقدِمَةُ والسَّكيبُ" (يؤ13:1). وتكلّم عن هذا عاموس النبي معلنًا غضب الرب على شعبه: "وأُحَولُ أعيادَكُمْ نَوْحًا، وجميعَ أغانيكُمْ مَراثيَ" (عا10:8). وصارت تسابيح الشعب مراثيا، وحقَّ لهم أن يرددوا هذه المزامير بدلاً من مزامير الفرح:"لماذا رَفَضتَنا يا اللهُ إلَى الأبدِ؟ لماذا يُدَخنُ غَضَبُكَ علَى غَنَمِ مَرعاكَ؟" (مز1:74) "إلَى مَتَى يارَبُّ تغضَبُ كُلَّ الغَضَبِ، وتتَّقِدُ كالنّارِ غَيرَتُكَ؟" (مز5:79) "أرجِعنا يا إلهَ خَلاصِنا، وانفِ غَضَبَكَ عَنّا" (مز4:85) "هل إلَى الدَّهرِ تسخَطُ علَينا؟ هل تُطيلُ غَضَبَكَ إلَى دَوْرٍ فدَوْرٍ؟ ألا تعودُ أنتَ فتُحيينا، فيَفرَحُ بكَ شَعبُكَ؟" (مز5:85-6). حقًا قيل: "لَيتَكَ أصغَيتَ لوَصايايَ، فكانَ كنهرٍ سلامُكَ وبِرُّكَ كلُجَجِ البحرِ" (إش18:48). ولكن الله الحنون الذي قيل عنه إنه "رَؤوفٌ، يَغفِرُ الإثمَ ولا يُهلِكُ. وكثيرًا ما رَدَّ غَضَبَهُ" (مز38:78).. لم يترك شعبه إلى الانقضاء، بل أرسل لهم مُخلِّصين ليُخلِّصوهم من السبي، وعادوا إلى أورشليم ليُعمروها بالناس والمباني وأيضًا بالتسبيح. وهذا ما تنبأ عنه إشعياء النبي وقال: "في ذلكَ اليومِ يُغَنَّى بهذِهِ الأُغنيَّةِ في أرضِ يَهوذا: لنا مدينةٌ قَويَّةٌ. يَجعَلُ الخَلاصَ أسوارًا ومَترَسَةً" (إش1:26) "ويكونُ في ذلكَ اليومِ أنَّهُ يُضرَبُ ببوقٍ عظيمٍ، فيأتي التّائهونَ في أرضِ أشّورَ، والمَنفيّونَ في أرضِ مِصرَ، ويَسجُدونَ للرَّب في الجَبَلِ المُقَدَّسِ في أورُشَليمَ" (إش13:27) "ومَفديّو الرَّب يَرجِعونَ ويأتونَ إلَى صِهيَوْنَ بترَنُّمٍ، وفَرَحٌ أبديٌّ علَى رؤوسِهِمِ. ابتِهاجٌ وفَرَحٌ يُدرِكانِهِمْ. ويَهرُبُ الحُزنُ والتَّنَهُّدُ" (إش10:35)."هذا الشَّعبُ جَبَلتُهُ لنَفسي. يُحَدثُ بتسبيحي" (إش21:43) "اُخرُجوا مِنْ بابِلَ، اهرُبوا مِنْ أرضِ الكلدانيينَ. بصوتِ التَّرَنُّمِ أخبِروا. نادوا بهذا" (إش20:48). تُرى ما هي قصة العودة؟ وهل عادت مرة أخرى ذبيحة التسبيح؟ نيافة الحبر الجليل الانبا رافائيل أسقف عام وسط القاهرة
المزيد
01 يناير 2021

شخصيات من الكتاب المقدس داود النبى

"..وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع كل مشيئتي" أع 13: 22 مقدمة يقول بروفسور بليكي: الناس دائماً واحد في واحد، وأما داود فمجموعة واحدة، إذ قد جمع في شخصيته العظيمة أشتاتاً متعددة من الشخصيات، فهو كأخنوخ في السير مع الله، وكإبراهيم في إيمانه القوي، وكإسحق في تأمله العميق، وكيعقوب في كفاحه ونضاله، وكموسى في التهاب وطنيته، وكيشوع في خياله وهمته، وكجدعون في شجاعته وقوته، وكصموئيل في عدالته وغيرته، كان نبياً، وكان شاعراً، وكان مرنماً، وكان ملكاً، وكان إنساناً، كان كل هذه على حدة، وكان كل هذه مجتمعة معاً!!.. يقول هيجل الفليسوف: إن الشخصيات العظيمة تلقى علينا المزيد من المتاعب في تحليلها، للصفات المختلفة المتباينة فيها، وقد دعا مكارتني داود: "الرجل المتناقض" الذي جمع ما يشبه المتناقضات في حياته،.. وإذا كان فوسدك قد ذكر أن المسيح هو الإنسان الوحيد الكامل الذي وازن بين الكمالات الإلهية في نفسه، كاللطف والصرامة، والفرح والحزن، والغيرة والمحبة والقداسة، فلا توجد فضيلة فيه على حساب الأخرى، فإن داود ربما كان أقرب الناس إلى ابنه الأعظم، مع فارق التناقض الواسع الذي سببته الخطية في حياة الملك الإسرائيلي القديم، ومع ذلك فإن هذا الرجل هو الذي قال عنه الله: "وجدت داود بن يسى رجلاً حسب قلبي الذي سيصنع مشيئتي!! لم يكن داود معصوماً كالمسيح، ولكنه أدى دوره في الحياة، ويكفيه فخراً أن يكون من أقرب الكواكب اللامعة، إلى شمس البر، إلى ابن الإنسان، إلى ابن الله!!.. وأرجو أن تعلمنا قصته في الصواب والخطأ، كيف نتمسك بالصواب وننتصر على الخطأ، ولذا أرجو أن نراه من النواحي التالية: داود وشخصيته العظيمة اسمه داود أو "المحبوب" يعتقد أنه ولد على الأغلب في عام 1085ق.م أو نحو ذلك، وأبوه يسى البيتلحمي، وكان له سبعة من الأخوة وأختان، ومسح على الأغلب في السابعة عشرة من عمره، وصرع جليات وهو في العشرين، وملك على بيت يهوذا في الثلاثين، وعلى كل إسرائيل في السابعة والثلاثين والنصف من العمر، ومات في السبعين أو حوالي 1015ق.م على حساب بعض الشراح،... ومع أنه كان أصغر أولاد يسى، إلا أنه كان أقرب إسرائيلي إلى قلب الله،... ولعلنا ندرك هذه الحقيقة من خلال ما تميز به من صفات. داود الحلو الجميل الروح وهذه أول صفة تقابلنا مع هذه الشخصية القديمة: "وكان أشقر مع حلاوة العينين وحسن المنظر"... ومن المؤكد أنه إذا قورن باليآب أو أبيناداب أو شمة أو واحد من إخوته الآخرين، لربما تفوق عليه واحد في الجمال الجسدي، ولكن قياس الله يمتد إلى الداخل، ولا يقف عند منظر العينين أو طول القامة، بل يتغور إلى القلب،.. لم يكن في إسرائيل من هو أطول من شاول،.. لكن قلبه مع ذلك كان أبعد القلوب عن انتظار الله،... لكننا نأتي الآن أمام قلب بشري، كان حلواً وجميل الروح أمام الله،.. إن مأساة الإنسان في العادة أنه يقيس الأشخاص بمقاييس تختلف عن مقياس الله، فقد يقيسهم بالسن، والأكبر هو الأفضل، ولو صح هذا من الوجهة العسكرية أو السياسية، لما سمح اليونانيون للإسكندر الأكبر أن يقود جيوشهم وهو في العشرين من عمره ليغزو العالم وهو في الثلاثين، ولما قادت جان دارك الجيش الفرنسي وهي في الثامنة عشر من عمرها، ولما ظهر وليم بت في انجلترا، وهو من ألمع السياسيين في كل تاريخها الطويل!!... ولو أن القياس بالجمال الجسدي لأخرجنا الكثيرين من عباقرة الدنيا وفلاسفتها العظام، ولما أتيح لسقراط أن يرسخ فلسفة اليونانيين، ولتوماس كارليل أن يبدع بين الانجليز، ولما استطاع ملتون الأعمى أن يرسل إلينا روائع الفردوس المفقود والمردود!!.. ولو حكمنا على الناس بثرواتهم. لأخرجنا من الدائرة الصيادين تلاميذ المسيح، بل أكثر من ذلك لأخرجنا من العالم سيد الكل: "الذي لم يكن له أين يسند رأسه".. إن القياس الأعظم في الإنسان يتمشى على ضربات قلبه ووجيب مشاعره وعمق أسراره،.. مع القلب المجدد النقي الطاهر أمام الله!! متى ولد داود الولادة الجديدة؟ لا نعلم، غير أنه من المؤكد أنه عرف الله وتمتع بالميلاد الثاني قبل مسحه ملكاً،…. وأنه من الصباح الباكر في الحياة عزف بقيثارته أمام الله، أحلى الأغاني وأروع الأناشيد!!… ما أسعد أن يأتي أولادنا في صبح الحياة أمام الله كداود، وما أجمل أن يغنوا له كالعصافير المبكرة في أعشاشها، قبل أن يسمعهم العالم أغانيه ومباذله!… وإذا كانوا قد قالوا إن الرئيس إدوارد تجدد في السابعة من عمره، وأن بوليكاربوس واسحق ووتس عرفا المسيح في التاسعة من العمر، وأن متى هنري وروبرت هول جاءا إلى السيد في الحادية عشرة من العمر. فكم أتمنى أن يأتي أولادنا مع صموئيل وداود، ودانيال وتيموثاوس، ليقولوا لإلههم: “تكلم يا رب فإن عبدك سامع!!.. داود الرقيق القلب وقد كان داود من أرق القلوب التي ظهرت على هذه الأرض، ويكفي أن أمامك مثلين أو ثلاثة على هذه الرقة الدقيقة العجيبة، فهو في أول شبابه وربما في السادسة عشرة من العمر، إذ ظهر فجأة أمامه دب وأسد، واختطفا شاة صغيرة من بين القطيع، وصرخت الشاة،.. ورأت الصرخة في قلب الفتى البطل، ولم يستطع تحمل صرخة الاستنجاد، ودخل الغلام في معركة الحياة والموت من أجل صرخة حيوان أعجم صغير في الواقع أني لا أعرف في الأرض من هو أرق من هذا الشخص في كل التاريخ إلا واحداً فقط قال: "أنا هو الراعي الصالح والراعي الصالح يبذل نفسه عن الخراف وأما الذي هو أجير وليس راعياً الذي ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب فيخطف الذئب الخراف ويبددها، والأجير يهرب لأنه أجير ولا يبالي بالخراف" والفرق بين داود وابن داود في هذا الشأن واضح، لقد عرض داود حياته من أجل شاة،... وعندما عد الشعب وجاء الغضب الإلهي بالوباء ومات من إسرائيل سبعون ألفاً: "فكلم داود الرب عندما رأى الملاك الضارب الشعب وقال ها أنا أخطأت وأنا أذنبت وأما هؤلاء الخراف فماذا فعلوا فلتكن يدك عليَّ وعلى بيتي"... وكشف له الله عن الذبيحة والفدية!!... وأما الآخر فقد بكى على أورشليم، ولم يقف عند هذا الحد. بل أخذني وأخذك من أنياب الأسد، ومات على الصليب من أجلي ومن أجلك!!... ورقة القلب أيضاً تراها في معاملته لشاول الذي كان يطارده، ويريد القضاء على حياته، ومع ذلك فعندما وقع شاول في يده، وقطع طرف جبته يقول الكتاب: "وكان بعد ذلك أن قلب داود ضربه على قطعه طرف جبة شاول" وقد تتعجب وتستغرب لهذا، ولكنك لو عرفت المعركة الداخلية في قلب داود، لرأيت مدى الحساسية في قلب الرجل،.. لقد شجعه الذين معه على قتله، ويبدو أن الشيطان قال له: إنه بضربة واحدة ينتهي كل شيء،.. ورفض داود فكر الشيطان،... لكن قلبه ضربه مع ذلك، على مجرد التفكير الداخلي في قتل الرجل!!.. وأية رقة أبلغ من هذه الرقة، إلا في ذاك الذي رفض أن يترك أذن ملخس عبد رئيس الكهنة مقطوعة وهم يهاجمونه يوم الصليب، وأبرأها، ومن فوق الصليب صاح: اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!! وأما الثالثة فكانت يوم أن تأوه داود، وذكر البئر القديمة- بئر بيت لحم- التي كان يشرب منها وهو غلام صغير،... وكان في حرب مع الفلسطينيين، فقال: من يسقيني ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب فشق ثلاثة من الأبطال محلة الفلسطينيين واستقوا ماء من بئر بيت لحم التي عند الباب، وحملوه وأتوا به إلى داود، فلم يشأ داود أن يشربه بل سكبه للرب وقال: حاشا لي من قبل إلهي أن أفعل ذلك!! أأشرب دم هؤلاء الرجال بأنفسهم لأنهم إنما أتوا به بأنفسهم، ولم يشأ أن يشربه"... لم يعد أمامه ماء بل دماً، قدمه الأبطال حباً فيه، مغامرين بحياتهم،.. ونظر إليهم وإلى الماء وقال: هذا شيء رهيب إنه أقدس من أن تلمسه شفتاي،.. وسكبه سكيباً للرب!! كان أحدهم يسير مع تولستوي في الطريق، وإذا به يرى الرجل يسرع إلى جواد مريض ويحتضنه ويقبل رأسه، وقال الرجل: لقد تصورت تولستوي لا يقبل حصاناً، بل كأنما يقبل أخاه ابن أمه وأبيه،... ولكنها هي الرقة التي يرتفع إليها عظماء الناس، وقد تمكنت من داود من هامة الرأس إلى أخمص القدم!!.. داود الصلب الإرادة إذا أردت أن تعرف تكوين داود النفسي من هذه الناحية يمكنك أن تراه خلال عبارته القائلة في المزمور الثامن عشر: "يعلم يدي القتال فتحنى بذراعي قوس من نحاس".. ومع أن هذه العبارة تكشف في الأصل عن الفتى المفتول العضلات، لكنها تقودك أكثر إلى الإرادة الحديدية المتمكنة من هذا الشاب، ويكفي أن تلقي نظرة على ذلك التمثال المبدع الذي صنعه ميشيل أنجلو لداود، والذي فيه يبدو مفتوح العينين، وقد تصلبت عضلات وجهه وعنقه، ويده المرفوعة إلى عنقه وهي تحمل حجراً يقبض عليه،... إنك يوم تنظر إلى هذا التمثال، ستكتشف أقوى تصميم أو عزم يمكن أن يظهر في حياة الإنسان على الأرض!!.. ولعلنا نذكر هنا كلمات الكسندر هوايت: إن داود لم يعرف حياته قط، أنصاف الحلول أو يرضى بها، وسواء أمسك بالسهم أو الوتر أؤ العود أو المقلاع، فهو الإنسان الذي يشد عزمه وتصميمه إلى النهاية،.. وليست هنا قوة على الأرض تستطيع أن تجعله يتراجع عما يمكن أن يكون قد استقر عليه،... عندما صمم على مواجهة جليات لم يفلح فيه تقريع أخيه وقسوته في التعبير،... لقد عزم على مقاتلة الجبار، ولن يتزحزح قط، حتى ولو اختبأ الإسرائيليون جميعاً في شقوقهم ومغاراتهم،.. وعندما صمم على أن يعود بالتابوت من بيت عوبيد آدوم: "كان داود يرقص بكل قوته أمام الرب" حتى ولو احتقرته ميكال زوجته وهي تنظر إليه راقصاً،.. إن داود راقصاً أو مغنياً أو مقاتلاً، أو خادماً،... كان يفعل هذا بإرادة من حديد، لا تعرف التخاذل أو التراخي دون تفرقة بين أسد يقتله، أو جبار يصرعه، أو بذل يقدمه لله بذات الإحساس والمشاعر والإرادة الصلبة الثابتة!!.. داود القوي الإيمان تعجب السيد المسيح من إيمان قائد المئة الذي لم ير في إسرائيل إيماناً يماثل إيمانه،.. ولعل شاول وهو يرى داود يواجه الفلسطيني الجبار، تملكه ذات العجب، وهو يراه يعود برأسه أمامه،.. مع أن داود سبق وذهب إلى القصر الملكي لكي يعزف للملك، ويبدو أنه لم يبق هنالك فترة طويلة، فقد كان الجنون يصيب الملك بين الحين والآخر، ويبدو أنه عاد إلى رعاية الأغنام، وانقضت ثلاث سنوات، وأضحى دواد في العشرين من عمره، ونبت شاربه وذقنه، على صورة تغيرت معالمه فيها أمام الملك، وبالإضافة إلى أن العمل الذي عمله كان مذهلاً إلى الدرجة التي لا يمكن أن تربطه بالغلام الذي رآه من ثلاث سنوات وبقى عنده في القصر فترة من الزمن، وعلى أي حال، لقد ظهر الشاب أعجوبة أمام الملك،.. أعجوبة لا نظير لها أو مثيل، ولم يسأل الملك عنه، بل سأل عن أبيه أيضاً، لعل خصائص الوراثة يمكن أن تكون السبب، ولعله ابن أبيه، ومن شابه أباه فما ظلم كما يقولون!!.. غير أن الأمر لا يرتد إلى ميراث يحمل ابن عن أبيه، فقد يحذو الولد حذو أبيه، ويتمثل به، لكن الأمر هنا أبعد عمقاً وأشد أثراً!!... إن رصيد الولد لم يأته قط من أبيه، بل جاءه من مصدر آخر،.. عبر عنه هو أمام الملك،.. لقد كان رصيده محفوظاً في وجدانه عندما التقى بالدب والأسد،..: "قتل عبدك الدب والأسد جميعاً وهذا الفلسطيني الأغلف يكون كواحد منهما لأنه قد عير صفوف الله الحي وقال داود: الذي أنقذني من يد الأسد ومن يد الدب، ينقذني من يد هذا الفلسطيني، وقال شاول لداود: اذهب، وليكن الرب معك"... ولعله من الواجب أن نقف وقفة تأمل في مفهوم الإيمان بالنسبة لشاول، وبالنسبة لداود،.. فالإيمان عند شاول لا يزيد عن كلمة قالها: "اذهب وليكن الرب معك"وما أكثر الذين يؤمنون بالله إيمان شاول، فهم لا ينكرون وجوده، وهم يؤمنون أنه قوي وقادر على كل شيء، ومع ذلك فإن هذا الإيمان لا يزيد عن مجرد فكرة نظرية غير قابلة للاختبار مثلهم مثل رجل أقام فوق شلالات نياجرا سلكاً عالياً ومشى عليه وهو يحمل آخر، وصاح واحد من المعجبين: يا له من بطل عظيم... وقال البطل للصائح: هل تريد أن تجرب؟ فارتد فزعاً إلى الوراء وقال: كلا!!.. لكن الإيمان عند داود كان أكثر من ذلك، كان حياة!! وقد وصل داود إلى الحقيقة التي لا يعثر عليها سوى الأبطال!! إما أن إيمانه حقيقي وصادق يثق فيه بالله القادر على كل شيء!!.. أو أن الموت أفضل من الإيمان الذي لا يزيد عن فقاعة خيالية من الهواء في الحياة!!.. والفارق –ولا شك- مهول ورهيب،.. أيها الأخ: إنك ستجد على الدوام في قصة الحياة، أسداً أو دباً، أو جليات، أو مشكلة مستعصية بهذه الصورة أو تلك،.. وستبقى مصدر الرعب أو الفزع لك، إذا عشت تواجهها ولا يزيد لديك الله عن كلمة تؤمن بها، تقرؤها في كتاب أو تسمعها في عظة،.. حتى تدخل إلى المشكلة، وترى الله أكثر من كلمة، إذ تراه الله الحي القادر على كل شيء. وطوبى لجميع منتظريه!!.. داود الشجاع الجسور إن هذه الرؤيا الإلهية أعطت داود أن يكون واحداً من أشجع الناس الذين ظهروا على هذه الأرض،.. والسؤال الذي يبدو مذهلاً: لماذا خاف الإسرائيليون جميعاً ابتداء من شاول إلى أبنير إلى جميع أفراد الجيش؟؟: "ولما سمع شاول وجميع إسرائيل كلام الفلسطين هذا ارتاعوا وخافوا جداً".. ولماذا لم يخف داود؟!!.. وباديء ذي بدء أن داود لم يكن من طينة أخرى تختلف عن إخوته الثلاثة في المعركة ومن الإسرائيليين جميعاً، كما أنه لم يستخف على الإطلاق بالرجل العملاق الذي يواجهه، فهو يعلم أيضاً أنه مخيف ومرعب،.. ومع ذلك فإنك لا ترى ذرة واحدة من الخوف تستولى عليه) بل بالحري إن داود تعجل اللقاء، راكضاً إليه: "وكان لما قام الفلسطيني وذهب وتقدم للقاء داود أن داود أسرع وركض نحو الصف للقاء الفلسطيني".. ولكن الفارق الحاسم أن الفلسطيني لم ير أمامه سوى غلام صغير حقير، ورأى داود الفلسطيني ولكن رأى الله أيضاً، وإذا بالعملاق يصبح قزماً لا يرتفع إلا أقل القليل عن الأرض،... وهذه الرؤيا بعينها هي التي فرقت بين داود وبقية الإسرائيليين،.. إن سره العميق حوله أغنية في المزمور السابع والعشرين، ليتعلم منه من يريد أن يتعلم أعظم دروس الشجاعة في الأرض: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف، الرب حصن حياتي ممن أرتعب عندما اقترب إليَّ الأشرار ليأكلوا لحمي مضايقي وأعدائي عثروا وسقطوا، إن نزل عليَّ جيش لا يخاف قلبي إن قامت عليَّ حرب ففي ذلك أنا مطمئن".. ترى هل عرفت السر؟!!. داود الغيور الملتهب كان داود أيضاً الرجل الغيور المتلهب في غيرته، وقد لاحقته هذه الغيرة من الصبا حتى آخر الشيخوخة، إذ كانت في حقيقتها تعبيراً إزاء إحساسه بشخص الله وكرامته ومجده،.. عندما ذهب إلى المعركة، كان كل ما ينتظر منه، أن يكون زائراً أو متفرجاً،.. لكن منظراً ظهر أمامه ألهب النار في قلبه، منظر جليات يجدف على الله الحي،.. وهو لا يستطيع أن يحتمل المنظر أو يسمع الكلمات!!... وقد غامر بحياته لأن الموت عنده أهون من إهانة اسم الله، والتجديف على شخصه الكريم... ولم يكن الأمر مجرد اندفاع الشباب يغلي الدم في عروقه إذا ما رأى مالا يطيق رؤياه، بل هي أكثر من ذلك، الغيرة التي جعلته حتى آخر العمر: "أذكر يا رب داود كل ذله كيف حلف للرب نذر لعزيز يعقوب لا أدخل خيمة بيتي لا أصعد على سرير فراشي لا أعطي وسناً لعيني ولا نوماً لأجفاني أو أجد مقاماً للرب مسكناً لعزيز يعقوب".. لقد كان ذله الكبير أنه: "لما سكن الملك في بيته وأراحه الرب من كل الجهات من جميع أعدائه أن الملك قال لناثان النبي أنظر. إني ساكن في بيت من أرز وتابوت الله ساكن داخل الشقق" وهل يجمل به أن يعيش في بيت يبدو أجمل منظراً، وأعظم بهاء من بيت الله؟؟ وفي الحقيقة أن علاقة الإنسان ببيت الله هي واحد من أهم العلامات أو المؤشرات على حقيقة غيرته، والتهاب روحه كانت صرخة حجي النبي: "هل الوقت لكم أنتم أن تسكنوا في بيوتكم المغشاة وهذا البيت خراب"... عندما دخل المسيح الهيكل. ووجد الذين كانوا يبيعون بقراً وغنماً وحماماً، والصيارف جلوساً، فصنع سوطاً من حبال وطرد الجميع من الهيكل. الغنم والبقر، وكب دراهم الصيارف وقلب موائدهم، وقال لباعة الحمام: ارفعوا هذه من ههنا، لا تجعلوا بيت أبي بيت تجارة فتذكر تلاميذه غيرة بيتك أكلتني!!.. داود الواسع الصبر ومن الغريب أن داود -مع ذلك- كان واسع الصبر، ومن أعظم الناس إتقاناً للتوقيت الإلهي،... فإذا كان آساف هو الكاتب للمزمور الخامس والسبعين، والقائل عن الله: "لأني أعين ميعاداً أنا بالمستقيمات أقضي، ذابت الأرض وكل سكانها أنا وزنت أعمدتها" فإن داود عاش هذه الحقيقة بالتمام، لم يتعجل قط يوماً من أيام الله، مسحه صموئيل للعمل الإلهي،.. غير أنه عاد إلى أغنامه يرعاها حتى يدعوه الله إلى العمل،.. ثم طارده شاول، وعاش سنوات في البرية طريداً مشرداً يقود مئات من البؤساء المطرودين، وجاءه الوقت الذي كان يمكن أن يختزل الميعاد بضربة واحدة، ولكنه رفضها: "وقال داود حي هو الرب أن الرب سوف يضربه أو يأتي يومه فيموت أو ينزل إلى الحرب ويهلك حاشا لي من قبل الرب أن أمد يدي إلى مسيح الرب".. كان فناً من أصعب الفنون فن الانتظار، لرجل خلقه الله بطبع ناري ملتهب، إلا أنه هو القائل: "لأني لك يا رب صبرت أنت تستجيب يا رب إلهي"وقد دخل هذا الصبر يوماً من الأيام في أدق امتحان، عندما خرج عليه شمعي بن جيرا يلعنه وهو هارب من أورشليم أمام ابنه أبشالوم، ولم يطق أبيشاي بن صرويه صبراً على هذا السب، فقال: لماذا يسب هذا الكلب الميت سيدي الملك دعني أعبر فأقطع رأسه فقال الملك مالي ومالكم يا بني صرويه، دعوه يسب لأن الرب قال سب داود ومن يقول لماذا تفعل هكذا. وقال داود لأبيشاي ولجميع عبيده هوذا ابني الذي خرج من أحشائي يطلب نفسي فكم بالحري بنياميني، دعوه يسب لأن الرب قال له لعل الرب ينظر إلى مذلتي ويكافئني الرب خيراً عوض مسبته بهذا اليوم"... أجل، وليس هناك ما يكشف في القدرة على الصبر أكثر من التعرض للإيذاء والافتراء والاختلاق مما ليس له أساس من الصحة والحق!!. داود الوديع المتواضع وهنا نقف أمام فيضان من العظمة الحقيقية، عندما قتل جليات، وهتفت له الأمة بأكملها وكان في العشرين من عمره، وكان يمكن أن تأخذه نشوة الغرور، ويطالب بوعد الملك في الزواج من ابنته، خاصة وقد أمر شاول عبيده تكلموا مع داود سراً قائلين هوذا قد سر بك الملك وجميع عبيده قد أحبوك فالآن صاهر الملك فتكلم عبيد شاول في أذني داود بهذا الكلام فقال داود هل هو مستخف في أعينكم مصاهرة الملك وأنا رجل مسكين وحقير!!.. وعندما طارده شاول فيما بعد قال له: "وراء من خرج ملك إسرائيل وراء من أنت مطارد، وراء كلب ميت وراء برغوث واحد".. لقد وقفت أمام هذه الوداعة مذهولاً، ولم أعرف بين الناس من تفوق عليها سوى واحد جلس -وهو رب السموات والأرض- متعباً على التراب عند بئر سوخار يتحدث مع امرأة ساقطة، بأرق حديث يمكن أن تسمعه الأذن البشرية، وهو القائل: "تعلموا مني لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم.. كان يوحنا فم الذهب يقول: إن أساس الفلسفة الوداعة، وبهذا المعنى كان داود فيلسوفاً كبيراً، أدرك أنه مهما يعظم الإنسان فهو دودة حقيرة، هو تراب، هو لا شيء، أمام الله في الوجود!!... طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض!!.. داود المحب الكبير ومع أن هذه الصفة كان يمكن أن نضعها أول صفات داود، لكني آثرت أن أضعها الصفة الثامنة، التي نحزم بها صفاته، وهي كما يقول الرسول بولس "رباط الكمال"،.. وفي الحقيقة أن هذه الصفة تقف خلف صفاته جميعاً، وتعطيها الحياة والقوة والغذاء لقد أحب الله، وأحب الآخرين، وأحب الخدمة، وحول هذا الحب مزامير خالدة في مسمع الله والإنسان: "أحبك يا رب قوتي" "أحببت لأن الرب يسمع صوت تضرعاتي" لقد أعطى الله كل حبه، وعندما رقص أمام التابوت بكل قوته، كان يرقص رقصة الحب الكامل لله، وعندما جلس في حضرة الله وهو يصرخ غارقاً في فيضان هذا الحب: "من أنا يا سيدي الرب وما هو بيتي حتى أوصلتني إلى ههنا"... وإذ خاف أن يتراجع إحساسه في يوم ما هتف هتافه العميق: "باركي يا نفسي الرب وكل ما في بطني ليبارك اسمه القدوس باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته"... وعندما أحب الناس، أحب الجميع. كان حبه ظاهراً في نشيده الذي رثى به يوناثان: "قد تضايقت عليك يا أخي يوناثان كنت حلواً لي جداً محبتك لي أعجب من محبة النساء".. لم يكن داود "المحبوب، بل أكثر من ذلك "المحب"، وقد صدق من قال: إن تكن محبوباً ذاك لا شيء أما أن تحب فذاك كل شيء!!. داود ومدارسه الكبرى وقف واحد من شعراء الغرب -من ابن يسى الأصغر- يهتف للوجه الوديع، والدهن المهراق ينساب على رأسه وهو يواجه خدمته المليئة بالتعب والمجد، وتابعه في القصر الملكي، وفي ميدان المعركة، وهو يلمع بالرجاء، وهو محاط بالعزلة، والجروح التي أتته من الصديق، والعطايا التي أخذها من الأعداء،.. والحياة الممتلئة بالإيمان، والذنب، والدموع والدماء، والانتصار. ولعلنا مع هذا الشاعر وغيره نسأل: ما هي المدارس التي دخلها داود وصنعت منه الشخص العجيب الذي أشرنا إليه، وعرفه التاريخ؟!!.. لعلها: مدرسة الآباء والأجداد كان داود أكثر أولاد يسى التقاطاً لتاريخ آبائه وأجداده، ومع أننا لا نكاد نعرف الكثير عن يسى أبيه سوى أنه ابن عوبيد بن بوعز من راعوث، ومع أننا لا نعرف شيئاً عن أمه،.. إلا أنه يبدو بوضوح أن الصبي كان على أوفى علم بتاريخ آبائه وأجداده وأنه كان غنياً جداً بالذكريات التي جاءته عن هؤلاء الآباء، وعن معجزات الله معهم، وأنه إذا كان جدعون قد تساءل في حزن وألم عن العجائب التي حدثه آباؤه عنها، والتي صنعها معهم الرب،.. فإن داود كان أكثر تفهماً وشوقاً لهذا الإله، وكان ينتظر من بكور الحياة أن تأتي الكثير من صور العجائب والمعجزات على يديه!!.. كانت مدرسة الآباء والأجداد من أخصب مدارس الحياة في الابن الأصغر ليسي البيتلحمي، وعلى وجه الخصوص أنه كان من النوع الذي يحن إلى الذكريات القديمة، وقد حن ذات يوم إلى جرعة من البئر التي كان يشرب منها من أيام الصبا،.. ومن المؤكد أنه كان يشرب جرعات حلوة كثيرة، من بئر الذكريات العظيمة لآبائه وأجداده الأقدمين!!.. مدرسة الطبيعة وجهت "هيلين كيلر" سؤالاً عجيباً -وهي عمياء وصماء وبكماء- إلى عدد كبير من الأزواج: ما لون عين زوجتك؟!! ومن الغريب أن أكثرهم –وقد فوجيء بالسؤال لم يستطع أن يصف لون عين زوجته!!.. وما أكثر الذين لهم العيون التي تبصر ولا تتأمل، لكن عين داود لم تكن من هذا النوع، وهي تتأمل الطبيعة العظيمة، التي صنعها الله!!.. لقد أمسك الرجل قيثارته وغنى أحلى الأغاني، وهو يرى هذه الطبيعة الفاتنة: “أيها الرب سيدنا ما أمجد اسمك في كل الأرض… حيث جعلت جلالك فوق السموات… إذا أرى سمواتك عمل أصابعك القمر والنجوم التي كونتها، فمن هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده” “السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه، يوم إلى يوم يذيع كلاماً وليل إلى ليل يبدي علماً لا قول ولا كلام لا يسمع صوتهم في كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقصى المسكونة كلماتهم، جعل للشمس مسكناً فيها وهي مثل العروس الخارج من حجلته، يبتهج مثل الجبار للسباق في الطريق، من أقصى السموات خروجها ومدارها إلى أقاصيهاولا شيء يختفي من حرها”.. كان “صموئيل كوكس” يضع زهرة بيضاء تذكره بجمال الله ونقاوته وقداسته، وهو يعمل بين العمال الذين امتلأت حياتهم من طين الخطية والدنس، واستنشق داود أجمل الزهور، وعلمه شذاها أن يغني أحلى الأغاني لله!!.. مدرسة الألم لم تكن الحياة عند داود سهلة هادئة رضية، بل هو الرجل الذي التقى بكافة ألوان الصعاب والمتاعب من مطلع حياته إلى نهايتها وكان أشبه بذلك الإنسان الذي صاح طالب أن يرفع الله عنه الحمل الثقيل، وأجاب الله على صلاته، ولكن بصورة أخرى إذا أعطاه الكتف القوية التي تستطيع حمل الحمل... ونحن نستطيع أن نصور لك الطريق التي سار فيها، والتي التقى فيها من الشباب الباكر بالدب والأسر، وجليات وشاول، وسار ليرى أبشالوم وأخيتوفل وشمعي بن جيرا، ويوآب بن صرويه، وغيرهم ممن حولوا حياته تعباً وألماً وعذاباً متصلاً، فإذا تركنا التي جاءته خطيته البشعة، في قصة بثشبع وأوريا، وإذ تجاوزنا تلك التي جاءته من غفلته وحماقته، يوم ترك صقلغ دون حماية، فأحرقت عن آخرها، فإن السؤال ما يزال باقياً: لماذا يسمح الله بالعذاب من مطاردة شاول له سنوات متعددة، لا يصبح فيها بائساً فحسب، بل -أكثر من ذلك- زعيم البؤساء إذ لحق به كل متعب ومدين ومتضايق وجرب فيها أن يسلك سلوك الأفاقين الجائعين السالبين، حتى شاء الله أن يضع في طريقه أبيجامل لتمنعه من سفك الدماء وانتقام يده لنفسه؟!! إن الجواب على ذلك واضح في أن مدرسة الألم كانت مدرسة التدريب التي يبدو أنها ضرورية في حياة جميع أولاد الله، وهم يسيرون في الطريق الضيق في الأرض، كما أني كشفت في الوقت عينه الإحسان والرحمة والخير والجود التي لا يترك الله أولاده دون أن يرتوا منها، فإذا ظهر في الطريق شاول، فإن هناك يوناثان، وإذ ظهر أخيتوفل، فإن هناك برزلاي الجلعادي، وإذا ظهر نابال، فهناك أبيجايل، وهكذا،… وهي –إلى جانب هذا كله- المدرسة التي تكشف عن انتصار الله الأعظم،… وهي التي علمته أن أشد الظلمة ما كانت خلف الباب، فإذا قيل عنه أنه عندما دخل صقلغ، وكانت المدينة كتلة من الفحم الأسود، وكانت –إذا جاز التعبير “الهباب” الذي وصل إليه، فإنه بعد أيام لا يسترد فقط كل ما أخذ منه بل ينادي به ملكاً على بلاده!!… لقد رأى خلال الألم أغلى الدروس وأعمقها مما سار مطبوعاً في وجدانه مدى الحياة!!.. مدرسة الواجب وقد تكون هذه المدرسة أعلى مدارس داود وأعظمها، إذ أن الواجب علمه الأمانة إلى الموت وكم وقف هذا الرجل على أبواب الموت وهو يقدس الواجب ولو أنه عاد إلى أبيه يوم هاجمه الدب والأسد، واختطفا الشاة الصغيرة، دون أن ينقذها لما لامه أبوه أو لامه أحد، لكن واجبه المقدس هو الذي دعاه أن يغامر بحياته لإنقاذها،... ومع أنه كان أصغر جداً من أن يواجه جليات، لكن الواجب المقدس عاد مرة أخرى ليرتفع أمام عينيه، وهو يرى أن الحياة لا معنى لها، أمام عملاق يجدف على إلهه ويهين مجده!!..عندما طلب إلى "ليفنجستون" أن يعود إلى انجلترا، وقد داهته الأمراض والمتاعب،.. أجاب الرجل الذي قدس الواجب: أن أعود إلى انجلترا لتكرمني الملكة، هذا شيء عظيم،.. لكني لا أستطيع لأجل رسالتي العظميى التي يطلبها مني يسوع المسيح!!... ولقد أخذ جسده بعد أن مات ليدفن في مقابر العظماء بانجلترا،... لكنه كان جسداً بلا قلب، لأن وصيته أن ينزع قلبه ليدفن في أفريقيا، في البلاد التي أحبها وخدم سيده فيها!!.. لقد عاش ومات وقلبه للمسيح في خدمة أفريقيا!!.. كان الإحساس بالواجب هو رسالة داود العظيمة من مطلع العمر إلى نهاية الحياة!!.. داود وضعفاته المحزنة لست أدري لم حرص الكتاب المقدس على أن يبرز ضعفات داود، ومنها ما لا يسقط فيه أبسط المؤمنين وأضعفهم؟!! أغلب الظن أن الكتاب أراد أن يحذرنا جميعاً (أقوياء وضعفاء) بأن قتلى الخطية أقوياء، وأنه لم ينتصر عليها في الأرض سوى شخص واحد، قال: “من منكم يبكتني على خطية” وأننا ينبغي أن نجاهد حتى الدم ضد مكرها، وختلها، وكذبها، وغدرها، وسلطانها،.. على أنه في الوقت نفسه أعطانا أنشودة الرجاء، لأنه ليس المهم –كما قال أحدهم- أن يسقط المرء كما سقط داود سقطته الشنيعة، التي لم يعرف شاول بن قيس مثيلاً لها، لكن الأهم أن شاول بن قيس لم يعرف في حياته المزمور الحادي والخمسين مزمور التوبة أمام الله… وعندما نتحدث عن خطايا لنكن مشبعين بالحذر، وبالرجاء أيضاً!!.. ولنعلم أننا ضعفاء مثله، وأقوياء بالرب أيضاً عندما نلوذ برحمته وإحسانه وجوده!!.. ضعف الإيمان وهل رأيت العملاق، وهو يواجه الدب والأسد، وجليات، والقائل إن نزل على جيش لا أخاف؟؟ هذا العملاق، عندما يطارد شاول ويصيبه الإعياء، يضعف ويصبح واحداً منا، ويقول ليوناثان بن داود "كخطوة بيني وبين الموت"، وعندما يذهب إلى أخيش ملك جت، ويسمع الملك من عبيده: "أليس هذا داود ملك الأرض، أليس لهذا كن يغنين في الرقص قائلاً ضرب شاول ألوفه وداود ربواته، فوضع داود هذا الكلام في قلبه وخاف جداً من أخيش ملك جت فغير عقله في أعنيهم وتظاهر بالجنون بين أيديهم وأخذ يخربش على مصاريع الباب ويسيل ريقه على لحيته فقال لعبيده هوذا ترون الرجل مجنوناً فلماذا تأتون به إلى العلي محتاج إلى مجانين حتى أتيتم بهذا ليتجنن علي، أهذا يدخل بيتي"وأكثر من هذا أن الرجل بعد فترة من الزمن عاد إلى أخيش، وأعطاه أخيش صقلغ، وكاد يحارب مع أخيش ضد شعبه وقومه،.. وهي فترات قاسية مظلمة ليس من السهل تصورها،.. ولكنها الصورة المحزنة عندما يضعف الإيمان في حياة الإنسان حتى ينقذه الله مرات أخرى ليعود إلى إيمانه الأول القديم!!.. ضعف التسامح ومع أن هذا الرجل كان صارم العدالة مع العماليقي الذي ادعى أنه قتل شاول وحمل إليه سلاحه، ومع الاثنين اللذين قتلا ابن شاول غدرا وغيلة تقرباً منه، إلا أن عواطفه تذبذبت مع ابنه أبشالوم صعوداً ونزولاً، فالولد إذ يقتل أخاه ويهرب، يعاوده الحنين من ناحيته، وإذ يعود بوساطة يوآب يسامحه داود بشرط ألا يرى وجهه، وإذ يثور عليه، ويعلن الفتنة ضده، لا يستطيع تنفيذ العدالة كاملة، كما فعلها يوآب، بل يبكي على ابنه ويتمنى لو ذهب هو مكانه في الموت،.. ومع أنه حلف لشمعي بين جيرة الذي لعنه قاسية ألا يموت، إلا أنه لم ينس إلى الموت هذه اللعنة، وطلب من سليمان أن يتعامل معه بالحكم التي تحدر شيبته إلى الهاوية، ومع أن يوآب خدمه خدمات لا يمكن أن تنسى، إلا أنه لم يستطع نسيان ما عاناه منه، وضم هذا إلى دم أبنير بن نير وعماسا بن يثر، وطلب من ابنه أن يتعامل معه بالصورة التي تحدر شيبته إلى الهاوية أيضاً!!.. ومع أن الكثيرين من الشراح يلفتون أنظارنا إلى أنه من الخطأ أن نحكم على داود وتصرفاته، بما علمنا إياه ابنه العظيم سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن وأما أنا فأقول...".. وأن داود في الكثير من هذه الأوضاع كان يتكلم بصفته الحاكم العادل الذي ينبغي أن يقتص عدالة الله من المذنب والمجرم، وأنه وإن كان قد سمح لشمعي بن جير أن يعود إلى بيته بقسم لا يستطيع تجاوزه، لكن شمعي كان ظالماً ينبغي أن ينال عقابه ولو بعد زمن لا لأنه أهان إنساناً، بل لأنه افترى على مسيح الرب بكل افتراء وتضليل، وأنه وإن كان قد أخذته الشفقة على ابنه فإنه كان يمثل صراع العدالة والحب في قلب ملك وأب في نفس الوقت!!.. أياً كان هذا كله، فإن الرجل كان أضعف من أن يصل إلى رحمة ذاك الذي قال عن صالبيه: يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!!.. وأن المسيحية في شوطها الطويل نحو الغفران، كان لابد أن تصل إلى نور الظهيرة إذا قورنت بالشفق الجميل يظهر ساعة الشروق!!.. وأن داود مهما وصل في سمو نفسه، فهو واحد منا نحن الضعفاء الذين تتذبذب عواطفنا، بين السمو والانحدار،.. وأنه واجبنا الدائم أن ننتصر على الإنسان الضعيف فينا، لئلا نصل في ضعفنا إلى طلب القضاء على خصومنا ونحن على أبواب الموت والنهاية الأرضية.. السقطة الكبرى على أن هذه كلها، مهما كانت محزنة ومؤلمة، لا شيء على الإطلاق إلى جانب سقطته، بل وصمته الكبرى التي هوى فيها من القمة إلى القاع، في لحظة واحدة، وقد حرص الكتاب على تدوين القصة بكل بشاعتها ولوثتها وخستها، لكي تبقى مدى الأجيال عظة للأقوياء قبل الضعفاء، وللجبابرة قبل العاديين وللذين يأخذون المراكز في الصفوف قبل الذين هم في آخر الصفوف، أنه لا توجد في الإنسان مناعة ضد ميكروب الخطية،.. وأن جراثيمها يمكن أن تتكاثر وتسقط أعظم الأبطال، لولا رحمة الله ونعمته،.. ولقد عرف الشيطان كيف يأتي إلى الرجل، لقد جاءه في وقت الفراغ، وربما إهمال الواجب،.. كانت هناك معركة، ولو قاد داود الجيش، وقاتل في المعركة، لنجا،.. لكنه ترك غيره يؤدي الواجب، وصعد هو إلى أعلى السطح، ليرى امرأة تستحم، ومهما يكن جمال هذه المرأة، فإنها نعجة، لا يمكن أن تكون أجمل وأندر من النعاج الأخرى التي تملأ بيته،.. ولكنها الغريزة القبيحة في الإنسان التي تجعله يرى الممنوع -مرغوباً فيه، منذ ذلك اليوم الذي فيه أكل آدم من الشجرة الوحيدة المحرمة، دون أشجار الجنة العديدة الحلوة الشهية الثمر،... إلى أي حد كان بيت أوريا قريباً من بيت داود، لست أعلم!!؟.. لكنه يبدو أن التجربة كانت أقرب إليه بالكيفية التي خدرته، ولم يستطع معها محاولة الهروب،.. لكن لكن الأمر كان أفظع وأشد أو كما يقول توماس جودين في دراسته العميقة عن "تعدي الخطية": أنه أمر أوريا أكثر من "بثشبع" الذي أوقد غضب الله ضد داود،.. فإذا كانت الخطية قد فاجأته مع بثشبع، وأنه غلب منها بعنصر المباغتة والمفاجأة، فإن الأمر لم يكن هكذا بالنسبة لأوريا، ورفض الذهاب إلى بيته، فإذا لم يفلح التمويه، فلتكن القسوة الشديدة التي تترك البطل في مواجهة الحرب، مع التوصية بالتخلي عنه وتركه ليواجه الموت!!.. إن الخطية، تجر في ذيلها دائماً خطايا كثيرة متعددة، أشنع وأرهب وطريقها دائماً منزلق يسقط القديس الجالس على القمة إلى المنحدر الرهيب،.. والتستر على الخطية، يضيف إليها، خطايا أخرى متعددة، الكذب والغدر والنفاق والقسوة والكبرياء، والرياء،.. وأشر ما في الأمر أن داود استمر على هذا الحال ما يقرب من سنة حتى ولد الولد، وجاءه ناثان النبي،.. هل ذهب إلى بيت الله، هل رنم مع المرنمين؟؟ هل صلى مع المصلين؟؟ إننا نحمد الله كثيراً لأنه لم يترك مزموراً من مزاميره الخالدة في فترة الإثم،.. لقد تحطم تماماً، وعندما غنى مزمور التوبة العظيم كانت طلبته إلى الله "رد لي بهجة خلاصك" لأن الرجل لم تعد تحلو له القيثارة المغنية، ولم يعد له الصوت الطروب، ولم تعد له نقاوة القداسة، لقد أضحى صورة مخدوعة مخادعة للكثيرين والكثيرات!!.. كانت خطيته شنيعة هيهات أن تقتصر عليه، بل تجاوزت الظلام، لأنه ليس خفي لا يعرف ولا مكتوم لا يعلن أو يكشف، وكانت عثرة رهيبة للكثيرين من ذوي الإيمان النقي، وكانت شماتة وسخرية من أعداء الله والحق، وعلى قدر ما يأخذ الإنسان من امتياز ويتحمل من مسئولية على قدر ما تكون خطيته، لقد كانت خطية بيلاطس البنطي عظيمة جداً، لكن المسيح مع ذلك قال له: "لذلك أسلم إليه له خطية أعظم" لأن الذي يودعونه كثيراً يطالبونه بأكثر!!.. لماذا لم ينهض من تلقاء نفسه، ولما انتظر سنة بأكملها حتى جاءه ناثان النبي، أغلب الظن أنه كان أشبه بالوعل في الشبكة، أو العصفور في القفص، أو السمكة في السنارة،.. عندما ثار عليه الضمير، تصوره البعض يحاول مستميتاً أن يثبت أنه لم يفعل شيئاً،.. إنه ملك، وحقه على الرعايا لا ينازع فيه أحد، سواء كانت بثشبع أو أوريا، وله أن يتصرف فيهما كما يشاء أو يريد،.. ثم إنه لم يقتل أوريا، ولم تمتد عليه يد إسرائيل، بل قتل في الحرب، وحتى لو ذهب إلى أقسى مكان، فإن الله لو أراد له أن يحيا لأبقاه، والأرواح كلها بيد الله،.. وعندما مات لم يتنكر لزوجته فقد ضمها إليه، ورفعها إلى مركز الملكات، والوليد الذي جاء منها اعترف به، وأحبه، وتمنى أن يعيش!!... كل هذه وغيرها كانت بعض خياله حتى جاءه الحق أبلج كالنور ليقول: أنت هو الرجل!!.. إن السؤال الآخر الذي يمكن أن تلقيه علينا هذه القصة. كيف تاب داود، وما عناصر توبته الصحيحة؟!!.. من الغريب جداً أن داود يعتبر الشخص الثالث في هذه التوبة، وليس الأول أو الثاني،.. إن الأول هو الله الذي مد يده إلى الأسير في الخطية والله دائماً هو المحرك الأول لكل توبة في حياة الإنسان، ألم يقل إفرايم في لغة إرميا: "توبني فأتوب لأنك أنت الرب إلهي" وألم يقل الرسول بولس: "لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون".. والله دائماً هو الأعظم ألما، والأكثر رغبة، في أن ننهض من آثامنا، ونقوم من خطايانا،.. وكان الشخص الثاني ناثان النبي، ولم يتحرك ناثان من تلقاء نفسه بل حركة الله: "فأرسل الرب ناثان إلى داود".. وكان ناثان من أبرع الناس وأحكمهم وأشجعهم، والمثل الذي ينبغي أن يحتذى عندما يحمل المرء رسالة الله للناس، أن الشجاعة لابد أن تكون مقرونة بالحكمة والحكمة لابد أن تكون متسمة بالشجاعة، ونحن نعظهم أو نوبخهم، والله لا يطالبنا أن نكون مندفعين بدعوى الشجاعة أو الصراحة، ونحن نكلم الناس عن خطاياهم لأن رابح النفوس،.. وقد قال سقراط في بعض حكمه إذا وجدت ثوراً هائجاً، فليس من الشجاعة أن تقف في طريقه معرضاً صدرك لقرونه، بل إن الشجاعة أن تعرف كيف تقيده بالحرص والحكمة!!.. وكم يخطي بعض الوعاظ أو الخدام، أنه ما دامت هناك خطية ليقذفها الإنسان بكل حجر ممكن،.. لقد قتل داود جليات بحجر أملس، وقد جاءه هنا الحجر الأملس القاتل للخطية، من فم ناثان،.. لقد جهزه بالقصة المثيرة عن العدالة، وإذ رفع فيه روح العدالة، لم يفزع بعد ذلك، حتى ولو وضع رأسه على كفه أن يقول له: أنت هو الرجل!!.. كان دادو محظوظاً بإلهه، وكان داود محظوظاً بالواعظ الشجاع الحكيم الذي أيقظ إحساسه بالتوبة، ليكتب مزموره العظيم المزمور الحادي والخمسين، ولعلنا نلاحظ أن هذا المزمور قد سلم لإمام المغنيين، ليكون اعترافاً علنياً أمام الله والناس بالتوبة الصادقة!!.. ولعله من الغريب أن تلاحظ أن داود قال في المزمور: "إليك وحدك أخطأت" مع أنه أخطأ إلى بثشبع، وإلى أوريا، وإلى الأمة، ولكنه لم ير واحداً منها جميعاً، لأنها ابتلعت جميعها في الخطية أمام الله، وهو لم يعد يرى في الوجود كله، إلا الخطية، والخاطيء، والله، وخطيته أمام الله تجب كما يقولون رجال القانون كل خطية، وتحتويها، وتتضمنها،.. ومن الغريب أن هذا هو إحساس بولس عندما ركز النظر في خطيته بكيفية لم يعد يرى خاطئاً آخر أثقل منه وأرهب، وصاح: "صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا..".لم يكن داود في مزموره يبالي بما يصنعه الله به، أو أي عقوبة يوقعها عليه، إنما كان يعينه شيء واحد لا غير أن لا يطرح من أمام الله، أو يبعد عن وجهه: "لا تطرحني من قدام وجهك وروحك القدوس لا تنزعه مني"لم تكن الخطية منفردة، بل مست الأمة كلها، وحتى لا يتصور الناس أن الله لا يبالي بالخطية، حفظ الله روحه، وكشف في الوقت نفسه عن عدالته الصحيحة، فإذا كان قد قتل أوريا بسيف بني عمون، فسيلحق السيف بيته إلى الأبد، وإذا كان قد ارتكب الخطية في جنح الظلام، فسيأتي أقرب الناس إليه ليضطجع مع نسائه في وضح النهار، وتحت عين الشمس!!..كان الله صادقاً، وكان عادلاً، وكان محباً،.. ومات الولد، لكن من العجيب، أن أخاه سليمان سيكون هو المختار للملكة من بين أبناء داود، والذي من نسله يأتي المسيح مخلص العالم!!.. داود وخدماته ولعل آخر ما تنتهي به في قصة داود خدماته: "بعدما خدم جيله بمشورة الله رقد".. ومع أنه ليس من السهل ذكر هذه الخدمات جميعاً، لكن يمكن أن نشير إلى أشهرها.. خدم مؤسساً وقد أسس هذا الرجل امبراطورية واسعة، ووحد الأمة بأكملها، حتى أنه يعتبر المؤسس الحقيقي للدولة الإسرائيلية، ويعتبر داود بحق من أقدم الملوك الذين يمكن أن يوصفوا بالقول: "بناة الملك" استولى على أورشليم التي كان يقطنها اليبوسيون المنحدرون من نسل كنعان، والتي كان يحكمها ملكي صادق أيام إبراهيم، وهي مدينة حصينة تقع على بعد ثلاثة وثلاثين ميلاً من البحر الأبيض، وأربعة عشر ميلاً من البحر الميت، وعندما أراد داود الاستيلاء عليها سخر منه أهلها، فقالوا هازئين ما معناه، إنهم سيجعلون من العميان والعرج حراساً لها، وعلى داود أن ينجح في مقاتلة هؤلاء إذا أراد أن يدخلها، ومن الجائز أنهم جاءوا بجماعة منهم على أسوار المدينة، وكانت هذه منتهى السخرية بداود وقوته، ومنتهى الاعتداد بقوتهم هم،.. وأخطأ اليبوسيون قوة خصمهم وبسالته وجرأته، وأكثر من ذلك نسوا قوة الله التي معه، وسقطت أورشليم في قبضة داود، وأكثر من ذلك نجح داود في تأسيس الدولة وتقويتها، لكي يقدمها لسليمان عزيزة من كافة الجوانب العسكرية والاجتماعية والاقتصادية والروحية!!. خدم معطياً ولا شبهة في أنه قدم هبات كثيرة مادية للفقراء والمعوزين والمحتاجين، لكن أعظم عطاياه المادية كانت ما جهزه لبناء بيت الله، لقد أراد داود أن يبني بيتاً لله، إذ لم يرق في نظره أن يكون بيته أفضل من بيت الله، ومع أن الله رفض طلبه لأن يده تلوثت وتخضبت بالدماء، والله لا يريد لبيته -الذي يرمز إلى عظمته ومجده ونقاوته وسلطانه- أن تبنيه يد ملوثة بالدماء، ومع أن الله بيَّن أن البيت سيبنيه ابنه، إلا أن ذلك لم يمنع داود من أن يقدم هباته بسخاء إعداداً لهذا البيت، ولعل ما كتبه الكسندر هوايت بهذا الصدد أجمل ما كتب على الإطلاق إذ قال: "إن الله وحده هو السيد الذي يقدر نية عبيده كما يقدر خدمتهم، والله وحده هو الذي يعطي الأمر الكامل على هذه النية، كما يعطي على أفضل خدمة يقوم بها الإنسان، فواحدة من أعظم وأحسن خدمات داود لم تخرج عن حيز النية الطيبة، لكن الله كافأ داود على هذه النية وأجزل له العطاء كما لو أنه عاش ليرى قباب الهيكل تقع تحت ضوء الشمس".. ومع أن حرمان داود من القيام بهذا العمل العظيم كان له ولا شك وقع قاس على نفسه، إلا أنه جلس في حضرة الرب ليشكر إحسانات الله الغامرة التي أحس أنه صغير وقليل إزاءها، الإحسانات التي لم تكتف أن ترفعه هو، وتتمشى معه، وتحسن إلى الشعب الذي يملك عليه، بل أكثر من ذلك منحته عهداً أبدياً مباركاً في نسله الذي يثبت كرسيه إلى الأبد... في المسيح ابن الله المبارك إلى أبد الآبدين... خدم مرنماً لقد انتهت خدمات داود المادية، سواء في الامبراطورية التي أسسها أو الهيكل الذي أُعد له، ونقض، وامتدت إليه يد الخراب، ولكن داود مرنم إسرائيل سيبقى ما بقيت الأرض، وما بقيت هناك موسيقى تعزف بين الناس، هل قرأت أو غنيت معه مزاميره الخالدة العظيمة، نحن لا نستطيع أن نتحدث عن القيمة الروحية لهذه المزامير العظيمة، وسنأخذ على سبيل القياس لا الحصر واحداً منها، وهو المزمور الثالث والعشرين مزمور الراعي، هذا المزمور الذي يطلق عليه بلبل المزامير والذي وصفه هنري وردبيتشر بالقول: "إنه هدأ أحزاناً كثيرة أكثر من كل ما صنعته فلسفة هذا العالم، وأعاد إلى السجن أفكاراً رديئة، وشكوكاً سوداء، وأحزاناً مسرنة أكثر من الرمال التي على الشاطيء.. لقد عزى ذلك المجموع النبيل من الفقراء، وأعطى الشجاعة لجيش الفاشلين، وأرسل بلسان وسكينة إلى قلوب المرضى، وأسرى السجون، والأرامل في حزنهن القاسي، والأيتام في عزلتهم الشديدة، كما أن الجنود المتحضرين ماتوا بسكون وهم يستمعون إلى هذا المزمور، بعد، بل سيغني لأولادي وأولادهم كل الأجيال، ولن يضم جناحيه حتى يصبح السائح الأجير آمناً، عندما ينتهي الزمان، وعندما يطهر راجعاً إلى أحضان السماء، وتختلط موسيقاه بألحان وأنغام الفرح السماوي الأبدي"!!
المزيد
24 فبراير 2021

تأملات في سفر يونان النبي

إن سفر يونان النبي مملوء بالتأملات الروحية الجميلة ، نعرض لهذا السفر من الناحية الروحية البحتة وليس من جهة الجدل اللاهوتي سبيلنا هو الاستفادة وليس النقاش. نريد أن نأخذ من هذا السفر الجميل دروسا نافعة لحياتنا، نستفيد من عمل الله ، ومن فضائل الناس ، ومن أخطائهم وما أجمل ما فعلته الكنيسة إذ اختارت هذا السفر ليكون مقدمة للصوم الكبير ، يسبقه بأسبوعين ، بقصة جميلة للتوبة ، وللصوم حتى نستقبل أيام الأربعين المقدسة بقلب نقى ملتصق بالرب والعجيب أن كثيرين من الذين يدرسون سفر يونان ، يركزون على أهل نينوى وصومهم وينسون ركاب السفينة ، وينسون يونان النبي ومشكلته . فماذا كانت مشكلة يونان ؟ مشكلة يونان إن الله في سفر يونان النبي، يريد أن يعرّفنا حقيقة هامة هي أن الأنبياء ليسوا من طبيعة أخرى غير طبيعتنا ، بل هم أشخاص "تحت الآلام مثلنا" يع 5 : 17.. لهم ضعفاتهم ولهم نقائصهم وعيوبهم، ومن الممكن أن يسقطوا كما نسقط . كل ما في الأمر أن نعمة الله عملت فيهم، وأعطتهم قوة ليست هي قوتهم وإنما هي قوة الروح القدس العامل في ضعفهم ، لكي يكون فضل القوة لله وليس لنا كما يقول الرسول ( 2 كو 4 : 7 )وقد كان يونان النبي من "ضعفاء العالم" الذين اختارهم الرب ليخزي بهم الأقوياء ( 1 كو 1 : 27 ) . كانت له عيوبه، وكانت له فضائله. وقد اختاره الرب على الرغم من عيوبه، وعمل به، وعمل فيه، وعمل معه.. وأقامه نبيا قديسا عظيما لا نستحق التراب الذي يدوسه بقدميه؛ لكي يرينا بهذا أيضا أنه يمكن أن يعمل معنا ويستخدم ضعفنا، كما عمل مع يونان من قبل.. سقطات فى هروب يونان:- سنرى بعضا من ضعف يونان في موقفه من دعوة الرب.. يقول الكتاب : "وصار قول الرب إلى يونان بن أمتاي قائلا: قم اذهب إلى نينوى المدينة العظيمة، ونادِ عليها، لأنه قد صعد شرهم أمامي. فقام يونان ليخرج إلى ترشيش من وجه الرب، فنزل إلى يافا، فوجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فدفع أجرتها، ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرب"وهنا نرى يونان النبي وقد سقط في عدة أخطاء.. كانت السقطة الأولى له هي المخالفة والعصيان:- لم يستطع أن يطيع الرب في هذا الأمر، وهو النبي الذي ليس له عمل سوى أن يدعو الناس إلى طاعة الرب . عندما نقع في المخالفة ، يجدر بنا أن نشفق على المخالفين . واضعين أمامنا قول الرسول: "اذكروا المقيدين كأنكم مقيدون أيضا مثلهم .." ( عب 13 : 3 ) على أن سقطة المخالفة التي وقع فيها يونان، كانت تخفي وراءها سقطة أخرى أصعب وأشد هي الكبرياء ممثلة في الاعتزاز بكلمته، وترفعه عن أن يقول كلمة وتسقط إلى الأرض ولا تنفذ كان اعتزازه بكلمته هو السبب الذي دفعه إلى العصيان، وحقا إن خطية يمكن أن تقود إلى خطية أخرى، في سلسلة متلاحمة الحلقات.. كان يونان يعلم أن الله رحيم ورؤوف، وأنه لا بد سيعفو عن هذه المدينة إذا تابت. وهنا سبب المشكلة! وماذا يضيرك يا يونان في أن يكون الله رحيما ويعفو؟ يضيرني الشيء الكثير : سأقول للناس كلمة، وكلمتي ستنزل إلى الأرض!.. إلى هذا الحد كان يونان متمركزا حول ذاته! من يستطع أن ينكر ذاته في سبيل خلاص الناس. كانت هيبته وكرامته وكلمته، أهم عنده من خلاص مدينة بأكملها..! كان لا مانع عنده من أن يعمل مع الرب، على شرط أن يحافظ له الرب على كرامته وعلى هيبة كلمته.. من أجل هذا هرب من وجه الرب، ولم يقبل القيام بتلك المهمة التي تهز كبرياءه وكان صريحا مع الرب في كشف ما بداخل القلب، إذ قال لله فيما بعد عندما عاتبه: وكان هرب يونان من وجه الرب يحمل في ثناياه خطية أخرى هي الجهل وعدم الإيمان.. هذا الذي يهرب من الرب، إلى أين يهرب، والرب موجود في كل مكان؟!صدق داود النبي حينما قال للرب: " أين أذهب من روحك؟ ومن وجهك أين أهرب؟.. ( مز 139 : 7 – 10 ).. أما يونان فكان مثل جده آدم الذي ظن أنه يختفي من وجه الرب وراء الشجر.. حقا إن الخطية تطفئ في الإنسان نور المعرفة، وتنسيه حتى البديهيات! وجد يونان في يافا سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فدفع أجرتها، ونزل فيها.. العجيب أن الخطيئة كلفته مالا وجهدا. دفع أجرة للسفينة ليكمل خطيته.. أما النعمة فننالها مجانا.. عندما دفع يونان أجرة السفينة خسر خسارة مزدوجة: خسر ماله، وخسر أيضا طاعته ونقاوته العجيب أن الله استخدم عصيان يونان للخير. حقا إن الله يمكنه أن يستخدم كل شيء لمجد اسمه.. اللــه يستخدم الكل!! لقد عصى يونان أمر الرب، وهرب راكبا السفينة، ولكن الله الذي "يخرج من الآكل أكلا ومن الجافي حلاوة" ( قض 14 : 14 )، الله الذي يستطيع أن يحول الشر إلى خير، استطاع أيضا أن يستخدم عصيان يونان.. إن كان بسبب طاعة يونان يمكن أن يخلص أهل نينوى، فإنه بعصيان يونان يمكن أن يخلص أهل السفينة!!.. وكأن الله يقول له: هل تظن يا يونان أنك قد هربت مني؟ كلا . أنا سأرسلك إلى ركاب السفينة، ليس كنبي، ولا كمبشر، ولا كصوت صارخ يدعو الناس إلى التوبة، وإنما كمذنب وخاطئ وسبب إشكال وتعب للآخرين، وبهذه الصورة سأخلصهم بواسطتك!! هل ركبت البحر في هروبك يا يونان؟ إذن فقد دخلت في دائرة مشيئتي أيضا.. لأنني أملك البحر كما أملك البر، كلاهما من صنع يدي. وأمواج البحر ومياهه وحيتانه تطيعني أكثر منك كما سترى!! طاعة المخلوقات غير العاقلة:- لقد أخجل الرب يونان النبي بطاعة أهل نينوى، وببر أهل السفينة وإيمانهم.. إلا أنه أيضا أخجله بطاعة الجمادات والمخلوقات غير العاقلة. ومن الجميل أننا نرى كل هؤلاء في إرساليات إلهية وفى مهمات رسمية أدوها على أكمل وجه وأفضله. فما هي هذه الكائنات غير العاقلة التي كانت عناصر نافعة في إتمام المشيئة الإلهية؟ "فأرسل الرب ريحا شديدة إلى البحر، فحدث نوء عظيم في البحر حتى كادت السفينة تنكسر" ( 1 : 4 ).. لقد أدت الريح واجبها، وكانت رسولا من الرب، قادت الناس إلى الصلاة، فصرخ كل واحد إلى إلهه وكما أدت هذه الريح الشديدة مهمتها في أول القصة، كذلك أدت مهمة أخرى في آخر القصة، إذ يقول الكتاب: " وحدث عند طلوع الشمس أن الله أعد ريحا شرقية حارة، فضربت الشمس على رأس يونان فذبل فطلب لنفسه الموت.." ( 4 : 8 ) في سفر يونان كانت كل هذه الكائنات مطيعة للرب، الوحيد الذي لم يكن مطيعا هو الإنسان العاقل، يونان ... الذي منحه الله حرية إرادة يمكنه بها أن يخالفه!.. هكذا الإنسان، أما باقي الكائنات فلا تعرف غير الطاعة. على أنه لم يكن كل إنسان غير مطيع في سفر يونان، بل كل الناس أطاعوا، ما عدا يونان؛ النبــى!! ولم يهرب يونان من المهمة إشفاقا على نينوى من الهلاك، بل على العكس هرب خوفا من أن تبقى المدينة ولا تهلك.. لم يتشفع فيها كإبراهيم عندما تشفع في سدوم. بل إنه حزن واغتاظ واغتم غما شديدا، ورأى أن الموت هو أفضل لنفسه من الحياة، كل ذلك لأن الله لم يتمم إنذاره ويهلك المدينة! أراد الله للبحر أن يهيج فهاج، وأراد له أن يهدأ بعد إلقاء يونان فيه فهدأ.. ما أعجب الطبيعة المطيعة التي لا تعصى لله أمرا، كالإنسان وكما أمر الحوت الضخم الكبير لكي ينفذ جزءا من الخطة الإلهية، كذلك أمر الدودة البسيطة أن تضرب اليقطينة فيبست.. ما أعجب هذا.. أن نرى حتى الدودة تكون جزءا من العمل الإلهي المقدس الكامل.. حقا ما أجمل قول الكتاب: " انظروا لا تحتقروا أحد هؤلاء الصغار" متى 18 : 10 ليتنا نأخذ درسا من كل هؤلاء وندرك نحن أيضا عمق عبارة "لتكن مشيئتك" في حياتنا وحياة الناس. هذه العبارة التي فشل يونان في ممارستها، ولم يستطع أن يصل إليها إلا بعد تجارب كثيرة وصراع مع الله، وعقوبات، وإقناعات.. أخيرا استطاع الله أن يقنعه بخيرية المشيئة الإلهية، مهما كانت مخالفة لمشيئته الذاتية. بحارة أمميــــون كانوا أفضل من النبي:- ما أعجب أهل هذه السفينة التي ركبها يونان.. حقا كانوا أممين، ومع ذلك كانت لهم فضائل عجيبة فاقوا بها النبي العظيم. وفيهم تحقق قول الرب: "ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغي أن آتى بتلك أيضا فتسمع صوتي وتكون رعية واحدة وراع واحد" ( يو 10 : 16 ) يذكرني أهل هذه السفينة بكرنيليوس قائد المائة، الذي كان في مظهره رجلا أمميا بعيدا عن رعوية الله، ولكنه كان في حقيقته رجلا تقيا خائفا الله هو وجميع بيته!.. لعله تدبير الهي أن ينزل يونان في هذه السفينة بالذات، من أجله ومن أجل هذه السفينة.. لم يشأ الله أن يمضي إلى كورة بعيدة. فضائل أهل السفينة:- أول صفة جميلة في بحارة هذه السفينة أنهم كانوا رجال صلاة.. يقول الكتاب: "فخاف الملاحون، وصرخوا كل واحد إلى إلهه، وطرحوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر ليخففوا عنهم" ( 1 : 5 ).نلاحظ هنا أنهم لجأوا إلى الله قبل تنفيذهم ما تتطلبه الحكمة البشرية لإنقاذ الموقف. صلوا أولا ثم ألقوا الأمتعة ليخففوا عن السفينة.. كان كل بحارة السفينة وركابها يصلون، والوحيد الذي لم يكن يصلي في ذلك الوقت هو نبي الله يونان!! وحتى بعد أن أيقظوه، لم يقل الكتاب أنه قام وصلى! إنه موقف مخجل حقا.. عجيب حقا هو الرب إذ يبكت أحد أنبيائه برجل أممي: "مالك نائما".. ما هذا الكسل والتراخي واللامبالاة؟! ألا تقوم وتصلي كباقي الناس؟ "قم اصرخ إلى إلهك، عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك" كيف خالف الله، وكسر وصيته وهرب منه، واستطاع أن ينام نوما ثقيلا؟! لا بد أن ضميره كان قد نام أيضا، نوما ثقيلا، مثله.. صفة جميلة ثانية نجدها في أهل السفينة أنهم كانوا يبحثون عن الله.. لم يقولوا ليونان في تعصب لديانتهم "قم اصرخ إلى إلهنا"، وإنما قالوا له: "قم اصرخ إلى إلهك، عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك".. وهذا يدل على أنهم كانوا يبحثون عن الله.. صفة جميلة ثالثة وهى أنهم كانوا رجال بساطة وإيمان.. لم يكتفوا بالصلاة، وإنما أيضا ألقوا قرعة.. في تقواهم كانوا يشمئزون من بشاعة الخطية ويشعرون أنها سبب البلايا التي تحيق بالإنسان .. كانوا أيضا أشخاصا عادلين لا يحكمون على أحد بسرعة، بل اتصفوا بطول الأناة وبالفحص وإرضاء الضمير.. أما يونان فاعترف لهم وقال: "أنا عبراني، وأنا خائف من الرب إله السماء الذي صنع البحر والبر، وبمجرد سماعهم ذلك الكلام خافوا خوفا عظيما.. هل إلهك يا يونان هو إله البحر والبر؟ نحن الآن في البحر، إذن فنحن في يد إلهك أنت.. ونحن نريد الوصول إلى البر.. وإلهك هو إله البر أيضا، كما هو إله البحر، إذن فنحن في يديه!!.. لذلك خافوا ووبخوه قائلين: "لماذا فعلت هذا ؟!".. وللمرة الثانية يبَكَّت النبي العظيم من الأمميين وكما كان ركاب السفينة عادلين، كانوا أيضا في منتهى الرحمة والشفقة كانوا يوقنون أنه مذنب ويستحق الموت، ومع ذلك لم يكن سهلا على هؤلاء القوم الرحماء، أن يميتوا إنسانا حتى لو كان هو السبب في ضياع متاعهم وأملاكهم وتهديد حياتهم بالخطر قال لهم يونان: "خذوني واطرحوني في البحر، فيسكن البحر عنكم، لأني عالم أنه بسببي هذا النوء العظيم عليكم".. لقد بذلوا كل جهدهم لإنقاذ الرجل الخاطئ من الموت، ولكن دون جدوى. كانت مشيئة الرب أن يلقى يونان في البحر.. وهكذا أسقط في أيديهم.. ولكن لكي يريحوا ضمائرهم، صرخوا إلى الرب وقالوا: "آه يارب، لا نهلك من أجل نفس هذا الرجل. ولا تجعل علينا دما بريئا، لأنك أنت يارب فعلت كما شئت"وإذ تحققوا أن هذه هي مشيئة الله، وأنهم لا يستطيعون أن يقفوا ضد مشيئته، "أخذوا يونان وطرحوه في البحر، فوقف البحر عن هيجانه" من كل ما سبق يتضح أن هؤلاء البحارة كان لهم ضمير حساس نقي، وأنهم أرادوا بكل حرص أن يقفوا أمام ضميرهم بلا لوم كانت لهؤلاء الناس قلوب مستعدة لعمل الله فيها: كانوا يتلمسون إرادة الله لتنفيذها. ولما وقف هيجان البحر بإلقاء يونان فيه، تأكدوا من وجود الله في الأمر، فآمنوا بالرب، وذبحوا له ذبيحة، ونذروا له نذورا.. وفى إيمانهم بالرب لم يؤمنوا فقط أنه هو الرب، وإنما بتقديمهم للذبيحة أعلنوا أيضا إيمانهم بالدم والكفارة!! وهكذا كسب الله المعركة الأولى، وتمم خلاص أهل السفينة بعصيان يونان.. وبقيت في خطة الله للخلاص مسألتان مهمتان أخريان: وهما خلاص أهل نينوى، وخلاص يونان نفسه.. وهو ما تممه الله بحكمته ومحبته وطول أناته كما ترى عزيزي القارئ من قراءتك لباقي السفر. قداسة مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث
المزيد
27 أغسطس 2020

كلمات رثاء عن قدس أبونا المتنيح القمص لوقا سيدراوس

ابي ومعلمي حين كنت أسمع عظاتك أجد تركيزي ذهب إلي أبعد من الكلمات فأسبح في نبرات صوتك وملامح وجهك لم يرحل من ترك لنا رائحة المسيح الذكية اذكر الكنيسة وأنت تعلم كل شئ أذكر كنيسة الإسكندرية وأنت تحمل في قلبك لها كل إخلاص مهما فارقتها اذكر ضعفي وليس لي إلا أن اردد ما طلبته في رحيل ابونا بيشوي كامل أن يهبك الله روحين من روحه مع المسيح ياابي ومعلمي المسيح قام القس أنطونيوس فهمى يعجز لساني عن التعبير عن مشاعري، في انتقال أبي المحبوب القمص لوقا سيداروس إلى مواضع الراحة والفرح والمجد الأبدي.. وإلى أن أتمالك نفسي وأكتب، سأنشر مقتطفات من كلمات عميقة لبعض محبيه وأصدقائه القدامى الذين عايشوه لسنوات طويلة، وتذوقوا معه محبة المسيح الفائقة. القمص يوحنا نصيف أبونا لوقا يامركبة اسرائيل وفرسانها لن نعود نراك في الجسد بعد اليوم، فقد طارت روحك العزيزة جدا الي مواضع النياح، وطلعت من البرية معطرة بالمر واللبان، ومحملة بكل أذرة التاجر. وها هي في لقاء العريس السمائي الذي كرست له حياتك، وخدمت مقادسه بالوقار كما يليق. وايضا تتعانق مع أبينا بيشوي كامل، بعد ان تحررتما من ثقل الجسد. وبعد أن قدمتما أبهي أيقونة للكهنوت السكندري، وأقدس وأنقي سيرة ومسيرة لخدام المسيح في الكهنوت القبطي. الذي تفتخر بكما ثيابه. أننا سنجتمع بالروح لنشارك مع أسرتك ومع كل شعوب المشارق والمغارب في وداعك في كنيسة ابوسيفين والانبا ابرام - Torrance, California يوم الخميس ٣ سبتمبر. وستبقي سيرتكما العطرة تتكلم بعد، لانها مصدر للتعليم والتسليم والاقتداء بالقول والعمل. حتي يوم مجيء الرب العظيم. القمص اثناسيوس فهمي جورج - الإسكندريّة أي وقت تدخل عنده تجد أنجيله مفتوح واول كلمه بعد السلام عليه هي آيه او تعليم من الكتاب المقدس ويسترسل في الكلام فتخرج من عنده بوجبة دسمه من كلمات الحياه مع شحنه غير عاديه من النعمة لتذهب لبيتك بفرح عاقدا العزم علي التمتع بتأملات كلمات الحياه الأبدية القمص جرجس سامي - نيويورك ربنا ينيح نفس أبينا الحبيب أبونا لوقا. بنا يعزينا جميعا. نعتبر أنفسنا من الذين أخذوا بركات عظيمة برؤية مثل هذه الأمثلة التي كنا نظن إنها المعتاد، ولكن مع الزمن اكتشفنا إن هؤلاء كانوا سفراء أخصاء للمسيح الذين أرونا صورته في حياتهم وجعلوا القداسة قريبة منا. ربنا ينيح نفس أبينا لوقا وأبينا وبيشوي ويطيل حياة أبينا تادرس من هذا الجيل الفريد. القس مرقس داود – شيكاجو ابونا لوقا القديس + الفكر الروحي العميق المشبع بروح الانجيل و التقليد الكنسي + الشخصيه الصريحه القويه في الحق مثل يوحنا المعمدان حيث لا مجاملات ضد الحق + المحبه الفياضه و الابوه العميقه + الشخصيه الجباره في مواجهة المرض و الموت بايمان راسخ و قوه مثل سيده في الامه + الاب الذي ترك لاولاده الكنز الروحي في تعاليمه و عظاته و سيرته + اذكرنا امام عرش النعمه و اطلب من الرب ان يعطينا من روحك بروحه القدوس. القس يوسف شحاتة - نيويورك قام عمود روحى جبار فى فردوس الابرار فى هذا اليوم ، ابونا الذى تعلقت ارواحنا به منذ الصغر ، من الصعب بل من المستحيل ان تصف روحاً ، هل استطيع ان اتكلم ؟ عن ماذا ؟ عن حياة بحالها ؟ عن فضائل مثلا ؟ كيف ابدا؟ عن عفتك؟ عن طهارة روحك الشفافة ، عن إحساسك بأولادك ؟عن البشاشة ام عن المخافة والرهبة الالهية الحالة فى وجهك وعينك العميقة الثاقبة تماما هى ملامح الرب يسوع الظاهرة ، عن انفعالك بالالحان وشرحك لروحها ؟ عن شخصيتك وذكائك وضحكك وتشبيهاتك و تعليمك الروحي الذى عشناه فيك وانت تتكلم عنه ، تربينا على عظاتك التى لم اسمع حتى هذه اللحظة مثلها عمقاً وتعليماً. منذ الصغر كنت اجرى على أمى فى المنزل راجعا من الكنيسة بعد القداس فرحا اقول لها ابونا النهاردة كلمنا فى العظة عن " لايتسلط على شىء" كلام كله رجاء وفرح ..كنت احكى العظة كل مرة لوالدىَّ من سن اعدادى لبساطتها وتأثيرها. وكنا ننتظر كل قداس " ابونا هيقول ايه " كم كنا محظوظين بك يا ابانا بوجود قدسك وقدس ابونا تادرس فى كنيسة السيدة العذراء بكليوباترا بعد الافراج عنكم بعد التحفظ والسجن . نارا مشتعلة غيرة ومحبة لربنا وخدمة وبذل لكل شخص للبعيد والقريب. عشت معنا اياما مرة وحلوة مثالا وقدوة وجرأة فى الحق ووضوح للهدف ... المسيح حب حب حب ... قوة خدمة لم نرى مثلها كنا ننتظر مجيئك من امريكا شهر فى السنة ، الكنيسة كلها تسمع كلمات ذهبية فى دقائق بمنتهى الشغف .. كان واضحا جدا انك كنت تصلى كثيرا قبل ان تفتح فاك ، لان كل كلمة كانت تؤثر وناخذها ونعيش بها، مع انك كنت قليل الكلام فى العموم. كم كنت راسخا فى ايام مرضك الاخير وكانت الكلمة الوحيدة التى تخرج من فمك نشكر الله نشكر الله ، استطعت بنعمة المسيح ان يخرج الله فيك من الآكل اكلا ومن الجافى حلاوة وابتدأت خدمة ابونا بيشوى كامل لمرضى السرطان وانت فى عز مرضك وتابعت تكوينها وكنت لازلت ترشد وتنصح كيف نبدأ وماهى روح هذه الخدمة وهدفها. صورتك وكلامك وتعليمك محفور فى ضمائرنا ايها الاب التقى المرهوب نياحا لروحك وفرحا للقديسين فى فردوس النعيم فى مساكن النور وبركة شفاعات وطلبات لا تنقطع لروحك الوثابة بالصلاة والتسبيح. هنيئاً لك ميراث الملكوت ، مبروك السما يا حبيبنا اكسيوس اكسيوس اكسيوس المسيح قام يا ابانا ومعلمنا البار اقبل اياديك ورجليك الطاهرة. القس بيشوي فخري – الإمارات ربنا يعزينا كان اب بمعنى الكلمة زي ما كان هو نفسه بيقول "كان مليان خير" ونشكر ربنا ربنا انه متعنا بانسان مليان خير وابوة.. كان يكفي النظر الى وجهه وعينيه.. القس جوزيف أنور - نيويورك "ولكن الآن قد قام المسيح من الاموات وصار باكورة الراقدين." (1كو 15: 20) اليوم باكراً جداً والظلام باق، قام مع الرب القائم حبيبنا الأب القمص لوقا سيداروس. لقد فارق الكنيسة المجاهدة لينعم بالخدمة في الكنيسة المنتصرة، فارق أرض الأموات ليسكن كورة الأحياء إلى الأبد. كم كانت محبتنا، صداقتنا، شركتنا تفوح برائحة المسيح الزكية. عشرة ترجع إلى عام 1965 ما قبل الرسامة، واستمرت إلى يوم دخوله إلى فرح سيده، تتلمذنا تحت أقدام حبيب المسيح أبونا بيشوي كامل، تعلمنا الكثير عند أقدام أحد عمالقة علماء الكنيسة الأب الحبيب القمص تادرس يعقوب – حفظ الرب حياته. تزاملنا أيضاً في زنزانة واحدة، كنا نتطلع إلى يوم الإفراج، أما الآن فقد نال إفراج من سجن الجسد، ليحيا في حرية مجد أبناء الله في المدينة التي لها الاساسات. كم يعز علينا فراقك إذ لن نراك بأعين الجسد، إلى أن نتقابل عند أقدام رب المجد، الآن لا تحتاج إلى مجمرة لترفع البخور، فصلاتك أمام المذبح الناطق السمائي تفوح بعطر ليس له مثيل، ولا يمكن التعبير عنه. لقد تكملت، وتجملت بالألآم في حمل صليب الخدمة، وتتوجت بحمل صليب مرض عجز أمامه العالم بكل تقدماته العلمية، أما حيث أنت الآن فلا مرض، لا آلام، لا أحزان بل فرح لا ينطق به ومجيد. لم تفرح بتدشين الكنيسة الجميلة التي بنيتها كعروس مزينة بكل أذرة التاجر، لكن ماذا يكون هذا الفرح بجوار أفراح الخدمة مع صفوف السمائيين والقديسين. نطلب تعزيات الروح القدس لتاسوني نادية، الشماس الغيور أرساني، خادمة القديسين ميرا، ولكل أفراد الأسرة الجسدية، والأسرة الروحية التي تسكن معظم بقاع العالم. اذكرنا أمام عرش النعمة إلى أن نلتقي في المجد. القمص صموئيل ثابت كنيسة مارمرقس شيكاجو
المزيد
07 سبتمبر 2019

القيامة الأولى والموت الأول القيامة الثانية والموت الثاني

كتب القديس يوحنا الرسول في سفر الرؤيا "هذه هي القيامة الأولى. مبارك ومقدس من له نصيب في القيامة الأولى. هؤلاء ليس للموت الثاني سلطان عليهم" (رؤ20: 5، 6). ما هي القيامة الأولى؟ وما هو الموت الثاني؟ وما هي علاقة ذلك بالمجيء الثاني للسيد المسيح؟ هذه الأمور سنحاول أن نجيب عنها. إلى جوار ذلك فإن القيامة الأولى تفترض قيامة ثانية، والموت الثاني يفترض موتًا أولًافيلزمنا أيضًا أن نضع هذا في اعتبارنا عندما نتأمل في هذه الأقوال الإلهية الصادقة. القيامة الأولى الموت الثاني الموت الأول القيامة الثانية القيامة الأولى أولًا: القيامة الأولى القيامة الأولى هي النصرة الروحية التي يطالبنا الرب بها في حياتنا الحاضرة لكي نتأهل لميراث الملكوت ونستحق أن نشارك في قيامة الأبرار أي القيامة الثانية عن القيامة الأولى قالالسيد المسيح: "كل من كان حيًا وآمن بي فلن يموت إلى الأبد" (يو11: 26). وقال أيضًا "الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" (مر9: 1) طبعًا لم يكن المقصود في كلام السيد المسيح عن عدم موت المؤمنين به إلى الأبد بمعنى أنهم لن يُنقلوا من هذا العالم، بل كما نقول في صلاةأوشية الراقدين (لأنه لا يكون موت لعبيدك بل هو انتقال( فإننا نفهم الموت في كلام السيد المسيح بمعنى السقوط تحت سلطان ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليس. وبهذا يكون السيد المسيح قد وعد أن من كان حيًا بالجسد وآمن به فلن يذوق الموت الروحي إلى الأبد وفي قوله: "إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة" يقصد إلى جوار أن هناك قومًا كانوا عتيدين قبل وفاتهم أن يحضروا حلول الروح القدس في يوم الخمسين، فإنه قصد أيضًا أن من آمنوا به وثبتوا فيه فلن يموتوا موتًا روحيًا إلى أن يعاينوا مجيئه الثاني واستعلان ملكوت السماوات بقوة مع ملاحظة أن عبارة "ملكوت الله"هي عبارة عامة تشمل ملكوته الحالي وملكوته الآتي في السماوات، أما عبارة "ملكوت السماوات" فإنها غالبًا تشير إلى الحياة الأبدية في السماوات القيامة الأولى أيضًا نفهمها عن المعمودية في قول معلمنا بولس الرسول: "حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضًا في جدة الحياة لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضًا بقيامته.. كذلك أنتم أيضًا احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو6: 4، 5، 11). ثانيًا: الموت الثاني من الطبيعي أن من عاشوا حياتهم ملتصقين بالرب وأكملوا جهادهم وسعيهم أي أنهم قد تمتعوا بقوة القيامة الأولى، فإن الموت الثاني لن يكون له سلطان عليهم كما ورد في سفر الرؤيا والموت الثاني من المفهوم إنه الهلاك الأبدي. ومن ليس للموت الثاني سلطان عليه ينطبق عليه قول الرب: "من يغلب فذلك سيلبس ثيابًا بيضًا، ولن أمحو اسمه من سفر الحياة وسأعترف باسمه أمام أبي وأمام ملائكته" (رؤ3: 5) الذين للموت الثاني سلطان عليهم ينطبق عليهم قول السيد المسيح لليهود: "وتموتون في خطيتكم" (يو8: 21). هؤلاء يموتون في خطاياهم بمعنى أنهم يموتون الموت الأول بنهاية حياتهم على الأرض، ويتأهلون بموتهم في خطاياهم للموت الثاني أي الهلاك الأبدي وقيل أيضًا عن هلاك الأشرار: "وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوبًا في سفر الحياة طُرِح في بحيرة النار" (رؤ20: 14، 15). ثالثًا: الموت الأول يقول الكتاب: "وُضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة" (عب9: 27). والمقصود بذلك موت الجسد، وهذا الموت الأول يشترك فيه جميع البشر حتى القديسون مثل السيدة العذراء مريم وحتى أخنوخ وإيليا بعد صعودهما إلى السماء أحياء، فإنهما سوف يرجعان إلى الأرض ويصيران شهداء وتموت أجسادهما كباقي البشر ولكن هذا الموت الأول الذي يشترك فيه الجميع لا يعني وحدة المصير للجميع لأن الكتاب يقول: "طوبى للأموات الذين يموتون في الرب منذ الآن. نعم يقول الروح لكي يستريحوا من أتعابهم وأعمالهم تتبعهم" (رؤ14: 13). رابعًا: القيامة الثانية من البديهي أن القيامة الثانيةهي قيامة الأبرار للحياة الأبدية. وقد تكلّم السيد المسيح عن الأبرار الذين سوف يقيمهم عن يمينه في يوم الدينونة "يقول الملك للذين عن يمينه: تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 34). وقال عن الأشرار مقارنًا إياهم بالأبرار في يوم الدينونة: "فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدي والأبرار إلى حياة أبدية" (مت25: 46) معنى ذلك أن قيامة الأشرار للدينونة لا ينطبق عليها لقب القيامة الثانية الخاصة بالأبرار لأن الأشرار أصلًا لم يتمتعوا بالقيامة الأولى الروحية التي للأبرار، وبهذا فإن قيامة الأشرار قد أخذت فقط لقب "قيامة الدينونة"كقول السيد المسيح: "تأتى ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته. فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة" (يو5: 28، 29). أما القيامة الثانية الخاصة بالأبرار فهي "قيامة الحياة" إذا كانت القيامة الأولى هي الانتصار الروحي على الشر فإن القيامة الثانية تكون هي التحرر من سلطان الموت الناتج عن الخطية الأولى التي بها دخل الموت إلى العالم، لذلك قيل في الكتاب "آخر عدو يُبطل هو الموت" (1كو15: 26). خاتمة إن المعاني الخاصة بالموت الأول والموت الثاني والقيامة الأولى والقيامة الثانية، ترتبط بعمل السيد المسيح الخلاصي لتحرير البشر المفديين من عواقب الخطية، وصولًا إلى المصير الأبدي للإنسان بعد مجيء السيد المسيح الثاني الذي ينتظره القديسون بكل اشتياق ومحبة. نيافة الحبر الجليل المتنيح الانبا بيشوى مطران دمياط ورئيس دير الشهيدة دميانة عن كتاب المسيح مشتهي الأجيال منظور أرثوذكسي
المزيد
24 ديسمبر 2018

عقيدة الثالوث القدوس

عقيدة الثالوث هي عقيدة أساسية في الفكر المسيحي، حتى أنه لا يمكن أن يُعتبر الشخص مسيحيًا إن لم يكن مؤمنًا بالثالوث.. وهناك حقائق لا بد أن نعرفها عن الثالوث القدوس: (1) حقيقة أزلية الله ثالوث في أقانيمه (الآب والابن والروح القدس) والله لا يتغيَّر، وهو ثابت من الأزل وإلى الأبد وبالتالي الله ثالوث منذ الأزل الآب كائن منذ الأزل ومعه الابن والروح القدس أيضًا منذ الأزل. بعض الناس يظنون أن الابن يُسمى ابنًا لأنه وُلد من العذراء مريم في ملء الزمان، وهذا خطأ.. لأن الابن اسمه ابن منذ الأزل، لأنه مولود من الآب قبل كل الدهور .. + "الرَّبُّ قَناني أوَّلَ طريقِهِ، مِنْ قَبلِ أعمالِهِ، منذُ القِدَمِ. منذُ الأزَلِ مُسِحتُ، منذُ البَدءِ، منذُ أوائلِ الأرضِ. إذ لم يَكُنْ غَمرٌ أُبدِئتُ. إذ لم تكُنْ يَنابيعُ كثيرَةُ المياهِ. مِنْ قَبلِ أنْ تقَرَّرَتِ الجِبالُ، قَبلَ التِّلالِ أُبدِئتُ. إذ لم يَكُنْ قد صَنَعَ الأرضَ بَعدُ ولا البَراريَّ ولا أوَّلَ أعفارِ المَسكونَةِ. لَمّا ثَبَّتَ السماواتِ كُنتُ هناكَ أنا. لَمّا رَسَمَ دائرَةً علَى وجهِ الغَمرِ. لَمّا أثبَتَ السُّحُبَ مِنْ فوقُ. لَمّا تشَدَّدَتْ يَنابيعُ الغَمرِ. لَمّا وضَعَ للبحرِ حَدَّهُ فلا تتعَدَّى المياهُ تُخمَهُ، لَمّا رَسَمَ أُسُسَ الأرضِ، كُنتُ عِندَهُ صانِعًا، وكُنتُ كُلَّ يومٍ لَذَّتَهُ، فرِحَةً دائمًا قُدّامَهُ. فرِحَةً في مَسكونَةِ أرضِهِ، ولَذّاتي مع بَني آدَمَ" (أم8: 22-31) "تقدَّموا إلَيَّ. اسمَعوا هذا: لم أتكلَّمْ مِنَ البَدءِ في الخَفاءِ. منذُ وُجودِهِ أنا هناكَ. والآنَ السَّيدُ الرَّبُّ أرسَلَني وروحُهُ" (إش48: 16) أما ميلاده من العذراء مريم فهو التجسد الإلهي، وظهوره للبشر، وصيرورته ابنًا للإنسان .. هذا ميلاد آخر غير الميلاد الأزلي من الآب "لَمّا جاءَ مِلءُ الزَّمانِ، أرسَلَ اللهُ ابنَهُ مَوْلودًا مِنِ امرأةٍ، مَوْلودًا تحتَ النّاموسِ" (غل4: 4) "والكلِمَةُ صارَ جَسَدًا وحَلَّ بَينَنا، ورأينا مَجدَهُ، مَجدًا كما لوَحيدٍ مِنَ الآبِ، مَملوءًا نِعمَةً وحَقًّا" (يو1: 14) "عن ابنِهِ. الذي صارَ مِنْ نَسلِ داوُدَ مِنْ جِهَةِ الجَسَدِ" (رو1: 3) "لكنهُ أخلَى نَفسَهُ، آخِذًا صورَةَ عَبدٍ، صائرًا في شِبهِ الناسِ" (في2: 7). (2) إعلان حقيقة الثالوث كان متدرجًا بالرغم من وجود الثالوث منذ الأزل، ولكن الله أعلن لنا ذاته بطريقة متدرجة، لكي نستوعب حقيقته الإلهية تثبيت عقيدة أن الله واحد "اِسمَعْ يا إسرائيلُ: الرَّبُّ إلهنا رَبٌّ واحِدٌ" (تث6: 4) "أنا الرَّبُّ هذا اسمي، ومَجدي لا أُعطيهِ لآخَرَ، ولا تسبيحي للمَنحوتاتِ" (إش42: 8)"أليس أبٌ واحِدٌ لكُلنا؟ أليس إلهٌ واحِدٌ خَلَقَنا؟ فلمَ نَغدُرُ الرَّجُلُ بأخيهِ لتدنيسِ عَهدِ آبائنا؟" (ملا2: 10)"هكذا يقولُ الرَّبُّ مَلِكُ إسرائيلَ وفاديهِ، رَبُّ الجُنودِ: أنا الأوَّلُ وأنا الآخِرُ، ولا إلهَ غَيري... لا ترتَعِبوا ولا ترتاعوا. أما أعلَمتُكَ منذُ القَديمِ وأخبَرتُكَ؟ فأنتُمْ شُهودي. هل يوجَدُ إلهٌ غَيري؟ ولا صَخرَةَ لا أعلَمُ بها؟" (إش44: 6، 8) "هكذا يقولُ الرَّبُّ فاديكَ وجابِلُكَ مِنَ البَطنِ: أنا الرَّبُّ صانِعٌ كُلَّ شَيءٍ، ناشِرٌ السماواتِ وحدي، باسِطٌ الأرضَ. مَنْ معي؟" (إش44: 24) "مِنْ أجلِ نَفسي، مِنْ أجلِ نَفسي أفعَلُ. لأنَّهُ كيفَ يُدَنَّسُ اسمي؟ وكرامَتي لا أُعطيها لآخَرَ" (إش48: 11) "أنتُمْ شُهودي، يقولُ الرَّبُّ، وعَبدي الذي اختَرتُهُ، لكَيْ تعرِفوا وتؤمِنوا بي وتفهَموا أني أنا هو. قَبلي لم يُصَوَّرْ إلهٌ وبَعدي لا يكونُ. أنا أنا الرَّبُّ، وليس غَيري مُخَلصٌ" (إش43: 10-11) "مَنْ فعَلَ وصَنَعَ داعيًا الأجيالَ مِنَ البَدءِ؟ أنا الرَّبُّ الأوَّلُ، ومع الآخِرينَ أنا هو" (إش41: 4)"أخبِروا. قَدموا. وليتشاوَروا معًا. مَنْ أعلَمَ بهذِهِ منذُ القَديمِ، أخبَرَ بها منذُ زَمانٍ؟ أليس أنا الرَّبُّ ولا إلهَ آخَرَ غَيري؟ إلهٌ بارٌّ ومُخَلصٌ. ليس سِوايَ. اِلتَفِتوا إلَيَّ واخلُصوا يا جميعَ أقاصي الأرضِ، لأني أنا اللهُ وليس آخَر" (إش45: 21-22) "أنا الرَّبُّ وليس آخَرُ. لا إلهَ سِوايَ. نَطَّقتُكَ وأنتَ لم تعرِفني. لكَيْ يَعلَموا مِنْ مَشرِقِ الشَّمسِ ومِنْ مَغرِبِها أنْ ليس غَيري. أنا الرَّبُّ وليس آخَرُ. مُصَورُ النّورِ وخالِقُ الظُّلمَةِ، صانِعُ السَّلامِ وخالِقُ الشَّر. أنا الرَّبُّ صانِعُ كُل هذِهِ" (إش45: 5-7)"وأنا الرَّبُّ إلهُكَ مِنْ أرضِ مِصرَ، وإلهًا سوايَ لستَ تعرِفُ، ولا مُخَلصَ غَيري" (هو13: 4)"اُذكُروا الأوَّليّاتِ منذُ القَديمِ، لأني أنا اللهُ وليس آخَرُ. الإلهُ وليس مِثلي" (إش46: 9). وهذه الحقيقة الأزلية أن الله واحد هي أيضًا جوهر الإيمان المسيحي في العهد الجديد، فالسيد المسيح نفسه وآباؤنا الرسل علَّموا بأن الله واحد كمثلما في هذه الآيات:- "فأجابَهُ يَسوعُ: إنَّ أوَّلَ كُل الوَصايا هي: اسمَعْ يا إسرائيلُ. الرَّبُّ إلهنا رَبٌّ واحِدٌ. وتُحِبُّ الرَّبَّ إلهَكَ مِنْ كُل قَلبِكَ، ومِنْ كُل نَفسِكَ، ومِنْ كُل فِكرِكَ، ومِنْ كُل قُدرَتِكَ. هذِهِ هي الوَصيَّةُ الأولَى. وثانيَةٌ مِثلُها هي: تُحِبُّ قريبَكَ كنَفسِكَ. ليس وصيَّةٌ أُخرَى أعظَمَ مِنْ هاتَينِ. فقالَ لهُ الكاتِبُ: جَيدًا يا مُعَلمُ. بالحَق قُلتَ، لأنَّهُ اللهُ واحِدٌ وليس آخَرُ سِواهُ" (مر12: 29-32) "إلهٌ وآبٌ واحِدٌ للكُل، الذي علَى الكُل وبالكُل وفي كُلكُمْ" (أف4: 6)"وهذِهِ هي الحياةُ الأبديَّةُ: أنْ يَعرِفوكَ أنتَ الإلهَ الحَقيقيَّ وحدَكَ ويَسوعَ المَسيحَ الذي أرسَلتهُ" (يو17: 3)"فمِنْ جِهَةِ أكلِ ما ذُبِحَ للأوثانِ: نَعلَمُ أنْ ليس وثَنٌ في العالَمِ، وأنْ ليس إلهٌ آخَرُ إلاَّ واحِدًا. لأنَّهُ وإنْ وُجِدَ ما يُسَمَّى آلِهَةً، سِواءٌ كانَ في السماءِ أو علَى الأرضِ، كما يوجَدُ آلِهَةٌ كثيرونَ وأربابٌ كثيرونَ، لكن لنا إلهٌ واحِدٌ: الآبُ الذي مِنهُ جميعُ الأشياءِ، ونَحنُ لهُ. ورَبٌّ واحِدٌ: يَسوعُ المَسيحُ، الذي بهِ جميعُ الأشياءِ، ونَحنُ بهِ" (1كو8: 4-6) كل هذه الآيات وغيرها .. أراد الله القدوس أن يثبِّت فينا معرفة أنه واحد لا إله آخر معه. (3) إشارات عن الثالوث في العهد القديم ومع أن الله قد ركّز في الإعلان الإلهي في العهد القديم على وحدانيته .. لم يكن ممكنًا اختفاء الثالوث نهائيًا بطول الأسفار المقدسة، لذلك هناك أيضًا إشارات في العهد القديم للثالوث "في البَدء خلق الله السماوات والأرض ... وروح الله يَرف على وجه المياه. وقال الله: (كلمة الله) ليكن نور، فكان نور" (تك1: 1-3). هنا يظهر الثالوث بوضوح منذ أول آية في الوحي المقدس (الله وروح الله وكلمة الله) "وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك1: 26). هنا استخدم صيغة الجمع.. ليست للتعظيم (كمثلما في اللغة العربية) ولكن لإعلان حقيقة الثالوث، بدليل أنه جاء بعدها "فخلق الله الإنسان على صورته. على صورة الله خَلقهُ. ذكرًا وأُنثى خَلقهُم" (تك1: 27). وهنا يؤكد على حقيقة التوحيد وهناك إشارة أخرى عن الابن جاءت في صيغة سؤال في سفر الأمثال .. "مَنْ صَعِدَ إلَى السماواتِ ونَزَلَ؟ مَنْ جَمَعَ الرِّيحَ في حَفنتيهِ؟ مَنْ صَرَّ المياهَ في ثَوبٍ؟ مَنْ ثَبَّتَ جميعَ أطرافِ الأرضِ؟ ما اسمُهُ؟ وما اسمُ ابنِهِ إنْ عَرَفتَ؟" (أم30: 4). (4) الظهور الإلهي الواضح في العهد الجديد بسبب تجسد ابن الله الوحيد عرفنا حقيقة الثالوث، فقد ظهر لنا الابن متجسدًا وأعلمنا بأبيه الصالح والروح القدس بداية هذا الإعلان الواضح كان عند معمودية ربنا يسوع المسيح حيث سمعنا صوت الآب قائلاً: "هذا هو ابني الحَبيبُ الذي بهِ سُرِرتُ" (مت3: 17) ورأينا الروح القدس في شكل حمامة "وإذا السماواتُ قد انفَتَحَتْ لهُ، فرأَى روحَ اللهِ نازِلاً مِثلَ حَمامَةٍ وآتيًا علَيهِ" (مت3: 16)، والابن كائنًا في الماء يشهد له الآب.. لذلك سُمي عيد الغطاس "عيد الظهور الإلهي" (الثيؤفانيا). وهنا تحققت نبوءات الأنبياء "ويَحُلُّ عليه روح الرب، روح الحكمة والفَهم، روح المَشورَة والقوة، روح المعرفة ومَخافة الرب" (إش11: 2) "هوذا عَبدي الذي أعضُدُهُ، مُختاري الذي سُرَّتْ بهِ نَفسي. وضَعتُ روحي علَيهِ فيُخرِجُ الحَقَّ للأُمَمِ" (إش42: 1) "إني أُخبِرُ مِنْ جِهَةِ قَضاءِ الرَّب: قالَ لي: أنتَ ابني، أنا اليومَ ولَدتُكَ" (مز2: 7) وبدأنا نعرف أن الله إلهنا هو الآب والابن والروح القدس، وبدأ السيد المسيح يكلمنا عن الآب والروح القدس في أحاديث طويلة، لذلك نقول له في القداس الغريغوري: "الذي أظهر لنا نور الآب، الذي أنعم علينا بمعرفة الروح القدس (الحقيقية)". (5) لماذا أخفى الله حقيقة الثالوث منذ البداية؟ لقد كانت البشرية في حالة ضعف شديد، ومائلة إلى عبادة الأوثان وتعدد الآلهة، فأراد الله أن يثبّت أولاً فكرة وحدانية الله حتى لا يُفهم الثالوث على أنه ثلاثة آلهة ولذلك نلاحظ أن جميع المسيحيين يؤمنون بالثالوث، ولم يحدث أن واحدًا فقط من المسيحيين قد فهم الثالوث على أنه تعدد آلهة أو ثلاثة آلهة. نحن نؤمن بإله واحد فيه ثلاثة أقانيم. (6) شرح معنى الثالوث أبسط شرح للثالوث هو أن نستخدم مثلثًا مجسمًا متساوي الأضلاع، وبالطبع سيكون متساوِ الزوايا لدينا الآن مثلث واحد وثلاثة رؤوس .. وكذلك نحن نؤمن بإله واحد وثلاثة أقانيم في المثلث تستطيع أن تقول أ = ب = ج ولكنك لا تستطيع أن تقول أ هو ب هو ج بعينه وإلا تحول المثلث إلى نقطة واحدة ولا يصير له وجود كذلك في الثالوث نقول إن الآب يساوي الابن ويساوي الروح القدس ولكننا لا نقول إن الآب هو الابن هو الروح القدس بعينه. مرة ثانية: لدينا مثلث واحد وثلاثة رؤوس .. وكذلك لدينا إله واحد وثلاثة أقانيم الآب متميز عن الابن ومتميز عن الروح القدس .. الثلاثة أقانيم متمايزة لو عرفنا أن المثلث كله من معدن الذهب الخالص، فإذا أردنا أن نعرف ما هو معدن الرأس (أ) سنقول إنه (ذهب)، الرأس (ب) هو أيضًا (نفس الذهب)، الرأس (ج) هو (نفس الذهب). لاحظ أننا نتكلم عن الرأس (أ) وليس النقطة (أ). الرأس (أ) : معناه المثلث كله وأنت تنظر إليه من النقطة (أ). الرأس (ب) : معناه المثلث كله وأنت تنظر إليه من النقطة (ب). الراس (ج) : معناه المثلث كله وأنت تنظر إليه من النقطة (ج). نفس الكلام ممكن أن يقال عن الثالوث: فالآب هو الله، الابن هو الله، الروح القدس هو الله والثلاثة هم إله واحد "فإن الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة: الآب، والكلمة، والروح القدس. وهؤلاء الثلاثة هم واحد" (1يو5: 7). وإذا سألت: ما هو جوهر الآب؟ تكون الإجابة: (لاهوت) ما هو جوهر الابن؟ تكون الإجابة: (نفس اللاهوت) ما هو جوهر الروح القدس؟ تكون الإجابة: (نفس اللاهوت) فالثلاثة أقانيم لهم لاهوت واحد "نسجد له ونمجده"وبما أن الرأس (أ) هو المثلث كله منظورًا إليه من ناحية (أ)، والرأس (ب) هو المثلث كله منظورًا إليه من ناحية (ب).. نستطيع أن نقول إن الراس (أ) في الرأس (ب)، والرأس (ب) في الرأس (أ) .. ونفس الكلام يقال عن الرأس (ج) وهذا أيضًا ينطبق على الثالوث القدوس له المجد .. فالسيد المسيح أعلن لنا أنه في الآب والآب فيه"ألستَ تؤمِنُ أني أنا في الآبِ والآبَ فيَّ؟" (يو14: 10)"الآبَ الحالَّ فيَّ هو يَعمَلُ الأعمالَ" (يو14: 10)"صَدقوني أني في الآبِ والآبَ فيَّ" (يو14: 11)"ولكن إنْ كُنتُ أعمَلُ، فإنْ لم تؤمِنوا بي فآمِنوا بالأعمالِ، لكَيْ تعرِفوا وتؤمِنوا أنَّ الآبَ فيَّ وأنا فيهِ" (يو10: 38)"كما أنَّكَ أنتَ أيُّها الآبُ فيَّ" (يو17: 21). لذلك قال السيد المسيح:- "الذي رَآني فقد رأَى الآبَ" (يو14: 9). "والذي يَراني يَرَى الذي أرسَلَني" (يو12: 45). وهناك حقيقة أخرى هي:- بما أن: أ = ب = ج ولهم نفس الجوهر ونفس المقاسات.. لذلك فكل صفات (أ) موجودة في (ب) وفي (ج) وكذلك في الثالوث القدوس: كل صفات الألوهية التي في الآب موجودة أيضًا في الابن وفي الروح القدس، وهذا ما أعلنه السيد المسيح له المجد: "كُلُّ ما للآبِ هو لي" (يو16: 15) فالصفات (الأزلي، الخالق، القادر على كل شيء، العارف كل شيء، ضابط الكل، المُخلِّص، القدوس، .....) يشترك فيها الأقانيم الثلاثة .. ولا يمكن أن نتخيل أن أقنومًا رحيم والآخر غير رحيم، أو أقنومًا عادل والآخر غير عادل!! ففيهم جميعًا كل الصفات بالتساوي. ومع ذلك:- هناك صفة واحدة موجودة في الآب ولا يمكن أن توجد في الابن أو الروح القدس، وصفة أخرى في الابن لا يمكن أن توجد في الآب ولا الروح القدس، وصفة ثالثة تُسمى الصفة الأقنومية، والتي بدونها لا يكون هناك تمايز بين الأقانيم فلماذا يُسمى الآب آب، ولا يُسمى الابن أو الروح القدس؟ وكذلك نفس الكلام يقال عن الابن والروح القدس هذه الصفة الأقنومية لكل أقنوم تحِّدد لنا تميزه واسمه وعلاقته بالأقنومين الآخرين:- الصفة الأقنومية للابن أنه مولود لذلك فهو ابن والصفة الأقنومية للروح القدس أنه منبثق ولذلك فهو ليس ابنًا لأنه ليس مولودًا بل هو منبثق والآب هو الوالد للابن الباثق للروح القدس، ولذلك فصفته الأقنومية أنه ينبوع لا يمكن للآب أن يكون مولودًا وإلا لكان اسمه الابن ولا يمكن للابن أن يكون ينوعًا وإلا لصار اسمه الآب وكذلك الروح القدس أن يكون ينبوعًا ولا مولودًا بل هو روح قدس لأنه منبثق من الآب الآب هو الأقنوم الوالد والباثق، ولا يمكن أن يكون مولودًا ولا منبثقًا الابن هو الأقنوم المولود، ولا يمكن أن يكون والدًا ولا باثقًا ولا منبثقًا الروح القدس هو الأقنوم المنبثق، ولا يمكن أن يكون والدًا ولا مولودًا ولا باثقًا. شرح هذه العلاقة:- الآب كائن منذ الأزل بدون بداية وبدون سابق له، فهو أصل الوجود، ولا يمكن أن يكون له بداية، ولا يمكن أن يكون له خالق يخلقه .. بل هو الخالق وليس مخلوقًا الآب هو أصل الثالوث، يخرج منه الابن بطريقة اسمها الولادة، ويخرج منه الروح القدس بطريقة أخرى اسمها الانبثاق ولا يمكن أن يكون خروج الابن والروح القدس من الآب بنفس الطريقة وإلا لصار للآب ابنان أو روحان. ولكن الحقيقة هي أن الآب له ابن وحيد مولود منه قبل كل الدهور، وله روح وحيد منبثق منه أيضًا قبل كل الدهور "اللهُ لم يَرَهُ أحَدٌ قَطُّ. الاِبنُ الوَحيدُ الذي هو في حِضنِ الآبِ هو خَبَّرَ" (يو1: 18) "أنتُمْ تدعونَني مُعَلمًا وسيدًا، وحَسَنًا تقولونَ، لأني أنا كذلكَ" (يو13: 13)"لأنَّهُ هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ" (يو3: 16) "فليَعلَمْ يَقينًا جميعُ بَيتِ إسرائيلَ أنَّ اللهَ جَعَلَ يَسوعَ هذا، الذي صَلَبتُموهُ أنتُمْ، رَبًّا ومَسيحًا" (أع2: 36)"الذي يؤمِنُ بهِ لا يُدانُ، والذي لا يؤمِنُ قد دينَ، لأنَّهُ لم يؤمِنْ باسمِ ابنِ اللهِ الوَحيدِ" (يو3: 18) واضح هنا أن السيد المسيح هو الابن الوحيد المولود من الآب قبل كل الدهور، وكذلك الروح القدس هو روح واحد وحيد منبثق من الآب قبل كل الدهور .. ونقول في القداس الإلهي "واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس" نحن نؤمن بآب واحد، وابن واحد، وروح قدس واحد والثلاثة هم الإله الواحد "لكن لنا إلهٌ واحِدٌ الآبُ الذي مِنهُ جميعُ الأشياءِ، ونَحنُ لهُ. ورَبٌّ واحِدٌ يَسوعُ المَسيحُ، الذي بهِ جميعُ الأشياءِ، ونَحنُ بهِ" (1كو8: 6) هذا الشرح لا يُعني أن الآب أقدم أو أقيم أو أهم من الابن والروح القدس لأن الآب أزلي، وهو آب منذ الأزل. فلذلك له ابن خارج منه منذ الأزل والروح القدس أيضًا خارج منه منذ الأزل بدون أسبقية الآب عنهما كلمة الولادة وكلمة الابن توحي لغير العارفين أن هناك زواج، وأن الآب أكبر سنًا من الابن، وأن الابن عندما وُلد انفصل عن الآب كمثل ميلاد البشر والحيوانات. هنا لابد أن غير ولادة الابن من الآب أنها تختلف عن ولادات الناس والبهائم بأربعة اختلافات:- (1) لا يوجد زواج طبعًا، بل ميلاد الابن من الآب كميلاد الحرارة من النار، والشعاع من المصباح. (2) لا يوجد أسبقية، فالابن أزلي مع الآب، لم توجد لحظة أو جزء من الثانية كان الآب بدون ابن، وإلا لما كان أب ثم صار آب. وهذا معناه أن الله يتغير. الحقيقة أن الله لا يتغير وبالتالي فهو آب منذ الأزل، وبالتالي فالابن خارج منه منذ الأزل، كمثل النار أيضًا تخرج من الحرارة بدون أسبقية النار عن الحرارة بل حيث النار هناك الحرارة والضوء. وكذلك حيث الآب هناك الابن والروح القدس. (3) لا يوجد انفصال بين الآب والابن، بل هو خارج منه بينما هو كائن فيه بدون انفصال، كمثل خروج الحرارة من النار بدون أن تبرد النار ولا يكون فيها حرارة. وكمثل خروج الفكر من العقل وانتشاره في كل مكان، بينما هو ما يزال في عقل الإنسان. (4) ولادة الطفل تستغرق لحظات ثم ينفصل عن أمه، وخروج الرصاصة من المسدس تستغرق لحظة وتنطلق تاركة المسدس فارغًا. أما ولادة الابن من الآب فهو ولادة مستمرة بدون انقطاع منذ الأزل وإلى الأبد. كمثل أيضًا دوام خروج الحرارة من النار وما يقال عن ولادة الابن من الآب يقال أيضًا عن انبثاق الروح القدس من الآب .. أيضًا يكون الانبثاق بدون أسبقية. فالآب ليس أسبق على الروح القدس، وكذلك بدون زواج وبدون انفصال وبدون انقطاع بل باستمرار. الفرق بين الولادة والانبثاق:- في عالم الفيزياء يفرّقون بين طريقة خروج الحرارة من النار، فيقال (توليد الحرارة)، وبين خروج الضوء من النار، فيقال (انبعاث الضوء) .. وذلك لأن فيزيقيًا هناك اختلاف بين الطريقتين، ولو كان خروج النور والحرارة من النار بنفس الذبذبات والترددات والموجات لكان الاثنان حرارة أو الاثنان ضوءًا، ولكن هناك فارق بين الطريقتين، ولذلك هناك حرارة وهناك ضوء وكذلك في مجال شرح اللاهوت، لقد أعلن لنا الكتاب المقدس أن الابن مولود من الآب، والروح القدس منبثق من الآب، وليس لدينا معرفة كافية عن كنه الولادة أو كنه الانبثاق .. لعلنا سنعرف ذلك في الأبدية!! نيافة الحبر الجليل الانبا رافائيل أسقف عام وسط القاهرة
المزيد
23 فبراير 2020

بمناسبة أحد الرفاع وبدء الصوم الكبير

بسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين يُعرف هذا الأحد المبارك بأحد الرفاع، وكلمة الرفاع يُقصد بها أن يرفع الطعام الإفطارى أو الطعام الدسم، يُرفع فى هذا اليوم ليبدأ الصوم المعروف بالصوم الكبيروالصوم الكبير يُسمى بالصوم الكبير، ليس فقط لطوله وإنما لأهميته، لأنه هو ذاته صوم ربنا يسوع المسيح، ونحن نصوم من بعده وقياساً عليه، لأنه إذا كان هو قد صام وهو فى غير حاجة إلى الصوم، فمن باب أولى ومن الأحرى أن نصوم نحن لنستغفر الله ونطلب رحمته، والصوم عبادة. " اعبدوا الرب بخشية (بخوف)" (مز2: 11)، هذا هو المزمور الذى سبق الإنجيل " اعبدو الرب بخشية، واهتفوا له برعدة " فنـحن علاقتنا بالله علاقة العبد بالسيد، فنحن بالعبادة نربط أنفسنا ونتواصل مع الله، هذا التواصل هو إقرار بعبوديتنا له، هذا هو معنى العبودية ومنه التعبد بتقديم الصلوات والأصوام وأعمال الرحمة التى نقدمها برهانا لعبوديتنا لجلاله وإقراراً بأنه سيدنا ونحن عبيده، نقدم له صلواتنا وأصوامنا، خصوصاً وأن هذا الصوم وغيره من الأصوام العامة فى كنيستنا أصبحت أصواما تذهب وتجىء كل عام من هنا أصبحت أصواماً تعبدية، كنيستنا كنيسة تعبدية تقسم فترات السنة على مواسم، فبعض أيام السنة إفطار وبعضها أصوام، نصوم ثم نفطر ثم نصوم ثم نفطر وهكذا كل أيام السنة، والسبب فى هذا الإختلاف لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى التغيير حتى لا يقع الإنسان تحت فعل الحياة النمطية التى تكون على وتيرة واحدة، فكنيستنا ترتب أيام السنة ترتيبا فيه تغيير، لأن التغيير فيه لفت للنظر وفيه تحويل للفكر وفيه تنبيه للإنسان، أما الحياة النمطية التى تسير على وتيرة واحدة فهذه حياة مؤداها إلى الفتور. لكن لكى يبقى الإحساس بالفارق موجوداً رأت الكنيسة أن تنظم أيام السنة على فترات تختلف فى الصوم والإفطار قلنا أن الصوم الكبير يُسَمى بالكبير ليس فقط لطوله وإنما لأهميته ، وكذلك هو من الأصوام التى تُسمى بأصوام الدرجة الأولى، وهى الأصوام التى حُدت بقانون، فكـل مسيحى مفروض أن يصوم هذه الأصوام، وهى لازمة وضرورية لكى يكون حقاً مسيحياً ومسيحياً متعبداً فهذه الأصوام الثلاثة هى الأربعين المقدسة، وأسبوع الآلام، والأربعاء والجمعة، حدها القانون الرسولى " مَن لا يصوم الأربعين المقدسة وأسبوع الآلام والأربعــاء والجمعة إن كان كاهناً يُقطع، وإن كان علمانياً يُفرز ". وذلك لأهميتها وهى تسمى أصوام المرتبة الأولى، إن على كل مسيحى هذا الواجب الذى لايصح أن يفلت منه إلاّ إذا كان مريضاً ويجرى مجرى هذه الأصوام الثلاثة فى الأهمية صوم البرمون، وهو اليوم السابق على عيد الميلاد مباشرة واليوم السابق على عيد الغطاس مباشرة، كلمة برمون معناها استعداد فوق العادة. وكذلك الصوم المعروف بصوم يونان نظراً للعلاقة والرباط بين هذا الصوم، وبين رب المجد يسوع المسيح حينما كان فى باطن الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. ولذلك يسمى يوم الإفطار فصح يونان. وهذا هو التعبير الوحيد الذى يستخدم فيه كلمة فصح، فى إفطار صوم يونان، هذا نظراً للعلاقة الرمزية بين يونان الذى كان فى باطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال، وبين رب المجد يسوع المسيح. الصوم الكبير يتألف فى الواقع من ثلاثة أصوام : 1- الأسبوع الأول يسمى مقدمة الصوم الكبير. 2- وبعد الأسبوع الأول مباشرة تبدأ الأربعون المقدسة. وفى نهاية الأربعين المقدسة نختم هذا الصوم بيوم الجمعة المعروف بجمعة ختام الصوم . 3- بعد ذلك يبدأ اسبوع الآلام . إن اسبوع الآلام فى الواقع اسبوع صوم مستقل بذاته، لأن سيدنا لم يتألم بعد أن صام مباشرة، إنما الكنيسة فى ترتيبها الحكيم رأت أن يُحتفل باسبوع الآلام بأن يصام صوماً نسكياً، ولكى يصام صوماً نسكياً جعلت الأربعين المقدسة مقدمة لأسبوع الآلام، حتى يكون الإنسان فى نهاية الصوم الأربعينى فى حالة من الزهد والنسك والروحانية تسمح له أن يدخل بورع وتقوى فى اسبوع الآلام. الـ 47 يوم الأولى تعتبرها الكنيسة مقدمة لأسبوع الآلام كما نعتبر الأسبوع الأول مقدمة للأربعين المقدسة وفرضت قوانين الكنيسة احتراما لهذا الصوم، وللإستفادة منه أن يصام إلــى الغروب وخصوصا للشباب، ممكن يُعفى من هذا الصوم الإنقطاعى الطويل المرضى والشيوخ والنساء الحوامل والنساء المرضعات والأطفال الصغار. إنما الشباب مدعوون إلى أن يصوموا الصوم الكبير إنقطاعيا إلى الغروب وبعد ذلك يأكل طعاماً نباتياً وعن هذا الطريق تكون الاستفادة الحقيقية من الصوم، ومن غير ذلك لا تكون الإستفادة كاملة أو تامة من الصوم، فإذا كان الإنسان لا يصوم إنقطاعياً فصومه ليس كاملاً ولا منطقياً، لأن الصوم يقتضى الإنقطاع عن الطعام، فإذا أفطر الإنسان فى الصباح فكيف يُعّد صائما، لابد أن ينقطع عن الطعام فترة مناسبة، وكما قلنا احتراماً لهذا الصوم وتوقيراً له رأت الكنيسة أن تربط هذا الصوم بقانون، أن القادرين وخصوصا من الشباب يصومونه إلى الغروب، أما الشيوخ والأطفال والمرضى والنساء الحوامل والنساء المرضعات والأطفال يعفون من هذا الصوم الإنقطاعى الطويل، وإن كانوا لا يعفون من الطعام النباتى. الأسبوع الأول نسميه مقدمة الصوم الكبير، السبب الأساسى فى هذه المقدمة هو ذات الاحترام والتقديس الذى للأربعين المقدسة التى صامها الرب يسوع. فمن منطلق هذا التقديس والاحترام والتوقير ندخل إلى الصوم بعد فترة معينة، نكون قد أعددنا أنفسنا لها، ولما كان هذا الصوم ينبغى أن يكون نسكياً فنبدأ بمقدمة، ففى الأسبوع الأول ممكن أن يصوم الإنسان إلى الثالثة أو إلى ما قبل ذلك، إذا لم يكن قادراً، حتى إذا دخل إلى الأربعين المقدسة يصوم إلى الغروب مثل أى حركة طبيعية فى الدنيا لابد أن تبدأ بطيئة، وئيدة، قطار السكة الحديد لا يمكن أن يبدأ بسرعة حينما يقوم، فهو لا يبدأ بسرعة 80 كيلو مثلا، إنما يبدأ بحركة وئيدة إلى أن تتمكن المحركات أن تسير بالسرعة الكبيرة المطلوبة. لازال السبت له كرامته:- فنحن تقديساً لهذا الصوم نبدأ بهذه المقدمة، وفى نفس الوقت هى تعويض عن أيام السبوت التى لا تصام إنقطاعياً، فى ترتيب كنيستنا أن يوم السبت لايصام إنقطاعيا، لأن يوم السبت عيد الشريعة القديمة، والكنيسة المسيحية لم تلغ احترام السبت، وهذه نقطة مهمة فيها رد على إخوتنا الذين يسموا أنفسهم بالسبتيين، نحن لم نبدل السبت بالأحد، هذا التعبير غير أرثوذكسى، لم يحدث أبداً أننا استبدلنا السبت بالأحد، إنمــا لازال السبت له كرامته، لكن مجد الأحد غطى على مجد السبت. كلمة أبدلنا السبت بالأحد، هذا ليس تعبيرنا لم يحدث فى الكنيسة الأرثوذكسية أن أبدلنا السبت بالأحـد، لازال يوم السبت مكرماً فى الكنيسة الأرثوذكسية: أولاً: لأن هذا اليوم لايصام فيه إنقطاعيا. إحتراما لأن السبت عيد ولازال عيداً فى الكنيسة الأرثوذكسية. ثانيا: فى الألحان يعامل يوم السبت معاملة الأعياد، ويعامل معاملة الأحد تماما، مما يدل على أن يوم السبت فى المسيحية الأرثوذكسية له كرامته بإعتباره عيداً. ثالثا: أنه تُمنع فيه الميطانيات مثل يوم الأحد، الميطانيات معناها الصلوات الراكعة، حتى بالنسبة إلى الرهبان، تمنع الميطانيات يوم السبت مثل يوم الأحد، وتُمنع فيه الصلاة الراكعة كما قال الكتاب المقدس عن بولس الرسول يقول " جثونا على ركبنا وصلينا "، هذا الجثو يعفى المسيحيون منه يوم السبت ويوم الأحد وكذلك أيام الخماسين المقدسة، تكريماً لها وكذلك لفتا للنظر ولتحريك القلب إلى الشعور، بأنه يجب أن تكون رؤوسنا مرفوعة وقائمة وليست مذلة لأن الرب قد صنع خلاصه معنا إذن لهذه النقط الثلاثة يوم السبت له كرامته فى الكنيسة الأرثوذكسية، فيعامل معاملة الأحد من حيث أنه لايصام إنقطاعيا، وكذلك فى الألحان وعدم الصلاة الراكعة أو الميطانيات إنما مجد يوم الأحد غطى على مجد يوم السبت، فهنا لا يوجد إبدال، وأنا أضرب مثل لهذا، عندما تشرق الشمس ننظر فى السماء فلا نجد النجوم، هل النجوم انعدم وجودها، لا.. طبعا فى النهار لاتزال النجوم موجودة، بدليل أنه إذا حدث كسوف للشمس تظهر النجوم، إذن النجوم كانت موجودة ولاتزال موجودة، إنما حينما تكون الشمس ساطعة، بهاء الشمس يغطى على بهاء النجوم، فالنجوم لاتظهر لكن ليس معنى ذلك أنها غير موجودة. فنحن لم نلغ السبت، وإنما مجد يوم الأحد لأن فيه قام المسيح من بين الأموات وصنع الخليقة الجديدة، فمجد الخليقة الجديدة ومجد العمل العظيم الذى صنعه المسيح بمجده وقيامته فاق مجد الخليقة الأولى، فمجد يوم الأحد غطى على يوم السبت. والسيد المسيح قال " لاتظنوا أنى أتيت لأنقض الشريعة والأنبياء، ماجئت لأنقض بل لأتمم "فنظرتنا فى المسيحية إلى أمور العهد الجديد إنما هى تتميم للقديم، فحتى فى مسألة يوم السبت لازال يوم السبت له كرامته، ولازال عيداً فى الكنيسة المسيحية، وأقدم المصادر المسيحية تشير إلى أن القداس كان يُحتفل به فى بدء المسيحية فى يومى السبت والأحد، فإقامة قداس يوم الأربعاء والجمعة هذه جاءت متأخرة فى الزمن، إنما فى بدء المسيحية كان الإحتفال بالقداس يوم الأحد ويوم السبت. وهذا تكريم آخر ليوم السبت وهو عيد الشريعة القديمة، فلا زالت له فى العهد الجديد كرامته. ففى الأربعين المقدسة فيه خمسة سبوت، فهذه يعوض عنها بخمسة أيام، الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة ومع إضافة السبت والأحد يكون أسبوع المهم أن هذا هو الأسبوع الأول المعروف بمقدمة الصوم الكبير، الذى كما قلنا أنه تمهيداً للدخول فى الصوم نسكياً، الأمر الثانى أنه تعويض عن خمسة أيام السبوت التى لا تصام إنقطاعياً ثم بعد ذلك الأربعين المقدسة مباشرة، أنا أقول هذا الكلام أيضا تصحيحاً لبعض أولادنا الأقباط، الذين يصوموا الأربعين المقدسة، ويفطرون الـ 15يوم الأولى، ويقولوا نبدأ من الأربعين المقدسة، هذا خطأ، الأربعين المقدسة تبدأ بعد اسبوع واحد من الصوم، لأن الأسبوع الأخير هو اسبوع الآلام وهو صوم منفصل عـن الأربعين المقدسة نقول كما قال المزمور" اعبدوا الرب بخشية واهتفوا له برعدة "، اختارت الكنيسة هذا المزمور لتؤكد أننا فى حاجة إلى من يلفت نظرنا إلى أهمية العبادة فى حياتنا الدينية، نحن عبيد والرب هو سيدنا، فعلامة خضوعنا وتقديرنا واحترامنا وإجلالنا لخالقنا وسيدنا أن نعبده العبادة، عبد يعبد بمعنى خدم يخدم، وخدم بأن جعل نفسه عبداً لسيد وهذا السيد هو الله. فعلامة إعترافنا وإقرارنا بالله وبسيادته علينا أن نعترف له بعبوديتنا، فنحن عبيده وهو سيدنا، ومن هنا جاءت العبادة كمراسم يعبر بها الإنسان عن تعبده لله، والعبادة مراسم فيها روح وفيها شكل، روح وشكل، الإثنين معا لأننا روح وجسد، الإنسان يتألف من روح ومن جسد، فالعبادة فيها روح وفيها شكل، فيها جوهر وفيها مظهر، القلب يخضع ويخشع ويخنع ويتعبد ويقر ويتواضع وينسحق، والجسد أيضا لإرتباطه بالروح يعبر عما تنفعل به الروح، فالروح التى تخشع، يخشع معها الجسد، ومن هنا كان إنحناء الإنسان أو ركوعه أو سجوده تعبير عما ينطوى عليه ضميره وقلبه من خضوع وخشوع وورع وانسحاق أمام العزة الإلهية هذه العبادة تقوم على أركان ثلاثة: هى التى شملها كلام المسيح فى عظته على الجبل وفى هذا الفصل الذى تلى علينا فى هذا الصباح : الرحمة - الصدقة – الصوم والجميل أن يسوع المسيح ربنا لم يبدأ لا بالصلاة ولا بالصوم، إنما بدأ بالكلام عن الصدقة أو الرحمة. وهذه عظمة الشريعة المسيحية وعمق نظرة الله إلينا، ولفت لنظرنا أنه قبل أن يطالبنا بالصلاة أو الصوم يطالبنا بالرحمة، فالرحمة أفضل من الذبيحة عند الله، الرحمة للفقراء والمساكين، والشىء الذى يبدو لنا غريباً حسب النظرة الإنسانية أنه فى يوم الحساب وفى يوم الدينونة لن يسألنا لا عن الصلاة ولا عن الصوم أبدا، إنما يقول للذين عن يمينه "تعالوا أيها المباركون من أبى رثوا الملكوت المعد لكم قبل إنشاء العالم لأنى كنت جائعا فأطعمتمونى، عطشاناً فسقيتمونى، عرياناً فكسوتمونى غريباً ومحبوساً فأتيتم إلىّ " لا يوجد كلام آخر لا عن الصوم ولا عن الصلاة، كل الحساب قائم على أساس الرحمة، وهذا يؤكد تماما أن الله يريد الرحمة قبل أن يريد الذبيحة، إن عبادة الإنسان لها واجب على الإنسان لكن الله لا يطلبها، لو كنت إنسان عظيم ومرتفع النفسية وتعمل الخير لا تتطلب من الشخص أن يشكرك، هو من واجبه أن يشكرك، لكن لأنك خَيّر تعمل الخير لأجل الخير فى ذاته، فالله لو أنه يطلب منا الصلاة والصوم كفريضة ويحاسبنا عليها يكون الله خلقنا لغرض يعود عليه هو، وفى هذه الحالة يكون الله أنانياً، وهذا ما نسمعه أحيانا فى بعض الناس، يقول: ربنا خلقنا لكى يعذبنا !! هذا المفهوم خاطىء، الله خلقنا لخير يعود علينا نحن وليس عليه هو، الله كان فى غنى عنا، لكن لماذا خلقنا؟ خلقنا لخير يعود على الإنسان لأن الله فى سعـادة لا تستقصى، فأراد أن يشرك معه كائنات غير موجودة، يوجدها لكى تشترك معه فى هذه السعادة التى لا تستقصى، إذن الوجود خير من العدم، لماذا ننظر هذه النظرة البائسة الشقية أن الله خلقنا لكى نشقى، لا.. بل خلقنا لكى نسعد، والله لأنه السعيد الأعظم وسعادته لا تستقصى، خلقنا لنشترك معه فى سعادته التى لا تستقصى. اضرب لك مثل بسيط، عندما يكون إنسان غنى جدا وليس عنده أولاد يكون حزين لأنه ليس له ابن يتمتع بهذا الخير العظيم، لكن لو كان له ابن يكون له فرح لأنه اطمئن إلى أن هذا الغنى والإرث الذى له، له ابن يأخذه بدلا من أن يتدمر هذا الخير عندما يكون الإنسان سعيد أو عنده فرح، نراه يدعو الأصدقاء والجيران ليشتركوا معه فى هذا الفرح، لأن هذا يزيد فرحه على الرغم من التكاليف التى يتحملها. لماذا خلقنا الله ؟ جاءنا هذا الإحساس الخَيّر من الله، لأن الله هو خالقنا، والله فيه صفة الخيرية وصفة الجودة التى تجعله يفرح بأن يخلق كائنات لكى تشترك معه فى سعادته التى لا تستقصى، وهذا معنى أن الله جعل لذته فى بنى آدم عندما قال الملاك: " المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة "، بالناس المسرة أى بالناس مسرته؟ الله مسرور بخليقته، فرحان بخليقته، وبالنـاس مسرته، يعنى لذته فى بنى آدم، يفرح بهم إذن الله عندما خلقنا لم يخلقنا لكى يعذبنا كما يقول بعض الناس حاشا .. إنما لأن الله هو الخير الأعظم، كما يقول بعض الفلاسفة: فلأنه الخير الأعظم فمن خيريته وجودته محبته للبشر، لذلك نحن فى الصلوات نقول يامحب البشر، فالله يحب البشر قبل أن يخلقنا، ولأنه كان يتمتع بسعادة لا تستقصى لذلك خلقنا لنتنعم نحن بها ومعه. توجد كلمة جميلة يقولها يوحنا الرسول: " نحن الآن أولاد الله "، طبعا بالتبنى وبالفضل، نحن الآن أولاد الله بالمعمودية، أعطاهم الحق أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنين باسمه " نحن الآن أولاد الله ولم يتبين بعد ماذا سنكون !! " ياإلهى، ما هذا الجمال كله، لم يتبين بعد ماذا سنكون، هنا فتح أمامنا طريق الترقى، نحن اليوم فى درجة أولاد الله لكن أمامنا طريق مفتوح إلى فوق، طريق صاعد، قال: " كونوا كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل " نقطة البداءة أننا أولاد الله " لم يتبين بعد ماذا سنكون، غير أننا سنصير مثله " لأننا سنراه كما هو، سنراه كما هو فى حقيقته، فى طبيعته، ندخل إليه وإلى طبيعته دخولا، هو الله والإنسان خُلق ليكون إلهاً. كما يقول القديس اكليمنضس الاسكندرى، نحن خُلقنا لنكون آلهة، طبعا تحت قيادة الإله الأكبر العظيم، هذا هو الشرف الذى نحن فيه، لم نُخلَق لكى نشقى كما قال بعض الناس، لا.. نحن خُلقنا لكى نكون عائلة الله ، الله هو رب الأسرة، رب العائلة ، ونحن عائلة بيت الله ، هذا تعبير الكتاب المقدس، عائلة بيت الله، " لا أعود بعد أسميـكم عبيداً "، انظر الجمال لا أعود بعد، حتى كلمة عبيدك، هى أمر طبيعى لأننا عبيدك يارب، لكن الجمال أنه لا يريد أن نكون عبيد أو فى مرتبة العبيد، نحن نقول عبيد، وبولس الرسول يقول: عبد يسوع المسيح وأسيره، لكن المسيح له نظرة أخرى، نظرة ترفعنا إلى فوق، لا أعود أسميكم بعد عبيد إنما أحباء، لأنى أعلمتكم بكل ما سمعته من أبى. هنا يدخلنا إلى المعرفة، يدخلنا إلى فوق، يدخلنا إلى المكاشفات الروحانية التى ترفع مكانتنا من مكانة العبيد إلى أسرة بيت الله هنا العبادة تتألف من الرحمة أولا ثم بعد ذلك يتكلم عن الصلاة ويتكلم عن الصوم، والشىء الغريب أنه لم يقل صلوا، ولا مرة تجد المسيح يقول صلوا، أبداً، ولا يقول صوموا أبداً، ممكن تجد هذا الكلام من الرسل أو من نبى من الأنبياء، إنما الله لم يحدث أن قال صلوا أو صوموا، لأن هذا واجبنا نحن، هذه هى واسطتنا لكى نترقى إلى فوق، العبادة ليس المقصود بها أننا نثبت فقط أننا عبيد لخالقنا، وأن هذا برهان على عبادتنا، نظرة الله إلينا على أن الصلاة والصوم هذا واجبنا نحن، علينا أن نشكر الله، هو صنع معنا الخير ولا يتطلب حتى الشكر، لكن نحن علينا أن نشكر، هذا واجبنا، كذلك السيد المسيح لا يقول أن تصلى أو تصوم، أبدا، هذا واجبك، واجـب التعبد. أنت الذى تقدر فضل من يحسن إليك، ولذلك هو يقول متى صليتم، متى صمتم، لم يقل صلوا ولم يقل صوموا، واجبى أنا كإنسان يثبت أنه كريم وأنه يقدر فضل من أحسن إليه. سوء الفهم للصوم: أريد أن أنبه الناس التى ترى أن أولادها فى المدارس ويخافوا عليهم من الصوم، هذه نظرية خاطئة مبنية على سوء فهم للصوم، الإنسان الذى يتصور أن ابنه أو ابنته عندما يأكل طعام نباتى يضعف وخصوصا وهو يذاكر، هذا الكلام غير سليم، الثور الذى هو رمز القوة، ماذا يأكل؟ يأكل النبات فقط، النبات هو غذاء الإنسان فى حياته الأولى، الإنسان أصله نباتى، الفيل أقوى الحيوانات، الفيل لو أمسك الأسد بزلومته يقطمه، الفيل يضرب الشجرة برجله فتميل، الفيل يأكل النباتات. القرد الذى قوته عشرة أمثال قوة الرجل وعشرين مرة مثل المرأة، يأكل النباتات وجوز الهند إذن الأكل النباتى لا يضعف، كذلك الأكل النباتى يساعد على صفاء الذهن وهذه مهمة للأولاد والبنات الذين يدرسوا، بل أكثر من هذا أن الإنسان الذى يعيش نباتى لا تهاجمه الشيخوخة العقلية أو ما يسموه تصلب شرايين المخ، وهذه مسألة معروفة لذلك تجد من يسموهم النباتيين، الذين يعيشون طول أيام حياتهم يأكلوا نباتات ولا يسمحوا لأنفسهم أن يأكلوا اللحوم لأسباب صحية ولأسباب ذهنية، وليس لأسباب دينية وإنما لأسباب صحية، يوجد أديب ايرلندى كتب كتاب اسمه العودة إلى متوشالح، متوشالح عاش 960 سنة أطول إنسان عمراً، فيقول لو عاد الإنسان نباتيا طول أيام حياته لأصبح أطول عمراً، وأكثر صحة، وأكثر صفاءا ذهنياً، وهناك الرياضى العظيم فيثاغوراس كان نباتى أيضا، وهناك من العلماء والفلاسفة والمفكرين الذين يروا أن الحياة النباتية حياة أنسب للذهن وأيضا لصحة الإنسان، فلا تهاجمه الأمراض. الفيل يعيش أحيانا 300 سنة والأسد يعيش30 سنة والعشر سنين الأخيرة يكون فيها ضعيف أيضا هناك شىء مهم من الناحية الأخلاقية، النباتات تساعد على الدم الهادىء وعلى الأخلاقيات الطيبة، وأكل اللحوم يساعد على التوحش وعلى إثارة الغرائز ولهذا السبب الكنيسة المسيحية التى أباحت أكل اللحوم منعت أكل الدم والمخنوق؟ لأنه يثير الغرائز، الحيوانات آكلات النبات تجدها هادئة، الحيوانات آكلات اللحوم هى المتوحشة، الأطفال الصغار يركبون الفيل ويلعبون عليه ولا يشعروا بأى خطر لماذا ؟ لأنه من آكلات النبات، بينما كلب صغير كل الناس تخاف منه، حتى الرجل الكبير يخاف منه لماذا؟ لأنه من آكلات اللحوم. فالطبع يتأثر بالأكل وهى نظرية معروفة علمياً، فالحيوانات آكلات اللحوم دائما متوحشة، تعالوا معى إلى الطيور وإلى الدواجن والفراخ والبط والوز والحمام والعصافير، كل هذه هادئة لأنها من آكلات النبات أو الحبوب، بينما النسر والصقر وما إليها لأنها من آكلات اللحوم فيسموها الطيور الجوارح، ممكن نسر يخطف طفل يأكله، فهنا نظرية أخلاقية أن النبات يساعد على هدوء الطبع وعلى التحكم فى الغرائز، بينما اللحوم وما إليها تعمل على الإثارة، لذلك لو سيدة أخطأت وأعطت الفراخ مصارين فرخة ذبحتها تتوحش الفراخ، تأكل فى بعضها الخلاصة ياأولادنا أريد أن أقول أننا نخطىء عندما نلقن أولادنا وبناتنا خصوصا الذين فى المدارس أن الأكل الصيامى يُضعف أفلاطون فيلسوف وثنى غير مسيحى قبل المسيحية وقبل التجسد يقول " المدينة الصحية التى يأكل أهلها حبوباً وبقولاً وفواكه ولا يأكلون لحماً قط "، نريد أن نغير الأفكار التى فى أذهاننا، فلو صمنا فالصوم يفيدنا روحياً ويفيدنا صحياً ويفيدنا ذهنياً ويفيدنا أخلاقياً. ونعمة الرب تشملنا جميعا وله الإكرام إلى الأبد آمين . ‬ نيافة الحبر الجليل المتنيح الأنبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى
المزيد
08 نوفمبر 2019

لأنه سترنا

إن الطلبات التي قيل عنها في الكتاب المقدس أن تُطلَب "كل حين" هي: الصلاة (لوقا 18: 1)، والشكر (أفسس 5: 20)، والفرح كل حين (فيلبي 4:4) والشكر في كنيستنا نعبّر عنه في "صلاة الشكر"ومن مميزات هذه الصلاة أنها تُصلّى بصيغة جماعية، ويصليها كل الناس، ونشكر ربنا على كل ما يقدمة لنا هذه الصلاة تبدأ بشكر الله سبع نِعم يعطيها لنا، يعطيها لنا مهما كان حالنا "فلنشكر صانع الخيرات لأنك سترتنا، وأعنتنا، وحفظتنا، وقبلتنا إليك، وأشفقت علينا، وعضدتنا، وأتيت بينا اإلى هذه الساعة" هذه النِعم يجب أن يشعر بها كل إنسان ويشعر بقيمتها وأهميتها في حياة كل واحد فينا. نتأمل في النعمة الأولى نعمة الستر:- أحد الصفات التي نصف بها إلهنا أنه الله الساتر، الذي يستر. وستر الله لا يوجد في مفردات اللغة، فلا توجد كلمات تقدر أن تصفه. يستر علينا كلنا، ولا يستطيع إنسان أن يقف أمام الله ويقول إنه لا يحتاج إلى الستر، حتى الذين يعيشون في الخطية والبعيدين، وحتى الذين ينكرون وجود الله؛ الله يستر عليهم. حتى الناس الذين فرغت قلوبهم من كل شيء، والذي يستخدم لسانه في استخدامات شريرة؛ الله يستر عليه... بل حتى اللص عندما يسرق يقول: ربنا يستر. وفي التقليد الشعبي نجد أن كل ما يريده الإنسان هو الستر والصحة. ولا يمكن أن نحصر كم مرة ستر الله علينا، لكن داود النبي يقول في مزمور ١٧ «احفظني مثل حدقة العين، بظلّ جناحيك استرني»، ويقول في مزمور ٦٤ "«استرني من الأشرار، من مؤامرت الإشرار، من جمهور فاعلي الإثم». أولًا: لماذا يستر الله علينا؟ الله الذي خلقنا وأعطانا نعمة الحياة يستر علينا لثلاث صفات فيه: ١- هو واهب الغفران. ٢- لأنه كلي المحبة. ٣- لأنه نبع الأبوة. 1) الله يستر علينا لأنه واهب الغفران: هو الذي غفر لنا، من يغفر خطية الإنسان إلا الله الذي خلق الإنسان، فجاء الله «الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا»، تجسد الله ثم صُلِب وخلصنا وفدانا من أجل غفران خطية الإنسان، ولا يوجد شيء آخر أو إنسان آخر يستطيع أن يغفر خطيئة الإنسان، لذلك ربنا يستر علينا. «تبتهج نفسي بإلهي لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص وكساني رداء البر»، وكساني تعني ستر الله عليّ. وستر الله للإنسان من أيام آدم. خطية آدم وحواء بدأت باللسان والشهوة، ودخلت الحيّة من هذا الباب، وانزلق الإنسان وكسر الوصية، وستر الله عليهما وألبسهما أقمصة من جلد. وفي سفر حزقيال يشبّه النفس البشرية بالإنسان المُلقى في الشارع ويريد من يأتي ويستر عليه «فَمَرَرْتُ بِكِ وَرَأَيْتُكِ، وَإِذَا زَمَنُكِ زَمَنُ الْحُبِّ. فَبَسَطْتُ ذَيْلِي عَلَيْكِ وَسَتَرْتُ عَوْرَتَكِ، وَحَلَفْتُ لَكِ، وَدَخَلْتُ مَعَكِ فِي عَهْدٍ، يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ، فَصِرْتِ لِي» (حز١٦: ٨)، وكأن النفس البشرية من أيام آدم صارت كالإنسان الملقى في الشارع وفقدت كل شيء وصار حالها صعب جدًا. في سفر القضاة عندما كانت تحدث مشكلة لبني إسرائيل، كانوا يختارون قاضيًا (مخلصًا)، فيحل المشكلة ثم يعودون للخطية مرة ثانية، وهكذا حياة الإنسان. وكذلك داود النبي وخطيته المشهورة مع امرأة أوريا الحثي، وتاب عنها فيقول «استر وجهك عن خطاياي، وامحُ كل آثامي»... هذا هو الله واهب الغفران للإنسان من الأمثلة المشهورة "المرأة الخاطئة في بيت سمعان الفريسي" (لوقا 7)، وكان سمعان مُعجَبًا بنفسه، ودخلت المرأة وانحنت وسكبت دموعها وقدمت توبة. سمعان قال: "لو كان هذا نبيًا لعرف أن هذه المرأة خاطئة "، والإنجيل يقول إن السيد المسيح غفر لها وستر عليها لأنها أحبت كثيرًا، وصارت مثالًا، ونصلي بهذه القطعة في نصف الليل. 2) يستر علينا لأنه كليّ المحبة: الله محبة إي أن تفصيل شرح الله أنه محبة دائمة وحركة دائمة، في محبته يستر، ويعلن هذه المحبة، وتجلّت مع يعقوب ومع إيليا، ومحبة الله فيّاضة ليس لها حدود. ٣) الله يستر علينا لأنه نبع الأبوة: نقف دائمًا ونقول: "يا أبانا الذي في السموات"، وعندما نرشم شماسًا ويصير كاهنًا يصبح "أبونا".. كلمة الأبوة مفتاح، والله هو نبع الأبوة، ونحن نستمد هذه الأبوة من الله. والأبوة في أصلها ومعناها هي الستر والحماية. أروع مثال في الكتاب يشرح لنا الأبوة مثل الابن الضال، وكيف أن هذا الابن الذي أخطأ كل هذه الخطايا، عندما عاد وجد أحضان أبيه مفتوحة «وإذا كان لم يزل بعيدًا، رآه أبوة، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبله»، الأب يستقبل الابن، ويقدم له الهدايا، ويذبح العجل المُسمّن، ولكن الأهم يقدم له الحضن ويقبله، ولا يتأفّف منه. ولكن نرى في نفس القصة موقف الأخ الكبير فاقد الأبوة، ويتكلم على أخيه بكلمات ردية «ابنك هذا الذي أكل معيشتك مع الزواني»، وفضح أخاه، وكأنه يقول لأبيه: إنك لم تحسن تربيته. لكن الأب ستر وأرجع ابنه إلى رتبته الأولى. مثال آخر المرأة السامرية، هذه المرأة سُمِّيت باسم بلدها، لقد ستر الله عليها ولم يذكرها بالاسم حتي لا يفضحها، وكان الحوار معها كله مليء بالستر والحنان والعذوبة، وبدّل الله هذه الإنسانة التي كانت بعيدة جدًا وجعلها قديسة وكارزة ، ستر الرب عليها، وقادها إلى توبة، وصارت كارزة.. وهذا دور الله للإنسان، الله الذي يستر على الخليقة كلها صباحًا ومساءً ونأتي لدور الإنسان نحو أخيه الإنسان، يقول الرب يسوع: «لِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟».. لا يمكن أن تستر على أخيك بينما أنت تدينه، ومجالات ستر الإنسان على الإنسان: أ- ستر خصوصيات الآخر: كل واحد فينا له عائلة وأصدقاء ومعارف، ليس لك الحق في نقل خصوصيات الآخر ونقل أخباره. ويجب على المتزوجين أن يحافظوا على خصوصياتهم لأنه «بكلامك تتبرّر وبكلامك تُدان». مثال لذلك المرأة التي أُمسِكت في ذات الفعل، وأراد الناس أن يرجموها ولا ينظروا لخطيتهم، أمّا السيد المسيح فعالج الأمر بمنتهي الستر إذ انحنى وكان يكتب على الأرض، وبعض الآباء يقولون إنه كتب خطيتهم، وعندما رأوا خطيتهم أنزلوا الحجارة ومضوا، «وقال: إما دانك أحد؟... اذهبي ولا تخطئي»، وانتهت القصة. ب- حفظ خصوصيات سر الاعتراف: سر الاعتراف أحد الأسرار الأساسية في حياة كنيستنا، وهو يضبط ميزان ومسار الحياة الروحية للإنسان، ويضبط الطريق الروحي. وأب الاعتراف هو الكاهن والمرشد، وكل ما يسمعه في سر الاعتراف يجب أن يُحفَظ تمامًا. والكاهن الذي يفشي أسرار الاعتراف يستوجب العقاب. ولكن بعض الناس يعتقدون أن الكاهن يفشي سر الاعتراف لأنه قال حكاية في عظة، وقالها بدون تفاصيل، ولكن الناس تكون حساسة. سرية سر الاعتراف هي أحد صور الستر، ولذلك ممارسة سر الاعتراف من أصعب الممارسات التي يمارسها الكاهن، لأنه تتجمع عنده أحوال وخصوصيات آخرين، ولا يستطيع أن ينطق بحرف. وأحيانًا يكون في مأزق خطير عندما يسأله أحد في موضوع الارتباط، فيكون هناك نزاع بداخله. وأنصح الكاهن أن يتحلّى بالحكمة دون أن يفشي أي سر. استر على غيرك ما دمت محتاجًا للستر. كيف نقتني فضيلة الستر؟ أ- تذكر ستر الله لك: الله يستر علينا جميعًا، ومن لا يشعر بستر الله ويشكره عليه كل يوم هو إنسان جاحد. ب- تعلم أن تحب الآخرين مهما كانوا: أحبب الجانب الحلو الذي في الإنسان، الله عندما تحدث مع زكا والسامرية واللص اليمين اهتم بالكلمة الحسنة التي قالوها اعتبرها توبة، وركز في هذه الكلام ولم يركز في باقي الأخطاء السابقة، «لتكن محبتكم بعضكم لبعض شديدة لأن المحبة تستر كثرة من الخطايا»، و مار أفرام السرياني يقول: "التلذذ بعيوب الآخرين يدل أننا ممتلئين بغضة"، والقديس مكاريوس الكبير يقول: "يا أخي احكم على نفسك قبل أن يحكموا عليك"، والقديس موسي الأسود عندما سألوه ان يحضر محاكمة واحد من الرهبان، دخل معه جوال من الرمل وقال: "هذه خطاياي تجرى وارئي ولا أبصرها، وقد جئت اليوم لأحكم على غيرى". يجب أن نعيش بهذا الكلام، ونغيّر من سلوكنا، ونعرف أن الذي يسير في طريق السماء يتمتع بنعمة الستر من الله، وهو أيضا يستر على الآخرين. ج- تعلم أن لا تدين غيرك: وقد يتساءل البعض لماذا يوجد مجالس تأديب؟ ولكن هذا نظام في إدارة العمل. الأنبا أنطونيوس يقول: "لا تدن غيرك لئلا تقع في أيدي أعدائك". الذي يدين يقع في نفس الخطية التي أدان عليها، و"إذا أدنّا أنفسنا، لا يبقي لنا وقت لندين الآخرين"، "ليس أفضل أن يرجع الإنسان بالملامة على نفسه في كل شيء" العبارات كثيرة جدًا في موضوع الستر، لكن خلاصة الأمر أنك عندما تصلي صلاة الشكر وتقول "أشكرك يا رب لأنك سترتنا"، سترت حياتي في الماضي والحاضر، وسترت أسرتي الكبير والصغير فيها، وسترت على أصدقائي وعلى خدمتي وكنيستي ومجتمعي نعمة الستر نعمة غالية، حاول أن تشعر بها، واستر على كل من تعرفهم، وتعلم هذه الفضيلة. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
15 أكتوبر 2018

عصر سبي بابل - الجزء الثالث

(5) العودة من السبي + كورش الملك الوثني مسيح الرب صرخ الشعب إلى الله، وندموا على خطاياهم التي تسببت في سبيهم، وأحسوا باحتياجهم للعودة إلى أرضهم، وهيكلهم، وعلاقاتهم القديمة مع الله، واعترفوا بخطيتهم، وأخطائهم قائلين: "أنتَ بارٌّ في كُل ما أتَى علَينا لأنَّكَ عَمِلتَ بالحَق، ونَحنُ أذنَبنا ومُلوكُنا ورؤَساؤُنا وكهَنَتُنا وآباؤُنا لم يَعمَلوا شَريعَتَكَ، ولا أصغَوْا إلَى وصاياكَ وشَهاداتِكَ التي أشهَدتَها علَيهِمْ" (نح33:9-34) حينئذ سخّر الرب الملك الوثني "كورش" لخدمة شعب الله، وذلك بأن أمر بعودتهم إلى بلادهم، وتعمير أورشليم والهيكل وقد تنبأ إشعياء النبي عن هذا الملك الوثني باسمه قبل ولادته بأكثر من مائة عام قائلاً: "هكذا يقولُ الرَّبُّ لمَسيحِهِ، لكورَشَ الذي أمسَكتُ بيَمينِهِ لأدوسَ أمامَهُ أُمَمًا، وأحقاءَ مُلوكٍ أحُلُّ، لأفتَحَ أمامَهُ المِصراعَينِ، والأبوابُ لا تُغلَقُ: أنا أسيرُ قُدّامَكَ والهِضابَ أُمَهدُ أُكَسرُ مِصراعَيِ النُّحاسِ، ومَغاليقَ الحَديدِ أقصِفُ وأُعطيكَ ذَخائرَ الظُّلمَةِ وكُنوزَ المَخابِئ، لكَيْ تعرِفَ أني أنا الرَّبُّ الذي يَدعوكَ باسمِكَ، إلهُ إسرائيلَ لأجلِ عَبدي يعقوبَ، وإسرائيلَ مُختاري، دَعَوْتُكَ باسمِكَ لَقَّبتُكَ وأنتَ لستَ تعرِفُني أنا الرَّبُّ وليس آخَرُ لا إلهَ سِوايَ نَطَّقتُكَ وأنتَ لم تعرِفني" (إش1:45-5)وقد وصفه إشعياء النبي بصفات عجيبة، بالرغم من أنه ملك وثني مثل:- "راعيَّ" (إش28:44). "مسيح الرب" (إش1:45). "رجل مشورتي" (إش11:46). "قد أحَبَّهُ الرَّبُّ" (إش14:48). "كُلَّ مَسَرَّتي يُتَممُ" (إش28:44). " الكاسِرَ" (إش11:46). هذا يوضّح كيف يستخدم الله حتى غير المؤمنين لخدمة كنيسته وقد قيل إن هذه النبوات قُرأت أمام كورش فسُّر بها، وسمع من خلالها صوت الإله الحقيقي، الذي يبارك خطواته، وحياته مما جعله يُطيع النبوة: "القائلُ عن كورَشَ: راعيَّ، فكُلَّ مَسَرَّتي يُتَممُ ويقولُ عن أورُشَليمَ: ستُبنَى، وللهيكلِ: ستؤَسَّسُ" (إش28:44)علمًا بأن هذه النبوات التي قيلت عن كورش كمُخلِّص زمني لإسرائيل من السبي يمكن أيضًا أن تفهم بالبعد المسياني على أنها نبوات عن تجسد الله الكلمة لخلاص كل العالم من السبي الروحي. + العودة من السبي:- نبَّه روح الله كورش، فأطلق نداءه بالسماح لمَنْ يريد من المسبيين من اليهود، بالعودة إلى وطنهم، لبناء هيكل إله السماء: "نَبَّهَ الرَّبُّ روحَ كورَشَ مَلِكِ فارِسَ فأطلَقَ نِداءً في كُل مَملكَتِهِ وبالكِتابَةِ أيضًا قائلاً: هكذا قالَ كورَشُ مَلِكُ فارِسَ: جميعُ مَمالِكِ الأرضِ دَفَعَها لي الرَّبُّ إلهُ السماءِ، وهو أوصاني أنْ أبنيَ لهُ بَيتًا في أورُشَليمَ التي في يَهوذا" (عز1:1-2) وبدأ بعض المسبيين في العودة من السبي إلى بلادهم، وبدأت مع هذه العودة المباركة، نهضة روحية قادها بعض رجال الله القديسون. وكانت هذه العودة من السبي على أربعة مراحل:- (1) المرحلة الأولى:- عاد الفوج الأول من السبي بقيادة زربابل ويهوشع رئيس الكهنة: "آخُذُكَ يا زَرُبّابِلُ عَبدي ابنُ شألتيئيلَ، يقولُ الرَّبُّ، وأجعَلُكَ كخاتِمٍ، لأني قد اختَرتُكَ، يقولُ رَبُّ الجُنودِ" (حج23:2) وقد ذُكر خبر هذا الرجوع في سفر عزرا الأصحاح الثاني"وهؤُلاءِ هُم بَنو الكورَةِ الصّاعِدونَ مِنْ سبيِ المَسبيينَ، الذينَ سباهُمْ نَبوخَذناصَّرُ مَلِكُ بابِلَ إلَى بابِلَ، ورَجَعوا إلَى أورُشَليمَ ويَهوذا، كُلُّ واحِدٍ إلَى مَدينَتِهِ. الذينَ جاءوا مع زَرُبّابَلَ" (عز1:2-الخ)هؤلاء العائدون بنوا المذبح لإصعاد الذبائح والمحرقات، علامة العودة إلى عبادة الله الحي، بعد توقف هذه الذبائح طيلة فترة السبي (عز2:3-3). ولكن بسبب مضايقات الأعداء، توقفوا عن بناء الهيكل، إذ تم استصدار أمر ملكي من بابل بإيقاف العمل في البناء، نتيجة الوشاية لدى الملك (عز1:4-5). (2) المرحلة الثانية:- بعد نحو 16 سنة من النهضة الأولى قام حجي وزكريا النبييْن ببناء الهيكل، والاحتفال بعيديْ الفصح والفطير، وذلك بعد أن حنّن الرب قلب داريوس الملك؛ فأصدر أمرًا ملكيًا باستكمال العمل في بناء الهيكل، وكذلك تنبيه حجي وزكريا للشعب أن يلتفتوا إلى بناء الهيكل (عز1:6-3)، ولا يكتفوا بأنهم بنوا منازلهم الفخمة وسكنوا فيها: "هل الوَقتُ لكُمْ أنتُمْ أنْ تسكُنوا في بُيوتِكُمُ المُغَشّاةِ، وهذا البَيتُ خَرابٌ؟ والآنَ فهكذا قالَ رَبُّ الجُنودِ: اجعَلوا قَلبَكُمْ علَى طُرُقِكُمْ زَرَعتُمْ كثيرًا ودَخَّلتُمْ قَليلاً تأكُلونَ وليس إلَى الشَّبَعِ تشرَبونَ ولا تروونَ تكتَسونَ ولا تدفأونَ والآخِذُ أُجرَةً يأخُذُ أُجرَةً لكيسٍ مَنقوبٍ هكذا قالَ رَبُّ الجُنودِ:اجعَلوا قَلبَكُمْ علَى طُرُقِكُمْ اِصعَدوا إلَى الجَبَلِ وأتوا بخَشَبٍ وابنوا البَيتَ، فأرضَى علَيهِ وأتَمَجَّدَ" (حج4:1-8)، وكذلك تنبأ زكريا النبي عن بناء أورشليم قائلاً: "قد رَجَعتُ إلَى أورُشَليمَ بالمَراحِمِ فبَيتي يُبنَى فيها، يقولُ رَبُّ الجُنودِ" (زك16:1). (3) المرحلة الثالثة:- قادها عزرا النبي بناءً على أوامر من أرتحشستا الملك، بعودة مَنْ يريد من الباقين من السبي، إلى أورشليم "مِنْ أرتَحشَشتا مَلِكِ المُلوكِ، إلَى عَزرا الكاهِنِ كاتِبِ شَريعَةِ إلهِ السماءِ الكامِلِ، إلَى آخِرِهِ قد صَدَرَ مِني أمرٌ أنَّ كُلَّ مَنْ أرادَ في مُلكي مِنْ شَعبِ إسرائيلَ وكهَنَتِهِ واللاويينَ أنْ يَرجعَ إلَى أورُشَليمَ معكَ فليَرجِعْ" (عز12:7-13)، وبعد هذه العودة قرأ عزرا الشريعة على الشعب وألزمهم بتنفيذها "لأنَّ عَزرا هَيّأَ قَلبَهُ لطَلَبِ شَريعَةِ الرَّب والعَمَلِ بها" (عز10:7)وكانت هذه أيضًا نهضة روحية رائعة لشعب الله، بسبب العودة إلى كلمة الله وقراءتها بروح التوبة، والغيرة المقدَّسة. (4) المرحلة الرابعة:- قادها نحميا النبي بعد نحو 14 سنة من النهضة الثالثة (راجع نحميا1:2-8)، وبنى أسوار أورشليم، وعمَّر المدينة، وذلك بعد تجميع الشعب وتحفيزه، وبعد طلب مشورة الرب وتدعيمه وكانت أيضًا عودة بناء أسوار أورشليم والهيكل سببًا في بعث الغيرة المقدَّسة للشعب، مما دفعهم لتجديد العهود مع الله، وإحياء روح ذبيحة التسبيح. (6) النهضة الروحية المصاحبة للعودة من السبي بالطبع كانت عودة الشعب إلى أرضه المقدَّسة سببًا في عودة الروح إليه، وبدأ الناس يفكرون من جديد في إلههم وبدأوا يعودون إلى عبادته المقدسة. فكان من أبرز علامات النهضة الروحية التي صاحبت العودة من السبي عودة ذبيحة التسبيح إلى مكانتها ومجدها اللائقَين بها. نيافة الحبر الجليل الانبا رافائيل أسقف عام وسط القاهرة
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل