المقالات

22 يناير 2019

خطورة الإدانة

من أكثر الحروب التي تجد مكانًا في الإنسان إدانة الآخرين، وهي خطية صعبة ومنتشرة بكثرة. والكتاب يوصينا قائلًا: «لا يئنّ بعضكم على بعض أيها الأخوة لئلا تُدانوا» (يع5: 9)، وهذا الوصف دقيق لأنه يصور هذه الحرب الشديدة التي تنبع من داخل الإنسان، ولكن «هوذا الديّان واقف على الباب» بمعنى أن الحُكم على الناس ليس هو دور البشر، لكن الديّان الحقيقي الذي يرى الخفيّات قبل الظاهرات وبلا خطية ويعرف الحقيقة كاملة وله هذا السلطان «فَمَنْ أنت يا من تدين غيرك؟» (رو14: 4). والسيد المسيح أوصانا «لا تدينوا لكي لا تُدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تُدانون» (مت7: 1).الإدانة خداع: بمعنى أن مَنْ يُدين غيره يخدع نفسه: «لماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، وأمّا الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها» (مت7: 1، 3). وهذا يعني أن الإدانة غير حقيقية ويكون مًنْ يُدين هو الُمدان.. ويقول القديس برصنوفيوس: "يوم تدين أخاك تنقطع عنك نعمة الروح القدس، فتكون سبب عثرة له". وبما أن المؤمن هو مسكن للروح القدس لذلك ينال نعمة التمييز الروحي فيشفق على مَنْ يخطئ بسبب حرب الشيطان، فبدل أن يحكم عليه يأخذ بيده ويُعينه ليقيمه.الإدانة ضد نقاوة القلب: لأن مَنْ قلبه نقي يملك عينًا بسيطة لا ترى الشر ولكن تحب الخير للجميع، لذلك الإدانة لا تتفق مع النقاوة والبساطة الحكيمة التي ترى الحقيقة.. إن العين التي بها خشبة لا ترى القذى الذي في عين الآخر (وهو إفراز العين الطبيعي)، وهكذا كان القديسون... لهذا حين رأى القديس يوأنّس القصير أحدًا يخطئ بكى، فسأله الأخوة لماذا تبكي؟ فقال لهم: "لأن أخي أخطأ اليوم بحربٍ من الشيطان وقد يتوب وغدًا، قد أُخطئ أنا بحربه ولا أتوب". وقد قيل عن لوط إنه كان يُعذّب نفسه البارة بالسمع والبصر للخطايا التي حدثت أمامه.الإدانة تتعارض مع كل الفضائل: فهي ضد المحبة التي تستر كثرة من الخطايا، فمن يُدين لا يحب. وتتعارض مع الاتضاع، لأن المتضع لا يرى خطايا غيره بل يرى خطايا نفسه ويدين نفسه. والإدانة ضد الوداعة الحليمة على البشر التي تحترم الصغير والكبير، فلا تحكم على أحد ولا تحتد. وهي ضد الصدق، لأن مَنْ في عينه خشبة لن يستطيع رؤية شيء، بل هو في حكم الأعمى. وضد احترام الناس وتوقيرهم، لأن الإنسان صورة الله، وهذه كرامة لا تناظرها رفعة. وإذا كانت الإدانة ضد كل هذه الفضائل، إذًا فهي تجمع العديد من الرذائل السيئة.فالإدانة خطية مركبة: فيها الكراهية والكبرياء والخداع الكاذب واحتقار البشر ورفضهم، وحين يسقط في كل هذه الخطايا فسوف ينعكس حكمة على الآخرين ليقدم إدانة لنفسه.والنصيحة... إن مستعظم النار من مستصغر الشرر، فربما نقدٌ بسيط يعتاده الإنسان فيدخل إلى الإدانة، وحين يعتاد عليها يصير أعمى يقود أعمى فيسقط كلاهما في حفرة. ومَنْ يحكم يجب أن يكون بلا خطية كما قال السيد المسيح لمن أتوا إليه بالمرأة الخاطئة: «مَنْ منكم بلا خطية فليرمها بأول حجر» (يو8: 7)، ومَنَعَ العمّال من نزع الزوان الذي وسط الحنطة قائلًا لهم: «دعوهما ينميان كلاهما معًا إلى وقت الحصاد»، والقمح يُجمع إلى مخازن والزوان مصيره معروف... نيافة الحبر الجليل الأنبا بنيامين مطران المنوفية
المزيد
21 يناير 2019

التجسد و الاورثوذكسية

تتسم الأرثوذكسية – بالذات - بالتركيز على سرَ التجسد الإلهى، ويتضح ذلك فى أمور كثيرة مثل: 1- تهتم الكنيسة جداً بشرح هذا السّر لشعبها، ليعرفوا ما لهم فيه من: تعليم، وفداء، وسكنى إلهية فينا، وتأسيس للكنيسة المقدسة، جسد المسيح وعروسه. 2- تقدم الكنيسة حياة الرب يسوع كاملة، فى سّر الافخارستيا، منذ اختيار حمل بلا عيب، إلى مسحه بالماء، ثم تقميطه، ثم الدوران به حول المذبح إشارة للكرازة،ثم موته، ودفنه،وقيامته المجيدة!! 3- وتحرص الكنيسة أن تقدم لنا الافخارستيا يومياً، وذلك تنفيذاً لوصية الرب:"إصنعوا هذا لذكرى" (لو19:22).ومن غير المعقول أن نتذكر الرب كل بضعة أشهر، بل من المناسب أن نفعل ذلك يومياً. 4- والذكرى هنا ليست فكرية أو معنوية، بل من نفس نوع ما قدمه الرب بي ديه الطاهرتين، فى خميس العهد،جسداً هو "مأكل حق"، ودماً هو "مشرب حق" (يو55:6).تماماً كما وضع بنو اسرائيل بعض المن، فى قسط خاص،فى تابوت العهد، وذلك من نفس المن الذى كان ينزل من السماء لغذائهم، إشارة للمن السماوى، جسد الرب ودمه. 5- ولقبت الأرثوذكسية السيدة العذراء "بوالدة الإله"، إيماناً منها بأن المولود من أحشائها ليس مجرد إنسان، بل هو الإله المتجسد، أو الكلمة المتأنس. 6- واستمرت الكنيسة تطوَّب أم النور، تتميماً لما قالته بالروح القدس: "هوذا منذ الآن، جميع الأجيال تطوبنى" (لو 48:1)... وهذا ما نفعله كل يوم، وبخاصة فى التسبحة اليومية، وبالذات فى شهر كيهك. 7- إن تمجيدنا لسر التجسد، هو تمجيد لرب المجد يسوع الذى تجسَد لخلاصنا، كما أنه تمجيد لهذا السّر المقدس، سّر التقوى: "عظيم هو سرّ التقوى، الله ظهر فى الجسد" (1تى16:3)... فالتجسد من أمنا العذراء هو سر التقوى البشرية، وبدونه ليس لنا خلاص!! 8- الصورة الأساسية للسيدة العذراء فى الطقس القبطى، هى صورتها واقفة عين يمين الرب، تحمله طفلاً على ذراعها، وترتدى ثوباً أزرق به نجوم، رمز السماء... وبهذا نعبر عن النبوة القائلة: "جعلت الملكة عن يمينك" (مز 9:45). 9- والبشارة الموضوعة دائماً على المذبح، وكذلك الكرسى، يحملان صورة السيدة العذراء، حاملة الطفل الإلهى. 10- والأساقفة يحملون على صدورهم صورة "الثيؤطوكوس" (العذراء والدة الإله)، تأكيداً لإيمانهم بهذه الحقيقة، ورفضهم للنسطورية التى فصلت الطبيعتين ونادت بأن العذراء هى أم المسيح "كريستوطوكوس" أى أنها والدة "الإنسان"، الذى حلّ عليه بعد ذلك اللاهوت حيناً، وتركه حيناً آخر!! سر التجسد... فى الثيؤطوكيات: ما أجمل ما ترتله الكنيسة فى الثيؤطوكيات!! وكلمة "ثيؤطوكية" مكونة من مقطعين هما: "ثيؤ" = الله، طوكوس= والدة، أى "والدة الإله"، فالعذراء حينما ولدت رب المجد، لم تلد إنساناً عادياً، بل ولدت ابناً، دعى "عجيباً مشيراً، إلهاً قديراً، أباً أبدياً، رئيس السلام" (إش 6:9)، لهذا دعته بروح النبوة: "عمانوئيل" أى "الله معنا" وليس مجرد إنسان، فهو الإله المتجسد. ونحن لا نقول عن السيد المسيح أنه "إنسان تأله"، بل نقول عنه أنه "الإله وقد تأنس"، أى إتخذ جسداً، وحلّ بيننا، وأثبت فى كل تصرفاته وكلماته ومعجزاته وقداسته المطلقة، أنه الإله المتجسد!! وكمثال موجز عن حب كنيستنا القبطية لسرّ التجسد، وتطويبها لأم النور، نورد هذه الأمثلة: فى ثيؤطوكية السبت: (أيتها الغير الدنسة، العفيفة القديسة فى كل شئ، التى قدمت لنا الله? محمولاً على ذراعيها. تفرح معك كل الخليقة، صارخة قائلة: السلام لك يا ممتلئة نعمة، الرب معك. السلام لك يا ممتلئة نعمة. السلام لك يا من وجدت نعمة. السلام لك يامن ولدت المسيح. الرب معك). (من قبل ثمرتك، أدرك الخلاص جنسنا، وأصلحنا الله معه? مرة أخرى، من قبل صلاحه). (كخدر بغير فساد، الروح القدس حلّ عليك، وقوة العلى? ظللتك يا مريم. لأنك ولدت الكلمة الحقيقى، ابن الآب، الدائم إلى الأبد، أتى وخلصنا من خطايانا). (صرت سماء ثانية على الأرض، يا والدة الإله، لأنه أشرق لنا منك? شمس البر). ثم تبدأ الثيؤطوكية فى تقديم رموز التجسد فى العهد القديم، مثل: سلم يعقوب، والقبة، والتابوت... والحمامة الحسنة.. إلخ فى ثيؤطوكية الأحد: * (مدعوة صديقة، أيتها المباركة فى النساء، القبة الثانية، التى تدعى قدس الأقداس، وفيها لوحا العهد... هذا الذى تجسد منك بغير تغيير، وصار وسيطاً لعهد جديد، من قبل رش دمه المقدس، طهر المؤمنين، شعباً مبرراً. من أجل هذا كل واحد يعظمك، يا سيدتى والدة الإله، القديسة كل حين. ونحن أيضاً نطلب أن نفوز برحمة بشفاعاتك، عند محب البشر). (واحد من اثنين: لاهوت قدوس، بغير فساد، مساوٍ للآب، وناسوت طاهر،? بغير مباضعة، مساوٍ لنا كالتدبير. هذا الذى أخذه منك، أيتها الغير الدنسة، واتحد به كأقنوم). (أنت هى القسط الذهب النقى، الذى المن مخفى فى وسطه، خبز الحياة الذى? نزل من السماء، وأعطى الحياة للعالم). (الإله الحق من الإله الحق، الذى تجسد? منك، بغير تغيير). (أنت هى المجمرة الذهب النقى، الحاملة جمر النار المباركة،? الذى يؤخذ من المذبح، يطهر الخطايا، ويرفع الآثام، أى الله الكلمة الذى تجسد منك، ورفع ذاته، بخوراً إلى أبيه). وتستمر الكنيسة فى ذكر رموز العذراء والتجسد فى العهد القديم، فهى القبة، والتابوت، والقسط الذهب، والمنارة الذهبية،والمجمرة الذهبية، وعصا هرون التى أفرخت، وزهرة البخور، والمائدة الذهبية... ويعوزنا الوقت إن تحدثنا عن أمثلة كثيرة أخرى فى ثيؤطوكيات بقية الأيام. لكن خلاصة القول: أن كنيستنا القبطية تهيم حباً بالعذراء البتول، والدة الإله، التى ولدت لنا المسيح، مخلصنا الصالح، لهذا فهى لا تكف عن تمجيد هذا السّر الإلهى العظيم، سرّ التجسد، سرّ التقوى، وسرّ الخلود!! فبعد أن تجسد الرب وعلمنا، ثم فدانا وخلصنا، قام وصعد إلى السماء جسدياً، ووعدنا بأننا سنقوم معه بأجساد نورانية، ونرث معه فى ملكوته. أليس مناسباً أن تتهلل السماء والأرض، بميلاد الرب يسوع، وترنم جوقات السماء قائلة: "المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة" (لو 14:2). فها قد تمت بشارة الملاك: "قد ولد لكم اليوم فى مدينة داود، مخلص هو المسيح الرب" (لو 11:2) فلنذهب إليه مع الرعاة الساهرين، لنقدم له العبادة والسجود... ومع المجوس العابدين، نعطيه الذهب (أغلى ما نملك)، واللبان (صلواتنا وتسابيحنا)، والمرّ (آلامنا وأتعابنا)... وهكذا نسجد عند قدميه، تصحبنا شفاعة العذراء، أم الخلاص، ومثال يوسف البار، خادم سرّ الخلاص نيافة الأنبا موسى أسقف الشباب
المزيد
20 يناير 2019

عرس قانا الجليل

" وفىِ اليوم الثالث كان عُرس فىِ قانا الجليل ، وكانت أُم يسوع هُناك 0 ودُعى أيضاً يسوع وتلاميذه إلى العُرس 0 ولمّا فرغت الخمر قالت أُم يسوع لهُ ليس لهُم خمر 0قال لها يسوع مالىِ ولكِ يا إمرأة0 لم تأتِ ساعتىِ بعد 0 قالت أُمّهُ للخُدّام مهما قال لكُم فافعلوهُ0 وكانت ستّة أجرانٍ من حِجارةٍ موضوعةً هُناك حسب تطهير اليهود يسعُ كُلّ واحدٍ مطرين أو ثلاثة0 قال لهُم يسوع إملأوا الأجران ماء0 فملأوها إلى فوق0 ثُمّ قال لهُم إستقوا الآن وقدّموا إلى رئيس المُتّكإ 0 فقدّموا0 فلّما ذاق رئيس المُتّكإ الماء المُتحّول خمراً ولم يكُن يعلم من أين هى0 لكنّ الخُدّام الذين كانوا قد إستقوا الماء علِموا0 دعا رئيس المُتّكإ العريس0 وقال لهُ 0 كُلّ إنسانٍ إنّما يضعُ الخمر الجيّدة أولاً ومتى سكِروا فحينئذٍ الدّون0 أمّا أنت فقد أبقيت الخمر الجيّدة إلى الآن0 هذهِ بِداية الآيات فعلها يسوعُ فىِ قانا الجليل وأظهر مجدهُ فآمن بهِ تلاميذهُ " ( يو 2 : 1 – 11 ) 0 فلتحلّ علينا نعمتهُ وبركتهُ من الآن وكُلّ أوان وإلى دهر الدهور آمين 0 تحتفل الكنيسة يا أحبائىِ بعيد من أعيادها السيّديّة الصُغرى عيد " عُرس قانا الجليل " ، رُبّما يتساءل البعض لماذ مُعجزة عُرس قانا الجليل تتحّول لعيد ؟ فربنا يسوع المسيح عمل مُعجزات كثيرة ، رُبّما يكون عمل مُعجزات أكبر منها ، فإِذا كان اقام موتّى ، فإِذا كان أقام لِعازر ، فإِذا كان فتح للأعمى عينيهِ 0 أولاً أتكلّم مع حضراتكُم فىِ ثلاث نُقط :- أولاً : لماذا نحتفل بعُرس قانا الجليل كعيد :- لأنّها أول مُعجزة ربنا يسوع المسيح عملها 0 فهى أول شىء يُعلن بِها نفسهُ أمام الناس00فقبل المُعجزة إن كان معروف فهو معروف لأخصائهُ الأقربين جداً مثل الست العدرا وتلاميذهُ لكن عِند عامة الناس لا يعرفوهُ فالست العدرا تعرف جيداً إمكانيات إبنها كون إن هى قالت ليس لهُم خمر فذلك لأنّ هى تعرف إمكانيات إبنها فطلبت المُعجزة هى أول مُعجزة يُستعلن فيها مجد لاهوت ربنا يسوع المسيح ، فالكنيسة تحتفل بِها وتجعلها بداية لحياة ربنا يسوع المسيح فتوجد كلمة فىِ الإنجيل " الثالث "فلِماذا اليوم الثالث ؟فهو اليوم الثالث بالنسبة للعِماد 0 فهو إعتمد فىِ 11 طوبة 0 فاليوم هو اليوم الثالث للعِماد ، فنجد قِراءات 12 طوبة لا تُقال قِراءات 12 طوبة لأنّهُ ثالث يوم عيد الغِطاس00وتُعطىِ لنا تعاليم خاصة بالعِماد 00فمازالت الكنيسة بتحتفل بالعيد ولكن توّج إحتفالنا بالعِماد بمُعجزة فالثالث تُشير لقوة القيامة 00قوة الحياة الجديدة00قوة الخلاص0 العيد يحمل معانى كثيرة :- (1) إعلان إلوهيّة ربنا يسوع المسيح 0 (2) بداية كرازتةُ وخدمتةُ 0 فهو حب أن يتعرّف علينا فىِ عُرس لأنّ هو مصدر الفرح ، وبدأ خدمتهُ فىِ عُرس ، ربنا يسوع المسيح هو العريس الحقيقىِ فهو مُشتاق أن يخطُبنا لنفسهِ ويُقدّمنا لهُ كعذراء بلا عيب فإن كانت هذهِ المعرفة أولّها فىِ فرح فإنطبعت صورة مُفرحة مُعزّية قوية فىِ نفوسهُم ، لأنّهُ يُشركهُم فىِ حياتهُم ، فهو صديق لهُم ومُشاركاً لهُم فىِ حياتهُم ، فهو كان مُجامل وكان عاطفىِ وشاركهُم فىِ أحزانهُم وأفراحهُم والعُرس كان يأخُذ مُدّة من الزمن ، فكان يأخُذ على الأقل إن كانوا ناس بُسطاء يأخُذ إسبوع " وكانت أُم يسوع هُناك " فالسيد المسيح أتى ليُجامل والست العدرا كانت هُناك من قبلهُ بمُدّة ، وربنا يسوع ذهب فىِ نهاية العُرس ، فالعُرس فىِ التقليد اليهودىِ كان يُمثلّ أمر لهُ فرحة كبيرة جداً ، فبعض النساء تغيّرت أسمائهُم بعد عُرسهُم فهو يُمثلّ للشخص حياة جديدة وفىِ بعض تقليدات فىِ التقليد اليهودىِ إن هى بداية جديدة ، وغُفران للخطايا السابقة ، لذلك كانوا يحتفلوا بهِ بمراسيم طقسيّة وبِمُشاركة أهل أهل البلد ، لذلك ربنا يسوع هو أتى ليُعلن نفسهُ العريس والبشريّة هى العروس ، والعُرس معروف عنهُ البهجة والسرور وتجمّع الأقرباء والأحبّاء ، فهو جاء ليقول أنا أتيت فىِ وسط أحبائىِ لأصنع معهُم محبة ، وهو تنازُل رب المجد للبشريّة وإفتقادِهم0 الأعياد السيديّة هى الأعياد التى تمسّ الخلاص وفيها أحداث تمسّ الخلاص ، مثل الخِتان فهو مُناسبة خلاصيّة وهو إحتكاك للخلاص لذلك عُرس قانا الجليل الكنيسة بتعتبرهُ مُناسبة فيها رب المجد يسوع بيفتقد الجنس البشرىِ ، نحنُ نعرف أنّ من نتائج الخطية أنّ العقوبة التى وقعت على المرأة عامةً بأنّ بالوجع تلدين وأصبح الزواج مُرتبط بالوجع وبالأنين وبنتائج الخطية ، فهو جاء يحضر العُرس ليرفع العقوبة وليُزيل العداوة القديمة ، كما فىِ آدم يموت الجميع وكأنّ اليوم الكنيسة بتقول لنا عيشوا مع المسيح خدمتهُ ، فهو إتولد وإتختن وتعمدّ ، واليوم الكنيسة بتقول لكُم اليوم هو أول خطوة فىِ خدمة ربنا يسوع المسيح وربنا يسوع عارف أنّهُ عندما تبدأ المُعجزات تبدأ الحروب والضيقات والمكائد والصليب يظهر ، فقال لها لم يأتىِ الوقت بعد ، فالكنيسة بتعتبر أنّ المسيح أعلن مجد لاهوتهُ وسُلّطانهُ فىِ حياتنا ، وإفتقد حياتنا ويُحوّل حياتنا إلى خمر حقيقىِ0 ثانياً:التحّول:- نحنُ نعرف أنّ الخمر عندما فرغ كان موقف مُحرج ، والست العدرا كانت بتشتغل معهُم ، والست العدرا شعرت بالموقف المُحرج فقالت لربنا يسوع " ليس لهُم خمر " 00ثُمّ قالت لهُم " مهما قال لكُم فإفعلوهُ " ، ليتنا عندما نقرأ الكِتاب المُقدس لا أقول إنّ هذهِ الآية ليس لىِ شأن بِها ولكن الآية تحتاج لوقفة ثُمّ قال لهُم " إملأوا الأجران ماء " فهو حّول الماء إلى خمر ، إنّهُ تحّول جوهرىِ ، فالماء عناصرهُ غير عناصر الخمر ، فالماء H2o هيدروجين وأوكسجين ، والخمر فيهِ كحُولّ فهو فيهِ كربون ، فكون الماء يتحّول ويتغيّر طبيعتهُ تماماً فهى مُعجزة 00مُعجزة خلق 00مثل مُعجزة الخمس خُبزات والسمكتين 00فهى مُعجزة خلق لأنّ ربنا يسوع هو قادر أن يُغيّر 00فهو قادر أن يُغيّر البرودة والجفاف إلى حرارة ونشاط00وقادر أن يُحّول طبيعتىِ الفاسدة وحتى وإن لم توجد إمكانيات التغيير ، أُريد أن أكون شىء لهُ قيمة ولهُ طعم مثل الخمر فلنفرض إن أنا لا يوجد فىّ برّ فهو قادر أن يخلق فىّ برّ " قلباً نقياً إخلق فىّ يا الله " ربنا يسوع المسيح جاء ليُحّول النفس الضعيفة الفاسدة إلى نفس حارّة فربنا يسوع المسيح لا يُجيز شُرب الخمر ، ولكن الناس هى التى تُفسد إستخدامهُ ، فالناس فىِ المناطق الباردة تشربهُ للتدّفئة ، فالمادة فىِ حد ذاتها ليست شراً ولكن الإنسان هو الذى يصنع الشر ، فهو يُريد أن يقول أنّهُ قادر أن يخلق قلب جديد نقىِ ربنا يسوع إستخدم فىِ إنجيلهُ كلمة " خمر" عندما قالت عذراء النشيد" أدخلنىِ إلى بيت الخمر " فهو يُشير إلى الشبع الروحىِ بالله ، وفعلاً الإنسان يا أحبائىِ بيصل لدرجة أنّهُ يسكر بمحبة ربنا ويوصل لدرجة أنّهُ يرتفع عن الفِكر البشرىِ ربنا جاء ليجعل بهذهِ المُناسبة إفتقاد لجمود الإنسان ، لأنّ الإنسان إبتعد عن ربنا تماماً وعاش فىِ حياة كُلّها توانىِ وكسل ، فربنا يُريد أن يُغيرّهُ ومن عظمة قُدرة التحّول أنّ رئيس المُتّكإ إندهش وقال لهُم من أين أتيتُم بهِ والأجران كانت ثقيلة جداً فهو قد إعتقد إن الخمر كان عندهُم وأتوا بهِ فىِ الأخر ولم يعرف بالتحّول ، كأنّ ربنا يسوع المسيح جاء ليقول أنا سأبطُل الخمر القديم وسأعطيكُم خمر جديد يُدهش عقولكُم الخمر القديم هو الناموس والخمر الجديد هو البرّ فىِ عهد ربنا يسوع المسيح فيوجد فرق كبير بين الذبائح وبين النعمة التى نحنُ فيها الآن ، فنحنُ موجودين والمذبح مفتوح وبنأخُذ الجسد والدم ، نحنُ فىِ عِز الآن ، فهو يُدهش ، جميل جداً أن ندرس العهد القديم ، فتوجد أهمية لدراسة العهد القديم ، ومنها أعرف اهمية الخمر القديم وما يُشير إليهِ فىِ العهد الجديد فما أجمل أن أعرف أنّ الشعب عندما كانت تلدغهُ الحيّات كان موسى يُعلّق الحيّة وينظُر إليّها الإنسان فيُشفى ، فهى قوة الصليب التى تُشفىِ الإنسان من لدغة الحيّة موسى عبر البحر الأحمر ولكن فىِ الخمر الجديد هو المعموديّة فكما أنّهُ غرق فرعون فىِ البحر الأحمر كذلك يُسحق الشيطان فىِ المعموديّة0 ثالثاً: سخاء يسوع :- سألهُم وقال لهُم ماذا يوجد عندكُم ؟! فقالوا لهُ عندنا " ستّة أجران من حِجارة موضوعة هُناك 0حسب تطهير اليهود ، يسع كُلّ واحد مطرين أو ثلاثة " فىِ الحقيقة إنّ هذا الرقم وهو " ستّة أجران " فالجُرن الواحد يسع 100 لترأو أكثر ، وكُلّهُم يعملوا 600 لتر خمر ، فلو لتر فقط فإنّهُ يشربهُ خمسة أشخاص ، فالـ 600 لتر يكفوا لعدد كثير جداً 00فما الذى يحدُث ياأحبائىِ ؟! فهو سخاء يسوع يُحّول الخمس خُبزات والسمكتين لتُقدّم فىِ وليمة مُشبعة ويتبقّى إثنىِ عشر قُفّة " الذى يمنحكُم كُل شىء بغنى للتمتُّع "يوجد غنى ليس فقط على المستوى المادىِ ولكن على المستوى الروحىِ ، قدّم لهُ أجرانك وسترى ماذا سيفعل ، فيقول عن مُعجزة صيد السمك " أمسكوا سمكاً كثيراً جداً فصارت شبكتهُم تتخرّق " غنى تعال أنت فقط قُل لهُ " إملأ الأجران خمر " الخمر هو الحرارة الروحيّة ، ليس عندنا خمر ليس عندنا حرارة فىِ حياتنا الروحيّة ، ربنا يسوع بيقول قدّم ماءك فأحّولهُ لخمر حتى تقولوا كفانا كفانا 0ألّم تُجرّب أنّك فتحت الإنجيل ووجدت الكلام قوى جداً ومؤثّر جداً ، فإن كان عندك أجران أكثر لكان ملأها بمُجرّد فقط أننا نُعطىِ لهُ وهو يملأ ويملأ ألّم تُجرّب مرّة أنّك بتصلّىِ وتشعُر إن إنت فرحان وسعيد وغير مهموم وإرتفعت للسماء وغير قادر أن تختم000فهذا هو الماء الذى تحّول إلى خمر0الخمر سر حياة القديسين فهُم قدّموا ماء فصار خمر فسكروا 00الشيخ الروحانىِ يقول " لدرجة أنّهُم نسوا كُل شىء 00نسوا الأب والأخ والصديق وسعوا خلف الغنى بحُبهِ "الكنيسة بتقول لكُم تعالوا لربنا يسوع المسيح لكى يُقدّس حياتكُم ويُقدّم لكُم خمراً روحانياً ويُقدّم لنفسهُ شعباً مُبرّراً ربنا يسوع المسيح يتحنّن علينا وينظُر إلى مائنا ويُحّولهُ إلى خمر يُلهب قلوبنا ونفوسناربنا يسند كُل ضعف فينا بنعمتهُ لهُ المجد دائماً أبدياً أمين0 القس أنطونيوس فهمى كاهن كنيسة مارجرجس والأنبا أنطونيوس - محرم بك الأسكندرية
المزيد
19 يناير 2019

ثلاثية عيد الغطاس

أهنئكم أيها الأحباء بعيد الغطاس المجيد، أحد الأعياد السيدية الكبرى، وهو العيد الذي يتوسط خمسة أعياد تأتي في فترة أربعين يومًا منذ ميلاد وتجسد ربنا يسوع المسيح. هذا العيد يأتي قبله عيدان: عيد الميلاد وعيد الختان، ويأتي بعده عيدان: عيد عرس قانا الجليل وعيد دخول السيد المسيح إلى الهيكل؛ وهذه الأعياد الخمسة في فترة أربعين يومًا تبدأ من عيد الميلاد. مشهد يوم عماد السيد المسيح مشهد هام جدًا في الكتاب المقدس وفي حياتنا. وأدعوك معي الآن أن تتجول بذهنك ونأتي لنقف للّحظة التي أتى فيها السيد المسيح وسط جموع أخرى أتت إلى يوحنا المعمدان عند نهر الأردن لكي ما تتجاوب هذا النداء الذي أطلقه يوحنا: «توبوا لأنه قد اقترب منكم ملكوت الله». إننا أمام ثلاث مفردات مهمة: السيد المسيح ويوحنا المعمدان والماء. أريد أن أحدثكم عن هذه الثلاثة. السيد المسيح: عندما تجسد رأته لأمنا العذراء مريم ويوسف النجار. والرعاة والمجوس زاروه وهو طفل رضيع. وبعد ذلك قُدِّم للهيكل في اليوم الأربعين الذي هو عيد دخول المسيح الهيكل، ورآه بعض الكهنة. ثم جاء الهروب إلى مصر، وكثير من المصريين رأوه. وظهر في سن 12 سنة وسط المعلمين الكبار في الهيكل، وصار يجادلهم. وبقي في الناصرة من سن 12 إلى 30 سنة يعمل نجارًا، لأنه معروف عند اليهود أن من لم يتعلم حرفة يتعلم السرقة. وجاء العام الثلاثون في عمر الرب المتجسد، وهو سن النضج بحسب اليهود، وفيه هذه السن بدأ المسيح خدمته الجهارية بواقعة العماد المقدس. أتى السيد المسيح وسط الجموع، ولم يكن يوحنا يعرفه قبلًا. وحين وصل إليه المسيح انزعج يوحنا ورفض أن يعمّد الرب، فرد عليه السيد المسيح وقال له برقة بالغة: «اسمَحِ الآنَ، لأنَّهُ هكذا يَليقُ بنا أنْ نُكَمِّلَ كُلَّ برٍّ» (مت3: 15)، فقام يوحنا المعمدان بعماد السيد المسيح وحدثالظهور الإلهي "الثيئوفنيا". وهذا الظهور الإلهي حدث لكي يُعلّن لنا الله الواحد المثلث الأقانيم: الابن في الماء، وصوت الآب من السماء «هذا هو ابني الحَبيبُ الّذي بهِ سُرِرتُ»، والروح القدس في شكل حمامة يظهر ويستقر على الابن (مت3: 16، 17). ويظهر لنا إيماننا بوحدانية الثالوث حين نقول في بداية قانون الإيمان: "نؤمن بإله واحد..."، لكن هذا الواحد الذي نؤمن به هو «الله محبة»، محبته متدفقة لا تقف. وفي عيد الغطاس الآب المحب صار منه هذا الصوت «هذا هو ابني الحَبيبُ الّذي بهِ سُرِرتُ»، والابن المحبوب ربنا يسوع المسيح كان صاعدًا من الماء، والروح القدس في شكل حمامة. ونحن دومًا نمارس سر المعمودية في سن مبكرة جدًا، والطفل عمره أيام، نغطّسه في الماء ثلاث غطسات كما دُفِن المسيح ثلاثة أيام، ولذلك يقول الكتاب: «مَدفونينَ معهُ في المَعموديَّةِ، الّتي فيها أُقِمتُمْ أيضًا معهُ» (كو2: 12). المسيح دُفِن وقام بعد ثلاثة أيام، ونحن نجتاز هذه الخبرة من خلال المياه، مدفونين في مياه المعمودية. والمعمودية هي أول سر يناله الطفل بعد ميلاده، وهو بعد صغير جدًا، ويتعمد على إيمان والديه، ومثلما يرضعانه الغذاء واللبن، هكذا يغذونه بالإيمان، فيشبّ قويًا مكتوبًا اسمه في السموات، ويصير مولودًا من الماء ومن الروح. هذا هو الجزء الأول في المشهد. يوحنا المعمدان جاء ثمرة لصلوات كثيرة مرفوعة من زكريا الكاهن أبيه وأمه أليصابات، وفي الوقت المناسب جاءت إليه البشارة وأنجبت اليصابات ونزع الله عارها. ويوحنا المعمدان نسمّيه خاتم أنبياء العهد القديم. وُلِد قبل السيد المسيح بستة أشهر، وعاش في البرية ناسكًا متقشّفًا زاهدًا، ولذلك كانت هيئته مهيبة. وعندما نزل إلى ضواحي اليهودية لكي ما يكرز للناس بالتوبة وأن يعدّوا طريق الرب، كان يريد أن يوقظ ضمائر الناس، لأن الخطية تجعل الضمير نائمًا. وتعلمون أن نهاية يوحنا المعمدان أنه قُطِعت رأسه، وفضّل أن حياته تنتهي بلا رأس عن أن يحيا بلا ضمير، اختار أن ينال الاستشهاد لكن لا يبيع ضميره الحي. وكان في كرازته ينادي للبشر «توبوا، لأنَّهُ قد اقتَرَبَ ملكوتُ السماواتِ» أو ملكوت الله في شخص المسيح، فالمسيح اقترب مجيئه، إلى أن جاء المسيح وتعمد منه. يوحنا المعمدان هو الذي قال بعين النبوة عن شخص المسيح: «هوذا حَمَلُ اللهِ الّذي يَرفَعُ خَطيَّةَ العالَمِ!» (يو1: 29). "حَمَل" يعني ذبيحة، "الذي يرفع" وذلك بالصليب، "خطية العالم كله": فالسيد المسيح لم يأتِ لجنسية أو لشعب معين، ولكن جاء لكل العالم: «هكذا أحَبَّ اللهُ العالَمَ حتَّى بَذَلَ ابنَهُ الوَحيدَ، لكَيْ لا يَهلِكَ كُلُّ مَنْ يؤمِنُ بهِ، بل تكونُ لهُ الحياةُ الأبديَّةُ» (يو3: 16). يوحنا المعمدان نسميه أيضًا "السابق"، لأنه سبق المسيح بالزمن بستة أشهر. و"الصابغ" لأنه قام بعماد السيد المسيح. وأخيرًا "الشهيد" لأن حياته انتهت مستشهدًا ولم يرد أن يبيع ضميره وقبل الموت، وظل ضميره حيًا. وهكذا صار صوت يوحنا المعمدان هو صوت الحق. الماء الماء عنصر الحياة على الأرض، وأينما وُجِد الماء وُجِدت الحياة. كزكب الأرض 70% من مساحته هي ماء، وأنت أيها الإنسان 70% من وزنك هو مياه في الجسم، ولذلك الماء هو أغلى شيء لأن فيه حياة البشر. في بدء الخليقة فصل الله الماء عن الأرض، والماء له دور في تاريخ الخلاص في الطوفان وفي عبور بني إسرائيل البحر. والماء له تاريخ طويل جدا سواء في الهلاك أو في الشفاء. تذكروا معي أن السيد المسيح تقابل مع السامرية عند المياه، وشفى المريض الذي له 38 سنة عند بركة المياه، وانفتحت عينا المولود أعمى من خلال المياه. وفي الكنيسة توجد قداسات تقديس الماء، وفي كل القداسات نستخدم المياه سواء في تقديس الأسرار أو نرشه للبركة في ختام الصلوات. والماء علامة حياة فنحن نولد من الماء والروح. وهذه فرصة طيبة أن ألفت نظركم إلى قيمة الماء في حياتنا، نحن المصريين نعيش حول نهر النيل في حوالي 8% من مساحة البلاد لأننا نحيا حول النهر. وفي العهد القديم كان نهر النيل أحد آلهة قدماء المصريين وكانوا يعبدونه. ونهر النيل كما تعرفون ممتد لأكثر من أربعة آلاف كيلو متر، ويمر على عشر بلاد، مصر هي البلد الأخير في مجراه. ومع ازدياد عدد السكان بالنسبة لموارد المياه المتاحة، فلابد أن ننتبه إلى قيمة نقطة المياه. هناك حوالي مليار من البشر -كبار وصغار- لا يجدون مياهًا للشرب! ولذلك يا إخوتي الأحباء لابد أن نلتفت جدًا لقيمة المياه، ومَن يهدر المياه أو يسيء استخدامها فهذه تُعتبَر خطية. الأدوية التي تنقذ حياة الناس تُصنع من الماء، الماء للشرب، الماء للأكل، الماء للزرع، الماء للحياة... حينما تشرب ماءً ضع في الكوب على قدر ما تشرب فقط، وكذلك عندما تغسل أي شيء، فكّر كيف تقتصد في الماء. ونحن في عيد الغطاس نحتفل بتذكار ميلادنا في المعمودية، ويا ليت كل أسرة تذكر تاريخ معمودية أولادها وبناتها وتحتفل به كما تحتفل بعيد الميلاد الجسدي. لا نقول هذا لأن المعودية تذكار تاريخي، ولكن تذكار للتوبة ولنقاوة القلب، وأننا دُفِنّا مع المسيح وقمنا من بين الأموات. قديمًا في عيد الغطاس كانوا يخرجون من الكنيسة ويزورون نهر النيل، وكان البطريرك يأخذ من ماء اللقان وياقي منه في النيل لتقديس مائه، ونصلي طوال السنه: "اذكر يا رب مياه النهر باركها". نصلي لكي يحفظ مسيحنا بلادنا من كل شيء، كما نصلي من أجل كل المسئولين فيها، ومن أجل القيادة السياسية وكل من يحملون هم هذا الوطن، ونصلي أن يحفظ الله بلادنا من أي شر. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
18 يناير 2019

لقَّانُ عِيدِ الغِطَاسِ

في عيد الغطاس نصلي ليتورچيا اللقان لأننا أخذنا التجديد في المعمودية كعُربون حتى نصل بالجهاد والنعمة إلى التجديد التام بصناعة أعمال تليق بالتوبة... فعندما نقف أمام اللقان نتذكر مياه معموديتنا ونذرها في يوم معمودية الرب بنهر الأردن... إستنارةً وضياءً وحالة سوية وقدس أقداس وبهاءً للنفوس؛ فلا نعود لنحمل من جديد نير العبودية؛ بل نثبت في الحرية؛ حرية البنين بممارسة الوصايا. ننظر إلى ليتورچيا لقان عيد الأنوار ونعاين الظهور الإلهي؛ مُصلين لتقديس المياة وبركتها لمسيرة تجديدنا الروحي؛ الذي لن يتم فقط بالمعمودية؛ بل بالعكوف أيضًا على تكميل الوصايا التي يتعين علينا تتميمها بخوف ورعدة... لأن كمال المعمودية يحصل بواسطة الجهاد الروحي وأعمال الحرية التي تليق برتية البنين؛ باذلين كل اجتهاد لنجعل من غير المنظور منظورًا؛ فالذي ليس عنده هذه هو أعمى قصير البصر قد نسي تطهير خطاياه السالفة (٢بط ١ : ٩). وبالإمعان في نص قداس اللقان الليتورچي وتعابيره وقراءاته وألحانه وطقسه؛ نرى ذاك الذي بسط النعمة في ذلك اليوم وأظهر لاهوته بالتعميد؛ وهو يكمل كل بر لأجلنا ولأجل خلاصنا... كي يُهدينا إلى ملكوته حيث نهر الحياة الصافي كالبلور؛ المنبثق من عرش الله والحمَل من أجل شفائنا وشفاء الأمم (رؤ ٢٢ : ٢)، وكلما ندخل إلى عمق التقديس الليتورچي ننهل من اليُنبوع الممتد في جمال العبادة التي تربط ما هو إلهي بما هو بَشَري... من الشخص الأعمق إلى الجماعي المتحد بطاقة نهر الحياة؛ حيث تتحد الليتورچيا بالحياة وتتوحد في سينرچية Συνεργεία للروح والكنيسة عبر المناسبة الطقسية. نتمتع بالآنية الدائمة أو ما يسميه الدارسون (التأوين) بحيث نعيش الآن وهنا عند نهر الأردن أمام فسقية اللقان في لقاء وإلتقاء عميق؛ ويكون حضورنا القداس من أجل التقديس، وهو ما نعترف به كقانون لعضويتنا مع قديسي الكنيسة؛ عندما نردد في ختام القداس (واحد هو الآب القدوس؛ واحد هو الابن القدوس؛ واحد هو الروح القدس) لأن هذا الماء لا يُعطىَ إلا للقديسين (القُدُسات للقديسين)، ونحن بإتحادنا بالقدوس نصير قديسين فيه وبه... لأنه أعطانا نعمة وعطية ومسحة وإستنارة ووشاحًا للخلود ومغطس إعادة الولادة وختم الروح القدس الملوكي الفائق القيمة؛ والتي تأتينا نعمتها مجانية وواحدة للجميع. في النبوات وقراءات قطماروس اللقان نلمس الواقعية الروحية للحدث؛ خلال خدمة الكلمة والعبادة؛ بحيث يكون احتفالنا حيًا لا تفترق فيه الليتورچية عن الحياة. فقد وضع تقليد طقس القداس حَدَث معمودية الرب في بؤرة العبادة ليكون يُنبوعًا واحدًا لا يتغير، ماؤه حي دائم التجديد؛ نتذوق فيه حلاوة وعذوبة إنجيل الملكوت ورموز العبادة المُعاشة... حاضرة في ذاكرة الكنيسة حضورًا واقعيًا؛ في صورة كلية لأيقونة حدث الظهور الإلهي؛ والأعماق الخفية للتدبير... والتي بها فقط ندخل إلى اللاهوت الذي يظهر بديهيًا في الليتورچيا؛ وفيها فقط يمكن أن نحياه؛ لأنه يعبِّر عما لا يُعبَّر عنه، ويقدم الحدث بزَخَم كبير (صوت الآب بالسرور من السماء – الابن في نهر الأردن – الروح القدس بهيئة منظورة مجسَّمة كحمامة – ثم يوحنا المعمدان السابق الصابغ والشهيد). وهكذا بنزول المسيح في نهر الأردن وحلول الروح القدس وإعلان صوت الآب؛ المعبَّر عنه كنسيًا بعيد الإبيفانيا Επιφάνια أي ظهور الثالوث القدوس؛ تكون حقيقة تدشين أول معمودية على الأرض على اسم الثالوث... وهنا نقف نقدم عبادتنا وكأننا في برج إلهي نتحصن ونتذكر مرتبتنا كأحرار وكأبناء وكورثة؛ كي لا نحتقر العطايا السماوية؛ بل نصير ذبائح روحية مقدَّمة على المذبح المقدس الناطق السمائي... نتاجر بالوزنة ولا نطمُرها شاكرين الجَميل الإلهي؛ عاملين حسب معطيات ومقتضيات الموهبة التي تقبلناها؛ مكرِّمين نعمة خلود المعمودية التي وضعت وسكبت في باطننا أنهار الماء الحي... لم نعُد أرضًا قفرةً فيما بعد؛ لأن الرب بصليبه فجَّر فينا ينابيع روحه القدوس وروى أرضنا لتفيض بالشهادة له في كل موضع. مسيحنا هو النهر الأصلي الذي يصبّ في أرضنا أنهارًا هي ثمرة عمله فينا، وكل الأنهار تشهد للنهر الأصلي الحقيقي؛ تسبحه لا بالكلام وإنما بالأعمال وبتصفيق الأيادي؛ لأنه يطلب أفعالنا وأعمالنا وليس أصواتنا فقط... تتدفق فينا نعمته كمياة بلا حدود؛ فيعود ويتطلَّع لكنيسته؛ مُعلنًا أنه يمنحها إمكانيات جديدة على الدوام؛ يتعهدها بالخصب والنماء لتعود مراعيها دسمة مزروعة ومُثمرة؛ ومدنها عامرة مهيئة للسكنى لا كفردوس قديم مفقود بل فردوس حي وميراث إلهي ومياة جارية وأنهار حية وسواقي تُفرّح مدينة الله بالأعمال الصالحة والنافعة... التي تليق بالخراف الناطقة المقدسة المحفوظة في الحظيرة الإلهية - كنيسة الله؛ وبعمل المياة المقدسة التي تطهرنا من الخطايا وتجعلنا حاملين ثمر شركة الطبيعة الإلهية؛ لنحصد نصيب المؤمن (أي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن) "٢كو ٦ : ١٥). ونبدأ في قداس اللقان بعد صلاة الشكر والقراءات الكتابية؛ نذوق المعرفة الكاملة بالعبادة وعُربون كلمة الوعظ التي تصوِّرنا وتُشكِّلنا بحسب المثال الإلهي؛ بتجديد الذهن بالروح الذي يوسِم داخلنا الملامح الإلهية إلى أن تكمُل في نفوسنا بذور التشكُّل بالمسيح وصورة المخلص الذي ضبط الخليقة بعزته؛ ودبر العالم بعنايته؛ وأبدع الخليقة من العناصر الأربعة؛ وكلل دور السنة بالأربعة أزمنة؛ وأخرجنا من العدم إلى الوجود وأنهضنا من سقطاتنا ووهب لنا ملكوته وأحساناته وجعل الخليقة كلها تطيعه وتسبحه وتخافه وتتعبد له... بسط السماء وثبت الأرض وحصن البحر وأفاض الهواء وجدد طبيعتنا بالماء والروح؛ وأغرق الخطية أسفل الماء؛ وأعطانا موهبة المعمودية التي هي بالنسبة لنا (زرع الله فينا) زرعًا لا يفنىَ ليس من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل؛ لكن بكلمة الله الحية الباقية. ويطلب الكاهن الرحمة (اللهم ارحمنا) رافعًا الصليب بالثلاثة شمعات؛ لأن خلاصنا ورحمتنا مقررة بفعل الثالوث القدوس... نصلي جميعًا طالبين المراحم؛ عشرة بل ومئة كيرياليسون من الله الذي خلقنا واعتمد لأجلنا؛ ليس مقابل ثمن ولا إيفاء لشيء؛ بل كهبة محبة خالصة منه... ممجدين أعماله التي تفوق الحصر ونقبل تجديدنا وتوبتنا وشفاءنا الذي يزودنا هو به بمحبته للبشر التي لا حدود لها؛ وببركة مياة اللقان التي تقدست بالصلاة والرشومات؛ عابرين الأردن الحقيقي بفرح الخلاص والمجد والنور المعطىَ لنا. شاكرين وحيد الجنس رئيس كهنتنا الذي رُسم في هذه الرتبة بقرار من الآب، وهو الابن الحبيب الذي سُر به أبوه؛ والذي اشترك في المشي مع الناس ووقف معهم ليعتمد؛ ونزل إلى حقارتنا ووضاعتنا وأخذ شكل العبد ووضع ذاته لأجلنا، فندرك مقاصده وتدبيره الذي بسطه علينا ونسلك حسب تدبير الحياة الجديدة؛ قلبًا لحميًا وروحًا جديدًا. إن كل مَن يتمعن في خدمة لقان عيد الغطاس يشعر بما هو أعمق من مجرد الطقس؛ ويلمس عطشه الدائم لمياة الحياة المُفاضة للنقاوة ولعمل روح الله الذي يرفّ على وجه غمر حياتنا؛ وكأننا في خلق جديد ويقظة للكون... نحيا عند النبع؛ نترك العتيق والأوحال ونقتني قطرات المياة التي تحمل الروح القدس لكل منا؛ والتي تنضح علينا بالبركة وبها ترتوي الخليقة؛ فلم يعُد هذا الماء ماءًا عاديًا (ساذجًا) لكنه أصبح حاملًا لنعمة القداسة... فليس طقسنا شكلاً أو مجرد ممارسة بلا مضمون؛ لكنه عمل تقديس لطبيعة المياة؛ يجعلها حاملة الحياة الجديدة؛ وهو توظيف للماء على نحو تقديسي. وروح الله منشئ الخليقة الذي رفّ على وجه الغمر في سفر التكوين يبارك ويقدس المياة؛ ويجعلها بركة ونعمة لتقديس البشر والحجَر؛ فهي أولاً لتقديسنا ثم لبركة بيوتنا؛ كي تصير ببركتها وبسيرتنا بيوت صلاة؛ بيوت طهارة؛ بيوت بركة، كنائس بيتية تشهد للمسيح في العالم إمتدادًا للكنيسة (ككنائس للسيد الرب) نحتفظ فيها بماء اللقان لمنفعتنا الروحية؛ ونأخذه معنا لبيوتنا كي ننقل ما يجري في خدمة اللقان إلى حياتنا وبيوتنا؛ إذ أن عبادتنا يكمل معناها في دوامها وفي عيشها باستمرار بلا إنفصام ولا إنفصال ولا إفتعال؛ حياتنا إمتدادًا لخِدَمنا الطقسية؛ وبيوتنا هياكل مقدسة للسيد تتجه نحو المسيح مشرقها وشمسها... ونحن الساكنون فيها مغروسون بإيمان الله على مجاري المياة؛ نعطي ثمرًا في أوانه وورقنا لا يذبل وكل ما نصنعه ننجح فيه. القمص أثناسيوس جورج كاهن كنيسة مارمينا – فلمنج - الاسكندرية
المزيد
17 يناير 2019

” القديس يوحنا المعمدان صوت الحق “

أولاً: الأدوار التي قام بها يوحنا المعمدان في حياته: 1ـ إعداد الشعب لاستقبال السيد المسيح: ” ها أنا أرسل أمام وجهك ملاكى الذى يهيئ طريقك قدامك “، وهذه نبوة جاءت في سفر ملاخي … فأول دور قام به يوحنا هو تهيئة شعب لاستقبال السيد المسيح، وهذا يوضِّح أن أي شيء يحتاج لإعداد ، حتى مجيء المسيح يحتاج لإعداد يحتاج لمقدمة وتهيئة للعقول والنفوس. 2ـ الشاهد الأساسي على مجيء السيد المسيح: ” هوذا حمل اللَّه الذى يرفع خطية العالم “، فضلاً عن شهادته فى وقت عماد السيد المسيح: ” أنِّي قد رأيت الروح نازلاً مثل حمامة من السماء فاستقرَّ عليه، وأنا لم أكن أعرفه ولكن الذي أرسلني لأُعمِّد بالماء ذاك قال لي: الذي ترى الروح نازلاً ومُستقرَّاً عليه فهذا هو الذي يعمد بالروح القدس وأنا قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن اللَّه “. 3ـ قدَّم مِثالاً قوياً فى التلميذ الأمين الزاهد للسُّلطة: يقول عن نفسه: ” أنا مُجرَّد صوت … أمَّا السيد المسيح هو اللَّه “، ويتضح لحضراتكم الفرق بين الصوت وبين الكلمة حتى في مفهومنا البشري. فظهر أمامنا أنه التلميذ الأمين الزاهد للسلطة رغم أنه كان إنساناً مهوباً فى المجتمع اليهودي ( شكله، لبسه، كلامه، أفعاله، … ) كانت تجعله شخصية مهوبة جداً في هذا المجتمع، لها كل الوقار، لها كل الاحترام لكن زاهد في السُّلطة، ولمَّا أشار على السيد المسيح قال العبارة الشهيرة: ” ينبغي أن هذا يزيد وأنِّي أنا أنقص “، لا تنسوا يا أخوتي الأحباء أنه في كل إنسان توجد ذات وهذه الذات قد تمنعه من أنه يعمل ( ممكن ذات الإنسان تمنعه أنه يعتذر وحتى إن كان الخطأ واضح … ). أحياناً نُسمِّي الذات بالكرامة، وأحياناً نُسمِّيها الكبرياء وأحياناً الحساسية ولها تسميات كثيرة. لكن هذا الرجل العظيم يوحنا المعمدان انتصرعلى ذاته فزهد في السُّلطة وكأن لسان حاله كان يقول: ” ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ “. كان ينظر لذاته بهذه الصورة. لذلك قال عبارته الجميلة: ” هوذا حمل اللَّه الذي يرفع خطية العالم، هذا الذي قلت فيه يأتي بعدي رجل قد تقدَّمني لأنه كان من قبلي “. ما هى هذه الروح الجميلة؟ فالناس كانت تعرفه قبل أن تعرف المسيح، لكن فى تكوينه الشخصي نجد أن البرية أعطته هذا المعنى معنى الزهد … ورُبَّما نسمع ونقرأ في التاريخ ماذا تصنع السُّلطة في الإنسان، ولكن يوحنا المعمدان كان يعرف دوره تماماً أو ما نسميه بالحدود، أحياناً يسمونها فضيلة الإلتزام، لكن هو إنسان في داخله ذاته لا تُحاربه وذاته ليست عدواً له، نحن في المفهوم المسيحي والآبائى لنا في الأعداء ( الشيطان وإغراءات العالم وذات الإنسان ) هذه هى أعداء الإنسان الثلاثة. الذات يمكن أن تتحكَّم فى الإنسان صغيراً أو كبيراً في منصب أو في غير منصب، حتى في الحياة الرهبانية عندما يترك الإنسان كل ماله بحسب الوصية الرهبانية ويعيش فى الفقر يترك كل ماله ولكنه قد لا يستطيع أن يترك ميوله، فتتحكَّم فيه ذاته وتضيع منه أكاليل ونِعَمْ كثيرة، أمَّا يوحنا فكان منتبهاً كثيراً. 4ـ يوحنا شهد له السيد المسيح أنه أعظم مواليد النساء: جاء بالصلاة وجاء بعد وقت طويل وكان إستجابة الصلاة، وعندما مارس حياته كان يعرف وظيفته بالتحديد ويقول: ” مَن له العروس فهو العريس، وأمَّا صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس إذاً فرحى قد كَمل “، وهذه فيها تخلية عن الذات تماماً. كان يعرف دوره ويقبله، وعلى الأقل ليس مُرغماً أو أن الظروف وضعته في هذا الدور ولكن يقول: فرحي قد كمل في شخصيته عندما رأى المسيح وعندما رأه في العماد، العريس هو المسيح والعروس الكنيسة ويوحنا المعمدان يفرح بالعروس وبالعريس وفرحه أعطاه أكاليل مجد كثيرة. 5ـ التوبة: كان يرى أن التوبة هى الأساس، أساس دخول الملكوت وكان يُنادي: ” توبوا فإنه اقترب ملكوت السموات “، فكان موضوع التوبة هو الذى يشغله … فتصوَّر عظمة هذا الرجل أنه يتخلَّى عن ذاته يزهد في أي سُلطة … يشغله شيء واحد فقط: التوبة، ولذلك تضع الكنيسة القديس يوحنا المعمدان كأول نموذج في السنة القبطية. ثانياً : مصادر القوة فى حياة يوحنا المعمدان: 1ـ أسرته: تربَّى على يد زكريا الكاهن وأليصابات زوجته، كان زكريا وأليصابات زوجته بارَيْن زكريا الكاهن إنسان يخاف اللَّه، وأليصابات إنسانة بارَة أمام اللَّه، وإذا كان الأب والأم هكذا يكون الابن مثلهما. بلا شك وجود هذا الأب المُصلِّي والذي يحمل طاقة إيمان في داخله والخائف الرب وكان مع زوجته يسلكان الاثنين بلا لوم ( ضميرهم مستيقظ يستطيع أن يزن نفسه في كل موقف ) فنشأ يوحنا المعمدان فى هذا الجو الجميل: بيت ترتفع فيه الصلوات وترتفع فيه قامة الإيمان وليس له إلاَّ أن يعيش لربنا ومع ربنا. ونتخيَّل أليصابات وهى تُربِّي يوحنا وتحكي له الدموع والصلوات والسهر والعار الذي تراه في عيون الناس وفي ألسنتهم لأنها كانت عاقرة، وتحكي عن ليالى الألم، وكم من ليالي قضتها وهى في بكاء شديد وكأن السماء صامته والصلوات التى ترتفع لا تجد من مجيب، وعندما أتت فرحة ميلاده وأسمته يوحنا ( اللَّه يتحنَّن ) تهيأ لي أن القديسة أليصابات والقديس زكريا الكاهن كانا لا يمَلّوا من أنهم يُقدِّموا لهذا الصبي وصايا اللَّه من صغره. أحيانا في التربية المُعاصرة نجد أن الأب والأم يتركا أبناءهم للتليفزيون وللإنترنت وللأصحاب يُربُّون أولادهم ويغيب دورالأب والأم المسئول عن هذه العطية. بقدر ما تهتموا بتعليم الأبناء فى صغرهم بقدر ما يكون لكم أكاليل في السماء. ويقول أحد الآباء: ” إن إكليل التربية يساوي إكليل نُسك راهب “، ما أجمل أن نُربِّي أبناءنا بالنعمة من الإنجيل والصلوات والكنيسة وسير القديسين. إن هذا القديس الذي عاش في البرية كان مصدر قوته الأول هو الأسرة لذلك يمكن أن نقول أن الأسرة أيقونة الكنيسة والأسرة صانعة قديسين. 2ـ نذيراً: كما قال الملاك: ” يكون عظيماً أمام الرب وخمراً ومُسكراً لا يشرب “، ” نذير: يعني: ” مخصص للَّه مُكرس للَّه “، وهل كُلنا سنُكرَّس؟ أريد أن ألفت نظرك لشيء مهم: في سر الميرون يُرشَم الطفل المُعمَّد في جسده 36 رشماً بتشمل الطفل كله، وهذه الرشومات هى بمثابة تكريس عام … وأن هذا الطفل صار مُكرَّساً ومُخصَّصاً أو إن شئتم الدقة مفروزاً للَّه، و هذا الطفل ينمو وقلبه مُكرَّساً ومُخصصاً للَّه، في يوم المعمودية يتخصَّص الإنسان ويتكرَّس للمسيح ويُدعى الطفل مسيحياً، أخذ سر المعمودية وأخذ سر الميرون ونال سر الإفخارستيا ويبدأ طريقه نحو الأبدية. يوحنا المعمدان كان نذيراً للرب … كان مخصصاً بحياته كلها وكل ما يُفكِّر فيه هو علاقته باللَّه، وهذا الفكر هام جداً، لذلك نسمع نداء السيد المسيح: ” يا ابني أعطني قلبك “، يُريد أن يكون قلبك مُخصَّص ومُكرَّس له لا يشغله شيء آخر وهذا مهم لنا … يجب أن نهرب من أمور تشغل قلوبنا وعقولنا وحياتنا ولا تفيدنا فى الأبدية. خليك واعي ونذير للرَّبّ ومُخصصاً لعمل المسيح وهذا ليس معناه أن تترك دراستك وعملك لكن قلبك هو للَّه يسكنه المسيح. 3ـ البرية: يقول لنا الكتاب: ” أمَّا الصَّبي فكان ينمو ويتقوَّى بالروح، وكان في البراري إلى يوم ظهوره لإسرائيل “، ولذلك نجد أديرتنا في الصحراء، وعندما نزور البَرِّيَّة ونزور آبائنا الرهبان ونتمتع بهم وبالحياة الديرية الجميلة تكون البَرِّيَّة أحد مصادر القوة في حياتك لأنَّ فيها انحلال من كل الرباطات الموجودة في العالم، وتدخل الكنيسة وتقضي وقت سواء في قداس أو تمجيد أو صلوات خاصة وتستشعر قوة صلوات الآباء الذين عاشوا عبر أجيال وأجيال في الدير والخشوع وتنال قوة وإن كانت زياراتك للبرية قليلة يمكنك أن تستعيض عن ذلك بأقوال الآباء وسيرهم وجهادهم الروحي الذي عاشوا به والفكر الروحي. 4ـ الإمتلاء من الروح القدس: من بطن أمه يمتلئ من الروح القدس، نعمة خاصة، ونوال الروح القدس أعطاه هذه القوة، وامتلائه من الروح القدس وهو فى بطن أمه من بداية تكوينه وهو عمره شهوراً قليلة صار ممتلئ بعمل اللَّه وبالروح القدس. هذه هى مصادر القوة في حياة يوحنا والتى جعلت يوحنا في آواخر أيامه وقبل السجن يشهد الشهادة الحية ويقول: ” لا يحل لك “، ويقولها بصوت حق وبقوة وكان يعلم أن هذه تُكلِّفه حياته، ولكن الحق كان أسمَى من الحياة، وكانت النتيجة أنه ينال إكليل الاستشهاد وتُقطع رأسه ولكن يظل صوته وتظل شخصيته ويظل النموذج الذي يُقدّمه القديس يوحنا نموذج رائع لنا كلنا في حياتنا وفي جهادنا. قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
16 يناير 2019

عيد الثيئوفنيا …الظهور الآلهي

يأتي قبله عيدين الميلاد والختان وبعده عيدين عرس قانا الجليل ودخول المسيح الهيكل ….فهو يتوسط الخمسة أعياد التي نعيد بها خلال 40 يوم منذ ميلاد المسيح . هذا هو اللقان الوحيد الذي يصلى ليلا يسبقه صوم يوما هو البرامون أي الأستعداد ونحن صمنا الأربعاء والخميس لأننا سنعيد الجمعة حيث سنعبر عن فرحتنا بالعيد جسديا من خلال الطعام . مشهد عماد السيد المسيح مهم جدا في الكتاب المقدس وفي حياتنا فلنتجول بإذهاننا ونري السيد المسيح وسط الجموع التي جاءت لتلبي نداء يوحنا المعمدان بالتوبة لأنه أقترب ملكوت السموات. تفاجأ يوحنا بالسيد نازلا وسط المياه طالبا المعمودية ….هذا المشهد أريد أن أحدثك عن 3 مفردات به ….السيد المسيح- يوحنا المعمدان – المياه السيد المسيح تجسد وسط عائلته رأه الكثير…. والديه والرعاة ثم المجوس وفي اليوم الثامن أختتن ودخل الهيكل ثانية عندما تم 40 يوما ثم الهروب الى مصر حيث تباركت مصر به في كل ربوعها سيناء مصر القديمة الدلتا الصعيد ثم عاد الى الناصرة وظهر عند سن الثانية عشر في الهيكل يحاور المعلمين الكبار وبقي هناك حتى سن الثلاثين حيث تعلم حرفة النجارة ففي اليهودية من لم يتعلم حرفة يتعلم السرقة.وعندما أتم الثلاثين سن النضوج عند اليهود فهم لا يستمعوا لأحد دون هذا السن بدء خدمته الجهارية بالعماد المقدس….فكان الظهور الألهي لكي يعلمنا أن الله واحد مثلث الأقانيم صوت الأب والمسيا في النهر والروح القدس كحمامة. نؤمن بإله واحد هو المحبة العاملة المتدفقة التي لا تقف أبدا. لذلك نمارس أيماننا والطفل رضيع بعماده وتغطيسه ثلاثة مرات فنحن مدفونين معه في المعمودية ويصير أول عمل للرضيع يناله على إيمان والديه ليشب قويا مكتوب إسمه في السماوات مولود من الماء والروح. يوحنا المعمدان جاء لثمرة صلوات كثيرة مرفوعة من والديه زكريا الكاهن وامه إليصابات وفي الوقت المناسب جاءت البشارة وولد خاتم إنبياء العهد القديم قبل السيد المسيح بستة أشهر. عاش في البرية ناسكا نازها هيئته مهيبة نزل لضواحي اليهودية يدعوا الى التوبة كصوت صارخ في البرية يريد ان يوقظ الجميع من غفلة الخطية التي تتسبب في نوم الضمير. أختار أن تقطع رأسه في نهاية حياته وأن لا يعيش بلا ضمير نال الأستشهاد كي لا يبيع ضميره في بداية كرازته نادي بإقتراب ملكوت السموات التي كانت في شخص السيد المسيح. هو الذي قال بعين النبوة” هوذا حمل الله الذي يرفع خطية العالم كله” أي ذبيحة المسيح المرفوعة على عود الصليب المقدمة للجميع. لقب بالسابق لأنه أتى قبل المسيح والصابغ لأنه عمده والشهيد لأنه صوت الحق الذي قال لا يحل لك. الماء عنصر الحياة علي الأرض فإينما وجد ماء وجدت حياة فتجدهم يبحثون عنه في الكواكب كدليل على وجود الحياة. 70% من مساحة الأرض مياه و70% من تكوين الأنسان مياه. لذلك الماء أغلى شئ لأن فيه حياة الأنسان . له تاريخ في الكتاب المقدس من الطوفان وعبور البحر تاريخ هلاك وتاريخ حياة .. المسيح قابل السامرية عند بئر المياه شفي المخلع المريض لثمانية وثلاثون عاما عند البركة والمولود أعمى غسل عينيه في الماء ونحن نصلي قداسات تقديس المياه ونستخدمه في صلواتنا كرش المياه ويصير علامة ميلاد في المعمودية. للماء قيمة في حياتنا اليومية فنهر النيل الذي يمثل 8% من مسلحة مصر نلتف كلنا حوله لأنه مصدر الحياه تاركين الصحراء. وفي العهد القديم كان عند المصريين آله لذلك في الضربات تم تحويله لدم. يعتبر من أطول أنهار العالم يمر على 10 بلاد نحن آخرها …لكن هل تعلم أن هناك مليار من البشر لا يجدون مياه لنلتفت لقيمة المياه وعدم إهدارها فهي للشرب والأكل والزرع حتى صناعة الدواء يزورنا الآن رئيس وزراء أثيوبيا ونحن نرحب به ونرحب بالتفاهم القائم والعلاقات الطيبة على مستوى الكنيسة والدولة…. لنحافظ على كل نقطة مياه ونتجنب أي إهدار لها فقيراط المياه يستطيع أن ينقذ إنسان. عيد الغطاس نحتقل بذكرى ميلادنا في المعمودية لنحتفل بمعمودية أولادنا كأعياد ميلادهم فهو ليس تذكار تاريخي لكن للتوبة وحياة نقاوة القلب….فهل تعلمون أن قديما بعد الأنتهاء من الصلوات كانوا ينزلون مياه النيل للتقديس برغم أننا في طوبة. ليحفظ مسيحنا بلادنا من كل شر ونصلي من أجل المسئوليين والقيادة السياسية فبلادنا لها مكانة عالية على جميع الأصعدة ..ليحفظ الله لادنا من أي شر ومن أي عنف ويبارك كنيسته وخدمتها وصلواتها فالمعمودية وأن كانت مرة واحدة لكنها تقديس للحياة كلها يحميكم الله ويبارك في حياتكم والكنيسة التي بها نحن الآن تقوم بعمل التجديدات في ستر الهيكل والصحن أيضا وسوف نحتفل على مستوى الكنيسة بمرور 100 عام على إنشاء مدارس الأحد و50 عام على ظهور العذراء في الزيتون و50 عام على إنشاء الكاتدرائية ويتصادف أن يكونوا في نفس عام إفتتاح الكاتدرائية الجديدة كاتدرائية “ميلاد المسيح”ليبارككم المسيح . قداسة البابا تواضروس الثانى
المزيد
15 يناير 2019

الختان في العهد القديم..

كانت "عادة الختان" وما زالت سائدة بين كثير من الأجناس في أجزاء مختلفة من العالم في أمريكا وأفريقيا، كما كانت هذه العادة شائعة بين الساميين من مصريين كعادة صحية دون غياب البعد الديني عنها، كما عرف العبرانيون والعرب والموآبيون والعمونيون الختان، لكنه لم يكن معروفًا عند الآشوريين والبابليين. كذلك لم يكن الختان معروفًا لدى الفلسطينيين في كنعان؛ لذلك كان يُطلق عليها دائمًا وصف "الغُلف"، أي غير المختونين. - كان الختان بصفة عامة شرطًا أساسيًّا للتمتع بامتيازات دينية وسياسية معينة (خر12: 48،حز44: 9). ولأن الدين يشكل عنصرًا هامًا في الحياة، هناك نظريات كثيرة في أصل الختان وأسبابه، ويمكن القول بأن الختان نشأ كطقس ديني في العهد القديم كعهد بين الله وإبراهيم أبي الآباء منذ ألف وتسعمائة سنة قبل الميلاد تقريبًا، وكان الختان كعلامة أو كعهد على مستوى العلاقة الشخصية الداخلية بين الإنسان والله، ودخوله في رعوية الله، حيث قال له الرب: "أقيم عهدي بيني وبينك وبين نسلك من بعدك. لأكون إلهًا لك ولنسلك من بعدك. وأما أنت فتحفظ عهدي أنت ونسلك من بعدك في أجيالهم هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، يُختن منكم كل ذكر، فتختنون في لحم غلتكم، فيكون علامة عهد بيني وبينكم. ابن ثمانية أيام يختن منكم كل ذكر في أجيالكم. وليد البيت والمبتاع بفضة من كل ابن غريب ليس من نسلك. فيكون عهدي في لحمكم عهدًا أبديًّا. وأما الذكر الأغلف الذي لا يُختن في لحم غرلته فتقطع تلك النفس من شعبها. إنه قد نكث عهدي".. (تك17: 7 ـ 14 ). -وهكذا مارس "موسى" الختان لابنه وقامت زوجته "صفورة" بختان ابنها في "مديان"؛ لتبيان أهمية الختان في طريق "موسى" للنزول إلى مصر لقيادة الشعب للخروج من عبودية فرعون: "وحدث في الطريق في المنزل أن الرب التقاه وطلب أن يقتله. فأخذت صفورة صوانة وقطعت غرلة ابنها ومست رجليه فقالت إنك عريس دم لي. فانفك عنه حينئذ قالت عريس دم من أجل الختان".. (خر24:4-26). -وما يدل على أهمية الختان، أن ختان الابن كان فيه نجاة لـ"موسى"؛ لأنها قالت له: "إنك عريس دم لي".. وكأن ميثاق وعهد زواجها قد تأيد بسفك الدم من ابنها في عملية الختان. وهكذا توثق الختان في شريعة "موسى" النبي، بعد الخروج أيضًا، ولم يكن مسموحًا للنزيل والغريب أن يأكلا من الفصح ما لم يختتنا: "وإذا نزل عندك نزيل وصنع فصحًا للرب فليختن منه كل ذكر ثم يتقدم ليصنعه.. أما كل أغلف فلا يأكل منه".. (خر12: 48). -وقد صنع "يشوع سكاكين" من "صوَّان" وختن بني إسرائيل في تل القلف. ودعى اسم المكان "الجلجال" (أي الدحرجة يش5: 1 ـ 9). فكان الختان علامة مميزة لنسل إبراهيم. واستخدامهم آلات عفا عليها الزمن كسكاكين الصوَّان، لدليل على مدى تمسكهم بهذا الأمر. -كما أننا نجد في كثير من فصول الكتاب المقدس، أمثلة للاستخدام المجازي "للختان"، فحتى الأشجار المثمرة كانت تُحسب غير طاهرة مدة السنوات الثلاث الأولى من عمرها، وفي السنة الرابعة، تقدم باكورتها إلى بيت الرب، وفي السنة الخامسة، يأكل أصحابها ثمارها: "ومتى دخلتم الأرض وغرستم كل شجرة للطعام تحسبون ثمرها غرلتها ثلاث سنين تكون لكم غلفاء لا يُؤكل منها. وفي السنة الرابعة، يكون كل ثمرها قدسًا لتمجيد الرب. وفي السنة الخامسة، تأكلون ثمرها لتزيد لكم غلتها أنا الرب إلهكم".. (لا23:19-25). وبهذا تصير ثمار الأشجار صالحه للأكل ومباركة للطعام. -فالختان هو عهد بين الله والمؤمن ليكون من شعب الله، وبالختان يتمتع الطفل المختتن بكامل الحقوق الرعوية لشعب الله، وعليه أن يُطيع وصايا الله عند بلوغه سن الإدراك ويُسَمَّى ابن أو بنت الشريعة، أي صار ملتزمًا بأحكامها. عيد الختان المجيد.. تحتفل الكنيسة بتذكار ختان السيد المسيح له المجد، في اليوم الثامن من عيد الميلاد، كما جاء في الكتاب المقدس "ولما تمت ثمانية أيام ليختنوا الصبي سُمِّي يسوع كما تسمى من الملاك قبل أن حُبل به في البطن".. (لو21:2). وهو من الأعياد السيدية الصُّغرى. وكان يُسمى قديمًا بـ"الأوكتافي"، أي "اليوم الثامن"؛ توقيرًا من المؤمنين، واحترامًا وإجلالاً لشخص الختن "يسوع المسيح" ربنا.. لقد خضع السيد المسيح للناموس في جسده، إذ وُجد في الهيئة كإنسان "واذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب".. (في 2 : 8 ). لقد أكمل الناموس كما قال "لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل".. (مت 5 : 17). بخضوع المخلص لوصايا الناموس، وبإعطائه الكمال للوصايا في بُعدها الروحي، وأتمها عنا ليعتقنا من حرفية الناموس إلى روح الوصية، وبُعدها الروحي والأخلاقي، وليعتقنا من ثقل هذه الوصية كما يقول القديس بولس "إن يسوع المسيح قد صار خادم الختان من أجل صدق الله حتى يُثبِّت مواعيد الآباء".. (رو 15 : 8). المعمودية من الماء والروح... لقد اعتمد المخلص البار، ووضع لنا طريق البنوة والدخول في رعوية شعب الله والولادة الجديدة من الماء والروح لنكون له أبناء وبنات بالتبني كما قال الرب: "مَن آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن".. (مر 16 : 16)؛ لأنه لابد أن نولد من فوق بالماء والروح القدس لنصير أبناء الله بالتبني "أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يُولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله".. (يو 3 : 5)؛ ولهذا يقول الرسول بولس "وبه أيضًا خُتنتُ".. القمص أفرايم الأنبا بيشوي
المزيد
14 يناير 2019

ثانياً: عيد الختان

أما بخصوص زمن التعييد لهذه المناسبة المقدَّسة، فالمعروف أنه كان مرتبطاً بعيد الميلاد ارتباطاً جوهريًّا، بحيث لم توافق الكنيسة منذ البدء على أن تخصِّص له عيداً منفصلاً عن الميلاد. وزمن عيد الميلاد لم تحدِّده الكنائس كلها في زمن واحد. فمعروف أن كنيسة روما في الغرب كانت تُمارس عيد الميلاد، وربما عيد الختان منذ زمن بعيد، كما يقول العلامة ترتليانوس، إذ عَثَرَ عُلماؤها في القرون الأُولى على أرشيف الحوادث المدنية التي حوت ذكر حوادث الاكتتاب أيام أوغسطس قيصر، وفيها اسم يسوع ونسبه وميعاد ميلاده وخلافه، والتي منها استدلَّت الكنيسة على ميعاد ميلاد المخلِّص، وبالتالي حدَّدت زمن عيد الميلاد والختان: [أو كيف يُسمح للمسيح أن يدخل إلى المجمع إذا كان غير معروف سابقاً أو كان ظهوره مفاجئاً ولا يُعرف من أي سبط هو ومن أي بلدٍ ومَنْ هي عائلته؟ وأخيراً تسجيله في الاكتتاب الذي عمله أوغسطس قيصر، وهو الشاهد الصادق على ميلاد الرب، المحفوظ في أرشيف روما. كذلك وبكل تأكيد كان هناك شهود يتذكَّرون إن كان قد اختتن على أيديهم أم لا حتى يُسمح له بالدخول إلى أماكنهم المقدَّسة.]([6]) ويؤكِّد هذه الحقيقة القديس يوحنا ذهبي الفم في عظته التي ألقاها في 25 ديسمبر سنة 376م، حيث يُعلن فيها ضمناً بدء ممارسة كنيسة أنطاكية لعيد الميلاد منفرداً عن عيد الغطاس، اعتماداً على مراسلات جرت له مع كنيسة روما التي كانت قد سبقت أنطاكية في تحديد زمن العيد بوقت كثير. يقول القديس يوحنا ذهبي الفم: [والحقيقة أنه لم يمضِ حتى الآن سوى عشر سنوات منذ أن تعرَّفنا بوضوح على هذا اليوم (يوم الميلاد 25 ديسمبر). وبالرغم من ذلك، ها هوذا قد ازدهر هذا اليوم وانتشر بسبب غيرتكم وكأنه قد تسلَّم لنا منذ البدء. وهكذا لا يخطئ الإنسان لو هو قال إن هذا العيد جديد وقديم معاً، جديد لأننا هوذا قد عرفناه حديثاً، وقديم لأنه هكذا اكتسب مساواة مع الأعياد القديمة ... وهذا اليوم كان معروفاً منذ البدء عند رجال الغرب، غير أنه وصلنا أخيراً منذ مدة وجيزة فقط ... (وهنا يبدأ يوحنا يقص قصة الأرشيف المدني في روما كمصدر تعرف منه رجال الكنيسة على هذا اليوم) ... ومن هؤلاء الذين كانت لديهم معلومات دقيقة عن الموضوع في روما قد تسلَّمنا بدورنا تحديد هذا اليوم، لأن قاطني هذه المدينة كانوا متمسِّكين بهذا اليوم منذ البدء، ومن التقليد القديم، وهم الذين أرسلوا لنا هذه المعلومات]. أما في كنيسة مصر، فنستقي تحديد بدء عيد الميلاد (ومعه عيد الختان) من مصادر متعددة، وأهمها الآتي: أولاً: الدسقولية (أي تعاليم الرسل) وهي من مدونات القرن الثالث: 18: [يا إخوتنا تحفَّظوا في يوم الأعياد التي هي عيد ميلاد الرب، وأكملوه في اليوم الخامس والعشرين من الشهر التاسع الذي للعبرانيين، الذي هو اليوم التاسع والعشرون في الشهر الرابع الذي للمصريين. ومن بعد هذا الإبيفانيا، فليكن عندكم جليلاً لأن فيه بدأ الرب أن يظهر لاهوتيته في معموديته في الأردن من يوحنا. واعملوه في اليوم السادس من الشهر العاشر الذي للعبرانيين الذي هو الحادي عشر من الشهر الخامس الذي للمصريين. وليتقرَّب في الميلاد والغطاس ليلاً لا لكراهية الصوم بل لتمجيد العيد]. ويُلاحَظ هنا أنه ذكر كلمة ”يوم الأعياد“، مما يفيد أنه في يوم واحد كان يُقام عيد للميلاد والغطاس معاً. كذلك فإن تشابه العيدين في طقسهما المسائي يوحي بذلك. ثانياً: القديس أثناسيوس الرسولي: وينقل عنه العالِم كوتيلييه من إحدى مخطوطاته التي لم يُذكر اسمها قول أثناسيوس: [لأن ربنا يسوع المسيح وُلِدَ من العذراء القديسة مريم في بيت لحم في 29 من شهر كيهك، بحسب المصريين، في الساعة السابعة، الموافق الثامن من يناير.]([7]) ثالثاً: من كلمندس الإسكندري، حيث يبدو كلمندس متردِّداً في قبوله: [والأمر العجيب أنه توجد جماعات حدَّدت بالفعل سنة ميلاد الرب وأيضاً اليوم الذي وُلِدَ فيه المخلِّص وهي السنة الثامنة والعشرون لأوغسطس قيصر، في اليوم الخامس والعشرين في الشهر التاسع([8]) (ديسمبر) (الموافق 28 كيهك). كذلك نعلم أن أتباع باسيليدس يعيِّدون أيضاً ليوم عماده، ويمضون الليل كله ساهرين في القراءات، ويقولون إن عماد الرب كان في السنة الخامسة عشر لسلطنة طيباريوس قيصر، في اليوم الخامس عشر من شهر طوبة.]([9]) وهكذا تأتينا هذه الأخبار المبكِّرة جدًّا بخصوص تعييد العيدين: الميلاد والغطاس، كل بمفرده في مصر، ولكن ليس مؤكَّداً إن كان هذا من قبل الكنيسة الرسمية الأرثوذكسية الجامعة. ولكن الإشارة هنا إلى أن تعييد العماد بمفرده كان لبعض الجماعات المنشقة مثل باسيليدس. رابعاً: عن كاسيان: سنة 360 - 450م: ثم يعود كاسيان ويؤكِّد لنا أن الكنيسة في مصر كلها كانت لا تزال في أيامه تعيد لعيد الميلاد والغطاس معاً في عيد الإبيفانيا، حيث تأتي كلمة ”الإبيفانيا“ بصيغة الجمع، أي تشمل عدَّة ظهورات: ( أ ) الظهور في الجسد «الله ظهر في الجسد». (ب) ظهور النجم للمجوس، وهو إشارة إلى استعلان الله للأُمم. ( ج ) استعلان بنوَّته لله في العماد بصوت السماء. ( د ) استعلان لاهوته بمعجزة قانا الجليل. [وفي إقليم مصر، هذه العادة قديمة بالتقليد حيث يراعى أنه بعد عبور ”الإبيفانيا“ التي يعتبرها الكهنة في هذا الإقليم الزمن الخاص بمعمودية الرب، وأيضاً ميلاده بالجسد، وهكذا يعيِّدون لكلا التذكارين أي لكلا ”السرّين“، ولا يعيِّدونهما منفصلين كما هو في أقاليم الغرب. ولكن في عيد واحد في هذا اليوم.]([10]) ونفس هذه الحقائق يسجِّلها إبيفانيوس أسقف قبرص. والمعروف لدى العلماء أن أول مَنْ عيَّد ”الإبيفانيا“ للميلاد والغطاس معاً هي كنيسة الإسكندرية منذ العصر الرسولي، ويُقال إن هذا التقليد مسلَّم للكنيسة من القديس يعقوب أخي الرب. ومنها انتقلت إلى روما والغرب. وهناك حدث في الربع الأخير من القرن الرابع، انفصال العيدين، وعيَّدت كنائس الغرب للميلاد في 25 ديسمبر. ومن الأمور الطريفة أن في عيد الغطاس عند الغرب، لا تزال الكنيسة هناك تحتفظ بتذكار زيارة المجوس!!([11]) كذلك من الأمور الطريفة أن الغرب احتفظ باسم عيد ”الإبيفانيا“ في نطقه اليوناني، أما الميلاد فبنطقه اللاتيني؛ مما يفيد أن عيد الإبيفانيا مأخوذ بطقسه واسمه من الشرق، أما التعييد للميلاد منفرداً عن الغطاس فهو من ترتيب الغرب. خامساً: البابا الإسكندري تيموثاوس الأول (378 - 384م): يسجِّل لنا المؤرِّخ جناديوس في كتابه عن التاريخ الكنسي، أن البابا الإسكندري تيموثاوس هذا ألَّف كتاباً على ميلاد ربنا بحسب الجسد. ويظن المؤرِّخ أنه كُتب أو قُرئ في عيد الإبيفانيا([12]). ومن هذه الإشارة يبدو واضحاً أن كنيسة الإسكندرية كانت تعيِّد للميلاد متميِّزاً عن الغطاس، ولو أن ذلك كان في يوم واحد وعيداً واحداً، وكانا يُسميان معاً بالإبيفانيا. ويُعتبر هذا الكتاب الذي ألَّفه تيموثاوس بابا الإسكندرية الثاني والعشرون عن الميلاد أول مؤلَّف كنسي عن الميلاد قاطبة. وهكذا كما ابتدأ الميلاد يأخذ مجاله المتميِّز كعيد قائم بذاته منذ القرن الثاني في مصر، هكذا ابتدأ عيد الختان يأخذ وضوحه المتميِّز معه جيلاً بعد جيل؛ لأن الكنيسة بدأت تهتم بتسجيل كل حوادث الإنجيل مبكِّراً جدًّا، فنحن نقرأ للقديس مار أفرآم السرياني (الذي تنيَّح سنة 373م) تحديده أيضاً لعيد البشارة هكذا: [لأن في العاشر من مارس كان الحبل به وفي السادس من يناير كان ميلاده.]([13]) سادساً: البابا كيرلس الكبير عمود الدين (412 - 444م)، والأسقف بولس من ”أميسا“: مذكور في تسجيلات مجمع أفسس سنة 431م، أن الأسقف بولس من أميسا ألقى عظة في حضور البابا كيرلس الكبير الإسكندري عن ميلاد ربنا يسوع المسيح، حدَّد فيها ميلاد المسيح باليوم التاسع والعشرين من شهر كيهك (الذي كان يوافق 25 ديسمبر)([14]). وعنوان العظة كالآتي: [عظة لبولس أسقف أميسا ألقاها في اليوم التاسع والعشرين لشهر كيهك في الكنيسة العظمى بالإسكندرية بحضرة المطوب كيرلس على ميلاد ربنا ومخلِّصنا يسوع المسيح]. ومن هذه العظة يتضح أن عيد الميلاد كان له وجود مستقل عن عيد الغطاس في زمن كيرلس الكبير! وكان قد تحدَّد له يوم معيَّن خلاف يوم الإبيفانيا. ولكن المعروف أن هذا تم بحذر شديد، لأن التقليد المألوف الجاري في الكنيسة كان يعتبر أن عيدي الميلاد والغطاس يكوِّنان مفهوماً واحداً ”لطبيعة الله الكلمة المتجسِّد“. كذلك فمجرد تقسيم العيدين يُعتبر تقسيماً لمفهوم طبيعة المسيح، الأمر الذي أثار حفيظة شعب القسطنطينية عندما أجرى غريغوريوس النـزينـزي (اللاهوتي) هذا التقسيم وجعل الميلاد منفصلاً عن الغطاس، فهاج الشعب محتجاً معتبراً ذلك إساءة لمفهوم لاهوت المسيح. تحديد عيد الختان: ومن الأمور الثابتة في الكنيسة أن الإشارة إلى عيد الختان كانت قديمة في الكنيسة، وكانت تستتر تحت كلمة ”الأوكتاف Octave“ أي ”الثامن“، وهو اليوم الثامن من بعد الميلاد، أي الموافق للختان. وقد اختير هذا الاصطلاح تحشُّماً واحتراماً لجلال المختتن. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكنيسة كانت تعتبر الختان مكمِّلاً للميلاد، فلا يصح أن يُعيَّد للختان عيداً منفصلاً عن الميلاد، فأضافت ”اليوم الثامن“ أي ”الأوكتاف“ إلى عيد الميلاد بالرغم من إقامة تذكاره في يوم آخر غير يوم الميلاد. وهذا الأمر سبق أن لاحظناه أيضاً في تمسُّك الكنيسة بالجمع بين عيدي الميلاد والغطاس معاً، باعتبارهما يكوِّنان مفهوماً واحداً لمسيح واحد مولود في بيت لحم وفي الأزلية، بحيث لا يمكن فصل ميلاده في بيت لحم عن ميلاده الأزلي. وقد ظلَّ هذا الاصطلاح ”الأوكتاف“ معمولاً به في الكنيسة مدَّة طويلة، حيث بدأ قليلاً قليلاً يأخذ اسمه الطقسي ”عيد الختان“ بوضوح. ومن قراءات اليوم الثامن من بعد الميلاد، تظهر الفصول الخاصة بختانة المسيح، وذلك في أقدم القطمارسات أما أقدم وثيقة في الكنيسة بلغت إلى علمنا حتى الآن، فهي تحمل عظة عن ”عيد الختان“، وهي من أعمال ”زينو“ أسقف فيرونا من القرن الرابع([15])، قيلت في ”أوكتاف“ الميلاد، أي في اليوم الثامن من الميلاد. المتنيح القمص متى المسكين
المزيد

العنوان

‎71 شارع محرم بك - محرم بك. الاسكندريه

اتصل بنا

03-4968568 - 03-3931226

ارسل لنا ايميل