المقالات
18 نوفمبر 2021
شخصيات الكتاب المقدس دانيال
دانيال
" يا دانيال، أيها الرجل المحبوب "" دا10: 11 "
مقدمة
كانت حياة دانيال، من أولها إلى آخرها، حياة حافلة بالأزمات، ولقد شاء له اللّه أن يؤخذ وهو غض صغير، ربما لم يكن يتجاوز السابعة عشرة من عمره، إلى السبى منذ السنة الأولى ليقضى فى بابل عمره بأكمله هناك، أو مدة سبعين عاماً أو تزيد، حتى أيام كورش وداريوس المادى مما جعل البعض يعتقد أنه بلغ التسعين من العمر، أو حول ذلك، حين انتهت حياته ورسالته على الأرض،... ولم تكن حياة السبى هينة يسيرة سهلة، بل هى الحياة التى امتلأت بالأزمات بكل ألوانها وصنوفها، من إغراء أو تهديد، ما بين أطايب الملك وجب الأسود،... وكان من الواضح أن قصد اللّه من دانيال أو من زملائه الثلاثة الفتية، أن يكونوا صورة ومثالا للمسبيين، وكيف يعيش الإنسان فى أسوأ الظروف، وأدق الأوقات، مرتفعاً منتصراً على التجارب والمآسى، التى يمكن أن تعترض طريقه، دون أن تفتنه حدائق بابل المعلقة، أو يفزعه أتونها المتقد سبعة أضعاف، أو زئير أسودها فى جب الأسود.ولعله من المناسب أن نشير ههنا إلى أن دانيال من الشخصيات القليلة الذى - رغم التجارب التى أحاطت به - لم يدون عنه كتاب اللّه خطأ معينا أو سقطة ظاهرة، فهو من هذا القبيل أشبه بيوسف، ويشوع، وصموئيل، ممن لا تعرف عنهم إنحرافاً فى جانب من جوانب الحياة، وليس معنى ذلك أنهم كانوا معصومين، فالمعصوم هو الواحد الأحد الذى قال: « من منكم يبكتنى على خطية » " يو 8: 46 " غير أن الأسماء المشار إليها، شاء لها اللّه أن تكون أنوار عصرها، بل أن تعيش فى التاريخ نماذج رائعة تهدى العابرين السبيل، والمنعطفين هنا أو هناك فى مساء الحياة المتعبة القاسية الشديدة المنكوبة!!..
ولعلنا نرى دانيال بعد ذلك فيما يلى:-
دانيال ومن هو:-
الاسم « دانيال » يعنى « اللّه قاضى » ولقد عاش هذا الرجل طوال حياته على الأرض، وهو يتطلع إلى اللّه القاضى العادل، وهو يتصرف فى الحياة دون أن يبالى بالناس، لأنه يعلم أن قضيته ليست فى يد بشر، بل فى يد اللّه الذى يحكم بعدل،... كان من أعلى الطبقات فى بلاده ومن النسل الملكى كما هو واضح فى سفره، ونحن لا نعلم شيئاً عن أبيه وأمه، لكننا يمكن أن نتصور أنه تربى فى سنواته الأولى تحت يدى معلمين عظيمين، البيت، والألم،.. ولا يمكن أن أصدق أن شاباً يتصرف هكذا، فى أرض غريبة، بعيداً عن كل رقابة أو ملاحظة من أحد، دون أن تكون نشأته، وبيته، وتربيته مرتبطة ارتباطاً عميقاً باللّه،.. إنه أشبه الكل بموسى، عندما حصنه البيت، قبل أن يدخل داخل أسوار قصر فرعون، وقبل أن يحاط كصبى بأقوى عوامل الإغراء التى يمكن أن يتعرض لها صبى فى الحياة،... وربما كانت أم دانيال أشبه بيوكابد التى جعلت ابنها يعيش، فى كل شئ داخل أسوار القصر، ولكن قلبه كان على الدوام فى مكان آخر، وبصورة أخرى!!.. كان البيت هو المعلم الأول لموسى، ولدانيال، وكان الألم هو أيضاً المعلم الثانى - والألم فى العادة يهبط بالإنسان إلى القاع أو يرفعه إلى مصاف الأبطال، وقد صنع من دانيال بطلا عظيماً، فأنت ترى نفسك فى العادة وأنت تقرأ قصته، أنك أمام إنسان ممتاز غير عادى، عاش منكوباً فى وطنه وشعبه، وعاش منكوباً فى وسط التجارب المتعددة التى لاحقت حياته، ولكنه كان أشبه بالمعدن النفيس يزداد بالاحتكاك جمالا ولمعاناً،... كان جميل الوجه حسن المنظر، وربما كان كموسى أو يوسف فى فتنة المظهر، إذ أنه والثلاثة فتية اختيروا ليدخلوا الأكاديمية العلمية التى أنشأها نبوخذ ناصر، وليدرسوا فيها ثلاث سنوات، وكان من الشروط الأساسية أن يجتازوا ما يطلق عليه فى وقتنا الحاضر « كشف الهيئة » « من الشرفاء فتيانا لا عيب فيهم حسان المنظر حاذقين فى كل حكمة وعارفين معرفة وذوى فهم بالعلم، والذين فيهم قوة على الوقوف فى قصر الملك فيعلموهم كتابة الكلدانيين ولسانهم» " دا 1: 3 و4 " وكان القصد من هذه الأكاديمية جذب خلاصة الطبقات القائدة من الشعوب المغلوبة، وكلدنتهم إذا صح التعبير، وتغيير منهج حياتهم، إلى الدرجة التى ينسون معها أسماءهم القديمة، ويعطونهم أسماء كلدانية، حتى أن دانيال أعطوه اسم « بلطشاصر » أو « أثيربيل » أو المفضل من بيل.. وكان الهدف، كما هو واضح، زحزحتهم عن قومياتهم الأولى، وإدماجهم فى القومية الكلدانية مع إغراقهم بالإمتيازات والإغراءات، حتى يصلوا إلى نسيان أصولهم الأولى!! غير أن دانيال مع ذلك، لم يكن جميل الوجه فحسب، بل كان يملك الجمال المثلث على نحو فائق ممتاز، إذ كان جميل الوجه، والعقل، والإرادة. له، إلى جمال المظهر الخارجى، الذكاء الحاد الأريب، مع إرادة قدت من فولاذ، تعرف أن تقف إلى جوار اللّه والحق والحياة السليمة دون أدنى تردد أو شبهة أو خوف!! كانت شجاعة دانيال خارقة للعادة، تلك الشجاعة التى لازمته طوال حياته، والنابعة من مبادئه وتقاليده، وأن أعظم شجاعة فى الحياة، أن يكون الإنسان نفسه كما يعتقد ويريد، لا أن يكون ممسوخاً فى وسط الآخرين، يحاكيهم ويشاكلهم، ويسير على دربهم فى الصواب والخطأ على حد سواء، فإذا خلا إلى نفسه أنكر ما فعل أو برر قصته بأن ضغط الظروف أكرهه على ذلك،... كان دانيال شجاعاً فى السابعة عشرة من عمره وكان شجاعاً فى التسعين من العمر، كان شجاعاً أمام الإغراء، وكان شجاعاً أمام التهديد والوعيد،... كان شجاعاً وهو يرفض مائدة الملك، وكان شجاعاً وهو يواجه عطايا الملك، أو جب الأسود،... لم يتذبذب قط فى شجاعته أو يتراجع عنها، أو يغطيها بما يقال إنه الحكمة أو ما أشبه من تعليلات الناس!!... كان شجاعاً عندما وضعت أمامه أطايب الملك، وهو صغير فى وسط مئات الشباب، ممن يحلمون بمجد العالم، وممن يسرعون إلى محاكاة بعضهم البعض، أو ممن يستطيعون أن يعتذروا أمام أنفسهم، بأنهم مكرهون، ولا حرية لهم فى القول أو الاختيار كما يفعل آلاف الشباب على وجه الأوض! وكان شجاعاً فى مواجهة بيلشاصر الملك، وهو ممتلئ من الغضب والسخط المقدس، عندما ادخل إليه فى حفله الذى صنعه لقواده وعظمائه، وكان الحفل ماجناً معربداً، وقد صنعه - على الأرجح - لسببين، يقصد من ورائهما تقوية روح قواده وجنوده المعنوية. إذ أن عاصمته كانت فى ذلك الليلة محاصرة بقوات مادى وفارس، وكان لابد لذلك أن يفعل شيئاً فى مواجهة الحصار فجمع العظماء والقادة إلى حفل كان فى واقع الأمر حفلاً دينياً يطلب فيه معونة الآلهة لشد أزره إزاء الجيوش المهاجمة، وقد أراد أن يسترض آلهته هذه بأن يجعلها فوق جميع الآلهة والأديان. وفى الوقت نفسه أراد أن يثبت شجاعته، ففعل الشئ الذى لم يجرؤ نبوخذ ناصر على فعله، إذ تحدى إله إسرائيل بأن أمر بإحضار الآنية المقدسة التى أحضرها نبوخذ ناصر من الهيكل واستعملها فى الشرب واللهو والمجون.... وعندما ظهرت له اليد التى تكتب على مكلس الحائط إزاء النبراس، وفسر دانيال له الكتابة،... وأراد الملك مكافأته، كان جواب دانيال: « لتكن عطاياك لنفسك وهب هباتك لغيرى » " دا 5: 17 " وهو جواب خشن خال من الزلفى والتملق، وأكثر من ذلك وبخ الملك توبيخاً صارخاً إذ ذكره بما حدث مع نبوخذ ناصر، وكيف أنه لما تكبر ولم يتعظ، وارتفع قلبه وتعالى أمام اللّه، أسقطه القدير على الصورة المفزعة، إذ جعله حيواناً مثل أدنى الحيوانات!!.. ولم تتذبذب شجاعة دانيال قط، وهو فى التسعين من عمره أو ما يقرب من ذلك وهو يواجه جب الأسود، ويأبى أن يقفل كواه لمدة شهر، ليصلى فى سره، وقد كانت صلاته علنية أمام الجميه،... كان الرجل من أشجع الناس الذين ظهروا على وجه الأرض، فى عصره وعلى مر التاريخ أيضاً!!.لم تكن هذه الشجاعة نوعاً من الإندفاع، أو الحماقة، أو التهور، أو التعصب، أو ما أشبه - بل كانت تستند إلى المبدأ الصحيح المرتبط باللّه،... كان دانيال يؤمن بأن المؤمن إنسان يعيش فى العالم، ولكنه ليس من العالم.... وهو إنسان يحيا مع الناس، ولكنه لا يعيش كما يعيش الناس،.. بل أنه لابد أن يحيا نوعاً من العزلة النبيلة التى لا تجرى مع تيار الأيام، واندفاع العالم،... فإذا كانت أطايب الملك امتيازاً فى نظر غيره من الشباب، فهى نجاسة عنده، لقد كانت هذه الأطايب فى العادة نوعاً من اللحوم المحرمة على اليهودى، أو التى كانت تقدم للآلهة الوثنية، ويؤخذ منها الطعام فى القصر الملكى، فليأكل غيره من الشباب منها ما طاب لهم، ولو أكل جميع الشباب، فإن هذا لا يغير من نجاستها وإثمها، والتى تجعله ينفصل عن الجميع بالعزلة النبيلة، وقد كان هذا الشاب عظيماً، لأنه لم يحاول أن يسكت ضميره، أليس له حرية الاختيار، وإذا كان رئيس الخصيان يخشى على رأسه فيما لو غير نظام أكلهم، فكم بالحرى يكون الأمر بالنسبة للشاب نفسه أو زملائه الفتية الثلاثة؟!!... لقد أدرك دانيال أن النجاسة لا يمكن أن تعطيها اسماً آخر، فهى نجاسة مهما يصورها الآخرون أو يعطونها من أسماء أو صور،.... وهو أهون عليه أن يموت نبيلاً مقدساً، من أن يعيش حيواناً منجساً،... وهو واثق تماماً من أن طعامه العادى أفضل وأجمل، وأنه يعطيه من القوة أو الصحة، مالا يمكن أن يجرها عند الآخرين!!.. وقد نجح دانيال منذ القديم فى هذا الامتحان!!.. والشجاعة عند دانيال لا يمكن أن يسكتها الجاه أيضاً، فالجاه الحقيقى من اللّه، وليس من ملك أو إنسان، فإذا كافأه الملك بيلشاصر بأن « « يلبسوا دانيال الأرجوان وقلادة من ذهب فى عنقه وينادوا عليه أن يكون متسلطاً ثالثاً فى المملكة »... فإن جاه هذا الملك لن يأتى الليل قبل أن ينتهى ويذهب، بمصرعه هو فى الأرض، وهكذا الذين يبحثون عن جاه الملوك أو نفوذهم، وهم لا يعلمون أن هذا الجاه - طال أو قصر - لابد سيذهب مع الريح، إذ هو فى الحقيقة قبض الريح، فى قول سليمان المشهور: « باطل الأباطيل الكل باطل وقبض الريح ». والشجاعة الصحيحة ألا يرضى الإنسان بالجاه المزيف حتى ولو تدثر بالأرجوان أو جمل وساماً أو قلادة ذهبية مهما يكن منظرها ومظهرها أمام الناس!! فإذا عجز الإغراء، سواء فى الأطايب أو فى المركز، عن إسقاط الرجل، فإن الامتحان القاسى يكون فى الجب مع الأسود، ويكون فى الشيخوخة أمام ضعف الجسد ووهنه،... وهنا تصل الشجاعة إلى ذروتها الحقيقية، وتحكم العزلة النبيلة الرجل،. كان ديموستينيس أخطب خطباء اليونان، وقد عجز الأعداء عن أن يسكتوا فصاحته بأية صورة من الصور، فما كان منهم إلا أن رشوه، وإذا به يتلعثم، وعندما سأل البعض عن سر لعثمته هذه،... قال آخرون: لقد بح صوته من الذهب،... أما صوت دانيال فقد ارتفع فوق صوت الذهب، وزئير الأسود،... لقد وقف دانيال ضد الفساد والرشوة: « ثم أن الوزراء والمرازبة كانوا يطلبون علة يجدونها على دانيال من جهة المملكة، فلم يقدروا أن يجدوا علة ولا ذنباً لأنه كان أميناً ولم يوجد فيه خطأ ولا ذنب، فقال هؤلاء الرجال لا نجد على دانيال هذا علة ألا أن نجدها من جهة شريعة إلهه » " دا 6: 4 و5 " كان هؤلاء الرجال يرفعون ملوكهم إلى درجة العبادة، كما فعلت روما فيما بعد، إذ كان الاعتقاد أن الآلهة تسكن الملوك، ومن ثم فهم جديرون بالعبادة، ومن لا يعبدهم فإنما يحتقرهم ويحتقر الآلهة التى يمثلونها، وكان هذا هو الشرك الذى نصب بذكاء ودهاء لداريوس الملك، وسقط فيه، وهو لا يعلم،... ولكن دانيال وإن كانت علاقته بالملك قوية وكريمة، إلا أنها تقف عند حد لا يمكن أن تتجاوزه، فهو يعطى لداريوس ما هو لداريوس، ويعطى للّه ما هو للّه،.. وهو يعلم طوال حياة السبى ما بين السابعة عشرة، والتسعين من العمر، أن اللّه جعله بين المسبين قوة ومثالاً،... وهو لا يمكن أن ينحرف قيد أنمله عن هذه الحقيقة كانت عادته الدائمة التى لا يمكن أن يقلع عنها هى الصلاة ثلاث مرات يومياً والكوى مفتوحة تجاه أورشليم حيث هناك قلبه وعقيدته ودينه وإيمانه، وهو لا يستطيع أن يغلق النافذة، وقد جعله اللّه شاهداً، ولا مانع عنده من أن يكون شهيداً، وخير له أن يموت دون أن يجدوا فيه علة إلا من جهة شريعة إلهه، من أن يعيش وقد سقطت شجاعته ومثاليته أمام الكلدانيين والمسبيين على حد سواء!!... لقد عاش الرجل فى جاهه منعزلا عن أسلوب الأخرين من القادة،... وكان أميناً ونبيلاً فى هذه العزلة أيضاً!!... إن قصته على الدوام تذكرنا بقول الرسول: « لا تشاكلوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم » " رو 12: 2 " « لأنه أية خلطة للبر والإثم. وأية شركة للنور مع الظلمة وأى اتفاق للمسيح مع بليعال. وأى نصيب للمؤمن مع غير المؤمن. وأية موافقة لهيكل اللّه مع الأوثان. فإنكم أنتم هيكل اللّّه الحى كما قال اللّه إنى سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لى شعباً. لذلك اخرجوا من وسطهم واعتزلوا يقول الرب ولا تمسوا نجساً فأقبلكم، وأكون لكم أبا وأنتم تكونون لى بنين وبنات يقول الرب القادر على كل شئ» " 2 كو 6: 14 - 18 " على أن العزلة عند دانيال لم تكن نوعاً من التصوف، بمفهوم الزهد أو الامتناع عن الطعام، كما يفعل المتصوفون، لأن الزهد عند دانيال كان دائماً مصحوباً بغرض معين، فهو زاهد أو متصوف بالنسبة لكل ما ينجس النفس، حتى ولو سال له لعاب الآخرين،... ويعتقد « كلفن » أن دانيال عندما كان ينصرف من القصر الملكى أو يبعد عن الحفلات، كان يأكل ما يحلو له من طعام أو شراب، لأن الأكل فى ذاته لا يقدم ولا يؤخر، إلا بالقدر الذى يعطى للّه مجداً، أو يعثر الآخرين، أو يقودها إلى عبادة الجسد، والانصراف عن الروح التى هى أعلى واسمى من الجسد، بما لا يقدر أو يقاس،... وهو يمكن أن يتذلل فى وقت الأزمات والنكبات والضيق والحيرة والنوح، كما جاء فى الأصحاح العاشر من سفره: « فى تلك الأيام أنا دانيال كنت نائماً ثلاثة أسابيع أيام لم آكل طعاماً شهياً ولم يدخل فى فمى لحم ولا خمر ولم أدهن حتى تمت ثلاثة أسابيع أيام » " دا 10: 2 و3 " ومن المستفاد بمفهوم المقابلة، إنه كان يأكل ويشرب ويدهن فى الأوقات العادية، إلا أنه هنا كان نائماً وهو يبحث عن مصير شعبه والمستقبل، وكان ولا شك مشغولا بالصلاة إلى أن جاءته رؤيا السماء!! ومن اللازم أن نشير أيضاً إلى أن الرجل كان مشهوراً بالحكمة الفائقة، التى جعلت حزقيال فى مطلع الأصحاح الثامن والعشرين من سفره، وهو يتنبأ عن رئيس صور الذى ظن أنه أوتى من الحكمة مرتبة الآلهة، وإذا باللّه يوبخه: « ها أنت أحكم من دانيال، سر مالا يخفى عليك » "حز 28: 3 " ودانيال دائماً كان يواجه المعضلات والأسرار بذهن حكيم بارع فى الرأى والمشورة والحكمة، وقد رآه نبوخذ ناصر بالمقارنة بالحكماء والمجوس وعلماء الإمبراطورية عشرة أضعاف فى الحكمة والفهم ولا شبهة فى أن هذه الحكمة كانت فى أسمى صورها هى ما يطلق عليه الشفافية، أو الإلهام، أو الحكمة النازلة من فوق،... ومن المعتقد أنه فى الأكاديمية العلمية فى مطلع الشباب، كان وأخوته الفتيان الثلاثة من المنكبين على الدرس، المجتهدين فى التحصيل، الباذلين أقصى جهد فى المعرفة والعلم،... لكن دانيال كان يعلم علم اليقين أن اللّه يلهم الإنسان، ويرشده وينصحه بكل ما يتجاوز حدود المعرفة والإدراك البشرين وذلك لأن « سر الرب لخائفيه وعهده لتعليمهم »، " مز 25: 14 "، ومن واجبنا ونحن نذكر قصة الرجل، أن نذكر شبابنا المقبلين عن المعرفة والآخذين بأسباب العلم، أن اللّه لا يسر كثيراً بمجرد الدراسة أو التعلم، بل أكثر من ذلك بالتفوق فيها!!..
دانيال وكواه المفتوحة :-
على أنك لا تستطيع أن تعرف هذه الشخصية على حقيقتها، إلا إذا صعدت إلى علية الرجل وأدركت عادته العظيمة اليومية التى لا تتغير: « فلما علم دانيال بإمضاء الكتابة ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة فى عليته نحو أورشليم فجثا على ركبتيه ثلاث مرات فى اليوم وصلى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك » " دا 6: 10 " ونحن نرى الرجل، فى ولائه وإيمانه، وتعبده،... أما الولاء، فمن الواضح أنه كان مركزاً فى أورشليم، وهو لا يستطيع أن يصبح أو يمسى دون أن يتطلع إلى مكان أحلامه، وأشواقه، إلى المدينة التى فارقها منذ سبعين عاماً، ولكنها لم تفارق قلبه وإحساسه، ومشاعره، هى حبيبته العظمى، التى تملك عليه كل المشاعر والحنين والعواطف، منذ تركها صبياً يافعاً طوال سنى السبى القاسية، هى عصارة الأمل والألم، والحزن والحب، والشوق والحياة: « إن نسيتك يا أورشليم تنسى يمينى... ليلتصق لسانى بحنكى إن لم أذكرك إن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحى ».. " مز 137: 5 و6 " ولعله غنى هذا المزمور آلاف المرات وهو يمد خياله إلى المكان البعيد البعيد، من هناك من بابل، من كواه المفتوحة كل يوم، نحو أورشليم،.. وما هى أورشليم بالنسبة لى ولك؟.. هى كنيسة اللّه العلى، عمود الحق وقاعدته، عروس المسيح، وحبيبتنا المفضلة على كل حب فى الأرض!!... فهل نحبها ونتطلع إليها، ونحلم بها، ونفكر فى مجدها، كما كان يفعل الرجل القديم تجاه مدينة أحلامه أورشليم!!؟.على أنه، وهو يفعل هذا، لم يكن ولاؤه مجرد حنين إلى تراب الوطن، أو اتجاه إلى مدينة تحولت أطلالاً وخرباً،... لقد كانت المدينة رمز إيمانه باللّه، وحبه لسيده العلى،... وما حبه لها، إلا حباً للّه نفسه، وإتجاهاً إليه، والإحساس بمعنى الوجود مرتبطاً به،... فإذا كان لغيره أن يتصور القبة الزرقاء فوقه ولا تزيد عن الصحن المقلوب، فإن دانيال كان يراها - على العكس - تحدثه عن جلال اللّه ومجده وعظمته وجوده: « السموات تحدث بمجد اللّه. والفلك يخبر بعمل يديه » " حز 19: 1 " ومن هنا نرى الرجل فى العادة المتأصلة فيه والتى أضحت كيانه اليومى، يظهر به واضحاً للجميع فى العبادة ثلاث مرات كل يوم!!... وهل لنا أن نقف هنا، أمام صورة من أجمل الصور وأعظمها لهذا المتعبد وهو يبدو أمامنا فى صورة المتعبد الوديع الذى يركع مهما عظم شأنه فى حضرة اللّه،... عندما سئل الأمبراطور قسطنطين على أى وضع يمكن أن يصنعوا تمثاله، أجاب: إصنعوا تمثالى وأنا راكع على ركبتى!!... فى حفل تتويج الملكة فيكتوريا قيل لها أن تظل جالسة على عرشها، ولو وقف جميع الحاضرين، بينما ترنم الجماهير معزوفة المسيا لهانول، فلما بدأوا الترنيم وقف النواب والأشراف والإكليروس بروؤس مكشوفة، وبقيت الملكة الشابة جالسة على عرش القوة والسلطان، تمييزاً لها عن الشعب كله، ولكن لما تقدم المرنمون إلى الدور الثانى، ظهر التأثر على وجه الملكة، ولما وصلوا إلى قولهم: « وملكه من الآن وإلى الأبد ».. ارتعشت وعندما هتفت الأصوات محمولة على أجنحة الرياح: « ملك الملوك ورب الأرباب » أنتصبت الملكة واقفة على قدميها ورفعت التاج من فوق رأسها لأنها شعرت أنها فى حضرة اللّه الذى ملكه إلى أبد الآبدين، وهو يسود على لكل!! ولعل البعض يذكر تلك الأسطورة القديمة التى تتحدث عن الملك الذى شغف بالبحث عن صليب المسيح، والذى قيل إنه خرج ليبحث عنه، وحصل عليه بعد حروب طويلة،... وعاد فى موكبه الظافر إلى مدينة أورشليم، ليجد فى الحلم الأبواب مغلقة أمامه..، وتقول الأسطورة إن ملاكاً ظهر له وقال: ها أنت أحضرت الصليب فى موكب حافل، ولكن صاحبه لم يحمله وهو خارج من المدينة هكذا،... لقد خرج به يحمله على ظهره العارى!!.. وعند ئذاك خلع الملك ثيابه وحمل الصليب، والقصة تقول إن المدينة فتحت أبوابها فى الحال أمامه!!.. كان العامل الفقير يركع فى حضرة اللّه،... وأبصر إلى جواره من يركع، فتزحزح كثيراً، إذا كان الراكع إلى جواره دوق ولنجتون الذى هزم نابليون فى معركة ووترلو... على أن الدوق قربه إليه وهو يقول: نحن أمام اللّه سواء!! وكان دانيال المتعبد الشاكر، ومن العجيب أن الرجل فى صلاته كان يصلى ويحمد، وهو أمام خطر جسيم،... لقد كانت له الشركة العميقة مع اللّه، التى علمته الحمد والشكر حتى ولو كانت عواصف الحياة القاسية تحيط به، والزوابع تلفه من كل جانب، لقد أدرك أمانة اللّه فى كل سنوات سبيه وأسره، وهو لن يكون جحوداً تجاه إله لم يتخل عنه قط طوال هذه السنين وكان المتعبد الظاهر الذى لم يخجل قط من المجاهرة بإيمانه أمام الكل، لقد عرفه خصومه بأنه الرجل الذى لا علة فيه إلا من جهة شريعة إلهه،... وعرفه داريوس الملك بدانيال: « ياعبد اللّه الحى هل إلهك الذى تعبده دائماً قدر على أن ينجيك من الأسود » " دا 6: 20 " دعا أحد ملوك الشرق الأقصى قائداً بحرياً من بلاد الغرب ليتناول طعام الغداء معه، وإذ جلسا على المائدة انحنى القائد المسيحى وشكر اللّه على الطعام، فاندهش الملك وقال: ولكن هذا لا يعمله إلا المرسلون!؟؟ فأجاب القائد: وأنا أيضاً مرسل!!؟.. لم يحاول دانيال قط أن يغير من عادته، ويغلق ولو لمدة ثلاثين يوماً كواه المفتوحة!! وكان المتعبد الطاهر النظيف القلب واليدين،... لقد كان عفا أميناً فى عمله، لم يستطيع جميع الوزراء أو المرازبة أن ينسبوا إليه فساداً أو شراً، فى بلاد امتلأت بكل ألوان المفاسد والشرور،... لم يكن دانيال مزدوج الشخصية يحيا حياتين، أو يعيش أسلوبين، أو يتقمص شخصيتين، إنه لم يكن مثل رجل قال عنه أحد الشباب للواعظ المشهور هنرى دراموند: ياسيدى هل ترى الشخص الواقف هناك؟ فأجابه دراموند: نعم.. قال الشاب: إن هذا الشخص هو رئيس نادينا المشهور بالإلحاد... فذهل دراموند إذ كان الرجل أحد الشيوخ فى كنيسة من الكنائس، ومن الغريب أن يكون شيخاً فى الكنيسة وشيخاً فى الإلحاد!! وكان دانيال آخر الأمر، المتعبد المصلى... إذ كان يؤمن بالصلاة وفاعليتها، وهو يعلم أنه يستطيع أن يواجه كل أوضاع الحياة بالصلاة،... عندما قبض النازى على أسقف هانوفر، أخذوه إلى برلين، ووضعوه فى زنزانه فى أعلى السجن فى مركز الشرطة وهناك وعندما صب الحلفاء غاراتهم القاسية على برلين، كان النازيون يتركونه هناك بعد أن يغلقوا عليه الزنزانه، ويهرعون هم إلى المخابئ، فكان الرجل القديس يفتح الكوة ويصلى للّه، وقد أنقذته العناية، لأنه وضع رجاءه فى النافذة المفتوحة التى تطل نفسه منها على اللّه!!... وهكذا كان الرجل القديم دانيال رجل الصلاة!!.
دانيال والجزء الإلهى :-
عندما تحدث كرس موريسون، والذى كان رئيس أكاديمية العلوم بنيويورك، عن السبعة الأسباب العلمية التى تجعله يؤمن باللّه، كان السبب السادس فى نظريته هو التوازن بين القوة والمقاومة فى الحياة،... وأورد لذلك قصة « التين الشوكى » والذى زرع من سنوات فى استراليا بدافع الرغبة فى التحصين الوقائى من الأعاصير وما أشبه، ولما لم تكن الحشرات المعادية لهذا النوع من الأشجار معروفة فى تلك البلاد، فقد أخذ الشجر ينمو ويتكاثر من تلقاء ذاته بكيفية مذهلة عجيبة حتى أنه غطى مساحة من الأرض تقرب من مساحة إنجلترا طولا وعرضاً، وأفسد بذلك مساحات شاسعة من الحقول والمزارع، وإذ فشلت كل مقاومة فى الحد من نموه وتكاثره، لم يجد العلماء بدا من البحث عن الحشرات التى تعيش فقط على هذا الشجر، وأطلقوها عليه، وعندئذ توقفت الأشجار عن الانتشار والغزو، وبذلك أمكن القضاء على الخطر الداهم الناجم عنها،.. وأوضح كرس موريسون ما أسماه « التوازن والتعادل بين القوة والمقاومة فى الطبيعة » وهو مالا يمكن أن يصنعه سوى عقل مدبر عظيم!! هذه الظاهرة تبدو بوضوح من الجانب الروحى، فيمن يصنعهم اللّه من أبطال، يظهرون فى أحلك الأيام والليالى، مزودين بالقوة الإلهية العظمى، حتى أنهم يبدون كالنجوم اللامعة فى الليل البهيم، وكلما ازداد الظلام، كلما تلألأوا بالنور بالباهر يعكسونه على أجيالهم، وربما على أجيال أخرى عديدة لاحقة،... وهذه الظاهرة ليست صماء بالنسبة لمن يقرأون الكلمة الإلهية، إذ أن اللّه يعمل بنشاط أعظم وأكمل وأسمى، عندما ينشط عمل الشر والفساد والشيطان فى الأرض،... ووعصا موسى القديمة التى ابتلعت عصى العرافين، ما تزال تتكرر بهذا الأسلوب أو ذاك فى كل العصور والأجيال، وسيبقى الحق الإلهى أقوى وأفعل مهما استشرى الفساد والطغيان فى الأرض!!... وقد ظهر هذا فى قصة دانيال وصحبه بأكثر من مظهر ووجه،... فإذا ظهر الشر يريد أن ينجس الفتى بالأطايب، وإذا رفض الشاب أن يتنجس وقد وضع ذلك راسخاً فى قلبه، حتى ولو تعرض للموت، وإذا عجز رئيس الخصيان عن أن يجد حلا، وبدا خائفاً من الملك، إلا أن دانيال مع ذلك سيجد نعمة فى عينيه، وسيجد الحل مع رئيس السقاة الذى ولاه رئيس الخصيان على دانيال والفتية الثلاثة،... فهى النعمة الإلهية التى تلاحق المتضايق والبائس والمأزوم عندما يضع أمره بين يدى اللّه، والتى لا يستطاع تفسير ظاهرتها، عندما تبدو حناناً يصدر مرات متعددة عن أقسى الناس وأشرهم وأبعدهم عن الرقة واللطف والإحسان،... وأليس من الغريب أن عيسو وقد طوى نفسه على حقد مبيت لمدة عشرين عاماً، وجمع أربعمائه رجل حوله ليضرب أخاه يعقوب ضربة قاضية، يتحول فى لحظة واحدة، إلى الرجل الذى يعانق أخاه بقبلات الشوق والحنان والمحبة؟.. أليست هى النعمة التى لاحقت يوسف المضطهد فى الغربة والاستعباد والسجن بل والمجد أيضاً؟... وأليست هى النعمة التى لم تصاحب دانيال فى صدر الشباب، وأمام مائدة الملك فحسب، بل صاحبته الحياة كلها، والسبى كله فكانت له نعمة أمام الملوك المتعددين والمختلفى الميول والاتجاهات والمشارب؟!.. ولم يعطه اللّه النعمة فحسب، بل اعطاه الحكمة والمعرفة والشفافية والإعلان، مما تجاوز أبعد حدود الإدراك البشرى، وعلى وجه الخصوص عندما حلم نبوخذ ناصر حلمه، ولعله نسيه، وأراد من حكماء بابل على وجه غير معروف أو مألوف أن يقصوا عليه الحلم، ويخبروه بتفسيره، الأمر الذى لا يملكه بشر على الإطلاق، ولكنه أعطى لدانيال، ومن الواضح أن شهرة النبى بلغت الافاق كأحكم إنسان فى عصره، وعلى ما يقول حزقيال لا يخفى عليه سر!وعلى أن الأمر، كامل أكثر من ذلك، إذ كانت له النجاة من الأخطار المتراكمة المتلاحقة، فإذا ذكرناه على وجه المثال، مطلوباً للموت مثل سائر حكماء بابل فى مطلع أيامه دون أن تكون هناك قوة على الأرض تمنع موته أو البطش به، بعد أن صدر أمر نبوخذ ناصر الغريب والمستحيل على العقل البشرى،... وإذا ذكرناه فى آخر الأمر فى جب الأسود الجائعة، والملك لا يستطيع - وقد قضى بالأمر - أن يرجع عن شريعة مادى وفارس التى لا تنسخ، ولكن اللّه هو المنقذ أولا وأخيراً ودائماً على وجه عجيب معجزى، يسمو على كل فهم أو قدرة بشرية!!.. ومع هذا كله، فإن الجزاء الإلهى يتسامى ويعلو فوق كل خيال أو تفكير، إذ أن الشاب الغريب المسبى يرتفع إلى أعلى مراكز المجد والقوة، عند الكلدانيين كما عند الفرس على حد سواء،... فهو يوسف آخر يخرج من السجن إلى المجد، وكما عاش يوسف رئيساً للوزراء مدة طالت إلى ثمانين عاماً متوالية،... عاش دانيال فى أعلى القمم طوال مدة السبى بأكمله، مما يشهد بالحقيقة الواضحة أن من يباركه اللّه لا يستطيع أحد أن يلعنه، وأن من يحرسه اللّه، لابد أن يخرجه سالماً من جب الأسود بعد أن يكم أفواهها، ولعله ذكر ما قاله إشعياء من قبل: « لا تخف لأنى معك. لا تتلفت لأنى إلهك. قد أيدتك وأعنتك وعضدتك بيمين برى. إنه سيخزى ويخجل جميع المغتاظين عليك. يكون كلا شئ مخاصموك ويبيدون. تفتش على منازعيك ولا تجدهم يكون محاربوك كلا شئ وكالعدم. لأنى أنا الرب إلهك الممسك بيمينك القائل لك لا تخف أنا أعينك » " إش41: 10 - 12 " « وأنا أخاصم مخاصمك وأخلص أولادك، وأطعم ظالميك لحم أنفسهم ويسكرو ن بدمهم كما من سلاف فيعلم كل بشر أنى أنا الرب مخلصك وفاديك عزيز يعقوب ».. " إش 49: 25 و26 ".
دانيال والفكر اللاهوتى فى سفره :-
ليس من السهل الإفاضة فى تفسير الروئ التى جاءت فى السفر، واختلفت حولها الأفكار والنظريات، غير أننا نود أن نمر فى عجالة على ارتباط هذه الروئ بالمستقبل، إن الستة الأصحاحات الأولى فيه تاريخية، والستة الأخرى نبوية،... والسفر كله تاريخ يرتبط بالنبوة، وونبوات تمد جذورها فى التاريخ، وقد اعتقد البعض أن السفر كتب متأخراً بعد زمن طويل من دانيال، لأنه أورد حقائق تاريخية لاحقة لدانيال، كمثل حديثه عن التيس العافى ملك اليونان، أو الإسكندر ذى القرنين، وقد نسوا - أو تناسوا - أن النبوات ليست إلا إعلاناً عن مسرحية التاريخ الواضحة الرؤية أمام عين اللّه حتى آخر الأيام!!... وقد قال يوسيفوس المؤرخ اليهودى، إن الإسكندر كان غاضباً على اليهود،.. ولكنه عندما أحضروا نبوة دانيال، واروه حديث النبوة عنه، تحول فرحاً مبتهجاً بالنبوة، وغير معاملته لهم، وأحسنها إلى حد بعيد،... وليس فى وسعنا الآن أن نناقش هذه النبوات، التى اختلفت حولها الشروح والتفاسير، ولكنها من الواضح كانت حول الممالك الأربع العالمية التى سبقت المسيحية: البابلية، ومادى وفارس، واليونان، وروما بقرونها العشرة - حتى جاء المسيح، الحجر الذى قطع بغير يدين ليسحق هذه الممالك، ويقيم مملكة اللّه التى سترث الأرض وما عليها وتملأ كل مكان فيها، إذ يتحول الحجر إلى الجبل العظيم،... « فى أيام هؤلاء الملوك يقيم إله السموات مملكة لن تنقرض أبداً وملكها لا يترك لشعب آخر وتسحق وتفنى كل هذه الممالك، وهى تثبت إلى الأبد » " دا 2: 44 "ومن الواضح أن النزاع الفكرى قد امتد وتشعب، إلى درجة أن بعضهم يصر على أن المملكة الرابعة ليست هى الرومان، بل هى اليونان،... وأن النزاع كله يقوم حول حقيقة المملكة الرابعة، وهل انتهت وانقرضت، أم أنها قامت فى صور أخرى صورها البعض فى البابوية، وغيرهم فى أديان أخرى، كما يقول ابن عزرا. ووقف آخرون ليناقشوا التفاصيل المتعددة المختلفة، غير أنه مهما كان من خلاف، فمن الواضح أنه مرت سبعة أسابيع سنين، وأربعمائة وتسعون سنة ما بين النبوة ومجئ المسيح وصلبه، وأن الدولة الرومانية كانت آخر دولة عالمية وثنية قبل مجئ المسيح،.. وكما يقول اسحق نيوتن: « إن الذين ينكرون نبوات دانيال، ينكرون المسيحية التى قامت وتأسست على مسيحها الذى تنبأ عنه دانيال بكل وضوح » وقال آخر: لقد حاول شرلمان وشارل الخامس ونابليون، إقامة الامبراطورية العالمية الخامسة عبثاً، وكل الحركات أو الموجات التى جاءت بعد ذلك، لا يمكن أن تغير من الحقيقة التى قالها السيد: « ابنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوى عليها »... " مت 16: 18 "فإذا جئنا إلى آخر السفر، فنحن نقف أمام واحد من أقدم وألمع الأحاديث عن القيامة من الأموات،... ومع أن الأصحاح الحادى عشر كان يشير على الأغلب إلى انتيوخس أبيفانيس، والاضطهاد المرير الذى سيوقعه باليهود،... لكن اللّه لن يتركهم بين يديه، بل سيقف فى مواجهته ميخائيل الرئيس العظيم لينجى الشعب، كل من يوجد مكتوباً فى السفر، ومن المسلم به أن اليهودى الحقيقى كان يؤمن بسفر التذكرة أمام اللّه الذى تكتب فيه قصته وحياته وأعماله، وقد قال موسى: « والآن إن غفرت خطيتهم، وإلا فامحنى من كتابك الذى كتبت، فقال الرب لموسى من أخطأ إلى أمحوه من كتابى » " خر 32: 33 " وفى المزمور التاسع والستين والعدد الثامن والعشرين: ليمحوا من سفر الأحياء ومع الصديقين لا يكتبوا »... وقد كتب ملاخى يقول: « حينئذ كلم متقو الرب كل واحد قريبه والرب أصغى وسمع وكتب أمامه سفر تذكرة للذين اتقوا الرب وللمفكرين فى اسمه " ملا 3: 16 " وجاء فى سفر الرؤيا: « ثم رأيت عرشاً عظيما أبيض والجالس عليه الذى من وجهه هربت الأرض والسماء ولم يوجد لها موضع، ورأيت الأموات صغاراً وكباراً واقفين أمام اللّه وانفتحت أسفار وانفتح سفر آخر هو سفر الحياة ودين الأموات مما هو مكتوب فى الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما ودينوا كل واحد بحسب أعماله، وطرح الموت والهاوية فى بحيرة النار. هذا هو الموت الثانى. وكل من لم يوجد مكتوباً فى سفر الحياة طرح فى بحيرة النار " رؤ 20: 11 - 15 ".ومع أن الفكرة عن القيامة فى العهد القديم، لم تكن تلمع بذات الوضوح الذى جاء به « المسيح الذى أبطل الموت وأنار الحياة والخلود بواسطة الإنجيل »، " 2 تى 1: 10 " إلا أن دانيال أعطى بحياته ونبوته لمعاناً رائعاً لها فى الأصحاح الأخير من سفره،... وهو لا يتحدث عن المجد الأبدى فحسب، بل أكثر من ذلك يتحدث عن العذاب الأبدى، وهو يعطى ذات الصورة التى أعطاها المسيح فى قصته الغنى ولعازر، وهو يتحدث بنفس الأسلوب الذى ذكر فيه السيد وهو يفرق بين الأخيار والأشرار: « فيمضى هؤلاء إلى عذاب أبدى والأبرار إلى حياة أبدية!!... " مت 25: 46 " ولعل من أجمل ما تسمعه الاذان البشرية، ما قاله اللّه لدانيال، وهو يتجه فى أيامه الأخيرة صوب الغروب: وكثيرون من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدى. والفاهمون يضيئون كضياء الجلد، والذين ردوا كثيرين إلى البر كالكواكب إلى أبد الدهور »... " دا 12: 2 و3 " أجل لقد عاش الرجل المحبوب حياة امتلأت بالتعب والألم والمشقة والضيق، والعظمة والانتصار إلى أن جاءه الصوت الأخير المبارك: « أما أنت فاذهب إلى النهاية فتستريح وتقوم لقرعتك فى نهاية الأيام »..!!.. " دا 12: 13 ".
المزيد
17 نوفمبر 2021
الوقت: قيمته، وموازينه، وكيف تقضيه
الوقت هو جزء من حياتك. والذي يضيع وقته، إنما يضيع جزءًا من حياته. والذي يقضي وقته في تفاهات، بلا شك أن حياته تافهة في نظره، لم يستفد منها، ولا أفاد غيره، لأن وقته لم يكن ذا فائدة لأحد!
لقد منحك الله الوقت لهدف، هو هدف الحياة ذاتها. لذلك فالذي يبعثر وقته، بدون أي هدف بناء، يكون وقته رخيصًا في عينيه. وبالتالي تكون حياته رخيصة عنده، وعند الناس!
إن عظماء الرجال الذين سجل التاريخ أسماءهم، هم الذين استغلوا وقتهم في بناء أنفسهم، وفي بناء المجتمع الذي عاشوا فيه. بل امتد نفعهم إلي أجيال طويلة أتت بعدهم. وذلك بما تركوه من تراث فكري أو علمي، كان نتيجة لاستخدام وقتهم في الخير والنفع كذلك طلاب العلم الذين نبغوا، هم الذين استفادوا من وقتهم في الدرس والاستذكار، فتفوقوا وبنوا لأنفسهم مستقبلا مرموقا، بعكس زملائهم الذين ضاع وقتهم هباء، وضاع معه مستقبلهم!
ما أعجب الوقت، اسأل نفسك هل هو معك أم ضدك؟ لك أم عليك؟!
ومن المهم لكل أحد: التوازن في توزيع الوقت لأن البعض يركزون وقتهم في أمر معين يهتمون به، بينما يهملون أمورًا أخري لا يمنحونها نفس الأهمية!
أما الإنسان الحكيم، فإنه يوزع وقته بعدل ففيما هو يعطي وقته لمسئولياته الرسمية، يعطي وقتًا آخر لأسرته فيهتم بها، ووقتا آخر لصحته، ووقتا لتثقيف نفسه وتنمية معلوماته، ووقتا لبعض الخدمات الاجتماعية. ولا مانع من وقت كذلك للرفاهية المقبولة، حتى لا تكون حياته شدا مستمرا بدون راحة أو أي جانب من الاسترخاء 'Relax'. وقد وهبنا الله يوما في الأسبوع للراحة.
وفي توزيع الوقت، لابد من جانب يخصص للعبادة يقضيه، الإنسان في الصلاة والخشوع، وفي القراءة الروحية والتأمل، وفي التسبيح والترتيل، لأن حياته الروحية هي أيضا جزء من مسئوليته تجاه نفسك، وهي لازمة لعلاقته بالله تبارك اسمه وأنا ضد المثل القائل 'ساعة لقلبك وساعة لربك'!!
ذلك لأن هذا المثل فيه فصل بين القلب والرب! وكأن الساعة التي يعطيها الإنسان لقلبه، يكون فيها بعيدًا عن ربه!! والوضع السليم أن الإنسان فيما يعطي ساعة لقلبه، يكون في نفس الوقت مرضيا لربه. وأيضا فيما يعطي ساعة لربه، يكون سعيدا بذلك في قلبه..
وفي توزيع الوقت، ينبغي الاحتفاظ بالنسب سليمة:-
فلا تطغي نسبة منها علي نسبة أخري. فمثلًا لا يكون الوقت الذي تقضيه مع ربك، قليلًا في مدته، وسطحيا في اهتمامه، بلا عمق! فأنت محتاج بالضرورة إلي وقت من الهدوء والسكون لأجل روحياتك، تحاسب فيه نفسك علي ما فعلته من أخطاء، وتقدم فيه توبة لله...
كذلك عليك أن تراعي النسبة بين الوقت الذي تمنحه لنفسك، والوقت الذي تبذله لأجل غيرك. ومن النبل أن تضحي بوقت مناسب لخدمة الآخرين. وثق انه محفوظ لك عند الله والناس وما أجمل قول سليمان الحكيم: "لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ" (سفر الجامعة 3: 1) طبعا، كل أمر ينبغي عمله في الوقت المناسب له. فللحزن وقت، وللضحك وقت. للجد وقت، وللهو وقت. كما انه للكلام وقت، وللسكوت وقت. والإنسان الحكيم لا يسكت حين يجب الكلام، ولا يتكلم حين يحسن الصمت وكمثال: علي الزوجة ألا تكلم زوجها في أمر مهم تريده، في وقت يكون فيه مشغولا أو مرهقا، أو غير متفرغ لها، أو غير رائق في طبعه أو أعصابه. إنما تتخير الوقت المناسب هنا ونسأل ما هي أفضل الأوقات للإنتاج الفكري أو العملي؟
يختلف هذا الأمر من شخص لآخر، ولكنه علي أية الحالات يكون الوقت الهادئ هو أنسب الأوقات، سواء من جهة الهدوء الخارجي، أو هدوء النفس من الداخل البعض يناسبه الليل الهادئ الساكن بعيدا عن ضوضاء النهار. بينما البعض الآخر يناسبه الصباح الباكر، قبل أن تزحم ذهنه مشغوليات يوم جديد. والبعض يأخذ إيحاءه الفكري من أحداث تعرض أمامه تحمل في طياتها معاني معينة وعلي كل، لا يخضع الفكر في إنتاجه لقاعدة تشمل الكل، بل كل شخص له ظروفه، كذلك الإنتاج الفني من جهة الوقت، يسأل البعض أيضًا عن السهر والأرق وأسبابهما..
إن السهر غير الأرق. فقد يكون السهر عملا إراديا، بينما يكون الأرق هو عدم القدرة علي النوم. وربما يكون من أسباب الأرق، انشغال الفكر بما يتعبه، وكذلك انشغال النفس والأعصاب. وفي ذلك يقول المثل العامي 'ينام الليل من له قلب خالي.. ويري بعض الشعراء الذين كتبوا في الغراميات، أن تعب القلب في هذا الأمر يسبب الأرق. فيقول أمير الشعراء أحمد شوقي:
يا ليل الصب متى غده أقيام الساعة موعده
وذلك في قصيدته التي يقول فيها أيضًا:
مضناك جفاه مرقده وبكاه ورحم عوده
وفي نفس المعني يقول أحد الشعراء:
لم يطل ليلي ولكن لم أنم ونفي عني الكري طيف ألم
وفي حديثنا عن الوقت، لا يفوتنا الكلام عن مقاييس الوقت هناك مقاييس طبيعية يحددها الليل والنهار، وتوالي الفصول والسنين، بل تحددها أيضا الساعة والثانية علي أن هناك مقاييس أخري: منها الألم والملل. لاشك أن دقيقة واحدة من ألم لا يطاق، تكون أطول من ساعات عديدة في حالة الراحة..! إن الإحساس بالوقت في مقدار طوله، أو في حالة مروره وعدم مروره، تدخل فيه عوامل كثيرة جدا، بعضها نفسية أو مرضية والملل يجعل الوقت يمر طويلا ومتثاقلا، وكأنه لا يتحرك! بينما أوقات الفرح والمتعة، تمر بسرعة دون أن يدري بها صاحبها ودون أن يحس.. كذلك أيام السعادة في حياة كل إنسان.
أما الوقت الذي ليس له مقياس، فهو الأزلية والأبدية
الأزلية تعني ما لا بداية له. والأبدية تعني ما لانهاية له. والأزلية خاصة بالله وحده. إنه الوحيد الأزلي الكائن قبل الأكوان كلها، وقبل أن يخلق المقاييس التي يقاس بها الزمان والوقت أما الأبدية فتكون في العالم الآخر، بعد القيامة العامة حيث لا تكون هناك نهاية للزمن. وعلي هذا فإن حياتنا إذا ما قيست بالأبدية تصبح لاشيء. فكل رقم إذا وضع علي ما لانهاية، فإنه يؤول إلي صفر لذلك علي الإنسان أن يهتم بأبديته. فلا تغره سنوات قليلة أو كثيرة يقضيها علي هذه الأرض. ثم تواجهه بعد ذلك الأبدية، حيث لا يقف معه فيها سوي عمل الخير الذي عمله أثناء حياته علي الأرض: الخير من جهة نقاوة قلبه وفكره وتصرفاته. والخير من جهة ما عمله نحو غيره.لهذا كله علي كل إنسان أن يستفيد من وقته ليكون تمهيدا لمصيره في الأبدية. حتى يقف وقته شاهدا يدافع عنه أمام الله.. وفيما يهتم هنا بوقته ليكون نافعا. عليه أن يهتم أيضًا بحرصه علي أوقات الآخرين، فلا يشغلهم بما يعطلهم.
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد
16 نوفمبر 2021
القيم الروحية فى حياة وتعاليم السيد المسيح (28) المؤمن والجهاد الروحى
انسان الله والجهاد الروحى ..
خلق الله الانسان على صورته ومثاله .. نحن مخلوقين على صورة الله ونستطيع ان نحيا حياة الجهاد والنصرة ونستخدم ما لدينا من فكر وعواطف وارادة وكل طاقاتنا فى تمجيد اسم الله والانتصار على قوى الشر .ان اردنا وسعينا الى ذلك فى جهاد وقداسة وبر. { فخلق الله الانسان على صورته على صورة الله خلقه ذكرا وانثى خلقهم} تك 27:1. لقد خلقنا الله بروح لا تموت بل تنتقل الى عالم الخلود بعد الموت.ومنحنا الله عقل بشري يتسم بالحكمة والتمييز ونعمة التفكير وبنفس لها دوافعها وارادتها وقلب له عواطفه وميوله والانسان كائن حر وعاقل ومسئول ولما سقط الانسان بمخالفة الوصية لم يتركه الله بل وهبه الضمير الاخلاقى الذى يقوده للتمييز بين الخطأ والصواب ثم تكلم معنا الله من خلال الاباء والانبياء واخيراً تجسد الله الكلمة ليقودنا دفعة اخرى الى معرفته الحقيقية ويهبنا حياة ابدية ودعانا الى حياة الكمال والقداسة التى بدونها لن يرى أحد الرب .
الله لنا اباً وعونا فى الطريق الروحى .. لم يتركنا بلا مرشد او معزى فى طريق الجهاد بل ترك لنا كلمته المقدسة فى الإنجيل كنور وحياة { كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتاديب الذي في البر. لكي يكون انسان الله كاملا متاهبا لكل عمل صالح} 2تيم 16:3-17. ووهبنا الوسائط الروحية التى تبنى الروح وتغذيها وجعل لنا من الصلاة صلة وعلاقة بها نتحدث معه حديث المحبة كآب صالح يستمع لنا ويعلمنا ويرشدنا واعطانا نعمة روحة القدوس { واما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الاب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم} (يو 14 : 26). ويجب علينا ان ننقاد فى حياتنا بروح الله لنكون اناس روحيين نغلب تيار الأثم الذى فى العالم وقوى الشر الروحية والخطية بإيماننا وبصلتنا بالله وبروحه القدوس {لان كل الذين ينقادون بروح الله فاولئك هم ابناء الله. اذ لم تاخذوا روح العبودية ايضا للخوف بل اخذتم روح التبني الذي به نصرخ يا ابا الاب. الروح نفسه ايضا يشهد لارواحنا اننا اولاد الله.فان كنا اولادا فاننا ورثة ايضا ورثة الله و وارثون مع المسيح ان كنا نتالم معه لكي نتمجد ايضا معه} رو 14:8-17.
الجهاد الروحي فى الحياة .. نحن فى فترة اختبار أو جئنا لمهمة ورسالة فى الحياة وعلينا بالجهاد الروحى من توبة وصلاة وصوم وسهر وبذل وخدمة وعطاء وصبر على التجارب والضيقات وفي ذلك يشترك الجسد والنفس والفكر والضمير والروح والارادة من اجل إرضاء الله وصنع إرادته ومقاومة الأهواء سواء أتت من داخل الإنسان وميوله أو من البيئة المُعثرة في إغرائها أو سواء أتت من الشيطان في حروبه سواء كانت حروب يمينية كالكبرياء والمجد الباطل او حروب شماليه من شهوات وكراهية وصغر نفس وغيره من خطايا لاننا لا نجهل حيل الشيطان .
ان القلب المحصن بمحبة الله والفكر المقدس الذى يعمل على إرضائه والحواس المختومة بالنعمة والجسد المضبوط بالجهاد لا يجعل للخطية مكان فينا {واما انت يا انسان الله فاهرب من هذا واتبع البر والتقوى والايمان والمحبة والصبر والوداعة . جاهد جهاد الايمان الحسن وامسك بالحياة الابدية التي اليها دعيت ايضا واعترفت الاعتراف الحسن امام شهود كثيرين} (1تي 6 : 11-12). لقد سار ابائنا القديسين هذا الطريق من قبلنا مقتدين بالمعلم الصالح ونحن نقتفى أثارهم وكما سلك ذاك ، هكذا نسلك نحن ايضاً لنكون مشابهين صورة ابنه { لان الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه ليكون هو بكرا بين اخوة كثيرين }(رو 8 : 29). واذ نحيا كاناس الله القديسين فانه سيقيمنا فى اليوم الاخير { فان سيرتنا نحن هي في السماوات التي منها ايضا ننتظر مخلصا هو الرب يسوع المسيح. الذي سيغير شكل جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته ان يخضع لنفسه كل شيء} فى20:3-21.
الضمير الصالح وتنميته ...
الضمير هو أحد المرجعيات فى حياتنا .. التى ينبغى ان نراعيها وننميها فى حياتنا لتكون رقيبا ودافعا للتصرف الحسن ومبكتاً لنا على الخطية أو سوء التصرف {في جميع اعمالك اقتد بضميرك فان ذلك هو حفظ الوصايا }(سير 32 : 27). وان كان الضمير ايضا قد يتأثر بالعادات والقيم المجتمعية لكنه كالعقل او الروح يمكن ان نقويه او نضعفه . ان عدم تبكيت الضمير للإنسان على الخطأ فهذا يمثل خلل فيه وقد ينحرف الضمير بان يفرح الانسان بالشر. فيظن انه بقتل الاخرين او ايذائهم يفعل الخير كما قال السيد المسيح { بل تاتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم انه يقدم خدمة لله} (يو 16 : 2). هكذا كان شاول الطرسوسى يفعل مع المسيحيين الاول وشهد هو بذلك بقوله { وانا اشكر المسيح يسوع ربنا الذي قواني انه حسبني امينا اذ جعلني للخدمة. انا الذي كنت قبلا مجدفا ومضطهدا ومفتريا ولكنني رحمت لاني فعلت بجهل في عدم ايمان. وتفاضلت نعمة ربنا جدا مع الايمان والمحبة التي في المسيح يسوع. صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول ان المسيح يسوع جاء الى العالم ليخلص الخطاة الذين اولهم انا. لكنني لهذا رحمت ليظهر يسوع المسيح في انا اولا كل اناة مثالا للعتيدين ان يؤمنوا به للحياة الابدية} 1تيم12:1-16. يجب ان تتعاون الاسرة والمجتمع والتربية والدين والقيم ليكونوا مهذبا ومربيا للضمير الاخلاقى الواعى والمستقيم .
تأثر الضمير بالوسط المحيط وضبطه ... الضمير قد يقع تحت تاثير المعرفة او العاطفه او تاثير الجماعة او القاده او الارادة وان كان الضمير يمثل الى حد كبير صوت الله داخلنا حتى قبل الانبياء فهو الشريعة الادبية والباعث الاخلاقى لدى الانسان التقى الذى يحاسب نفسه ويرجع الى صفاء ضميره ولكن يجب ان نسترشد مع الضمير الى روح الله وكتابه المقدس ويجب ان لا نقاوم ضميرنا أو نجعله يسير كقشة فى مهب الريح مع ريح الاعلام الموجه او تأثير اصدقاء السوء او ضعاف العقول الذين يسعون الى عدم الخير او هدم الغير ويجب ان نتدرب ان يكون لدينا الضمير الصالح { لذلك انا ايضا ادرب نفسي ليكون لي دائما ضمير بلا عثرة من نحو الله و الناس} (اع 24 : 16) وان يكون ضميرنا غير منحاز الى تبرير تصرفاتنا بل موجهاً لارادتنا نحو الخير ولا يتهرب الانسان من تبكيت الضمير أو دفعه اياه نحو الخير والسلام بل ننقاد لله ووصاياه فى ضمير كل منا { لان فخرنا هو هذا شهادة ضميرنا اننا في بساطة واخلاص الله لا في حكمة جسدية بل في نعمة الله تصرفنا في العالم ولا سيما من نحوكم (2كو 1 : 12). ان وصايا الله الهدف منها ان يكون لدينا محبة لله والناس من قلب طاهر وضمير صالح {واما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر وضمير صالح وايمان بلا رياء} (1تي 1 : 5).
العقل ونعمة التفكير السليم ..
نعمة العقل والتمييز .. يمتاز الانسان عن غيره من الكائنات الحيه الاخرى بنعمة العقل والتفكير والقابلية للتعلم وأكتساب المعرفة ورغم التفاوت فى نسب الذكاء أو فرص أكتساب المعرفة فيوجد لدينا القدرة على التمييز والفحص والدراسة وقبول بعض الافكار والاقتناع بها ورفض ما لا يبنينا او ما نراه خطأ . يجب ان نسعى لاكتساب المعرفة الروحية فالجهل وعدم المعرفة من اسباب هلاك الانسان وانقياده الى الخطية والانحراف { قد هلك شعبي من عدم المعرفة } (هو 4 : 6) وترجع أهمية العقل والفكر الى انه هو الموجه للارادة نحو التصرف والافعال والتى تتولد منها العادات والسلوك ومن مجموع العادات تكون حياتنا كما يقولون فالانسان عادات تمشى ومن ثم تكون حياتنا وبمقتضاها تكون ابديتنا ايضاً فقل لى بماذا تفكر أقول لك من انت كما قال أحد الفلاسفة .
قد يتأثر الفكر بالثقافة السائدة فى المجتمع او بالعواطف المتغيرة من حين الى أخر وقد يعانى البعض من الجهل وعدم الادراك لابعاد الموضوعات أو المشكلات والكيفية السليمة لمواجهتها وقد يخضع العقل للمؤثرات العائلية او تاثير الاعلام او قادة الدين او الفكر فى المجتمع ونحن لا نفكر بعقلانية تامه بل قد تلعب العاطفة دورا هاما فى توجيه العقل مثل وقوع الشباب تحت تاثير الشهوة فى علاقات خاطئة تحت تاثير العاطفة مما يؤثر على حياتهم ومستقبلهم .
الأستنارة الفكرية والحكمة ... نحن فى حاجة دائمة للاستنارة الفكرية والحصول على الحكمة بكلمة الله كسراج يضئ الطريق للانسان { لان كلمة الله حية وفعالة وامضى من كل سيف ذي حدين وخارقة الى مفرق النفس والروح والمفاصل والمخاخ ومميزة افكار القلب و نياته} (عب 4 : 12). كما نحتاج للصلاة كصلة روحية بالله ومنه نستلهم سلامة الفكر{ لانه من عرف فكر الرب فيعلمه واما نحن فلنا فكر المسيح} (1كو 2 : 16). { لتكن اقوال فمي وفكر قلبي مرضية امامك يا رب صخرتي ووليي} (مز 19 : 14). نحتاج لانارة العقل بسير القديسين وأقوال الاباء الذين ساروا فى الطريق قبلنا وتجربوا وانتصروا وتركوا لنا خبرتهم لنتعلم منها. ونحتاج الى التوبة والتجديد المستمر لننقاد بروح الله {فاميتوا اعضاءكم التي على الارض الزنى النجاسة الهوى الشهوة الردية الطمع الذي هو عبادة الاوثان.الامور التي من اجلها ياتي غضب الله على ابناء المعصية. الذين بينهم انتم ايضا سلكتم قبلا حين كنتم تعيشون فيها. واما الان فاطرحوا عنكم انتم ايضا الكل الغضب السخط الخبث التجديف الكلام القبيح من افواهكم. لا تكذبوا بعضكم على بعض اذ خلعتم الانسان العتيق مع اعماله.ولبستم الجديد الذي يتجدد للمعرفة حسب صورة خالقه} كو 5:3-10. وكلمنا اقتربنا من الله عرفنا أفكاره من نحونا { اني عرفت الافكار التي انا مفتكر بها عنكم يقول الرب افكار سلام لا شر لاعطيكم اخرة ورجاء} (ار 29 : 1). { وسلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وافكاركم في المسيح يسوع }(في 4 : 7).
الجسد الإنساني في المسيحية ...
كرامة الجسد الانساني .. لقد اخذ الجسد الإنساني كرامة ومجداً بتجسد الله الكلمة { والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الأب مملوء نعمة وحقاً } يو 1 : 14 . لقد شابهنا الرب يسوع المسيح في تجسده في كل شيء ما عدا الخطية وحدها وعندما قام من الموت وصعد للسماء فانه صعد بجسد القيامة النورانى الروحانى الممجد للسماء ليكون سابق لأجلنا. إن الكنيسة تؤمن بقيامة الجسد في اليوم الأخير للمكافأة أو العقاب { لأننا لا بد جميعاً أن نظهر أمام كرسي المسيح لينال كل واحد منا ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شراً } 2 كو 5 : 10 .وتكرم الكنيسة والمؤمن الجسد الإنساني ذلك الكيان الأنسانى الذي يحمل نسمة الحياة داخله من الله ، وهو هيكل الروح القدس الذي يحل عليه بالعماد والميرون المقدس ليقدسه ويطهره " أم لستم تعلمون إن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله ولستم لأنفسكم " . الجسد هو الكيان الذي يتناول من الأسرار المقدسة {من يأكل جسدي ويشرب دمي فله الحياة أبدية وأنا أقيمه في اليوم الأخير} يو 6 : 54 . إن أجسادنا لها كرامتها بكونها أعضاء جسد المسيح السري الذي هو كنيسته المقدسة {أم لستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء جسد المسيح } 1 كو 6 : 9 . وهذا الجسد الترابي وان مات وتحلل فانه سيقوم جسد نوراني ممجد في القيامة العامة ليحيا في السماء {الذي سيغير جسد تواضعنا ليكون على صورة جسد مجده بحسب عمل استطاعته أن يخضع لنفسه كل شيء} في 3 : 21 . ولهذا تكرم الكنيسة رفات القديسين وتضعهم تحت المذبح وفي الكنائس لأنهم أكرموا الله في أجسادهم وأرواحهم التي لله . لقد أقامت عظام اليشع النبي الميت عندما لامسته قديماً وكانت المناديل وعصائب القديس بولس المأخوذة من على جسده تشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة . وما زالت رفات القديسين تصنع المعجزات في كنائسنا حتى اليوم لأنها تحمل سمات وقوة أشخاصهم وهم كسحابة شهود محيطة بنا وليسوا عنا ببعيد والرب اله أبائنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب واثناسيوس وانطونيوس ومار جرجس اله أحياء وليست اله أموات لان الجميع عنده أحياء .
الأهواء والشهوات الجسدية .. المسيحي مطالب أن يسير ويحيا بالروح ، لا حسب الأهواء والشهوات الجسدية بل ينقاد بروح الله للقداسة والمحبة والسلام {الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات} غلا 5 : 24 . أي إننا مطالبون أن نصلب الأهواء والشهوات من النفس وليس ضد الجسد كلحم ودم فالنفس العفيفة تجعل الجسد مقدساً فأعمال وأهواء الطبيعة البشرية العتيقة الخاطئة هي التي نحاربها ونجاهد ضدها. إن علاج الخطيئة والشهوات الجسدية هو محبة الله والشركة معه فعندما ننجذب لله ونتحد به بالأسرار والمحبة تتقدس أجسادنا وتعود لنا الصورة الإلهية للإنسان المخلوق على صورة خالقه في القداسة والبر.
إن الجسد بما فيه من أجهزة وأعضاء بشرية كلها مقدسة وطاهرة حتى الأعضاء التناسلية لها كرامتها الفائقة كمستودع لامتداد الحياة البشرية والتعبير عن المحبة الطاهرة ، سر الزواج مقدس فلماذا يستحى البعض من أعضاء لم يستحى الله إن يخلقها بل إعطاها قدسية واحترام { فان الجسد أيضا ليس عضواً واحداً بل أعضاء كثيرة . لا تقدر العين أن تقول لليد لا حاجة لي إليك ولا الرأس أيضا للرجلين لا حاجة لي إليكما . بل بالأولى أعضاء الجسد التي تظهر اضعف هي ضرورية. وأعضاء الجسد التي نحسب أنها بلا كرامة نعطيها كرامة أفضل } 1 كو 12 : 14 – 23. فإن أردت لجسدك كرامة ومجداً ولكيانك وجوداً فاعلاً وحياة أبدية فليكن ذلك بان تحترمه وتزينه بالوداعة والتواضع وتسعى في اقتناء الفضائل ولا يجب ان نعثر أحد بميول الجسد فننحرف عن قصد الله السامى فى خلقه لنا بل تكون اجسادنا اداة لمجد وخدمة الله . أن الاتضاع يعطي الانسان كرامة {ثوب التواضع هو مخافة الرب هو غنى وكرامة وحياة} أم 22 : 4 .فلا تخاصم جسدك أو تكرهه بل ربيه وقوته لكن تدليله بالأكل الذائد أو الكسل فيثور عليك ولا تضعفه وتهمله وتقسوة عليه فيعتل ويعجز عن الخدمة كما يليق .إن النسك والزهد المسيحي هو حياة ترك وبذل للذات من اجل المسيح الذي بذل ذاته عنا فهو حب وبذل وصوم وجهاد روحي .
الطهارة والعفاف المسيحي.. فضيلة ايجابية تعني طهارة الوجدان وقداسة الفكر الداخلي وعفة الحواس والجسد سواء للشباب وللبتولين . وللمتزوجين فالطهارة هي الامتناع عن عمل ما لا يحل من شهوات جسدية تتعارض مع السلوك الروحي حسب وصايا المسيح . فان الزواج المسيحي سر مقدس يعمل فيه الله ليوحد الاثنين {ويكون الاثنان جسداً واحداً فالذي جمعه الله لا يفرقه الإنسان} مت 19 : 5. إن الأب السماوي يبارك الزواج المسيحي وهو الذي ككل أبوينا ادم وحواء في الفردوس وبارك الرب يسوع عرس قانا الجليل . ويعمل الروح القدس ليقدس الزوجين ويرفع الزواج ليكون كسر اتحاد المسيح بالكنيسة ويقدس الرب البيت المسيحي وكلما كانت محبة الله في بيوتنا انتفى الخصام ويحب الرجل زوجته كنفسه ويبذل من اجل سعادتها وتحترم الزوجة رجلها وتطيعه في تفاهم وتضحية ولا يكون لأحد منهما سلطان على جسده بل للأخر . ويوحد الروح القدس اتصالهما وتكون العشرة الزوجية تعبيراً عن هذا الحب المقدس والوحدة . وتكون ثمرة البطن الأبناء مصدر سعادة للأسرة ولبناء ملكوت الله على الأرض وفي السماء، وتكون الحياة في تفاهم وانسجام وحب واحترام وتعاون وبذل، شهادة لإيماننا وسعادة لحياتنا وعون للأسرة للسعادة على الأرض و الدخول للملكوت السماوي .
القلب والعواطف وتقديسها ...
القلب هو مركز العواطف .. ليس المقصود بالقلب فى الحياة الروحية مضخة الدم العاملة بلا توقف لتغذية الجسم كله بالدم بل الانسان الداخلى بما فيه من مشاعر وانفعالات ومحاسبة للذات والله يهتم كثيرا بالقلب والعواطف وتقديسها ويطلب منا ان نعطيه القلب { يا ابني اعطني قلبك ولتلاحظ عيناك طرقي }(ام 23 : 26). ويجب ان نتحفظ ونراقب قلبنا ومشاعره { فوق كل تحفظ احفظ قلبك لان منه مخارج الحياة }(ام 4 : 23) ويطلب منا الله ان نحبه من كل القلب { ثم فقال له يسوع تحب الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك ومن كل فكرك} (مت 22 : 37) وبالقلب نطلب الله ونعبده بمشاعر صادقة فنجده ويعلن لنا ذاته { ان طلبت من هناك الرب الهك تجده اذا التمسته بكل قلبك وبكل نفسك }(تث 4 : 29).
نقاوة القلب والجهاد الروحي.. انتصار الانسان على الخطية او الانانية او الشيطان لابد ان ينبع من الداخل بالتوبة القلبية مع تجديد القلب والسعى للوصول الي نقاوة القلب ليحل الله بالإيمان فيه بنعمة الروح القدس لانه من فضلة القلب يتكلم الفم { الانسان الصالح من كنز قلبه الصالح يخرج الصلاح والانسان الشرير من كنز قلبه الشرير يخرج الشر فانه من فضلة القلب يتكلم فمه} (لو 6 : 45) . وليس معنى ان يكون القلب غير صالح ان يترك الانسان نفسه للشر بل ان نعود لله بالتوبة والاعتراف ونعمل على اصلاح القلب القاسى او الملتوى او المنقسم { فالان انزعوا الالهة الغريبة التي في وسطكم واميلوا قلوبكم الى الرب } (يش 24 : 23). { ولكن الان يقول الرب ارجعوا الي بكل قلوبكم وبالصوم و البكاء والنوح (يؤ 2 : 12). فيجب ان لا نقسى قلوبنا ونستمع لصوت الرب { اذ قيل اليوم ان سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم كما في الاسخاط} (عب 3 : 15). ويجب ان نصلى { ليحل المسيح بالايمان في قلوبكم} (اف 3 : 17). ان اقتناعنا بالاهتمام بنقاوة القلب واهمية خلاص انفسنا وسعينا فى طرق الجهاد يملأ قلوبنا بنعمة وثمار الروح القدس التى نحتاجها من محبة وسلام وفرح وإيمان ولطف وعفة وطول إناة وصبر فتكون صلواتنا مشاعر صادقة وقلوبنا طاهرة ومسكناً لله .
ان البعض تقودهم عواطفهم ومشاعرهم فقط بما فيها من محبة أو بغضة، هدوء وفرح او غضب أو فتور، فتراهم يتصرفون بلا توازن داخلي بين العواطف والفكر والضمير والروح وقيادة روح الله وكلامه . لكن الانسان الحكيم هو الذى يتحرك وفقا لكل الانسان الداخلى وحتى عواطفه تأتى متوازنة بين البساطة والعمق والجدية والفرح وفى حياتنا نعطى لكل شئ وقته المناسب فى مجال الاهتمام والرعاية للانسان وعلاقته بذاته وباسرته واصدقائه ودراسته وعمله وخدمته وعبادته ولكل المسئوليات التى توكل اليه .
الارادة الانسانية وبناء الانسان...
مفهوم الارادة الانسانية ... الارادة هى قوة النزوع والرغبة لعمل شئ او الامتناع عنه وفقا لقيم الفرد أو تصوراته ومصالحه. والانسان حر بطبيعته ولهذا فهو مسئول عن تصرفاته وافعاله أمام الله والناس والانسان المخلوق على صورة الله ومثاله هو خير بطبيعته ولكن هناك الكثير من العوامل التى قد تضعف من الاراده او تقويها والارادة السليمة تحتاج الى سلامة الجسد والنفس والروح والبيئة الاجتماعية ونضال الانسان فى مجتمعه للحصول على التكيف الاجتماعى وبناء الذات وفقا لإيمانه ومبادئه .
ضعف الارادة وتقويته ... ان الشهوة ، سواء شهوة الجسد او المال او المناصب او الانتقام او غيرة قد تضعف الارادة لاسيما ان لم يضبط الانسان ذاته وشهواته ويطردها من القلب قبل ان تتملك فيه كما اشتهت امنا حواء الشجرة المحرمة { فرات المراة ان الشجرة جيدة للاكل وانها بهجة للعيون وان الشجرة شهية للنظر فاخذت من ثمرها واكلت واعطت رجلها ايضا معها فاكل} تك 6:3. لقد سيطرت شهوة الانتقام على قايين رغم قدرته على السيادة عليها لكنه انصاع لها وقتل اخيه { ان احسنت افلا رفع وان لم تحسن فعند الباب خطية رابضة واليك اشتياقها وانت تسود عليها} (تك 4 : 7). كما ان البيئة الخاطئة توثر على الارادة دون ان ترغم الانسان على الوقوع فى الخطأ لذلك فان يوسف العفيف رفض الخضوع للخطية وهو مباع عبد وسط ظروف صعبة لهذا علينا ان نبتعد عن مسببات الخطية لئلا تضعف ارادتنا { لا تضلوا فان المعاشرات الردية تفسد الاخلاق الجيدة} (1كو 15 : 33). فيجب ان نعاشر الاصدقاء الروحيين ونبنى انفسنا على ايماننا الاقدس فالله يريد خلاصنا { الله يريد ان جميع الناس يخلصون والى معرفة الحق يقبلون} (1تي 2 : 4). لقد عاتب السيد المسيح قديما اهل اورشليم قائلاً { يا اورشليم يا اورشليم يا قاتلة الانبياء وراجمة المرسلين اليها كم مرة اردت ان اجمع اولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا} (مت 23 : 37).
ان اردت ان تحيا قوى الارادة فاعمل على ان تكون مسيطراً على ذاتك ضابطأ لنفسك فتحيا لا كقصبة تحركها الريح كيف تشاء ولكن كجبل لا تهزه الاحداث ولا تؤثر فيه الشرور المحيطة به . المؤمن القوى بمبادئه واخلاقه وقيمة يؤثر فيمن حوله ان العيش فى مخافة الله وعبادته بمحبة وبنفس راغبة مصدر سعادة المؤمن { ماذا يطلب منك الرب الهك الا ان تتقي الرب الهك لتسلك في كل طرقه وتحبه وتعبد الرب الهك من كل قلبك ومن كل نفسك} (تث 10 : 12). لنصنع الحق ونقوله ونعمله مع أنفسنا قبل ان نطالب به الغير ونتواضع أمام الله الرحوم { قد اخبرك ايها الانسان ما هو صالح وماذا يطلبه منك الرب الا ان تصنع الحق وتحب الرحمة وتسلك متواضعا مع الهك (مي 6 : 8). ولنحرص على الارتباط بالله ووسائط النعمة المقوية للارادة من صوم وصلاة وقراءة فى كلمة الله والاستجابة لعمل روحه القدوس ولنقتدى بمخلص النفوس الذى اذ وجد فى الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع الآب السمائى حتى موت الصليب من أجل السرور الموضوع امامه مستهينا بالخزى فجلس عن يمين العظمة. ونحن يجب ان نغصب أنفسنا على طاعة الله ومحبته وصنع الخير من أجل ان نكون ابناء لله مقتدين بتعاليمه وكما علمنا {ملكوت السماوات يغصب والغاصبون يختطفونه }(مت 11 : 12) وعندما نبدأ بالتغصب لاكتساب عادات جيده تقوى ارادتنا وصلتنا بالله ونعمل الخير بالارادة الحرة.
الروح الانسانية والانقياد لروح الله ...
الروح الانسانية هى باعث الحياة .. وهى النفخة التى من الله المخلوقة على صورته ومثاله وهى عنصر الحياة التى توجد بارتباط الروح بالجسد عند الخلق { وجابل روح الانسان في داخله }(زك 12 : 1) وهى التى نفخها الله فى آدم فصار نفساً حيه { وجبل الرب الاله ادم ترابا من الارض ونفخ في انفه نسمة حياة فصار ادم نفسا حية} (تك 2 : 7). والروح تفارق الجسد بالموت لتصعد الى الله الذى خلقها { يسلم الروح كل بشر جميعا ويعود الانسان الى التراب} (اي 34 : 15). والروح خيره وتسعى الى الصلاح لكنها قد تنساق وراء شهوات الجسد او ميول النفس أو أفكارالانسان وميوله النفسية. ان الكثير حتى من غير المؤمنين مثل الهندوس والذين يمارسون اليوجا كرياضة روحية يستطيعوا بالتداريب الروحية الوصول الى قوى روحيه ساميه ويسلكوا حياة صالحة بعيدة عن شهوات العالم أما للمسيحى فعليه ان يقوى روحه ويدربها فى طريق البر والفضيلة والتقوى وايضا يعمل على أضرام موهبة الروح القدس داخله ويشترك فى العمل مع الله ليقتنى ثمار ومواهب الروح القدس داخله ليصل الى السمو الروحى المسيحى .
صلتنا بالروح القدس .. نحن بالعماد نولد من الروح القدس وننمو حتى نصل الى شركة الروح القدس وثماره ومواهبه فينا { اجاب يسوع الحق الحق اقول لك ان كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر ان يدخل ملكوت الله. المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح. لا تتعجب اني قلت لك ينبغي ان تولدوا من فوق. الريح تهب حيث تشاء وتسمع صوتها لكنك لا تعلم من اين تاتي ولا الى اين تذهب هكذا كل من ولد من الروح} يو 5:3-8 . وبالميرون المقدس نختم بمسحة الروح القدس لتكون لنا مسحة مقدسة وخاتم لا ينحل ونغرس كابناء لله بالتبنى فى كنيسة الله المقدسة { اما تعلمون انكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم} 1كو 16:3. ان روح الله القدوس يشترك فى العمل مع المؤمن متى استجاب له ويبكته الروح على الخطية فيتوب عنها ثم يحثه على عمل البر والخير والصلاة لنصبح حارين فى الروح (رو11:12) وبهذا تكون حياتنا الروحية ملتهبه بعمل روح الله فينا فى الصلاة والخدمة والعمل لمجد الله وكلما ينمو الانسان فى النعمة ويطلب قيادة الروح القدس له يمتلئ بالروح (أف 18:5) لنحصل على ثمار الروح القدس فينا { واعمال الجسد ظاهرة التي هي زنى عهارة نجاسة دعارة. عبادة الاوثان سحر عداوة خصام غيرة سخط تحزب شقاق بدعة. حسد قتل سكر بطر وامثال هذه التي اسبق فاقول لكم عنها كما سبقت فقلت ايضا ان الذين يفعلون مثل هذه لا يرثون ملكوت الله. واما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول اناة لطف صلاح ايمان. وداعة تعفف ضد امثال هذه ليس ناموس. ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الاهواء و الشهوات.ان كنا نعيش بالروح فلنسلك ايضا بحسب الروح} غل 19:5-25.
ان الروح القدس يعزى المؤمن فى الضيق ويشبعه ويرويه ويجعله موصل جيد لنعمة الله كما قال السيد المسيح { وفي اليوم الاخير العظيم من العيد وقف يسوع ونادى قائلا ان عطش احد فليقبل الي ويشرب. من امن بي كما قال الكتاب تجري من بطنه انهار ماء حي. قال هذا عن الروح الذي كان المؤمنون به مزمعين ان يقبلوه } يو 37:7-39. وهكذا امر السيد المسيح تلاميذه ان لا يخدموا بدون ان تحل نعمة الروح القدس عليهم فى يوم الخمسين { وفيما هو مجتمع معهم اوصاهم ان لا يبرحوا من اورشليم بل ينتظروا موعد الاب الذي سمعتموه مني... لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودا في اورشليم وفي كل اليهودية والسامرة والى اقصى الارض} أع 4:1،8.
للروح الانسانية غذائها ... كما قال السيد الرب { ليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله }(مت 4 : 4).فان كنا نهتم باجسادنا ونغذيها بالعناصر اللازمة لبناء الجسم فان الروح تحتاج الى ان تشبع بكلمة الله وبالصلاة والعلاقة القوية بروح الله وطلب ارشاده وقيادته لنا والتناول والاجتماعات الروحية والترانيم والالحان الروحية والمعاشرات الروحية والتلمذة وعمل الخير والتحلى بالفضائل كما يجب ان نبتعد بها عن كل ما هو خطية وشر وضار ومعدى من خطايا وان اخطانا عن جهل او كسل او نسيان فيجب ان نسرع الى التوبة ولا نعود اليها حينئذ نتبرر وننقاد بروح الله { لا شيء من الدينونة الان على الذين هم في المسيح يسوع السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح} رو 8:1. ولنحيا يا احبائي بالروح لا فى حرفية أو شكلية العبادة بل فى حكمة وافراز ويكون حتى كلامنا بقوة الروح { لان لستم انتم المتكلمين بل روح ابيكم الذي يتكلم فيكم }(مت 10 : 20). ان النمو الروحى يمتد ليصل بنا الى الكمال المسيحى الذى فيه نحقق قول السيد الرب { فكونوا انتم كاملين كما ان اباكم الذي في السماوات هو كامل }(مت 5 : 48).
اننا يجب ان نستخدم فى حربنا كل اسلحة الحرب الروحية لننتصر عل حيل ابليس وجنوده ونتقوى فى الايمان بروح الصلاة والصوم والتواضع ونتمسك بكلمة الله القادرة على هدم حصون الشر ونطلب ارشاد الروح القدس ونستدعى قوة ربنا يسوع المسيح وسلطانه القادر يقودنا فى الجهاد الموضوع أمامنا { اخيرا يا اخوتي تقووا في الرب وفي شدة قوته. البسوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا ان تثبتوا ضد مكايد ابليس. فان مصارعتنا ليست مع دم ولحم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع اجناد الشر الروحية في السماويات. من اجل ذلك احملوا سلاح الله الكامل لكي تقدروا ان تقاوموا في اليوم الشرير وبعد ان تتمموا كل شيء ان تثبتوا. فاثبتوا ممنطقين احقاءكم بالحق ولابسين درع البر. وحاذين ارجلكم باستعداد انجيل السلام. حاملين فوق الكل ترس الايمان الذي به تقدرون ان تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة. وخذوا خوذة الخلاص وسيف الروح الذي هو كلمة الله. مصلين بكل صلاة و طلبة كل وقت في الروح وساهرين لهذا بعينه بكل مواظبة وطلبة لاجل جميع القديسين} أف10:6-18. وعندما يرى الله اخلاصنا فى طاعته ومحبته فانه يمدنا بالحكمة والقوة والنعمة ويكمل جهادنا بسلام .
القمص أفرايم الانبا بيشوى
المزيد
15 نوفمبر 2021
أَوَّلِيّةُ الكِرَازَةِ بِالِإنْجِيلِ للخَلِيقَةِ كُلِّهَا
الروح الكرازية هي العمل الأول الذﻱ قامت به الكنيسة منذ يوم الخمسين. وسيظل هو طريق عملها الصحيح للخلاص ونوال الحياة الأبدية؛ (مبنيين على أساس الرسل والأنبياء؛ ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية) (أف ٢ : ٢٠) فالبناء على الرسل يعني إيمانهم وكرازتهم.
ولا تقوم أية كرزاة صحيحة إنْ لم تكن مؤسسة على الأساس الوحيد؛ لأنه لا يستطيع أحد أن يضع أساسًا آخر غير الذﻱ وُضع؛ الذﻱ هو يسوع المسيح مخلصنا؛ الذﻱ تجسد وصُلب وقام ناقضًا أوجاع الموت، وصعد إلى يمين الآب؛ وسكب الروح القدس على تلاميذه الأطهار، وسيأتي أيضًا في مجده ليدين الأحياء والأموات؛ وليس لملكه انقضاء.
هذه الروح الكرازية هي محور الإنجيل وهي قوة الله للخلاص لكل من يؤمن (رو ١ : ١٦)؛ وهي أيضًا قوة الله وحكمته (١ كو ١ : ٢٤)، ولا توجد كرازة رسولية لا تقوم إلا على خلاصه وغفرانه للخطايا لكل من يقبله ويتجاوب مع عطية نعمته.. من أجل هذا يلزم لكل كارز ومكروز له أن يقبل الرب يسوع قبولاً شخصيًا؛ لأن البشرية التي اُفتُديت ليست شيئًا؛ بل هي (الأشخاص البشريون) الذين دعاهم المخلص بأسمائهم ليكونوا خاصته؛ وأهل بيته.
معروفين لديه ومميزين عنده (كل واحد منا بإسمه وكل واحدة بإسمها، معروفين بأشخاصنا وليس فقط بطبيعتنا البشرية العامة، نعرفه بإسمه وفي شخصه، نعتمد بإسم الثالوث القدوس ونتوب لنتجدد بالروح القدس الذﻱ يمنحه الله للذين يطيعونه (أع ٥ : ٣٢).. نتوب ونرجع لتُمحَى خطايانا؛ حتى تأتي أوقات الفرج من عند الرب (أع ٣ : ١٩) بالبركة والرد عن الشرور (أع ٣ : ٢٦).
يسوع المسيح ربنا هو المكروز به وهو محور كل عمل كرازﻱ، والذين يكرزون به؛ إنما يدعون إلى الإيمان بالمسيح الذﻱ ليس بأحد غيره الخلاص، رب الكل وإله الكل ومخلص الجميع، ديانًا للأحياء والأموات، الذﻱ يعطي كل من يؤمن به أن ينال بإسمه غفران الخطايا... فتأسست الكنيسة على شهادة التلاميذ الرسل؛ وتمركزت رسالة الإنجيل حول الشهادة لتدبير الخلاص؛ فصارت شهادتهم برؤية العين هي أساس كتابة الانجيل وكرازة الكنيسة.
لقد وَعَتْ الكنيسة الوليدة نفسها بأنها هي (البقية المختارة)، وكل ما قاله لهم السيد المسيح وعَوْهُ في قلوبهم ونفوسهم؛ بعد أن ارتفع عنهم إلى السماء وسيأتي هكذا كما رأوه منطلقًا إلى السماء، ملأهم بالرجاء الحار بإنتظار مجيئه القريب على الأبواب، فكان قوة حية في الكرازة لتلمذة جميع الأمم، وتعليمهم جميع ما أوصاهم به للخليقة كلها، ومعموديتهم على اسم المسيح القدوس.
قامت الكرازة بلا سند من قوة زمنية... بلا ذهب ولا فضة... كرازة بالكلمة الحية المقولة أكثر من الكلمة المكتوبة، كرزوا في البيوت وفي الأسواق جهرًا، وفي بيوت الولاة والحكام... كرزوا بلا فتور، ليلًا ونهارًا، في وقت مناسب وغير مناسب، كرزوا مَقُودين بالروح القدس في دعوتهم ومسار كرازتهم ومعجزاتهم... كرزوا ببرهان الروح والقوة ونشروا إنجيل الخلاص وبشارة الملكوت.. فكانت كلمة الله تنمو؛ وعدد التلاميذ يتكاثر، أمّا الكنائس كانت تتشدد في الإيمان وتزداد في العدد كل يوم؛ وتنمو وتتقويَ.
القمص أثناسيوس فهمي جورج كاهن كنيسة مارمينا فلمنج
المزيد
14 نوفمبر 2021
كيف نخدم مرحلة المراهقة ج2
يحتاج الشاب في مرحلة المراهقة إلى :-
1- القدوة :-
المراهق يريد أن يتشبع بمثاليات لذلك تأثير الخادم أو حتى المدرس أو الإخوة والأباء مهم جداً فكل هؤلاء لهم تأثير شديد وقوي على المراهق ومن أكثر المؤثرين الخادم في مظهره وسلوكه وإسلوبه وكلامه وتعاليمه واتجاهاته لابد أن يكون الخادم قدوة بحق لهذه المرحلة لأنها مرحلة تبحث عن نموذج المراهق يحتاج أن يعرف أن ما يسمعه ليس كلام نظري بل نموذج عملي محتاج خادم عاش نفس سِنه وظروفه وتحدياته ومجتمعه ومع ذلك حفظ نفسه وعاش الوصية لذلك النموذج لهذه المرحلة مهم كان أحد الأباء الكهنة يمازح طفل غير هادئ إسمه فادي وسأله ماذا تريد أن تكون عندما تكبر ؟ فقال فادي * نفسي أطلع أستاذ مايكل * كلمة عفوية تعبر عن تأثير الخادم إذاً المراهق يحتاج نموذج عملي يقتدي به يراه يعيش في نفس مجتمعه يرتدي ملابس مناسبة ويتعلم مثله ويترفه مثله ويعمل و بإسلوب صحيح يليق بالمسيحية ولا يتنافر مع العصر الذي يحياه ربما أسلوب الخادم أكثر تأثير من الأب الكاهن لأن الكاهن معروف أنه رجل الله يرتدي ملابس سوداء رجل فاضل هذا أمر طبيعي بالنسبة للمراهق لكن الخادم نموذج عملي يحيا حياته ظهور ضعف الخادم والمخدوم في مرحلة المراهقة هذا يكون له تأثير قوي لكن إذا ظهر ضعف الخادم بعد ما يكبر المراهق وينضج فقد يعطيه عذر .
2- الحزم والحب :-
خادم المراهق ينبوع حب المراهق هو كائن نمى قبل أوانه واكتشف فجأة أنه ذو عضلات وعقل وأنه يستطيع أن يسهر ويلهو و فقد كان قبلاً يعيش تابع أما الآن فهو في صراع بين الطفولة والرجولة التي يريد أن يحياها المراهق مثل طفل مبتسر يُوضع في حضَّانة والخادم يقوم بدور الحضَّانة أي لابد أن يكون واسع الصدر مُحب مُحتمل لا يفضح المخدوم لو عرف ضعفه ولا ينشره وفي نفس الوقت لابد أن يكون الخادم حازم له توجيهاته لأن المراهق يكون في احتياج للتوجيه لذلك خادم مرحلة المراهقة لابد أن يكون قدوة وله الحزم والحب ولابد أن يعرف متى يقدم الحزم ومتى يقدم الحب لو عندك رصيد حب عالي لابد أن يكون عندك أيضاً رصيد حزم عالي لأن الذي يحبه لا يجب أن يحزنه معلمنا بولس الرسول في رسالتيه لأهل كورنثوس نرى مقدار حبه وحزمه أيضاً يقول أنا أحبكم ولذلك أخاف عليكم وإن كنت قد أحزنتكم فأنا أعتذر عن ذلك ولا أستطيع أن أُغضبكم إلا في غيابي وليس في حضوري .
3- خادم فردي :-
لابد أن تعرف متى يمر الموقف ومتى تقف عنده متى تقف عند نفس الموقف من نفس الشخص هناك كلام يقال لشخص لا يقال لشخص آخر وهناك كلام يقال لظروفي لا يقال في ظروف أخرى لنفس الشخص لابد أن يكون الخادم فردي أي متواصل مع كل فرد بكل ظروفه وإن أردت أن يكون تعليمك تعليم مُجدي إهتم بالأفراد فرد فرد لكن إن كان تعليمك قوي على مستوى الجماعة يكون غير مُجدي مثل التعليم الفردي صعب تكلم شخص لم تزوره من قبل في بيته صعب تعلم فرد تعلم أنه يسكن بيت مشترك أو من أسرة متسيبة – صعب – إذاً الأمر يحتاج إتزان يحتاج معرفة كل فرد بظروفه يعرف متى يعطي ميعاد لفلان ومتى يجلس مع فلان ومتى يتحدث مع فلان تواصل فردي يؤهل الإنسان أن يفيض على المستوى الجماعي .
4- خادم جماعي :-
ليس أي شخص يعرف كيف يتعامل مع جماعة خاصة إن كانت جماعة من المراهقين لأن المجموعة تحتوي على الفرد الهادي والفرد المشاغب والفرد القارئ والمتمرد والمستمع الجيد والذي ليس له أي اهتمامات و لابد أن يعرف الخادم أن يجعل المجموعة تطيعه وتلتزم الخادم المحبوب من مجموعة المجموعة تطيعه لذلك إخدم خدمة فردية قبل خدمة جماعية وبذلك تستطيع أن تخدم وتوظف المواهب إستخدم مواهب أولادك ولا تقتصر على درس مدارس أحد فقط لا لابد أن تعرف أن هذا شخص هادئ لكن له ميول للألحان والقراءة هذا مشاغب لكن رياضي وآخر مشاغب لكن مدمر وآخر لا يمكن أن أخدم مراهق دون أن أفهمه ودون أن أعطيه دور وسط المجموعة المراهق هو شخص يولد من جديد ولن يولد ما لم يشعر بكيانه والذي يُشعره بكيانه هو الكنيسة لذلك الخادم الجماعي لابد أن يعرف كيف يوظف الطاقات ويعمل من الأسرة لوحة متكاملة بكل الألوان .
5- خادم عملي :-
المراهق لا يستمع لنصائح تسأله هل إعترفت ؟ يقول لا تقول له كيف ذلك لابد أن تعترف ثم تتركه وبعد فترة تسأله هل إعترفت ؟ قد يكذب ويقول نعم كي ينتهي من هذا الأمر لكن هذا أسلوب لا ينفع بخدمة المراهق المراهق يحتاج خادم عملي يساعده عملياً مثلاً يتفق معه على ميعاد مع أب الإعتراف ويتابع يتفق معه على الصلاة مزمورين يتفق أنه مثلاً بعد أن نخرج من النادي نصلي معاً قبل الغذاء رتب معه حياته عملياً لكن النصائح الشفوية تقيم بينك وبينه فجوة لأنك تعطيه واجبات لا يستطيع أن يقوم بها لا تقل له إقرأ في الكتاب المقدس فقط بل حدد معه إصحاحات معينة واعمل له مسابقة فيها لا تكتفي بنصيحة بل كن عملياً الكلام سهل لكنه أحياناً يسبب للمراهق إحباط في أحد المرات سافر شخص على طائرة من شركة طيران معروفة وفي الطائرة قُدمت له وجبات وفتح الوجبة ليأكل فوجد بها حشرة ( صرصار ) وتكلم مع المضيفة في هذا الأمر فلم تهتم فكتب شكوى لرئيس الشركة وذكر فيها ما حدث معه في الطائرة وذكر إسم المضيفة وبعد فترة جاء له رد من الشركة يحتوي على إعتذار كبير مع إيقاف المضيفة عن العمل واستراح هذا الشخص عندما قرأ الرسالة والإعتذار لكنه وجد على ظهر الرسالة كلمة تقول * يُرسل إليه رد الصرصار المعتاد * أي هذه الرسالة متكررة والأمر لن ينصلح أحياناً المراهق يحاول أن يقول للخادم هذه الإجابات المعتادة أعرفها ستقول له صلي إقرأ الكتاب هذه أمور وإجابات إعتادنا عليها هو لا يحتاج إجابات شفوية بل يحتاج أن تقرأ معه الكتاب وتحضر معه قداس بل وتوقظه صباحاً ليذهب للقداس قل له ما رأيك لنذهب معاً للكنيسة واتصل به قبل أن ينزل من منزله وإن كنت أحضر القداس الأول سأحضر معك القداس الثاني وهكذا شجعه بحلول عملية لأن النظريات في هذه المرحلة مُحبطة وتُشعره أن الكنيسة لا تشعر به مرحلة المراهقة في عصرنا زادت خطورتها أكثر من كل عصر لأن المراهق يعيش إنفتاح كبير وهذا عبء على الكنيسة وكلما إزداد المجتمع في تربية النشأ كلما صارت الأسرة أكثر حرصاً كلما أيضاً إزدادت الكنيسة في دورها توسع بكل طاقتها وهناك أمور قد نقف أمامها عاجزين لذلك الصلاة مهمة جداً تسند الخدمة .. في أحد الأيام حدثت مشكلة في كنيسة مارجرجس إسبورتنج في عهد البابا كيرلس وأبونا بيشوي كامل فقال أبونا بيشوي لنأخذ رأي البابا كيرلس فقال أحد أعضاء الكنيسة سيقول لنا صلوا وسنذهب إلى القاهرة لكي نسمع هذه الكلمة ؟ لكن أبونا بيشوي أصر على رأيه وأخذ المجموعة التي كانت معه وذهب إلى سيدنا البابا الذي قال لهم لماذا أتيتم ألم تعلموا إني سأقول لكم صلوا ؟ صح يا فلان ؟ فخجل ذلك الشخص جداً لابد أن تكون لنا علاقة قوية بالصلاة ويكون لنا يقين بقوتها لابد أن نعلم ونثق أن الله قادر أن يقدس أولادنا بالصلاة ويحميهم بالصلاة لذلك دورنا كخدام أن نصلي ونرشد ونحب ونخدم ونحتضن حتى تمر هذه المرحلة بسلام خدمة المراهقة خدمة تقدسنا نحن لأنها خدمة محيرة وتُظهر ضعفنا لكن قوتي في الضعف تكمل ( 2كو 12 : 9 ) . ربنا يكمل نقائصنا ويسند كل ضعف فينا بنعمته له المجد دائماً أبدياً آمين.
القمص أنطونيوس فهمى - كنيسة القديسين مارجرجس والأنبا أنطونيوس - محرم بك
المزيد
13 نوفمبر 2021
المُعطي فبسخاء
الحياة المسيحيّة بحسب الإنجيل هي حياة عطاء وبذل من كلّ جانب، لأنّها هي حياة المسيح فينا الذي بذل نفسه حتّى الموت حبًّا فينا.
فإنْ كان المسيح يحيا فيَّ فحياتي كلّها عطاء وكلّها سخاء، بعيدًا عن البُخل والشُحّ والأنانيّة وتفضيل الذّات على الآخرين.
والعطاء المادّي هو أقلّ أنواع العطاء، لأنّ الممتلكات أشياء تَفنَى، لها قيمة ماديّة متغيّرة وهي خارجة عن الذّات. فأنا شيء وما أملكه شيء آخر يَبقَى منفصلاً عنِّي. أمّا العطاء المسيحي فهو عطاء النفس، أن يضع أحد نفسه عن أحبائه، على مثال صليب المسيح الذي أحبّنا إلى المنتَهَى.
فإن وضَع الإنسان نفسه، وفرَّط فيها وكفر بذاته وسعى وراء مخلصه حاملاً الصليب، فإنّه يعيش متنعّمًا في ملكوت المسيح وهو بعد في الجسد «هَا مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ» (لو17: 21). وإن وُجِد هذا المثال المسيحي حيًّا.. فلا مكان للصراعات ولا الخلافات ولا التحزّبات ولا السياسات في الكنيسة.. ولا مكان للمشاكل في العائلة ولا انحراف ولا طغيان للمادة والطمع.. إلى آخر هذه الأمور.
العطاء الحقيقي هو حالة فيض داخلي فحينما يمتلئ القلب يفيض. فالقلب الممتلئ حبًّا يفيض حبًّا.. الامتلاء يسبق الفيض.. الفيض بدون ملء هو نوع من الغشّ. فالعطاء الحقيقي يكون من ملء الروح وفيض الروح. فإن لم نحيا بالروح يكون عطاؤنا المادي بلا قيمة.
الكنيسة منذ البداية رفضت عطايا الناس غير المتقدّسين فلا تقبل عطايا من يُتاجر في النجاسة أو يكسب أمواله عن طريق غير مقدس.
هذه بعض الآيات الإنجيليّة التي تنير الطريق وتوضّح الأهداف الحقيقيّة:
+ «أَعْطُوا تُعْطَوْا» (لو6: 38).
+ «مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ» (أع20: 35).
+ «الْمُعْطِي فَبِسَخَاءٍ» (رو12: 8).
+ «مَنْ يَزْرَعُ بِالْبَرَكَاتِ فَبِالْبَرَكَاتِ أَيْضًا يَحْصُدُ» (2كو9: 6).
+ «لَيْسَ أَنِّي أَطْلُبُ الْعَطِيَّةَ، بَلْ أَطْلُبُ الثَّمَرَ الْمُتَكَاثِرَ لِحِسَابِكُمْ» (في4: 17).
+ «فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ» (2كو8: 2).
+ «لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ، مُلْتَمِسِينَ مِنَّا، بِطِلْبَةٍ كَثِيرَةٍ، أَنْ نَقْبَلَ النِّعْمَةَ وَشَرِكَةَ الْخِدْمَةِ الَّتِي لِلْقِدِّيسِينَ» (2كو8: 3، 4).
+ «وَلَيْسَ كَمَا رَجَوْنَا، بَلْ أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلاً لِلرَّبِّ، وَلَنَا، بِمَشِيئَةِ اللهِ» (2كو8: 5).
ويبدو واضحًا أنّ الرسل الأطهار الذين جرَّدهم الربّ منذ البداية من كلّ ما هو مادي، وملأهم من الروح إلى كلّ الملء لم يطلبوا شيئًا.. بل لم يشتهوا شيئًا «فِضَّةَ أَوْ ذَهَبَ أَوْ لِبَاسَ أَحَدٍ لَمْ أَشْتَهِ» (أع20: 33). ولكن بحركة عطاء تلقائيّة، منذ أن حلّ الروح القدس وملأ كيان الكنيسة، كان «كُلَّ الَّذِينَ كَانُوا أَصْحَابَ حُقُول أَوْ بُيُوتٍ كَانُوا يَبِيعُونَهَا، وَيَأْتُونَ بِأَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ، وَيَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ» (أع4: 34، 35). دون أن يطلب الرسل ذلك.
كان هذا شعورًا تلقائيًّا للتخلِّي عن الماديات لمّا حصلوا على ملء الروح. والآيات توضّح المنهج الروحي من ناحية الرسل ومن ناحية المؤمنين. فالمؤمنون كانوا يتوسّلون إلى الرسل أن يقبلوا العطايا، والرسل الأطهار لم يمدّوا أيديهم للأخذ فوُضِعت العطايا تحت أقدامهم، كانوا «يَضَعُونَهَا عِنْدَ أَرْجُلِ الرُّسُلِ».
«أَعْــطُــوا تُعْــطَــوْا»
يقول القديس يوحنا ذهبيّ الفم "إنّنا كثيرًا ما نتبادل المواقع.. ففي أوقات كثيرة يأتي إلينا من يسألنا حاجّة، ونكون نحن في مكان الذي يُعطي ويُحسِن إلى مَن يسأله، ثم في أحيان أخرى نمدّ أيدينا نسأل ونطلب.. ونكون في موضع المُستجدي المحتاج".
فإنّ تصرُّف الإنسان في موقعه الأول تَصَرُّف السخي المُعطي، الذي لا يردّ حاجّة السائل. فإنّه حين يكون في وَضع المُحتاج من الله سيعامله بذات السخاء، وبالكيل المُلَبَّد المهزوز يعطيه في حِضنه. والعكس صحيح فإنْ بَخَلَ الإنسان وصَدّ مَن يَطلب إليه فإنّه حين يطلب هو تُصدُّ صلاته ولا يُستجاب لطلبه.
هذا ما عاشّه القديسون في كلّ جيل، لقد عرفوا الطريق إلى استجابة صلواتهم وعرفوا كيف يستدرُّون مراحم الله، إذ صاروا رحماء و«أَسْخِيَاءَ فِي الْعَطَاءِ، كُرَمَاءَ فِي التَّوْزِيعِ» (1تي6: 18).
- يُحكَى عن المعلم إبراهيم الجوهري الذي كان بمثابة رئيس للوزراء.. أنّه كان منقطع النظير في سخائه، ويُذكَر عنه أنّ شحّاذًا قابله وهو خارج من منزله في الصباح ذاهب إلى ديوان الوزارة وطلب منه شيئًا (صدقةً) فأعطاه، ثم استدار الشحّاذ وقابله في منعطف الشارع وطلب منه فأعطاه، ثم لفّ من شارع آخر وقابله وطلب فأعطاه.. حتى في نهاية المشوار صرخ الشحّاذ وقال: طوباك يا رجل الله، فهوذا طلبتُ منك هذه المرّات الكثيرة ولم تضجر منِّي ولا أرجعتني خائبًا. فأجابه المعلم إبراهيم في اتضاع كثير: هذا مالك يا ابني، أعطاه الله لي لأعطيه لمَن يسأل.
+ وقد تقابلتُ في حياتي مع كثيرين من الأسخياء المُحبّين للعطاء بسرور. والحريصون منهم كانوا يحيون حياة العطاء بحسب الإنجيل، وبحسب الذي تسلّموه من الأبرار الذين أرضوا الرب قبلهم. لأنّ كثيرًا من المراحم تحيط بحياة العطاء، «مَنْ يَرْحَمُ (يعطي) الْفَقِيرَ يُقْرِضُ الرَّبَّ، وَعَنْ مَعْرُوفِهِ يُجَازِيهِ» (أم18: 17). والمزمور يقول: «طُوبَى لِلَّذِي يَنْظُرُ إِلَى الْمَسْكِينِ (لمن يتعطف على المسكين والفقير). فِي يَوْمِ الشَّرِّ (السوء) يُنَجِّيهِ الرَّبُّ» (مز40 أجبية). ولكن بالأكثر يقول: «صالِحٌ هُوَ الرَّجُلُ الَّذي يَتَرَأَّفُ ويُقْرِضُ... مَجْدٌ وغِنى فى بَيْتِهِ، وبرُّهُ يَدومُ إلَى الأبَدِ» (مز111 أجبية).
فالعطاء في المسيح هو من فيض النعمة وحياة البرّ، وليس كما يظنّ البعض أنّه مجرّد عطاء مادي ومساعدات تُقَدَّم.. يجب أنّ الذي يقدّم العطايا يقدّمها بيد طاهرة، بقلبٍ عابد للمسيح. وليست الصَدَقة بغرض التكفير عن ذنوب، فالحسنات لا يُذهِبن السيّئات لأنّ هذا مبدأ غير مسيحي، السيئات يمحوها دم المسيح الذي يُطهِّر من كلّ خطية.. والاعتراف بها وغفرانها من فم المسيح بيد الكاهن وتكميل التوبة يكون في الحياة البعيدة عن السيرة الأولى.
ناهيك لِمَا يشوب العطايا ويلوّثها من حبّ التفاخُر والتظاهر ومدح الناس. وهذا ضدّ الوصية الغالية.. «مَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً (رحمة) فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ» (مت6: 3).
لذلك أقول إنّ من بين الأتقياء الذين عايشتهم من كان كثير العطاء في الخفاء، يسلك سلوك القدّيسين الذين أنكروا ذواتهم، رغم أنّهم صنعوا آيات وعجائب.
+ على أن وصية العطاء غير قاصرة على ذوي الأملاك والمقتدرين، فقد رأينا فقراء ومُعدمين مُحبّين للعطاء ويقدّمون للرب فوق طاقتهم بفرحٍ لا يُعبَّر عنه. فبعض المساكين كانوا يأخذون بركة صغيرة من الكنيسة، وكانوا يتصدّقون منها، ويُشاركون من هم أفقر منهم وأكثر احتياجًا.
كيف يكون الفقير والمعدَم كريمًا سخيًّا مُحبًّا للعطاء؟.. هذه هي نعمة المسيح التي أجزلها بكلّ حكمة وفطنة، حتّى صار أولاده كفقراء وهم يغنون كثيرين.
+ «فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ» (2كو8: 9).. فقر المسيح هو الغِنَى الذي لا يُستقصَى.. فكلما زاد الإنسان التصاقًا بالمسيح وقبل آلامه المُخلِّصة المُحيية ليحيا بها وفيها، كلّما زاد غِنى الإنسان وفاضت ينابيعه من فيض نعمة المسيح مخلصنا. «أَمَا اخْتَارَ اللهُ فُقَرَاءَ هذَا الْعَالَمِ» (يع2: 5) ليُخزي بهم الأغنياء.
قيل في البستان عن أحد الآباء النُسّاك العظام، إنّه حلّ فى زمانه غلاء عظيم وقَلَّ الخير. وكان في قلايته ثلاث خبزات. وبعد غروب الشمس، شرع في تناول طعامه، فقرع بابه سائل فقام وأعطاه خبزة. وقبل أن يأكل قرع بابه آخر فقام وأعطاه الخبزة الثانية. وجلس ليكسر الخبزة الباقية فقرع بابه سائل آخر. فيقول البستان أنه ساورته أفكاره عما إذا أعطى آخر خبزة له فما عساه أن يفعل وماذا يكون مصيره؟ ولكنه غلب أفكاره وقفز بشجاعة إيمانية وأعطى الخبزة للسائل. وظلّ هو بلا طعام، وقد استمرّ على هذه الحال يومين وهو صائم شاكراً الله. وبعد هذا ظهر له ملاك الرب وعزَّاه وقال له: من أجل عملك هذا فقد أحسنَ الربّ إلى المنطقة كلّها وأزال الغلاء. وفي ذات اليوم قَدُمَت إلى الدير جمالاً مُحمَّلة بالخيرات.
+ هناك حروب كثيرة من عدو الخير ضدّ عمل الخير والصدقات وعمل الرحمة والإحسان. ولكن الذين عاشوا بالإيمان غلبوه بقوّة الله ومؤازرة النعمة. ويكفي أن نذكُر فلسي الأرملة التي مدحها الرب ذاته، أنّها أعطت «كُلَّ مَا عِنْدَهَا، كُلَّ مَعِيشَتِهَا» (مر12: 44)، أمّا الأغنياء فقال الرب: إنّهم «مِنْ فَضْلَتِهِمْ أَلْقَوْا (أعطوا)».
هذا اختبار عميق يعرفه الذين مارسوه وتنعموا به، إنّه اختبار إيماني عاشه المُعدمون بحسب الظاهر، فاختبروا قمّة عناية الله بهم. لقد عاش القديس أنبا انطونيوس هذا الاختبار مدى الحياة لمّا تنازل طوعًا عن كلّ ملكيّته، وألقى رجاءه بالكمال على الله الذي اعتنى به حتى آخر أيّامه على الأرض. وهكذا القديس أنبا بولا لمّا تنازل عن الإرث المادي الغالي وعاش ناسكًا بلا مأوى ولا كسوة ولا قوت.. كيف عاله الله سبعين سنة.. أليس هو الذي عال الشعب الإسرائيلي (2 مليون نسمة) في البرّيّة أربعين سنة، «لَمْ تَبْلَ ثِيَابُهُمْ، وَلَمْ تَتَوَرَّمْ أَرْجُلُهُمْ» (نحميا9: 21) ونعالهم لم تتهرّأ؟
المتنيح القمص لوقا سيداروس
المزيد
12 نوفمبر 2021
مهابة الكنيسة وكرامتها
مهابة الكنيسة وكرامتها
يقول لنا الكتاب فى الجزء الذى قرأته: فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ، مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ.الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا للهِ فِي الرُّوحِ.
الكنيسة هى قطعة من السماء، يجب ان تكون بالغة الجمال، ولذلك يمكن ان نسميها تجاوزا انها “سفارة السماء على الارض”، وكما نقول فى الصلاة الربانية “كما فى السماء كذلك على الارض” نصلى ان تكون الكنيسة قطعة من السماء، وكل مرة ادخل الكنيسة وأراها جميلة جدا اتسأءل كيف يكون جمال السماء؟
هذه تعاريف للكنيسة ولكننا نقول ايضا؛ الكنيسة هى بيت الله، او بيت الملائكة، او باب السماء، او عروس المسيح، او مسكن الله مع الناس، او بيت الصلاة، او بيت القديسين، او عمود الحق، او جسد المسيح. كل هذه تسميات للكنيسة،
ولكن اهم ما يمكن ان يوجد فى اذهاننا انها قطعة من السماء على الارض،
ماهى وظيفة الكنيسة:
الكنيسة تقوم باعمال كثيرة ولكن الوظيفة الرئيسية لها والدور الحيوى فيها هو اعداد المؤمنين للملكوت، وهذا الاعداد هو رحلة حياة يأخذ الحياة من الصغر الى نهاية العمر، لهذا تبتدأ الكنيسة مع الطفل الصغير الرضيع بصلاة الحميم وسر المعمودية وتمتد عبر الحياة الى نهاية الحياة الى ان تصلى وتودعه الى السماء، اعداد الانسان للسماء.
وهذا أمر يجب ان يكون واضحا فى ذهن كل من يخدم، نقابل على الارض مشكلات ومتاعب لكن من يخدم فى أى مستوى يجب ان يعى تماما ان من نخدمهم هو ان نخدمهم لكى ما يكون لهم نصيبا فى السماء،
السماء مفتوحة لكل احد، ولكن لمن يعيش هذا الايمان بالمسيح ويسلك حسب وصية المسيح ويحيا فى كل يوم بالكلمة المقدسة فى حياته من خلال الكنيسة المقدسة، هذه هى وظيفة الكنيسة
قد نقيم أنشطة نقيم احتفالات كله جيد وجميل، ولكن الهدف الرئيسي والاول من فصول مدارس الاحد حتى الاجتماعات الكبيرة والاجتماعات النوعية والاجتماعات التعليمية والاجتماعات التخصصية بكل اشكالها لها هدف واحد وهو ان يصير للانسان نصيب فى السماء.
ولذلك ياأخوتى الارتباط بالكنيسة والحياة بداخلها والتعلم منها وتربية اولادنا وبناتنا وشبابنا داخل الكنيسة والانجيل وداخل هذه المفاهيم شئ هام جدا.
ولذلك نسمى الكنيسة الأرثوذكسية (كما تعلمون كلمة ارثوذكسية معناها الاستقامة) الارثوذكسية هى الطريقة المستقيمة لتمجيد الله.. الطريقة التى ليس فيها تحايل ولا تسيب نستخدم ما فى العصر ونستخدم التكنولوجيا المتاحة التى ممكن ان تكون مفيدة ولكن نحفظ مبادئ نقية لان الخطية هى “خاطئة جدا”
الخطية هى خطية مهما غيرنا لها العنوان.
اعرفوا ياأخوتى انه “لا خلاص خارج الكنيسة” كما يقول القديس اغسطينوس، ويقول القديس كبريانوس “من لم يتخذ الكنيسة اما لا يكون الله أبيه”، والقديس اغسطينوس يقول “حينما كان المسيح ظاهرا فى الجسد كانت الكنيسة مخفية فيه، هو يعمل كل شئ لها. وحينما صعد بالجسد صار هو مخفيا فيها، وصارت تعمل كل شئ به ولأجله”، ويوحنا ذهبى الفم قال عبارة اجمل “السماء الكنيسة هى اعلى من السماء واكثر اتساعا من الارض لانها يمكن ان تحتضن الجميع”
ماهى مكانة الكنيسة بالنسبة الى الانسان
اولا: الكنيسة فيها احتياج كيانى للانسان : كل واحد منا يحتاج الكنيسة، فقصد الله عندما بدأت البشرية ان يعمل على تأمين الانسان فى وسط المجموع، عندما نقرأ فى العهد القديم، نقرأ عن كنيسة البرية وهى خيمة الاجتماع، خيمة ولها تفاصيل كثيرة فى سفر الخروج لكن اهم مافى هذا الامر انها كانت تتحد معهم، عندما يتنقلوا يفكوها ويحملوها ويمشوا بها وعندما يقفوا فى مكان ينصبوا الخيمة بكل التفاصيل، وكانت هذه الخيمة فى البرية تنتقل معهم من مكان لمكان ولكن هى مسكن الله مع الناس. ثم تطورت الفكرة وصارت ثابته فأنشئ لهيكل فى اورشليم، وصارت مبنى ثابت ومبنى ايضا له فخامته وعظمته وتقسيماته الداخلية والخارجية، وهذا الهيكل فى اورشليم هو الذى تهدم فى الحادثة المعروفى باسم خراب اورشليم عام 70 ميلاديا بعد صعود ربنا يسوع المسيح ومازال مهدوما.
من الهيكل فى العهد القديم نشأت الكنيسة فى العهد الجديد، كانت الكنيسة فى البداية صغيرة مبنية بخشب بامكانيات محلية قليلة جدا، نسمع عن الكنيسة المعلقة كانت معلقة فوق احد الحصون وهو حصن بابليون فيها كمية اخشاب كثيرة، ونسمع عن كنائس الاديرة كان النمل والسوس يهاجم الاخشاب ويسقطها، ولكن صارت الكنيسة مع بدايات القرون الاولى لها مبنى، وصارت تسمى كنيسة مسيحية، وانتشرت الكنيسة فى العالم، وهى التى قال عنها السيد المسيح لبطرس الرسول وفى حضور كل التلاميذ “على هذه الصخرة ابنى كنيستى”.
وبنيت الكنائس فى بعض الاماكن على شكل الفلك باعتبار ان الكنيسة هى السفينة التى تنقذ الانسان فى بحر العالم، وبنيت فى مواضع اخرى على شكل الصليب، وكلها تدور فى هذه الاشكال الهندسية وبرع المصممون فى اشكال كثيرة وان احتفظت بطابعها، يوجد فيها مثلا 12 عمود للتلاميذ وبعض الكنائس اربعة للبشيرين الاربعة، وصارت الكنيسة هى مسكن الله مع الانسان فى العالم كله، وابسط تعريف يقوله الاولاد الصغار (بيت ربنا)
ولذلك ياأخوتى احترام الكنيسة مسؤلية كل صغير وكبير فينا، حتى وان كنيستنا كنيسة شعبية لكن كيف تكون بارعة الجمال فى نظامها فى نظافتها فى كل مافى داخلها من مكونات
الكنيسة احتياج كيانى فى الانسان
وامتداد لهذا الاحتياج الكيانى المسيح يسكن فى الكنيسة، فالمسيح يسكن فيا –فى الانسان- وصار المسيح فينا وصرنا جميعا نسمى اعضاء جسد المسيح، والمسيح رأس هذا الجسد وكما يعلمنا الكتاب المقدس “من يأكل جسدى ويشرب دمى يثبت فيا وانا ايضا فيه”
الامر الثانى : الكنيسة حضور دائم للمسيح : فى اخر انجيل معلمنا متى البشير قال “ها انا معكم كل الايام والى انقضاء الدهر” فالكنيسة تمثل الحضور الدائم لشخص المسيح، فى قصة شاول الطرسوسى الذى كان يضطهد كنيسة الله بافراط –كما قال عن نفسه- يسمع من المسيح “شاول شاول لماذا تضطهدنى، يقول له من انت ياسيد، فيجيبه انا يسوع الذى تضطهده” اين هو يسوع! هو الحاضر فى المؤمنين هو الكنيسة، عندما تعرض كل المسيحين فى اورشليم للاضطهاد وقت استفانوس ورجمه تشتتوا فى بلاد الشام ذهب شاول وراءهم وهو فى طريق دمشق يظهر له المسيح ويقول له “انا يسوع الذى انت تضطهده” يسوع الذى يسكن فى قلوب المؤمنين، وقلوب المؤمنين تبنى وتجتمع من خلال الكنيسة،
لهذا تعلمنا “أما تعلمون انكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” فيصير كل انسان فينا هو كنيسة ولها مذبح، هو القلب، قلبك هو مذبح كنيستك، ومجموعنا كلنا يشكل كنيسة الله الحية وكلنا نتناول على المذبح،
هذه هى الكنيسة وهذا هو المسيح الذى يحيا فينا
الامر الثالث : ان الكنيسة هى ايضا نافذه على الابدية : نحن نصلى فى اتجاه الشرق –كما تصلى ايضا الكنيسة الروسية- اعيننا كلها على السماء فى الشرق، وعندما يصرخ الكاهن “اين هى قلوبكم؟” كلنا نجيبه “هى عند الرب”
والكنيسة بينطبق عليها قول بطرس الرسول فى وقت التجلى “جيد يارب ان نكون هاهنا” ماأروع ان اكون فى الكنيسة، وعندما نعبر فى الترنيمة المشهورة “الكنيسة هى بيتى وهى امى وهى سر فرح حياتى” هذا تعبير قوى وأصيل عن مكانة الكنيسة فى حياة الانسان، ومن الملفت للانتباه انها بالصيغة الفردية، يعنى هى بيتى كشخص وهى امى، وهذه المعانى معان كبيرة بالنسبة للانسان
فتصير الكنيسة فعلا نافذة على الابدية، هل جربت تدخل الكنيسة وهى فارغة؟ جربت تجلس فى خشوع بعد ان تنير شمعة؟ ان اختبرت هذه الخبرة الروحية وعشت فيها بكيانك سوف تكتشف انك امام نافذة على السماء، وسوف تكتشف كم تكون السماء جميلة وجذابة لكل انسان، لهذا نقول فى كل قداس “يعطى عنا خلاصا وغفرانا للخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه”.
فتصير الكنيسة نافذة، ونحن جالسين فى الكنيسة ونتطلع للشرق كأننا وبالحقيقة نتطلع الى السماء،
وكنيستنا تعلمنا ان حامل الايقونات فيه ايقونات القديسين ينظروا الينا هم يتطلعون من السماء الينا واعداد كبيرة جدا من القديسين يتطلعون الى الذين يجاهدون على الارض فى جهادهم الروحى وفى حياتهم الروحية، لان الانسان عندما يتطلع الى السماء على الدوام تهون عليه الارض، ولا يتعلق بها او تحيا بداخله، ويصير انسانا سماويا واذا صار بالامانة يكون مستحقا النصيب السماوى
هذه الكنيسة فى مكانتها بالنسبة للانسان : احتياج كيانى، وحضور دائم للمسيح، ونافذة على الابدية
اذا اراد ربنا وعيشنا فى المرات القادمة نتكلم عن مصادر مهابة الكنيسة وكيف نحتفظ فى كنائسنا بهذه الكرامة وهذه المهابة
لالهنا كل مجد وكرامة من الان والى الابد. أمين
المزيد
11 نوفمبر 2021
شخصيات الكتاب المقدس حواء
حواء
«لأن آدم جبل أولاً ثم حواء»
مقدمة
لا أعلم ان كانت هناك شخصيات كثيرة تعرضت لها أقلام الكُتّاب والأدباء والشعراء والفلاسفة ورجال الدين في حقب التاريخ المتعددة كما تعرضت لشخصية حواء، ولا أعلم أن هناك شخصيات كشخصية هذه المرأة، فمنهم من سار وراء أفلاطون، الذي نبه الأذهان، في معرض حديثه عن الحب، إلى أنها وقد جاءت به إلى الأرض قد أمدت الحياة البشرية، بما ليس له مثيل أو ضريب بين الناس، وأن الحب الذي تزرعه فينا ليس الا شعاعًا من نور حب الآلهة في السماء.. ومنهم من قفا أثر خطوات شوبنهور عدوها الألد، فنعتها بكل شر وصب عليها كل سخط وحملها كل رذيلة، وعدها مأساة الوجود المفزعة المنكرة الرهيبة التي تركت أبشع الآثار في التاريخ البشري، ومنهم من لم يؤمن بأفلاطون أو شوبنهور، وبما ارتآه فيلسوف اليونان القديم أو الفيلسوف الألماني المحدث كل على حدة، بل رآها مزيجًا من كل شيء، وسار وراء الأسطورة الهندية القديمة التي تقول: إن الخالق أودع في حواء «استدارة القمر، وعمق البحر، وتدافع الأمواج، ولمعان النجوم، وشعاع النور، وقطرات الندى، وتقلب الريح، وعطر الورد، ورقة النسيم، ونشوة الراح، ونضارة الذهب، وقسوة الماس، وحكمة الحية، وتلون الحرباء، وشرود الغزال، وزهو الطاووس، وشراسة الأسد، وغدر الزمان، ومكر الثعلب، ولدغة العقرب، ونغمة اليمامة، وهذيان الببغاء» ومنهم من أعياه هذا الجد المزيج بالعبث، وهذا التعقيد المتشح بالبساطة، فنفض يديه وتجنب الحديث عنها، وتبع الأسقف مارتنسن الذي اعتقد أن العقل الإنساني والزمن لم يبلغا بعد من القوة والنضوج، ما يعينها على التكلم بطلاقة دون ذلل عن هذه الشخصية المدثرة بالأسرار، وما أحاط بها من ظروف، تعد أعوص ما جابه الوجود البشري من أعماق..!! على أنني مع ذلك أحس أننا سننال غنى كثيرًا ونحن نتأمل هذه الشخصية العجيبة التي وقفت على رأس التاريخ البشري لتكون أمه، ولتوجهه هذا التوجيه الهائل الأبدي: من هي؟ لم خلقت؟ وكيف خلقت؟ كيف جربت وسقطت وعوقبت ونهضت؟ واني ارجو في نور كلمة الله أن تتمكن من دراستها دراسة صائبة منصفة، بل أرجو أن تنير لنا هذه الكلمة مناحي الضعف أو القوة في كل ما كتب عنها.
حواء: من هي؟
في أغلب الديانات القديمة، من بابلية، وأشورية، ومصرية، وهندية، ويونانية، نجد ذكرا للمرأة الأولى وزوجها، بصور تقرب أو تبعد عن قصة الكتاب، ولئن لم تبلغ هذه الأقاصيص جمال القصة الأخاذة التي دونها موسى في سفر التكوين، ولئن لم ترق إلى سموها ونقاوتها وبساطتها، فانها مع ذلك تقف شاهداً على اعتراف جميع الأجيال والشعوب بحقيقة شخصيتها، كالأم الأولى التي جاءت منها الأجيال البشرية قاطبة، وأن ما ذهب إليه دارون وأشياعه من أصحاب النشوء والارتقاء، مردود واه ضعيف.. على أننا ونحن نتلمس صفحات الوحي، لا ندحة لنا عن الاعتراف، بأنها شخصية صعبة التحليل، وذلك لأن موسى حين عالج قصتها لم يضعها، قصة تاريخية خالصة أو رمزية خالصة بل وضعها قصة اتشح فيها التاريخ والحقيقة ثوبًا من الأموز، فأنت أذ تقرأ عن المرأة التي بنيت من ضلع رجل، وشجرة معرفة الخير والشر، وشجرة الحياة، والحية المغرية لابد تحس أن هناك معاني كثيرة متعددة تستتر وراء هذه الأسماء والعبارات الرمزية، وأن هذه المعاني تكلفك أشق الجهد وأضناه في سبيل بلوغها، والوصول إليها، أضف إلى ذلك أن موسى وهو يتحدث عنها، لم يقصد أن يرينا من هي حواء، بقدر ما آثر أن يرينا ما رسالتها ولذا نراه يمر مروراً سريعًا على طريقة تكوينها، ليقف بنا فقط عند تجربتها، وأثر هذه التجربة في نفسها وزوجها والكون بأجمعه، وقد سار الناس وراء موسى، فلم يعنوا بالنظر إلى حواء كامرأة، تاريخية لها شخصيتها وطباعها وخصائصها التي تنفرد بها عن غيرها، بل عنوا بالنظر إليها كامرأة رمزية مثالية، تعد عنواناً وصورة للمرأة في كل الأجيال، ومن المؤسف أن كثيرين من الذين اجتهدوا في تحليل شخصيتها الخاصة لم يستطيعوا التخلص مما لصق بأذهانهم من صور عامة عن المرأة، أو بما كان لهم من ظروف خاصة في حياتهم، فهناك مثلاً ذلك التقليد اليهودي الطريف الذي يقول إن حواء أعطت زوجها ليأكل معها حتى يموت لئلا يتزوج بامرأة أخرى تأتي بعدها، وهي محال أن تستريح في قبرها ومعه أخرى تأخذ مكنها، ولا أخال القاريء في حاجة إلى أن يدرك أن هذا التقليد أملاه الشعور العام بما يعتقده الكثيرون عن غيرة المرأة وشدة أنانيتها، وملتون الشاعر الانجليزي الضرير الذي يعد أبدع من كتب عن حواء في الفردوس المفقود والمردود، لماذا يصورها لنا أثرة، متكبرة، شديدة الاعتداد بذاتها؟ أغلب الظن أنه فعل ذلك تحت تأثير الحياة الزوجية المعذبة التي عاناها، لقد كان هذا الشاعر نفسه بائسًا في حياته الزوجية، ولقد ألقت زوجته - وهو لا يدري - ظلا عميقًا عنيفًا على ما كتب.على أننا مع ذلك يمكننا أن نقول، ونحن في أمن من الزلل أن حواء كانت تتمتع بحظوظ ثلاثة: «الجمال، والسذاجة، وقوة العاطفة»..
الجمال
أما أنها كانت جميلة فهذا مما لا ريب فيه وقد حرص الفن على أن يبرزها دائمًا رائعة الحسن وضاحة الجبين، مشرقة المحيا وما نظن أن صورة واحدة لرسام ما شذت عن ذلك، والتقليد اليهودي يقول إن آدم بهر بجمالها، واستقبلها أحر استقبال، مشدوها صائحًا بالقول: «هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي» وهل يمكن أن تكون غير ذلك، وقد خلقها الله لتكون ختام عمله في الجنة والتاج الذي يضعه على مفرق الرجل.. ان الكلمة بني التي استعملها موسى وهو يصف عملية خلقها كلمة غنية في الأصل بالمعاني التي تشير إلى دقة وروعة وقدرة ونشاط الحكمة الإلهية في إبداعها، لم تكن حواء جميلة فحسب بل كانت، فيما أعتقد آية ونموذجًا للجمال، لم تبلغه امرأة أخرى من بناتها بعدها.... وذلك لأن جمالها خلق قبل أن تعرفه الخطية ويمسخه الشيطان، وما تبقى لها بعد ذلك منه إن هو إلا مسحة رائعة متكسرة تشهد بعظمة تلك الأصول القوية الأولى التي عصف بها السقوط، وهوى بها ما تبعه من أمراض وأوجاع وأحزان ودموع وتعاسة وشقاء وشر وآثم هي المعاول القاسية الهدامة لكل حسن وجمال، ألا ما أفظع الخطية وأبشعها أثرًا في خلقة الإنسان وخلقه، فالخطية أعدى أعداء الجمال، وأشدها تنكيلاً بروعته، وفتتنه وحسنه، ولن يعود الجمال إلى عرشه الضائع، ومجده السليب، ولن يسترد ما ولي عنه من أنوار أخاذة قديمة، حتى تتحرر الأرض من الآثم، وتغسل من الفساد، وتتطهر من الشر، ويقف ذلك الجمع الهائل الذي أبصره الرائي القديم من كل الأمم والقبائل والشعوب والألسنة أمام العرش، وأمام الخروف، متسربلين بثيابهم البيض، وفي أيديهم سعف النخل، حين ترجع حواء وأبنائها وبناتها المخلصون إلى الفردوس الأبدي المردود!!
السذاجة
كانت حواء اذن من الناحية البدنية ذات جمال كبير، على أنها من الناحية العقلية كانت ساذجة قاصرة غريرة ضيقة التفكير محدودة الإدراك، وقصة عدن فيما اعتقد تشجعنا كثيراً على هذا الاستنتاج، فهي كما وصفها جورج ماثيسون «قصة الطفولة في أدق ما في الكلمة من معنى، طفولة الطبيعة الإنسانية التي لم تلف وراءها السنين الطوال من المعرفة والاختبار والمران والتجربة، الطفولة التي لم تكن قد اشتبكت بعد في نضال الحياة، وجابهت ما فيها من تنوع واختلاف وتلون وصعوبة توقد العقل وتشحذ التفكير».. بدأت حواء حياتها في الجنة وكانت أمامها أيام طويلة، قبل أن تبلغ مرتبة الوعي والإدراك والنضوج الكامل، وما الجنة في الواقع إلا روضتها ومدرستها التي كانت ستستعين بها على النمو والرقي والتقدم الفكري، كما أن المجرب اتجه إليها دون آدم لأنه أدرك أنها أقل فطنة وذكاء وتحذرًا.
قوة العاطفة
على أن ما فاتها من هذه الناحية قد عوضته في وقدة الشعور وحدة الإحساس والتهاب العاطفة، وأظننا جميعًا نتفق مع ما ذهب إليه أفلاطون وفيلو والكنيسة في العصور الوسطى من أنها تمثل الجانب العاطفي والإحساسي في الرجل وأن منطقها يسكن بين جنبيها، أكثر مما يرتفع إلى عقلها، وأن حجتها تأتي دائمًا من وراء حواسها أكثر منها من وراء النقاش المنطقي العقلي الرتيب، ولقد ورثت بنات حواء عن أمهن هذه الخلة العاطفية وكانت سلاحهن الجبار في الخير أو الشر على حد سواء، فقد استطعن بالضعف والابتسامة والحنان والدموع أن يهززن العالم ويوجهن التاريخ البشري بأكمله على مدى الأجيال!!
حواء: لم خلقت!!
لا يحتاج المرء إلى كبير عناء، وهو يتأمل ما كتب موسى في سفر التكوين عن حواء حتى يدرك أن الله خلقها لتؤدي رسالة مزدوجة: حواء الزوجة وحواء الأم.
حواء الزوجة
كان كل شيء في جنة عدن حسنًا، جميلاً، ظليلاً، ولكن آدم أحس مع ذلك أن قلبه موحش فارغ، وأن شيئًا غير يسير من الإحساس الكئيب بالانفراد والعزلة يتمشيء بين ضلوعه، أنظر إليه، أنه يكاد يودع جميع الحيوانات والطيور والبهائم التي جاءت إليه ليسميها بعين نهمة مشوقة، لقد جاءته أزواجًا وأزواجًا، أما هو فلم يجد معينًا نظيره، كان في حاجة صارخة إلى حواء.. إلى حواء التي ستهز حياته هزا عنيفًا بل ستخلق هذه الحياة خلقًا رائعًا فذا جديدًا. لا أود أن نسير مع أفلاطون في خياله العنيف: إن المحبة الكائنة بين الرجل وامرأته هي الخير الوحيد الحقيقي الأبقى في الأرض وأن المحبة الزوجية هي العربون الأمثل الصافي لمحبة السماء، ولا أريد أن نجنح كثيرًا مع العقيدة الخيالية التي أخذ بها المفسر الإنجليزي البارع يعقوب بهن: «إن آدم بمفرده كان في طريقه إلى السقوط، وأن الله جاءه بحواء لتنقذه من الانحدار الذي أوشك أن يتردي فيه وحين قال: «ليس جيدًا أن يكون آدم وحده» كان يبصر في أغواره البعيدة عناصر السقوط والهدم».. ولكني مع ذلك أود أن أقول دون تردد: أن أثر حواء في حياته كزوجة كان أثرًا هائلاً منقطع النظير.. لقد كانت قيثارته الشجية المبدعة التي علمته أعذب ألحان الحياة، والسحر الذي نثر حوله جوا من النور والدعة والإشراق والجمال، لقد كانت له بمثابة الرجع العميق لصوته الذي يهتز في أرجاء الجنة، والصدى الحلو الذي يتردد إليه كلما تحدث أو فاه أو ترنم كانت صديقه الحنون الذي يأنس إليه، كلما أخذه تعب أو كلال، والمؤنس الذي يناجيه ويناغيه في ظلال الشجرات السادرة ساعة الهدوء، وبالجملة لقد علمته كيف يحب، ويتذوق، ويبتسم، ويتغنى، ويرضى، ويناضل، ويبتكر ويتقدم... لقد علمته كل شيء. أليست هذه هي رسالة المرأة دائمًا للرجل؟ من علمه المحبة، والفن، والشعر، والموسيقى، والأدب. والابتكار، وغيرها؟ من أوقد فيه العبقرية، والذكاء، والحمية، والنضال، والانتصار سواها؟ من ذا الذي ينسى أن «التاج محل» إحدى عجائب الدنيا العظيمة بناها وفاء رجل لزوجته العزيزة؟ ومن ذا الذي يجهل أن دانتي كتب آيته الخالدة من أجل بياتريس؟ ومن ذا الذي يغفل وهو يذكر هوبر السويسري من أبرع أساتذة الحشرات في التاريخ الحديث أن يحنى رأسه بإعجاب لزوجته العظيمة الزوجة التي أحبته، وأصرت على زواجه رغم فقدانه البصر، ودرست له وأعانته في بحوثه وتجاريبه حتى أخرج للعالم كنوزه الخالدة في علم الحشرات؟ إن ما تقدمه المرأة لزوجها يعجز القلم مهما اقتدر عن الالمام بأثره؟
حواء الأم
كانت رسالة حواء الثانية السامية والرفيعة التي بلغت مستوى رسالتها الأولى: رسالة الأمومة لقد خلقها الله لتكون أمًا، وليملأ بأبنائها وبناتها الأرض، وقد خلفت حواء قايين، وهابيل، وشيثا، وأبناء، وبنات كثيرين، ولكنها خلقت فيهم ومعهم غريزة من أسمى وأقوى غرائز المرأة إطلاقًا، غريزة الأمومة، ولعل حواء وهي تخلع على بنيها الثلاثة أسماءهم، قد كشفت في الحين نفسه عن العناصر الثلاثة لهذه الغريزة المضطرمة في أحشائها، وبين حناياها، ففي قايين نرى الأمومة في ولعها وشوقها، وفي هابيل تبصرها في حزنها وألمها، وأما في شيث ففي انتظارها ورجائها.
دعت حواء ابنها الأول قايين أي «اقتناء» وهذا الاسم إن دل على شيء فانما يدل على أول ما تحس به الأمومة إزاء الأبناء: الولع والشوق والفرح والبهجة بمجيئهم.. الولع الذي جعل سارة تدعو ولدها اسحق أو الضحك «قد صنع إلى الله ضحكًا، كل من يسمع يضحك لي» والذي حدا براحيل أن تقول ليعقوب: «هب لي بنين. وإلا فأنا أموت» والذي دفع باليصابات أن تخفي نفسها خمسة أشهر قائلة: «هكذا فعل الرب في الأيام التي فيها نظر إليّ لينزع عاري بين الناس».
أما الثاني فكان هابيل أي «نفحة» أو «بطل» وهو يشير إلى الناحية الحزينة من الأمومة التي تبكي أبناءها الحزانى أو المتألمين أو الصرعى، كما بكت حواء ابنها هابيل، الأمومة التي تدفع أقسى الضرائب من الدم والدموع والألم في سبيل أولادها، كما دفعت هاجر المصرية التي طرحت ابنها في ظلال الشجر وجلست بعيدًا عنه تبكي لأنها لا تستطيع أن تراه يموت وكما هبت راحيل منتفضة من قبرها تصيح في وحي النبي مذعورة على أبنائها القتلي: «صوت سمع في الرامة، نوح بكاء مر، راحيل تبكي على أولادها، وتأبى أن تتعزى عن أولادها لأنهم ليسوا بموجودين». وكا قيل عن الأم العظيمة النموذجية: «وأنت أيضًا يجوز في نفسك سيف».. قد ينسى الشاب في الحرب أو الغربة أو الفشل أو المرض أو الجوع أن يبكى ولكن أمه هيهات ومن المحال أن تنسى»..
أما الثالث فهو شيث أي «عوض» وهو الناحية الانتظارية أو الرجائية في الأمومة، وماذا تنتظر لابنها ومنه؟ تنتظر المجد والحب!! أنها وهي تهدهد سريره الصغير تحلم له أعز الأحلام وأروعها، تريده لو استطاعت ملكًا جليلاً، حتى ولو بنى عرشه ومجده على أنقاضها كما كانت تتمنى أم نيرون لولدها... وماذا تنتظر منه؟ أنها تريد فقط رجع محبتها، وصدى حنانها، تريده أن يبتسم لها ويقدر عطفها ألا ليتنا مثل ليفنجستون الذي وقف أمام قبر أبيه وأمه يبكى وهو يضع الرخامة المنقوشة: «تحية ابن إلى والديه العظيمين الفقيرين» ولما طلب منه أن ينزع كلمة «فقيرين» أجاب: كلا؟ فلولا فقرهما لما استطعت أن أدرك تمامًا عظمة نبلهما وحياتهما الباذلة التي خلقتني، ودفعتني من بين أنياب الحرمان ومرارته،.. أيها الأبناء: ما أثقل الدين عليكم تجاه الأبوة والأمومة!!
حواء: كيف خلقت؟
في إبداع حواء وخلقها أرجو أن لا يغيب عن ناظرينا أمران ظاهرا الوضوح: إن حواء خلقت أثناء نوم آدم، وإنها أخذت ضلعًا من أضلاعه.
خلقت أثناء نومه
هذه هي العطية العظيمة، جاءته في شبه مفاجأة ومباغته «فأوقع الرب سباتاً على آدم فنام» والكلمة «سبات» تعني في أصلها نومًا ثقيلاً، كان آدم غائبًا عن نفسه ووعيه وإدراكه حين جاءته نفسه الثانية، كان نصيبه منها نصيب المستلم المتقبل، وقام الله بالتدبير والتكوين والإبداع والخلق، وهذا في نظري أساس كل زواج سليم، الزواج الذي يستسلم الإنسان فيه للإرادة الإلهية الحلوة، الزواج الذي ينام فيه الرجل نوم الرضيع الهانيء، الزواج الذي يغضي فيه عن كل الأغراض الأنانية الضعيفة.. ألا ليتنا نعرف كيف ننام عن تلك الشروط البغيضة التي كانت وما تزال أساس الشقاء البيتي والتعاسة الزوجية!!
أيها الشاب يا من تريد أن تختار زوجتك: حذار أن تثور فيك تلك الطباع الضعيفة الممقوتة، فتطلب ما ألف الكثيرون أن يطلبوه دون ارادة الله - مراراً يصر المرء على الجمال وينسى ذلك القول الحكيم الكريم: «الحسن غش والجمال باطل. أما المرأة المتقية الرب فهي تمدح» فكأن الجمال مقبرة سعادته وهدوء باله، ومراراً يبحث المرء عن الثروة جلاده ومعذبه الفظيع، وكم مرة بحث عن الجاه وما أشبه فعاش حياة تعسة شقية.. أيها الشاب أتعلم كيف نام اسحق عن هذه كلها؟ أنظر إلى هذا الزواج النموذجي تعلم كيف تتزوج! لقد أودع اسحق الأمر كله بين يدي الله وخادمه الأمين، ولم يسع هو مع ذلك الخادم. ولو ليبصر فقط الزوجة التي ستشاركه الحياة، الأمر الذي يعد من أبسط البديهيات في عصرنا هذا... فكافأ الله تسليمه برفقة الجميلة المعينة المدبرة.
أخذت ضلعًا من أضلاعه
هذا هو الأمر الثاني الترتيب في خلقها، وأظننا نذكر قولة متى هنري المشهورة بهذا الصدد: «إن الله خلقها ضلعًا تطوق قلبه ليحبها تحت إبطه ليحميها، ولم يخلقها من قدمه لئلا يدوسها، أو من رأسه لئلا تسيطر عليه» ولعل الاضطراب الذي عانته البشرية قديمًا وحديثًا يرجع إلى رغبة الرجل أو المرأة في الشذوذ عن هذا الوضع، والخروج عليه. فاذ نسى الرجل أن المرأة نظيره، وأنه رأس لها وليس رئيسًا عليها إذ: «الرجل ليس من دون المرأة ولا المرأة من دون الرجل في الرب» وأن الرأس مهمته في الجسد القيادة فقط وليس السيطرة والاستبداد، اختل كل تعاون سليم محمود بينهما، واذا نسيت المرأة أنها لم تخلق لذاتها بل خلقت من أجل الرجل لتصبح مجده، ورامت أن تستقل عنه وتناهضه لضاعت وأضاعته.. هذه خلاصة حكمة الرسول العظيم، الحكمة التي ما تزال اختبارات الأجيال البشرية تضفي عليها كل يوم وضوحًا وتألقًا ونورًا.
حواء: كيف جربت وسقطت وعوقبت ونهضت؟
أظن أنه ليس من المستحب كثيرًا ونحن نستعرض قصة السقوط أن ندخل في شكليات عقيمة لا جدوى لها: بأية صورة جاءت الحية إلى حواء؟ هل هي ذات الحيوان المعروف لدينا، أم أن هذا صورة ممسوخة عن الأصل القديم؟ وكيف استطاعت أن تتكلم وبأية لغة؟ وإنما يغنينا حقًا أن التجربة قد حدثت وأن المجرب الحقيقي كان الشيطان وأنه سعى إلى المرأة عن طريق الحية، وفي ثوبها، لأن هذا المخلوق أحيل الحيوانات وأصلحها في الإغراء والسقوط. فهو الحيوان الوحيد الذي يؤثر على ضحاياه بتأثير رائع من عينيه، كما أنه يسعى إليها في هدوء ودون جلبة، واذ يدنو منها يقترب إليها في بطء وعلى غرة، وهي لا تعرف من أية جهة يباغتها فهو يدور حولها ويلف كأنما يسعى إليها من كل جانب وهو يصرعها بأية ناحية من جسمه لأنه لا يملك كغيره من الحيوانات سلاحًا خاصًا كقرن أو مخلب أو أنياب وهو يسكن في جحره عدة شهور، ولكنه ما أن يخرج حتي يضحى أكثر من القرد تسلقًا، وأقدر من السمكة سباحة، وأسرع من الغزال عدوًا، وأشد من النمر انقضاضًا!!..
كيف أسقطت الحية حواء؟ هل كشفت لها عن وجه الخطية البشع المريع؟ وهل حدثتها عن التعدي والعصيان والتمرد والموت والهلاك؟ كلا! لقد دثرت كل هذا وأخفته وراء ملمس ناعم ومظهر خلاب وهمست في أذنها بكلمات مداهنة معسولة عن شجرة جميلة وثمرة حلوة وإدراك واتساع كالله في معرفة الخير والشر: «فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل وأنها بهجة للعيون وأن الشجرة شهية للنظر فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجلها أيضًا معها فأكل فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانان فخاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر»، «لأن كل واحد يجرب اذا انجذب وانخدع من شهوته ثم الشهوة اذا حبلت تلد خطية والخطية اذا كملت تنتج موتًا» بذا قال الرسول يعقوب وقد سار وراءه، وفي أعقابه الرجل الذي أحسن التأمل في هذه العبارة وكان له من ظروفه الخاصة ومن الأحداث التي تحيط بعصره ما أعانه على تصوير مراحل التجربة تصويرًا دقيقًا بارعًا قال توما الكمبيسي: «أن التجربة تأتي إلينا أولا فكرة غامضة لا نستطيع أن نتبينها، ثم تأخذ هذه الفكرة صورة معنية واضحة مجلوة لا تلبث أن تظهر لها حلاوة ندية غريبة تتساقط قطرة فقطرة على القلب حتى تخدره. ومن ثم تتحول إلى قوة مدمرة تعصف به». كان خطأ حواء أنها أصاخت الأذن، فنظرت فاشتهت فمدت يدها وأثمت، وكان يجمل بها أن تفزع وتهرب... ألا ليتها في تلك الساعة قد ذكرت كلمة الله الأبدية المحذرة بالموت! ألا ليتها وهي تقترب من الشجرة شعرت بالذنب وألم الضمير!! إلا ليتها مدت بصرها حينئذ عبر القرون، ورأت الأجيال الغارقة في الدم والدموع والعار والتعاسة والشقاء! بل ألا ليتها رأت أرهب المناظر وأخلدها عن جبين الدهر، منظر ابن الله الحزين يركع بين أشجار الزيتون وعرقه يتصبب كقطرات دم نازلة على الأرض!! ألا ليتها فعلت هذا! إذن لارتدت مصعوقة عن قطف الثمرة.. لكنها لم تفعل فسقطت وعوقبت، وكان عقابها أشد من عقاب آدم لا لأنها أسبق في التعدي فحسب، بل لأنها قادته إليه، وإن كان ايرانيوس يجتهد كثيرًا أن يذكرنا أن العقاب من حيث الوضع البشري هو أهم ما تتشوق إليه المرأة وتنتظره، فلا أنزع إليها ولا أرغب من ولادة الأولاد والحياة الزوجية: «بالوجع تلدين أولادا وإلى رجلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك» ولكن، ألا نحتاج أن تتذكر أيضًا أن هذا العقاب أضحى فيما بعد تجربة بنات حواء، إن لم تحفظهن عناية الله؟ بل ألا نحتاج أن نقول مع صديقنا هوايت «أيها الأزواج: أيها الشباب الذي تخضع له النساء، ألا ليت الله في عونهن حتى لا يكون عقابهن سبب هلاكهن الأبدي لنصل لنا ولهن بكل حرارة ويقين: «بنفسي أشتهيتك في الليل يا الله... تلذذ بالرب فيعطيك سؤال قلبك.. لأنه تعلق بي أنجيه أرفعه لأنه عرف اسمى. من طول الأيام أشبعه وأريه خلاصي.. أما أنا فالبر أنظر وجهك أشبع اذا استيقظت يشبهك»؟
لم يكن العقاب هو المرحلة النهائية الأخيرة في قصة أمنا حواء وهيهات أن يكون، ووراءها تلك المحبة السرمدية العلية، التي سبقت فأعدت خلاصها، وخلاص بنيها قبل تأسيس العالم، في نسلها العظيم الذي يسحق رأس الحية، هذه المحبة التي طوقتها بالحنان والعطف والجود غداة السقوط فصنعت لها ولزوجها أقمصة من جلد وألبستهما لتغطي عريهما.. ولقد أدركت حواء بعد سقوطها أنها خدعت: «الحية غرتني» ومن ثم كانت شديدة اللهفة والشوق إلى مجيء الولد المخلص الذي أخطأته فظننته قايين يوم قالت: «اقتنيت رجلاً من عند الرب». ولما أنجبت هابيل دعته «البطل» ولعلك تدرك أن هذه التسمية لا تمليها إلا نفس شديدة الحساسية بالندم والحزن والتوبة والإدراك بأن: «كل ما في العالم شهوة الجسد وشهوة العيون وتعظم المعيشة ليس من الآب بل من العالم والعالم يمضي وشهوته وأما الذي يصنع مشيئة الله فيثبت إلى الأبد» وإني من أشد الناس إيمانًا وأجزمهم يقينًا أن حواء سعت بكليتها في أيامها الأخيرة إلى هذه المشيئة الحلوة وصنعتها بذا قال موسى في سفر التكوين وقال بولس في رسالته الأولى إلى تيموثاوس، وقال ملتون في خياله البديع في الجزء الأخير من الفردوس المفقود.دعنى إذن أغنى لحواء ومعها ومع بنيها جميعًا هذه المقطوعة القديمة لمرنم إسرائيل الحلو: «الرب رحيم ورؤوف. طويل الروح وكثير الرحمة لا يحاكم إلى الأبد، ولا يحقد إلى الدهر، لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا، لأنه مثل ارتفاع السموات فوق الأرض قويت رحمته على خائفية، كبعد المشرق عن المغرب، أبعد عنا معاصينا، كما يترأف الأب على البنين يترأف الرب على خائفيه لأنه يعرف جبلتنا، يذكر أننا تراب نحن «الإنسان مثل العشب أيامه. كزهر الحقل كذلك يزهر لأن ريحًا تعبر عليه فلا يكون. ولا يعرف موضعه بعد. أما رحمة الرب فإلى الدهر والأبد على خائفيه وعدله على بني البنين، لحافظي عهده وذكرى وصاياه ليعملوها».
المزيد
10 نوفمبر 2021
الآخر.. مَنْ هو الآخر؟ ما علاقتك بالاخر؟
الآخر هو كل إنسان غيرك. فما هي علاقتك إذن بالآخر؟
حينما خلق الله أبانا آدم، خلق له كائنا آخر هو أمنا حواء وكانت علاقة كل منهما بالآخر علاقة حب وتعاون, نضعها كمثال طيب أمامنا. فلم يحدث في يوم من الأيام أن اختلف أحدهما مع الآخر إنما عاشا متزاملين ومتلازمين، يقطعان غربة العمر معا.يقطفان الورد معا، وقد يجرحان من الشوك معا ثم كانت أول مأساة مع الآخر، فيما قاساه ابنهما هابيل من أخيه الذي قام عليه وقتله. فكان المثال الذي علينا أن نتحاشاه.وبمرور الوقت اتسعت دائرة الآخر في الحياة: من العلاقة بين فرد وفرد، إلى العلاقة في محيط الأسرة، ثم القبيلة. وتطورت إلى العلاقات في البلد الواحد، إلى الوطن الواحد. وأخيرا إلى العالم كله، الذي نشأ من أسرة واحدة. فكيف يكون إذن التعامل مع هؤلاء؟ ولنبدأ بالتعامل مع الفرد، فنقول:
هل أنت تحترم الآخر أيا كان، كإنسان؟ هل نتعاون معه؟
هل تساعد الآخر؟ هل تجده؟ هل أنت على استعداد أن تبذل نفسك لأجل الآخر، وتضحي من أجله بكل شيء؟
اعلم أنه حسب نوعية التعامل مع الآخر، يكون مقياس حضارة الإنسان، فالإنسان المتحضر يكون سهل التفاهم مع الآخر، يأخذ ويعطى معه في مودة ويسر، ولا يسرع إلى الخلاف ما أجمل ما قاله احد الحكماء "ما عاش من عاش لنفسه فقط" إنها الأنانية أو الانغلاقية، حيث يتمركز الشخص حول نفسه، ولا يخرج منها ويندمج مع الآخر. وهذا الاندماج هو البذرة التي يتكون بها المجتمع. وعلى العكس هناك من يرون أنهم لا يستطيعون أن يعيشوا بدون الآخر.. بل كل نشاطهم هو من أجل الآخر، وكل مواهبهم هي من اجل الآخر. وفي هذا يقول الشاعر إيليا أبو ماضي:
يا صديقي أنا لولا أنت ما غنيت لحن
كنت في قلبي لما كنت وحدي أتغنى
وإن كانت هذه هي كلمات شاعر، وخواطره ومشاعره وألحانه، فإنها أيضًا هي علاقة الكاتب مع الآخر، أعني مع القارئ وكأن الكاتب يقول للقارئ. بلغة إيليا أبو ماضي: أنا لولا أنت ما كنت أكتب! إذ أنني من أجلك اكتب ، حيث يختلط فكرى بفكرك، ويصير لنا فكر واحد، وليس آخر. فأنت هدفي، وأنا وسيلتك. وأنت أذني، وأنا فمك. وكلانا واحد. وحقًا ماذا تكون جدوى كلماتي من غيرك؟! إنها لا شيء! نفس الأمر مع كل من يعمل عملًا، هو لغيره، أو نتيجته لغيره فالبائع لا شيء، إن لم يوجد المشترى والمتكلم لا جدوى لكلامه، إن لم يكن هناك الذي يسمع والراعي لا صفة له، إن لم تكن هناك رعية والمعلم ما هدفه، إن لم يكن هناك من يتلقى عليه العلم وهكذا دواليك وفى كل هذه الأمثلة تظهر أهمية الآخر..
نقطة أخرى في علاقة الإنسان بالآخر، وهي إن الإنسان الواسع القلب، لا يزاحم الآخر في طريق الحياة.. بل هو في سيره، يفسح طريقًا لغيره. يفسح له الطريق ليعبر، أو لكي يسير معه في نفس الطريق. إنه لا يتعالى على الآخر، ولا يتفاخر، وهدفه أن يلتقيًا ولا يتباعدًا. وأتذكر أنني كتبت عن ذلك في إحدى قصائدي منذ زمن بعيد.
قل لمن يجرى ويعلو شامخ
يا صديقي قف قليلًا وانتظرني
نحن صنوان يسيران مع
إنا في حضنك مل أيضًا لحضني
قل لمن يعتز بالألقاب إن
صاح في فخره: من أعظم منى؟!
أنت في الأصل تراب"تافه"
هل سينسى أصله من قال "إني"..؟!
يا أخي اعرف جيدًا في صراحة كاملة انه كلما ازدادت (الأنا) عندك، حينئذ يختفي الآخر في مقاييسك حيث تقول: من الذي يعيش ويظهر، وينمو وينتشر: أنا أم الآخر؟ وحيث يقول البعض: إذا مت عطشان، فلا نزل المطر!! أو تقول : فلأكن أنا المنتصر على الدوام، وغيري المهزوم..!
الدنيا هي دنياي أنا، خلقها الله لي، لكي أعيش!! وتنسى أن الله تبارك اسمه، قد خلق الدنيا للكل، والكل رعاياه وموضع اهتمامه لماذا تطلب أن يختفي الآخر لكي تظهر أنت؟ ألا يمكن لكما أن تعيشا معا؟ حقًا إن عمق الاهتمام بالآخر يكمن في إنكار الذات ،وإيثار الغير على النفس. بينما إهمالك للآخر لون من الأنانية يا أخي، لماذا يكون قلبك ضيقًا، فلا يتسع للآخر؟!
ولماذا. إذا ما اتسع قلبك. فإنما ينفتح لنوعية خاصة من الناس ، بينما ينغلق أمام الآخرين؟! لماذا تخسر الآخر؟!
ليتك تستمع إلى سليمان الحكيم حينما قال "رابح النفوس حكيم" على أن أسمعك وأنت تهمس قائلًا: "ولكن فلانًا لست اتفق معه، طبعي لا يتفق مع طبعه، وفكري لا يتمشى مع فكرة". هنا وأراني مضطرًا أن أردد عبارة جميلة قالها القديس يوحنا ذهبي الفم، وهي: "من لم توافقك صداقته، لا تتخذه لك عدوًا".لذلك نصيحتي لك، لا توسع دائرة أعدائك. فليس هذا من الصالح لك ولا لغيرك..
وهنا أسأل : إذا اختلف معك الآخر في الرأي، هل تحول ذلك إلى خلاف في القلب أيضًا؟!
وهل حينئذ تهاجم الآخر، وتعاديه، وتحقره، وتشهر به؟!ً أم تحاول أن تلتقي به وتتفاهم؟ وإن التقيت معه في حوار، أيكون حوارًا هادئًا، أم ساخنًا، أم ملتهبًا؟ أم حوارًا يسوده الاحترام والمودة؟
وهل يكون هدفك من الحوار أن تنتصر على الآخر، وترغمه على قبول رأيك؟ وهل حوارك ليس للتفاهم، إنما لإثبات شخصيتك، وتثبيت فكرك؟ وهل يؤول حواركما حينئذ إلى مزيد من التباعد في الرأي والقلب؟!
يا صديقي، هل تؤمن بحرية الرأي؟ وبالتنوع والتعدد في الأفكار؟ وهل يظهر ذلك في تعاملاتك؟ أم انك تعمل على إلغاء شخصية الآخر!! فإما أن يوافقك، أو تطرحه بعيدا عنك. ويتحول التنوع إلى خلاف، ويتحول الخلاف إلى قتال ويؤول القتال إلى عداوة، تحتد وتشتد!!
في الزواج مثلا: لماذا يحدث الطلاق أحيانًا؟ أليس السبب هو نفس الإشكال؟ أنا أم الآخر؟!
بينما الحكمة في الزواج، أن يصير الزوجان واحدًا، لا أن يكونا واحدًا وآخر..! وهكذا عن باقي أفراد الأسرة والأقارب، حيث يقول الواحد منهم عن قريبه: إنه لحم من لحمى، وعظم من عظامي. إنه دمى، وليس آخر وبالحب، يتسع نطاق أسرتك، حتى يشمل المجتمع كله. ولا تقول عن فرد منه إنه آخر. بل هذا المجتمع هو ذاتك الكبرى، وليس آخر..! عندئذ يتحول العالم كله إلى أسرة كبيرة متحابة، يتحدثون فيها عن التعاون الدولي، والمؤسسات الدولية، وما إلى ذلك لهذا كله، ينبغي على كل منا أن يتدرب على محبة الآخر. فالعلاقة مع الآخر كلما ازدادت قربًا تتحول إلى وحدة. وأتذكر أنني سئلت مرة عن الوحدة الوطنية فقلت:
يا أخي المواطن: حينما أنظر إلى نفسي فأراك، وأنظر إليك فأراني، وكأنني أنظر في مرآة، وكأننا زوج واحد في جسدين، عندئذ تكون هذه هي الوحدة الوطنية...
قداسة مثلث الرحمات البابا شنودة الثالث
المزيد